أقسام التقية بلحاظ أركانها

 

 

- التقية في الفكر الاسلامي - مركز الرسالة ص 108 :

  ثانيا : أقسام التقية بلحاظ أركانها :
 

إن أقسام التقية بهذا الملحظ تستدعي بيان أركان التقية ، لتتضح العلاقة بينهما ، فنقول :


أركان التقية : إن أركان التقية ومقوماتها هي أركان الإكراه ومقوماته التي سبق البحث عنها مع فرق التسمية ، وما يشترط في أحدهما يشترط في الآخر ، إذ لا تختلف فيما بينها إلا من جهة بعض أقسام التقية الآتية ، التي لا يكون الدافع إلى استخدامها

هو التحرز من ضرر الغير ، وإنما لأجل تحقيق بعض المصالح التي تصب في خدمة الدين أو المجتمع ، كالعمل بالتقية لأجل تحقيق الوحدة الإسلامية ولم شمل المسلمين بعد فرقتهم وتناحرهم ، وهذا يعني فقدان الإكراه في مثل تلك التقية .


وعليه ، فالأركان والمقومات التي سنذكرها للتقية بمفهومها العام ، هي نفسها في الأقسام الأخر للتقية التي لم يؤخذ الخوف في موضوعها ، ولكنها تختلف عما هنا في تفسيرها .


فالمتقي - مثلا - الذي هو الركن الأول من أركان التقية ، ونظيره في الإكراه ( المكره ) ، لا يرتفع في غير التقية الإكراهية ، وإنما يأخذ تعريفا وتفسيرا آخر . فبدلا من أن يكون في التقية الإكراهية : الشخص الذي يعمل بالتقية كرها لدفع ضرر معلوم أو مظنون أو محتمل ، سيكون في
 

- ص 109 -

بعض أقسام التقية : الشخص الذي يستخدم التقية بلا إكراه ، ولكن لتحقيق غايات مرغوبة شرعا ولا سبيل إلى الوصول إليها إلا بالتقية . وهكذا الحال في بقية الأركان الأخر ، ومجموعها - مع ما ذكرناه - أربعة ، وهي :


 الركن الأول : المتقي ، وقد مر آنفا .
 

 الركن الثاني : المتقى منه : وهو من يتولى إجبار المتقي على التقية ، ولا يشترط به أن يكون كافرا ، إذ لا فرق بحكم العقل في ضرورة تجنب الضرر من أية جهة كانت كافرة أو مسلمة ، وقد مر أن العقل يحكم بلزوم حفظ النفس من الهلكة سواء كانت على أيدي بعض المسلمين أو الكفار ، ونظير هذا الركن في الإكراه ( المكره ) .


 الركن الثالث : ما يتقى عليه : وهو كل ما حكم الشارع ، أو استقل العقل بضرورة حفظه من الضرر ، لما في ذلك من مصلحة تعود إلى نفس المتقي ، أو عرضه ، أو ماله ، أو دينه ، أو إخوانه المؤمنين ، ونظيره في الإكراه ( المكره به ) ، فكلاهما ناظران إلى نوع الضرر .


 الركن الرابع : ما يتقى به : وهو نوع العمل المحرم المراد إنجازه كالإفطار في شهر رمضان ، أو الكلام الباطل المطلوب تلفظه ، كما في تلفظ كلمة الكفر والقلب مطمئن بالإيمان ، ونظيره في الإكراه ( المكره عليه ) .


 وقد قسموا التقية بلحاظ هذه الأركان على قسمين ، وهما :

 القسم الأول : تقية الفاعل : وهذا القسم ناظر إلى الركن الأول ( المتقي ) ، والتقية فيه بحسبه ، لما مر في الفصل الأول من تأثير اختلاف الأشخاص في واقع الإكراه وجودا وعدما ، إذ قد يكون الإكراه الواحد ملجئا تارة بحق شخص ، وغير ملجئ بحق آخر تارة أخرى ، ومن هنا تدرك قيمة هذا من
 

- ص 110 -

التقية ، نظرا لما يترتب على معرفة الفاعل من آثار كبيرة وخطيرة في تقييم تقيته من الناحية الشرعية ، إذ ليس الناس سواسية في التقية ، وقد مر بنا أن الإمام الخميني رضي الله عنه حرم التقية على الفقهاء في موارد جوازها على العامة في ظرف لا بد فيه من ذلك التحريم .


 القسم الثاني : تقية القابل : وهذا القسم ناظر إلى الركن الثاني ( المتقى منه ) ، وفي معرفة القابل ثمرتان وهما :

 الأولى : معرفة مدى قدرته على تنفيذ ما وعد وهدد به ، إذ ربما قد يكون عاجزا عن إيقاع أي ضرر بالمتقي ، فتسقط التقية .

 الثانية : معرفة عقيدة القابل ودينه قد تؤثر على سلامة التقية في بعض صورها ، فالاكراه من كافر لمسلم على النطق بكلمة الكفر مثلا ، لا يكون عادة إلا في بلاد الكفر ، ولو فرض حصوله في أرض الإسلام لأمكن التخلص بطلب النجدة من المسلمين .
 


ثالثا : أقسام التقية بلحاظ أهدافها وغاياتها :


التقية بهذا الملحظ تكون على ثلاثة أقسام ، وهي :
 

 القسم الأول : التقية الخوفية أو الإكراهية : وهي فيما إذا كان الهدف من استخدامها دفع الضرر عند الخوف منه سواء أكان الخوف شخصيا أم نوعيا ، كتقية عمار بن ياسر من المشركين .


 القسم الثاني : التقية الكتمانية : وهي فيما إذا كان الهدف منها حفظ الدين من الاندثار والانمحاء في دولة الباطل فيما لو أذيعت تعاليمه وأحكامه المخالفة لهوى السلطة الظالمة ، وعليه لا بد من كتمانها إلا على
 

- ص 111 -

المختصين ، لا سيما إذا كان أهل الحق هم القلة القليلة المحاطة بزمر الباطل . ومن هذه التقية تقية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عدم إظهار أمر الدعوة إلا للمختصين مدة ثلاث سنوات كما مر في محله .


وكذلك ما ورد عن أهل البيت عليهم السلام من التأكيد على عدم إذاعة أسرارهم عليهم السلام خوفا على مذهب الحق وقادته الأطهار وأنصاره وأتباعه . ويدخل في هذا القسم من التقية ما كانت الغاية منه حفظ بعض المصالح المشروعة بالكتمان ، كما فعل مؤمن آل فرعون في كتم إيمانه ، وكما كتم يوسف الصديق عليه السلام أمره عن إخوته .


القسم الثالث : التقية المداراتية أو التحبيبية : وهي فيما إذا كان الهدف منها ، هو الحفاظ على وحدة المسلمين ، وتقليل شقة الخلاف فيما بينهم وجمع كلمتهم ، كما في أحاديث المخالطة والمعاشرة ، وكذلك فيما لو كانت أغراضها اتقاء فحش الآخرين بإلانة الكلام لهم والتبسم في وجوههم ، نظير ما مر في تقية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ( بئس ابن العشيرة ، أو بئس أخو العشيرة ) .


 


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب