- تنزيه الأنبياء عليهم السلام - الشريف المرتضى  ص 72 :

يوسف بن يعقوب عليهما السلام ( 1 )
تنزيه يوسف عن الصبر على الاستعباد :

( مسألة ) : فإن قيل : كيف صبر يوسف عليه السلام على العبودية ، ولم لم ينكرها ويبرأ من الرزق ، وكيف يجوز على النبي الصبر على أن يستعبد ويسترق ؟

( الجواب ) : قيل له : إن يوسف عليه السلام في تلك الحال لم يكن نبيا على ما قاله كثير من الناس ، ولما خاف على نفسه القتل جاز أن يصبر على الاسترقاق . ومن ذهب إلى هذا الوجه يتناول قوله تعالى : ( وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَـذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ) ( 2 ) . على أن الوحي لم يكن في تلك الحال ، بل كان في غيرها . ويصرف ذلك إلى الحال المستقبلة المجمع على أنه كان فيها نبيا .

ووجه آخر : وهو أن الله تعالى لا يمتنع أن يكون أمره بكتمان أمره والصبر على مشقة العبودية امتحانا وتشديدا في التكليف ، كما امتحن أبويه إبراهيم وإسحق عليهما السلام ، أحدهما بنمرود ، والآخر بالذبح .

 

( 1 ) قصص الأنبياء ص 120 و 138 - 144

( 2 ) يوسف الآية 15 ( * )  
 

- ص 73 -

ووجه آخر : وهو أنه يجوز أن يكون قد خبرهم بأنه غير عبد ، وأنكر عليهم ما فعلوا من استرقاقه ، إلا أنهم لم يسمعوا منه ولا أصغوا إلى قوله ، وإن لم ينقل ذلك . فليس كل ما جرى في تلك الأزمان قد اتصل بنا .

ووجه آخر : وهو أن قوما قالوا أنه خاف القتل ، فكتم أمر نبوته وصبر على العبودية .
وهذا جواب فاسد لأن النبي ( ع ) لا يجوز أن يكتم ما أرسل به خوفا من القتل ، لأنه يعلم أن الله تعالى لم يبعثه للأداء إلا وهو عاصم له من القتل حتى يقع الأداء وتسمع الدعوة ، وإلا لكان ذلك نقضا للغرض .

( مسألة ) : فإن قيل : فما تأويل قوله تعالى حاكيا عن يوسف عليه السلام وامرأة العزيز ( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) ( 1 ) .

( الجواب ) : إن الهم في اللغة ينقسم إلى وجوه : منها العزم على الفعل كقوله تعالى : ( إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ ) ( 2 ) أي أرادوا ذلك وعزموا عليه .
قال الشاعر : هممت ولم أفعل وكدت وليتني * تركت على عثمان تبكي حلائله
ومثله قول الخنساء : وفضل مرداسا على الناس حلمه * وإن كل هم همه فهو فاعله
ومثله قول حاتم الطائي : ولله صلعوك يساور همه * ويمضي على الأيام والدهر مقدما ومن وجوه الهم ، خطور الشئ بالبال وإن لم يقع العزم عليه .
قال الله

 

( 1 ) يوسف الآية 24

( 2 ) المائدة الآية 11 ( * )  
 

- ص 74 -

تعالى : ( إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا ) ( 1 ) وإنما أراد تعالى أن الفشل خطر ببالهم ، ولو كان الهم في هذا المكان عزما ، لما كان الله تعالى ولا هما لأنه تعالى يقول : ( وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) ( 2 ) وإرادة المعصية ، والعزم عليها معصية .

وقد تجاوز ذلك قوم حتى قالوا إن العزم على الكبيرة كبيرة وعلى الصغيرة صغيرة وعلى الكفر كفر .
ولا يجوز أن يكون الله تعالى ولي من عزم على الفرار عن نصرة نبيه صلى الله عليه وآله وإسلامه إلى السوء ، ومما يشهد أيضا بذلك قول كعب بن زهير :
فكم فيهم من سيد متوسع * ومن فاعل للخير إن هم أو عزم ففرق كما ترى بين الهم والعزم .
وظاهر التفرقة قد يقتضي اختلاف المعنى .
ومن وجوه الهم أن يستعمل بمعنى المقاربة ، فيقولون هم بكذا وكذا أي كاد أن يفعله .

قال ذو الرمة : أقول لمسعود بجرعاء مالك * وقد هم دمعي أن يلج أوائله والدمع لا يجوز عليه العزم ، وإنما أراد أنه كاد وقرب .
وقال أبو الأسود الدؤلي : وكنت متى تهمم يمينك مرة * لتفعل خيرا تقتفيها شمالكا
وعلى هذا خرج قوله تعالى جدارا يريد أن ينقض أي يكاد .
قال الحارثي : يريد الرمح صدر أبي براء * ويرغب عن دماء بني عقيل

 

( 1 ) آل عمران 122

( 2 ) الأنفال الآية 16 ( * )  
 

- ص 75 -

ومن وجوه الهم الشهوة وميل الطباع ، لأن الانسان قد يقول فيما يشتهيه ويميل طبعه إليه : ليس هذا من همي وهذا أهم الأشياء إلي . والتجوز باستعمال الهمة مكان الشهوة ظاهر في اللغة .

وقد روي هذا التأويل عن الحسن البصري قال : أما همها فكان أخبث الهم ، وأما همه ( ع ) فما طبع عليه الرجال من شهوة النساء . فإذا كانت وجوه هذه اللفظة مختلفة متسعة على ما ذكرناه نفينا عن نبي الله ما لا يليق به وهو العزم على القبيح ، وأجزنا باقي الوجوه لأن كل واحد منها يليق بحاله .

فإن قيل : فهل يسوغ حمل الهم في الآية على العزم والإرادة ؟ ويكون مع ذلك لها وجه صحيح يليق بالنبي ( ع ) ؟ .
قلنا
: نعم ، متى حملنا الهم ههنا على العزم ، جاز أن نعلقه بغير القبيح ويجعله متناولا لضربها أو دفعها عن نفسه ، كما يقول القائل : قد كنت هممت بفلان ، أي بأن أوقع به ضربا أو مكروها .

تنزيه يوسف عن العزم على المعصية :

فإن قيل : فأي فائدة على هذا التأويل في قوله تعالى : ( لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ) والدفع لها عن نفسه طاعة لا يصرف البرهان عنها ؟ .

قلنا : يجوز أن يكون لما هم بدفعها وضربها ، أراه الله تعالى برهانا على أنه إن أقدم على من هم به أهلكه أهلها وقتلوه ، أو أنها تدعي عليه المراودة على القبيح ، وتقذفه بأنه دعاها إليه وضربها لامتناعها منه ، فأخبر الله تعالى أنه صرف بالبرهان عنه السوء والفحشاء اللذين هما القتل والمكروه ، أو ظن القبيح به أو اعتقاده فيه .

فإن قيل : هذا الجواب يقضي لفظة ( لولا ) يتقدمها في ترتيب

- ص 76 -

الكلام ، ويكون التقدير لولا أن رأى برهان ربه لهم بضربها ، وتقدم جواب ( لولا ) قبيح ، أو يقتضي أن يكون ( لولا ) بغير جواب .

قلنا : أما جواب ( لولا ) فجائز مستعمل ، وسنذكر ذلك فيما نستأنفه من الكلام عند الجواب المختص بذلك ، ونحن غير مفتقرين إليه في جوابنا هذا ، لأن العزم على الضرب والهم به قد وقع ، إلا أنه انصرف عنه بالبرهان الذي رآه ، ويكون تقدير الكلام وتلخيصه : " ولقد همت به وهم بدفعها لولا أن رأى برهان ربه لفعل ذلك " .

فالجواب المتعلق بلولا محذوف في الكلام ، كما يحذف الجواب في قوله تعالى : ( وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّه رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ) ، معناها : ولولا فضل الله عليكم ورحمته ، وأن الله رؤوف رحيم لهلكتم ، ومثله ( كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ) ( 1 ) معناها لو تعلمون علم اليقين لم تتنافسوا في الدنيا ولم تحرصوا على حطامها .

وقال امرؤ القيس : فلو أنها نفس تموت سوية * ولكنها نفس تساقط أنفسا أراد فلو أنها نفس تموت سوية لتقضت وفنيت ، فحذف الجواب تعويلا على أن الكلام يقتضيه ويتعلق به . على أن من حمل هذه الآية على الوجه الذي لا يليق بنبي الله ، وأضاف العزم على المعصية إليه ، لا بد له من تقدير جواب محذوف .
ويكون التقدير على تأويله : ولقد همت بالزنى وهم بمثله ، لولا أن رأى برهان ربه لفعله .

فإن قيل : متى علقتم العزم في الآية والهم بالضرب أو الدفع كان ذلك مخالفا للظاهر .

 

( 1 ) التكاثر 5 - 6 ( * )

 
 

- ص 77 -

قلنا : ليس الأمر على ما ظنه هذا السائل ، لأن الهم في هذه الآية متعلق بما لا يصح أن يتعلق به العزم والإرادة على الحقيقة ، لأنه تعالى قال : ( ولقد همت به وهم بها ) فتعلق الهم في ظاهر الكلام بذواتهما ، والذات الموجودة الباقية لا يصح أن تراد ويعزم عليها ، فلا بد من تقدير أمر محذوف يتعلق العزم به مما يرجع إليهما ويختصان به ورجوع الضرب والدفع إليهما كرجوع ركوب الفاحشة فلا ظاهر للكلام يقتضي خلاف ما ذكرناه ، ألا ترى أن القائل إذا قال : قد هممت بفلان فظاهر الكلام يقتضي تعلق عزمه وهمه إلى أمر يرجع إلى فلان ، وليس بعض الأفعال بذلك أولى من بعض ، فقد يجوز أن يريد أنه هم بقصده أو بإكرامه أو بإهانته أو غير ذلك من ضروب الأفعال ، على أنه لو كان للكلام ظاهر يقتضي خلاف ما ذكرناه ، وإن كنا قد بينا أن الأمر بخلاف ذلك لجاز أن نعدل عنه ونحمله على خلاف الظاهر ، للدليل العقلي الدال على تنزيه الأنبياء عليهم السلام عن القبائح .

فإن قيل : الكلام في قوله تعالى : ( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا ) خرج مخرجا واحدا . فلم جعلتم همها به متعلقا بالقبح ؟ وهمه بها متعلقا بالضرب والدفع على ما ذكرتم ؟

قلنا : أما الظاهر ، فلا يدل الأمر الذي تعلق به الهم والعزم منهما جميعا ، وإنما أثبتنا همها به متعلقا بالقبيح لشهادة الكتاب ، والآثار بذلك .
وهى ممن يجوز عليها فعل القبيح ، ولم يؤمن دليل ذلك من جوازه عليها كما أمن ذلك فيه ( ع ) ، والموضع إلى يشهد بذلك من الكتاب قوله تعالى : ( وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ) ( 1 ) وقوله تعالى : ( وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ ) ( 2 ) وقوله تعالى حاكيا عنها (
الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن

 

( 1 ) يوسف الآية 30

( 2 ) يوسف الآية 23 ( * )  
 

- ص 78 -

نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ) ( 1 ) وفي موضع آخر : ( قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ ) . ( 2 ) والآثار واردة بإطباق مفسري القرآن ومتأوليه ، على أنها همت بالمعصية والفاحشة ، وأما هو عليه السلام فقد تقدم من الأدلة العقلية ما يدل على أنه لا يجوز أن يفعل القبيح ولا يعزم عليه .
وقد استقصينا ذلك في صدر هذا الكتاب .

فأما ما يدل من القرآن ، على أنه عليه السلام ما هم بالفاحشة ولا عزم عليها فمواضع كثيرة منها قوله تعالى : ( كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء ) ( 3 ) وقوله تعالى ( ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ) ( 4 ) ولو كان الأمر كما قال الجهال من جلوسه منها مجلس الخائن وانتهائه إلى حل السراويل وحوشي من ذلك ، لم يكن السوء والفحشاء منصرفين عنه ، ولكان خائنا بالغيب ، وقوله تعالى حاكيا عنها : ( وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ ) ( 5 )

وفي موضع آخر : ( أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ) وقول العزيز لما رأى القميص قد من دبر ( إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ) ( 6 ) فنسب الكيد إلى المرأة دونه ، وقوله تعالى حاكيا عن زوجها لما وقف على أن الذنب منها وبراءة يوسف ( ع ) منه : ( يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ ) ( 7 ) وعلى مذهبهم الفاسد أن كل واحد منهما مخطئ فيجب أن يستغفر فلم اختصت بالاستغفار دونه ، وقوله تعالى حاكيا عنه : ( رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ

 

( 1 ) يوسف الآية 51
( 2 ) يوسف الآية 32

( 3 ) يوسف 24
( 4 ) يوسف 52
( 5 ) يوسف 32
( 6 ) يوسف 28
( 7 ) يوسف 29 ( * )  
 

- ص 79 -

فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) ( 1 ) فالاستجابة تؤذن ببراءته من كل سوء ، وتنبئ أنه لو فعل ما ذكروه لكان قد يصرف عنه كيدهن .

