|
|
- التقية في الفكر الاسلامي - مركز
الرسالة ص 129 : |
الفصل الرابع
صور التقية في كتب العامة
المبحث الأول الصور
القولية في التقية
روى العامة الكثير من التقية القولية
الصادرة عن الصحابة والتابعين وغيرهم ، منبهين على أن الأخبار أو الآثار التي
سنوردها من كتب العامة في هذا الفصل لا تعبر بالضرورة عن التزامنا بدلالتها على
التقية واقعا ، لا سيما فيما سيأتي من الصور الفعلية في المبحث الثاني ، لكون
بعضها أقرب إلى النفاق منه إلى التقية ، وإلا فهو - على أقل تقدير - من التقية
، ولكن في غير موضعها المطلوب شرعا .
ومهما يكن ، فسوف نذكر من الصور القولية في التقية ما يأتي :
تقية عمار بن ياسر وجماعته : وهي أوضح من نار على علم ، والإطالة فيها إطالة في
الواضحات ، ويكفي أنه نزل في عذره على ما واقى المشركين عليه من القول ، قرآنا
مبينا ، وقد علم الكل منزلة عمار من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ويكفي
أنه ملئ
إيمانا من فرقه إلى قدمه .
تقية ابن مسعود : عن الحارث بن سويد قال : سمعت عبد الله بن
مسعود يقول : ما من ذي سلطان يريد أن يكلفني كلاما يدرأ عني سوطا أو سوطين إلا
كنت متكلما به . أخرجه ابن حزم في المحلى ، وقال : ولا يعرف له من الصحابة رضي
الله عنهم مخالف ( 1 ) .
تقية أبي الدرداء وأبي موسى الأشعري : أخرج البخاري في صحيحه بسنده عن أبي
الدرداء أنه كان يقول : إنا لنكشر في وجوه أقوام ، وإن قلوبنا لتلعنهم
( 2 ) . وقد بينا سابقا من نسب هذا القول إلى أبي
موسى الأشعري ، كما ورد نظيره عند الإمامية منسوبا إلى أمير المؤمنين علي عليه
السلام ، وقد تقدم أيضا .
تقية ثوبان وإباحته الكذب في بعض المواطن : أورد عنه الغزالي أنه كان يقول :
الكذب إثم إلا ما نفع به مسلما ، أو دفع عنه ضررا ( 3 )
.
علما بأن التقية لم تكن من الكذب كما يتصورها بعض الجهلاء ، ويدل على ذلك أن
الله تعالى أخرجها عن حكم الافتراء فقال عز وجل : (
إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله
وأولئك هم الكاذبون *
من كفر بالله
| |
* هامش * |
|
|
|
(1)
المحلى / ابن حزم 8 : 336 مسألة 1409 ، دار الآفاق الجديدة ، بيروت .
(2)
صحيح
البخاري 8 : 37 ، كتاب الأدب ، باب المداراة مع الناس .
(3) إحياء علوم الدين / الغزالي 3 :
137 . ( * ) |
من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن
بالإيمان ) ( 1 ) . قال تاج الدين الحنفي في تفسيره : والمعنى : إنما
يفتري الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه ، واستثنى منه المكره ، فلم يدخل تحت
حكم الافتراء ( 2 ) .
أقول : أخرج ابن أبي الدنيا بسنده عن سوار بن عبد الله ، قال : إن ميمونا
( 3 ) كان جالسا وعنده رجل من قراء أهل الشام ،
فقال : إن الكذب في بعض المواطن خير من الصدق ، فقال الشامي : لا ، الصدق في كل
المواطن خير .
فقال ميمون : أرأيت لو رأيت رجلا وآخر يتبعه بالسيف ، فدخل
الدار فانتهى إليك . فقال : أرأيت الرجل ؟ ما كنت فاعلا ؟ قال : كنت أقول : لا
. قال : فذاك ( 4 ) .
على أن الكذب هو ما عقد كذبا ، والتقية إنما تعقد للإحسان ، والإصلاح ، ودفع
الضرر ، وتحقيق المصالح المشروعة ، وفي الحديث الشريف : إنما الأعمال بالنيات ،
ثم كيف تكون التقية كذبا ! وقد اتقى قومه أشرف الأنبياء والمرسلين صلى الله
عليه وآله وسلم ؟
| |
* هامش * |
|
|
|
(1)
سورة النحل : 16 / 105 - 106 .
(2) الدر
القيط من البحر المحيط / تاج الدين الحنفي 5 : 537 - 538 في تفسير الآيتين
المتقدمتين .
(3) هو ميمون بن مهران التابعي ( ت
/ 117 ه ) .
(4) الإشراف على مناقب الأشراف /
ابن أبي الدنيا : 118 / 216 ، دار الكتب العلمية ، بيروت / 1412 ه . ( * ) |
تقية أبي هريرة : أخرج البخاري بسنده عن أبي هريرة أنه قال :
حفظت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعاءين : فأما أحدهما ، فبثثته .