وقوله تعالى : ( قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ ) ( 2 ) والعزم على المعصية من أكبر السوء ، وقوله تعالى حاكيا عن الملك : ( ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ ) ( 3 ) ولا يقال ذلك فيمن فعل ما أدعوه عليه .

فإن قيل : فأي معنى لقول يوسف : ( وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) ( 4 ) .

قلنا : إنما أراد الدعاء والمنازعة والشهوة ولم يرد العزم على المعصية ، وهو لا يبرئ نفسه مما لا تعرى منه طباع البشر . وفي ذلك جواب آخر اعتمده أبو علي الجبائي واختاره ، وإن كان قد سبق إليه جماعة من أهل التأويل وذكروه ، وهو أن هذا الكلام الذي هو " وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء " إنما هو من كلام المرأة لا من كلام يوسف عليه السلام .

واستشهدوا على صحة هذا التأويل بأنه منسوق على الكلام المحكي عن المرأة بلا شك . ألا ترى أنه تعالى قال : ( قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ ( 5 ) أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ * وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ) ( 6 ) فنسق الكلام على كلام المرأة وعلى هذا التأويل يكون التبرؤ من الخيانة الذي هو ذلك " لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ " من كلام المرأة لا من كلام يوسف ( ع ) ويكون المكنى عنه في قولها ( أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ) هو

 

( 1 ) يوسف 33 - 34
( 2 ) يوسف 51

( 3 ) يوسف 54
( 4 ) يوسف 53
( 5 ) حصحص الحق : بأن بعد كتمانه
( 6 ) يوسف الآية 51 - 53 ( * )
 
 

- ص 80 -

يوسف ( ع ) دون زوجها ، لأن زوجها قد خانته في الحقيقة بالغيب ، وإنما أرادت أني لم أخن يوسف ( ع ) وهو غائب في السجن ، ولم أقل فيه لما سئلت عنه وعن قصتي معه إلا الحق ، ومن جعل ذلك من كلام يوسف ( ع ) جعله محمولا على إني لم أخن العزيز في زوجته بالغيب ، وهذا الجواب كأنه أشبه بالظاهر ، لأن الكلام معه لا ينقطع عن اتساقه وانتظامه .

فإن قيل : فأي معنى لسجنه إذا كان عند القوم متبرئا من المعصية متنزها عن الخيانة .

قلنا : قد قيل إن العلة في ذلك الستر على المرأة والتمويه والكتمان لأمرها حتى لا تفتضح وينكشف أمرها لكل أحد ، والذي يشهد بذلك قوله تعالى : ( ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ) ( 1 )

وجواب آخر في الآية على أن الهم فيها هو العزم ، وهو أن يحمل الكلام على التقديم والتأخير ، ويكون تلخيصه " ولقد همت به ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها " ويجري ذلك مجرى قولهم : قد كنت هلكت لولا أن تداركتك ، وقتلت لولا أني قد خلصتك .

والمعنى لولا تداركي لهلكت ولولا تخليصي لقتلت ، وإن لم يكن وقع في هلاك ولا قتل .
قال الشاعر : ولا يدعنى قومي صريخا لحرة * لئن كنت مقتولا ويسلم عامر
وقال الآخر : فلا يدعنى قومي ليوم كريهة * لئن لم اعجل طعنه أو اعجل فقدم جواب لئن في البيتين جميعا .

وقد استبعد قوم تقديم جواب لولا عليها ، وقالوا لو جاز ذلك لجاز قولهم ، قام زيد لولا عمرو ، وقصدتك لولا بكر .
وقد بينا بما أوردناه من الأمثلة والشواهد جواز تقديم جواب لولا ، وأن القائل قد يقول قد كنت قمت لولا كذا وكذا ، وقد كنت قصدتك لولا أن

 

( 1 ) يوسف الآية 35 ( * )

 
 

- ص 81 -

صدني فلان ، وإن لم يقع قيام ولا قصد . وهذا هو الذي يشبه الآية دون ما ذكروه من المثال . وبعد ، فإن في الكلام شرطا وهو قوله تعالى : ( لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ) ، فكيف يحمل على الإطلاق مع حصول الشرط ؟ فليس لهم أن يجعلوا جواب لولا محذوفا ، لأن جعل جوابها موجودا أولى . وليس تقديم جواب لولا بأبعد من حذفه جملة من الكلام . وإذا جاز عندهم الحذف لئلا يلزم تقديم الجواب جاز لغيرهم تقديم الجواب حتى لئن لا يلزم الحذف .

فإن قيل : فما البرهان الذي رآه يوسف عليه السلام حتى انصرف لأجله عن المعصية ، وهل يصح أن يكون البرهان ما روي من أن الله تعالى أراه صورة أبيه يعقوب ( ع ) عاضا على إصبعه متوعدا له على مقاربة المعصية ، أو يكون ما روي من أن الملائكة نادته بالنهي والزجر في الحال فانزجر .

قلنا : ليس يجوز أن يكون البرهان الذي رآه فانزجر به عن المعصية ما ظنه العامة من الأمرين اللذين ذكرناهما ، لأن ذلك يفضي إلى الإلجاء وينافي التكليف ويضاد المحنة ، ولو كان الأمر على ما ظنوه لما كان يوسف عليه السلام يستحق بتنزيهه عما دعته إليه المرأة من المعصية مدحا ولا ثوابا ، وهذا من أقبح القول فيه ( ع ) ، لأن الله تعالى قد مدحه بالامتناع عن المعصية وأثنى عليه بذلك فقال تعالى : ( كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) ، فأما البرهان ، فيحتمل أن يكون لطفا لطف الله تعالى به في تلك الحال أو قبلها ، فاختار عنده الامتناع من المعاصي والتنزه عنها ، وهو الذي يقتضي كونه معصوما لأن العصمة هي ما اختير ( ما اختار ) عنده من الألطاف ، التنزه عن القيح والامتناع من فعله .

ويجوز أن يكون معنى الرؤية ههنا بمعنى العلم ، كما يجوز أن يكون بمعنى الادراك ، لأن كلا الوجهين يحتمله القول .

- ص 82 -

وذكر آخرون : إن البرهان ههنا إنما هو دلالة الله تعالى ليوسف ( ع ) على تحريم ذلك الفعل ، وعلى أن من فعله استحق العقاب لأن ذلك أيضا صارف عن الفعل ومقو لدواعي الامتناع منه وهذا أيضا جايز .

تنزيه يوسف عن محبة المعصية :

( مسألة ) : فإن قيل : كيف يجوز أن يقول يوسف ( ع ) : ( رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ) ، ونحن نعلم أن سجنهم له معصية ومحنة ، كما أن ما دعوه إليه معصية ، ومحبة المعصية عند كم لا تكون إلا قبيحة .

( الجواب ) : قلنا : في تأويل هذه الآية جوابان : أحدهما : إنه أراد بقوله ( أَحَبُّ إِلَيَّ ) أخف علي وأسهل ، ولم يرد المحبة التي هي الإرادة على الحقيقة .
وهذا يجري مجرى أن يخير أحدنا بين الفعلين ينزلان به ويكرههما ويشقان ( 1 ) عليه ، فيقول في الجواب كذا أحب إلي ، وإنما يريد ما ذكرناه من السهولة والخفة .
والوجه الآخر : إنه أراد أن توطيني نفسي وتصبيري لها على السجن أحب إلي من مواقعة المعصية .

فإن قيل : هذا خلاف الظاهر لأنه مطلق وقد أضمرتم فيه .

قلنا : لا بد من مخالفة الظاهر ، لأن السجن نفسه لا يجوز أن يكون مرادا ليوسف ( ع ) ، وكيف يريده وإنما السجن البنيان المخصوص ، وإنما يكون الكلام ظاهره يخالف ما قلناه ، إذا قرأ : رب السجن ( بفتح السين ) وإن كانت هذه القراءة أيضا محتملة للمعنى الذي ذكرناه ، فكأنه أراد أن سجني نفسي عن المعصية أحب إلي من مواقعتها . فرجع معنى السجن إلى

 

( 1 ) ويشقان : بمعنى يثقلان

 
 

- ص 83 -

فعله دون أفعالهم ، وإذا كان الأمر على ما ذكرناه ، فليس للمخالف أن يضمر في الكلام أن كوني في السجن وجلوسي فيه أحب إلي ، بأولى ممن أضمر ما ذكرنا ، لأن كلا الأمرين يعود إلى السجن ويتعلق به .

فإن قيل : كيف يقول السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وهو لا يحب ما دعوه إليه على وجه من الوجوه ، ومن شأن هذه اللفظة أن تستعمل بين شيئين مشتركين في معناها .