وأما الآخر ، فلو بثثته قطع هذا البلعوم ( 1 ) .
وقد صرح ابن حجر في فتح الباري بأن العلماء حملوا الوعاء الذي لم يبثه على
الأحاديث التي تبين أسامي أمراء السوء وأحوالهم ، وأنه كان يكني عن بعضه ولا
يصرح به خوفا على نفسه منهم ، كقوله : ( أعوذ بالله من رأس الستين وإمارة
الصبيان ) يشير إلى حكم يزيد بن معاوية ، لأنها كانت سنة ستين من الهجرة
( 2 ) .
تقية ابن عباس من معاوية : أخرج الطحاوي بسنده عن عطاء أنه قال : قال رجل لابن
عباس رضي الله عنه : هل لك في معاوية أوتر بواحدة ؟ - وهو يريد أن يعيب معاوية
- فقال ابن عباس : أصاب معاوية .
هذا في الوقت الذي بين فيه الطحاوي ما يدل على أنكار ابن عباس
صحة صلاة معاوية ، فقد أخرج بسنده عن عكرمة ، قال : كنت مع ابن عباس عند معاوية
نتحدث حتى ذهب هزيع من الليل ، فقام معاوية فركع ركعة واحدة ، فقال ابن عباس :
من أين ترى أخذها الحمار ؟ .
قال الطحاوي بعد ذلك : وقد يجوز أن يكون قول ابن عباس : (
أصاب
| |
* هامش * |
|
|
|
(1)
صحيح البخاري 1 : 41 كتاب العلم ، باب حفظ العلم ( آخر أحاديث الباب ) .
(2)
فتح
الباري / ابن حجر العسقلاني 1 : 173 . ( * ) |
معاوية ) على التقية له ثم أخرج عن ابن عباس في الوتر أنه
ثلاث ( 1 ) .
أقول : هو عين التقية ، إذ كيف يستصوب حبر الأمة صلاة حمار !
تقية سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب : أخرج أبو عبيدة القاسم بن سلام عن حسان بن
أبي يحيى الكندي ، قال : سألت سعيد بن جبير عن الزكاة ؟ فقال : ادفعها إلى ولاة
الأمر . قال : فلما قام سعيد تبعته ، فقلت : إنك أمرتني أن أدفعها إلى ولاة
الأمر ، وهم يصنعون بها كذا ، ويصنعون بها كذا ؟ ! فقال : ضعها حيث أمرك الله ،
سألتني على رؤوس الناس فلم أكن لأخبرك ( 2 ) .
وأخرج أيضا عن قتادة أنه سأل سعيد بن المسيب السؤال نفسه ؟ فسكت ابن المسيب ولم
يجبه . قال الدكتور الهراس في هامشه : يظهر أن سعيدا رحمه الله كان لا يرى دفع
الزكاة إلى ولاة بني أمية ، ولهذا سكت ( 3 ) .
هذا وقد أورد العلامة الأميني تقية سعيد بن المسيب من سعد بن أبي وقاص في سؤاله
إياه عن حديث الغدير ، فراجع ( 4 ).
تقية رجاء بن حيوة : قال القرطبي المالكي : وقال إدريس بن يحيى : كان الوليد بن
عبد الملك
| |
* هامش * |
|
|
|
(1)
شرح معاني الآثار / الطحاوي 1 : 389 ، باب الوتر ، ط 2 ، دار الكتب العلمية
، بيروت / 1407 ه .
(2)
كتاب
الأموال / أبو عبيدة القاسم بن سلام : 567 / 1813 ، تحقيق الدكتور محمد
خليل هراس ، ط 1 ، دار الكتب العلمية ،
بيروت / 1406 ه .
(3) كتاب الأموال : 565 / 1801 .
(4) الغدير / العلامة الأميني 1 :
380 ، ط 5 ، دار الكتاب العربي ، بيروت / 1403 ه . ( * ) |
يأمر جواسيس يتجسسون الخلق ، ويأتون بالأخبار ، فجلس رجل منهم
في حلقة رجاء بن حيوة فسمع بعضهم يقع في الوليد ، فرفع ذلك إليه . فقال : يا
رجاء ! أذكر بالسوء في مجلسك ولم تغير ؟ ! فقال : ما كان ذلك يا أمير المؤمنين
.
فقال له الوليد : قل الله الذي لا إله إلا هو . قال : الله
الذي لا إله إلا هو . فأمر الوليد بالجاسوس ، فضرب سبعين سوطا . فكان يلقى رجاء
فيقول : يا رجاء ! بك يستسقى المطر وسبعين سوطا في ظهري ! ! فيقول رجاء : سبعون
سوطا في ظهرك خير لك من أن يقتل رجل مسلم ( 1 ) .