قلنا : قد تستعمل هذه اللفظة فيما لا اشتراك فيه ، ألا ترى أن من خير بين ما يكرهه وما يحبه ساغ له أن يقول : هذا أحب إلي من هذا ، وإن يخير هذا أحب إلي من هذا ، إذا كان في محبته ، وإنما سوغ ذلك على أحد الوجهين دون الآخر ، لأن المخير بين الشيئين في الأصل لا يخير بينهما إلا وهما مرادان له أو مما يصح أن يريدهما .

فموضوع التخيير يقتضي ذلك ، وإن حصل فيما يخالف أصل موضوعه . ومن قال وقد خير بين شيئين لا يحب أحدهما : هذا أحب إلي ، إنما يكون مجيبا بما يقتضيه أصل الموضوع في التخيير ، ويقارب ذلك قوله تعالى ( قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ ) ( 1 ) ونحن نعلم أنه لا خير في العقاب ، وإنما حسن القول لوقوعه التقريع والتوبيخ على اختيار المعاصي على الطاعات .
وأنهم ما أثروها إلا لاعتقادهم أن فيها خيرا ونفعا . فقيل أذلك خير على ما تظنوه وتعتقدونه أم كذا وكذا ، وقد قال قوم في قوله تعالى : ( أَذَلِكَ خَيْرٌ ) : أنه إنما حسن لاشتراك الحالتين في باب المنزلة ، وإن لم يشتركا في الخير والنفع كما قال تعالى : ( خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا ) ( 2 ) ومثل هذا المعنى يتأتى في قوله : رب السجن أحب إلي ، لأن الأمرين يعني : المعصية ودخول السجن ،

 

( 1 ) الفرقان الآية 15

( 2 ) الفرقان 24 ( * )  
 

- ص 84 -

مشتركان في أن لكل منها داعيا وعليه باعثا ، وإن لم يكن مشتركا في تناول المحبة ، فجعل اشتراكهما في دواعي المحبة اشتراكا في المحبة نفسها ، وأجرى اللفظ على ذلك .

فإن قيل : كيف يقول وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن واكن من الجاهلين ؟ وعندكم أن امتناع القبيح منه ( ع ) ليس مشروط بارتفاع الكيد عنه بل هو ممتنع منه وإن وقع الكيد .

قلنا أنما أراد يوسف ( ع ) إنك متى لم تلطف بي لما تدعوني إلى مجانبة الفاحشة وتثبتني على تركها صبوت ، وهذا منه انقطاع إلى الله تعالى وتسليم لأمره ، وأنه لولا معونته ولطفه ما نجي من الكيد ، والكلام وإن تعلق في الظاهر بالكيد نفسه فقال ( ع ) ( وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ ) فالمراد به إلا تصرف عني ضرر كيدهن لأنهن إنما أجرين بالكيد إلى مساعدته لهن على المعصية ، فإذا عصم منها ولطف له في الانصراف عنها كان الكيد مصروفا عنه من حيث لم يقع ضرره ، وما أجري به إليه ، ولهذا يقال لمن أجرى بكلامه إلى غرض لم يقع ما قلت شيئا . ولمن فعل ما لا تأثير له : ما فعلت شيئا . وهذا بين والحمد الله تعالى .

تنزيه يوسف ( ع ) عن التعويل على غير الله :

( مسألة ) : فإن قيل : كيف يجوز على يوسف عليه السلام وهو نبي مرسل أن يعول في إخراجه من السجن على غير الله تعالى ويتخذ سواه وكيلا في ذلك ، في قوله للذي كان معه : ( اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ ) حتى وردت الروايات إن سبب طول حبسه ( ع ) إنما كان لأنه عول على غير الله تعالى ؟ .

( الجواب ) : قلنا : إن سجنه ( ع ) إذا كان قبيحا ومنكرا فعليه أن يتوصل إلى إزالته بكل وجه وسبب ، ويتشبث إليه بكل ما يظن أنه يزيله عنه ، ويجمع فيه بين الأسباب المختلفة ، فلا يمتنع على هذا أن يضم إلى دعائه

- ص 85 -

الله تعالى ورغبته إليه في خلاصه من السجن أن يقول لبعض من يظن أنه سيؤدي قوله : ( أذكرني ونبه على خلاصي ) وإنما القبيح أن يدع التوكل ويقتصر على غيره فإما أن يجمع بين التوكل والأخذ بالحزم فهو الصواب الذي يقتضيه الدين والعقل . ويمكن أيضا أن يكون الله تعالى أوحى إليه بذلك وأمره بأن يقول للرجل ما قاله .