أقول : إن تقية رجاء هنا مضاعفة . أما أولا ، فبإظهاره خلاف الواقع تقية . وأما
ثانيا ، فبمخاطبته لمثل الوليد الفاسق اللعين بخطاب الموافقين تقية أيضا .
وقد حصل نظير هذه التقية لسعيد بن أشرس - صاحب مالك بن أنس - مع سلطان تونس ،
إذ كان قد آوى رجلا يطلبه السلطان ، ولما أحضر أنكر ذلك وحلف بأنه ما آواه ولا
يعلم له مكانا ( 2 ) .
| |
* هامش * |
|
|
|
(1)
الجامع لأحكام القرآن / القرطبي 10 : 124 .
(2) الجامع
لأحكام القرآن 10 : 124 . ( * ) |
|
تقية واصل بن عطاء : قال ابن الجوزي الحنبلي : خرج واصل بن
عطاء يريد سفرا في رهط ، فاعترضهم جيش من الخوارج فقال واصل : لا ينطقن أحد
ودعوني معهم ، فقصدهم واصل ، فلما قربوا بدأ الخوارج ليوقعوا .
فقال : كيف تستحلون هذا وما تدرون من نحن ، ولا لأي شئ جئنا ؟
فقالوا : نعم ، من أنتم ؟ قال : قوم من المشركين جئناكم لنسمع كلام الله . قال
: فكفوا عنهم ، وبدأ رجل منهم يقرأ القرآن ، فلما أمسك ، قال واصل : قد سمعت
كلام الله ، فأبلغنا
مأمننا حتى ننظر فيه وكيف ندخل في الدين ! فقال : هذا واجب ،
سيروا . قال : فسرنا والخوارج - والله - معنا يحموننا فراسخ ، حتى قربنا إلى
بلد لا سلطان لهم عليه ، فانصرفوا ( 1 ) .
تقية عمرو بن عبيد المعتزلي : بعد ثورة إبراهيم بن عبد الله وأخيه محمد ذي
النفس الزكية على المنصور العباسي التي انتهت بقتلهما ، قال المنصور - يوما -
لعمرو بن عبيد : بلغني أن محمدا بن عبد الله بن الحسن كتب إليك كتابا قال عمرو
: قد
جاءني كتاب يشبه أن يكون كتابه . قال : فبم أجبته ؟ قال : أو
ليس قد عرفت رأيي في السيف أيام كنت تختلف إلينا ، أني لا أراه ؟ ! قال المنصور
: أجل ، ولكن تحلف لي ليطمئن قلبي ! ! قال عمرو : لئن كذبتك تقية ، لأحلفن لك
تقية . قال المنصور : والله ، والله ، أنت الصادق البر (
2 ) .
| |
* هامش * |
|
|
|
(1)
كتاب الأذكياء / ابن الجوزي : 136 ، ط 1 ، دار الكتب العلمية ، بيروت /
1405 ه .
(2)
تاريخ
بغداد / الخطيب البغدادي 12 : 168 - 169 / 6652 في ترجمة عمرو بن عبيد
المعتزلي . ( * )
|
تقية أبي حنيفة من القاضي ابن أبي ليلى : أخرج الخطيب
البغدادي في تاريخه بسنده عن سفيان بن وكيع قال : جاء عمر بن حماد بن أبي حنيفة
فجلس إلينا ، فقال : سمعت أبي حماد يقول : بعث ابن أبي ليلى إلى أبي حنيفة
فسأله عن القرآن ؟
فقال : مخلوق . فقال : تتوب وإلا أقدمت عليك ؟ قال : فتابعه
فقال : القرآن كلام الله . قال : فدار به في الخلق يخبرهم أنه قد تاب من قوله :
القرآن مخلوق . فقال أبي : فقلت لأبي حنيفة : كيف صرت إلى هذا وتابعته ؟ قال :
يا بني خفت أن يقدم علي فأعطيته التقية ( 1 ) .
ولعدم جدوى الإكثار من صور التقية القولية سنكتفي في اختتام هذا المبحث بما
قاله الشيخ مرتضى اليماني - بهذا الصدد - فيما نقله عنه جمال الدين القاسمي في
تفسيره . قال : وزاد الحق غموضا وخفاء أمران : أحدهما : خوف العارفين - مع
قلتهم
- من علماء السوء ، وسلاطين الجور وشياطين الخلق ، مع جواز
التقية عند ذلك بنص القرآن ، وإجماع أهل الإسلام ، وما زال الخوف مانعا من
إظهار الحق ، ولا برح المحق عدوا لأكثر الخلق . . ( 2 )
.
| |
* هامش * |
|
|
|
(1)
تاريخ بغداد 13 : 379 - 380 / 7297 في ترجمة أبي حنيفة تحت عنوان ( ذكر
الروايات عمن حكى عن أبي حنيفة القول بخلق القرآن )
(2)
محاسن
التأويل / جمال الدين القاسمي 4 : 82 ، ط 2 ، دار الفكر ، بيروت / 1398 ه
. ( * ) |
|