تنزيه يوسف عن إلحاق الأذى بأبيه :

( مسألة ) : فإن قيل : فما الوجه في طلب يوسف ( ع ) أخاه من إخوته ثم حبسه له عن الرجوع إلى أبيه مع علمه بما يلحقه عليه من الحزن ، وهل هذا إلا إضرارا به وبأبيه ؟ .

( الجواب ) : قلنا : الوجه في ذلك ظاهر لأن يوسف ( ع ) لم يفعل ذلك إلا بوحي من الله إليه ، وذلك امتحان منه لنبيه يعقوب عليه السلام وابتلاء لصبره ، وتعريض للعالي من منزلة الثواب ، ونظير لك امتحانه له ( ع ) بأن صرف عنه خبر يوسف ( ع ) طول تلك المدة حتى ذهب بالبكاء عليه ، وإنما أمرهم يوسف ( ع ) بأن يلطفوا بأبيهم في إرساله من غير أن يكذبوه ويخدعوه .

فإن قيل : أليس قد قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون ، والمراودة هي الخداع والمكر .

قلنا : ليس المراودة ما ظننتم ، بل هي التلطف والتسبب والاحتيال ، وقد يكون ذلك من جهة الصدق والكذب جميعا ، فإنما أمرهم بفعله على أحسن الوجوه فإن خالفوه فلا لوم إلا عليهم .

تنزيه يوسف عن الكذب وتهمة إخوته :

( مسألة ) : فإن قيل : فما معنى جعل السقاية في رحل أخيه وذلك

- ص 86 -

تعريض منه لأخيه بالتهمة ، ثم إن أذن مؤذنه ونادى بأنهم سارقون ولم يسرقوا على الحقيقة ؟ .

( الجواب ) : قلنا : أما جعله السقاية في رحل أخيه ، فالغرض فيه التسبب إلى احتباس أخيه عنده ، ويجوز أن يكون ذلك بأمر الله تعالى ، وقد روي أنه ( ع ) أعلم أخاه بذلك ليجعله طريقا إلى التمسك به ، فقد خرج على هذا القول من أن يكون مدخلا على أخيه غما وترويعا بما جعله من السقاية في رحله ، وليس بمعرض له للتهمة بالسرقة ، لأن وجود السقاية في رحله يحتمل وجوها كثيرة غير السرقة ، وليس يجب صرفه إليها إلا بدليل .

وعلى من صرف ذلك إلى السرقة من غير طريق اللوم في تقصيره وتسرعه ، ولا ظاهر أيضا لوجود السقاية في الرحل يقتضي السرقة ، لأن الاشتراك في ذلك قائم ، وقرب هذا الفعل من سائر الوجوه التي يحتملها على حد واحد . فأما نداء المنادي بأنهم سارقون فلم يكن بأمره ( ع ) ، وكيف يأمر بالكذب وإنما نادى بذلك أحد القوم لما فقدوا الصواع ، وسبق إلى قلوبهم أنهم سرقوه ، وقد قيل إن المراد بأنهم سارقون أنهم سرقوا يوسف ( ع ) من أبيه وأوهموه أنهم يحفظونه فضيعوه ، فالمنادي صادق على هذا الوجه ، ولا يمتنع أن يكون النداء بإذنه ( ع ) .

غير أن ظاهر القصة واتصال الكلام بعضه ببعض يقتضي أن يكون المراد بالسرقة سرقة الصواع الذي تقدم ذكره وأحسوا فقده ، وقد قيل إن الكلام خارج مخرج الاستفهام ، وإن كان ظاهره الخبر كأنه قال : ( إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ) فاسقط ألف الاستفهام كما سقطت في مواضع قد تقدم ذكرها في قصة إبراهيم ( ع ) .

وهذا الوجه فيه بعض الضعف لأن ألف الاستفهام لا تكاد تسقط إلا في موضع يكون على سقوطها دلالة في الكلام ، مثل قول الشاعر :
كذبتك عينك أم رأيت بواسط * غلس الظلام من الرباب خيالا

- ص 87 -

تنزيه يوسف ( ع ) عن تعمده بعدم تسكين نفس أبيه :

( مسألة ) : فإن قيل : فما بال يوسف ( ع ) لم يعلم أباه بخبره لتسكن نفسه ويزول وجده وهمه مع علمه بشدة تحرقه وعظم قلقه ؟ .

( الجواب ) : قلنا في ذلك وجهان : أحدهما : إن ذلك كان له ممكنا وكان عليه قادرا ، فأوحى الله تعالى إليه بأن يعدل عن اطلاعه على خبره تشديدا للمحنة عليه وتعريضا للمنزلة الرفيعة في البلوى وله تعالى أن يصعب التكليف وأن يسهله . والوجه الآخر : إنه جائز أن يكون ( ع ) لم يتمكن من ذلك ولا قدر عليه فلذلك عدل عنه .

تنزيه يوسف ( ع ) عن الرضا بالسجود له :

( مسألة ) : فإن قيل : فما معنى قوله تعالى : ( وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا ) ( 1 ) وكيف يرضى بأن يسجدوا له والسجود لا يكون إلا لله تعالى ؟ .

( الجواب ) : قلنا في ذلك وجوه : منها : أن يكون تعالى لم يرد بقوله إنهم سجدوا له إلى جهته ، بل سجدوا لله تعالى من أجله ، لأنه تعالى جمع بينهم وبينه ، كما يقول القائل : إنما صليت لوصولي إلى أهلي ، وصمت لشفائي من مرضي . وإنما يريد من أجل ذلك .

فإن قيل : هذا التأويل يفسده قوله تعالى : ( يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ) ( 2 )

 

( 1 ) يوسف الآية 100

( 2 ) يوسف الآية 100 ( * )  
 

- ص 88 -

قلنا : ليس هذا التأويل بمانع من مطابقة الرؤيا المتقدمة في المعنى دون الصورة ، لأنه ( ع ) لما رأى سجود الكواكب والقمرين له كان تأويل ذلك بلوغه أرفع المنازل وأعلى الدرجات ونيله أمانيه وأغراضه ، فلما اجتمع مع أبويه ورأياه في الحال الرفيعة العالية ونال ما كان يتمناه من اجتماع الشمل ، كان ذلك مصدقا لرؤياه المتقدمة . فلذلك قال : ( هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ ) .

فلا بد لمن ذهب إلى أنهم سجدوا له على الحقيقة من أن يجعل ذلك مطابقا للرؤيا المتقدمة في المعنى دون الصورة ، لأنه ما كان رأى في منامه أن إخوته وأبويه سجدوا له ، ولا رأى في يقظته الكواكب تسجد له . فقد صح أن التطابق في المعنى دون الصورة .

ومنها : أن يكون السجود لله تعالى ، غير أنه كان إلى جهة يوسف ( ع ) ونحوه ، كما يقال : صلى فلان إلى القبلة وللقبلة . وهذا لا يخرج يوسف ( ع ) من التعظيم ، ألا ترى أن القبلة معظمة وإن كان السجود لله تعالى نحوها .

ومنها : أن السجود ليس يكون بمجرده عبادة حتى يضاف إليه من الأفعال ما يكون عبادة ، فلا يمتنع أن يكون سجدوا له على سبيل التحية والاعظام والاكرام ، ولا يكون ذلك منكرا لأنه لم يقع على وجه العبادة التي يختص بها القديم تعالى وكل هذا واضح .

تنزيه يوسف ( ع ) عن طاعة الشيطان :

( مسألة ) : فإن قيل : فما معنى قوله تعالى حكاية عنه ( ع ) من بعد أن نزغ الشيطان ( 1 ) بيني وبين أخوتي ، وهذا يقتضي أن يكون قد أطاع الشيطان ونفذ فيه كيده ونزغه ؟ .

 

( 1 ) نزع الشيطان بينهم : أغرى بعضهم على بعض . ( * )

 
 

- ص 89 -

( الجواب ) : قلنا هذه الإضافة لا يقتضي ما تضمنه السؤال ، بل النزغ والقبيح كان منهم إليه لا منه إليهم . ويجري قول القائل : جرى بيني وبين فلان شر ، وإن كان من أحدهما ولم يشتركا فيه .

( مسألة ) : فإن قيل : فما معنى قوله عليه السلام للعزيز ( اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) ( 1 ) وكيف يجوز أن يطلب الولاية من قبل الظالمين .

( الجواب ) : قلنا إنما التمس تمكينه من خزائن الأرض ليحكم فيها بالعدل وليصرفها إلى مستحقها ، وكان ذلك له من غير ولاية . وإنما سئل الولاية للتمكن من الحق الذي له أن يفعله . ولمن لا يتمكن من إقامة الحق أو الأمر بالمعروف أن يتسبب إليه ويتصل إلى فعله ، فلا لوم في ذلك على يوسف عليه السلام ولا حرج .

 

( 1 ) يوسف الآية 55 ( * )

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب