|
|
- التقية في الفكر الاسلامي - مركز
الرسالة ص 11 : |
الفصل الأول التقية والإكراه
تعريف التقية :
التقية في اللغة : الحيطة
والحذر من الضرر والتوقي منه ، والتقية والتقاة بمعنى واحد ، قال تعالى :
( إلا أن تتقوا منهم تقاة
) ( 1 ) أي : تقية ، بالاتفاق ( 2 ) .
قال ابن منظور : وفي الحديث : قلت : وهل للسيف من
تقية ؟ قال : نعم ، تقية على إقذاء ، وهدنة على دخن ومعناه : إنهم يتقون بعضهم
بعضا ، ويظهرون الصلح والاتفاق وباطنهم بخلاف ذلك ( 3 )
.
وفي الاصطلاح : فقد عرفها جمع من علماء المسلمين
بألفاظ متقاربة وذات معنى واحد .
فهي عند الشيخ المفيد ( ت / 413 ه ) عبارة عن : ( كتمان الحق
، وستر
| |
* هامش * |
|
|
|
(1)
سورة آل عمران :
3 / 28 .
(2)
تاج العروس 10 : 396 وسيأتي اتفاق المفسرين على تفسير ( التقاة )
بالتقية .
(3) لسان
العرب 15 : 401 . وانظر : المصباح المنير
/ الفيومي 2 : 669 ، وأساس البلاغة /
الزمخشري : 686 مادة ( وقي ) . ( * )
|
الإعتقاد فيه ، ومكاتمة المخالفين وترك مظاهرتهم بما يعقب
ضررا في الدين والدنيا ) ( 1 ) .
وعرفها الشيخ الأنصاري ( ت / 1282 ه ) ب ( الحفظ عن ضرر الغير بموافقته في قول
أو فعل مخالف للحق ) ( 2 ) .
وقال السرخسي الحنفي ( ت / 490 ه ) : ( والتقية : أن يقي نفسه من العقوبة ،
وإن كان يضمر خلافه ) ( 3 ) ،
وبهذا النحو عرفها آخرون ( 4 ) .
صلة التقية
بالإكراه :
يتضح من تعريف الشيخ الأنصاري للتقية أن إكراه الإنسان على الإتيان بشئ مخالف
للحق يكون سببا مباشرا من أسباب حصول التقية ، ويؤيده ما جاء في قصة عمار بن
ياسر وجماعته الذين اتقوا من المشركين فأجروا كلمة الكفر على ألسنتهم
كرها ، حتى أنزل الله تعالى فيهم قرآنا :
( إلا من أكره وقلبه مطمئن
بالإيمان ) ( 5 ) وسيأتي تفصيل ذلك في
مشروعية التقية . ولكن يبدو واضحا من خلال مراجعة موارد التقية في فقه المذاهب
| |
* هامش * |
|
|
|
(1)
تصحيح الإعتقاد /
الشيخ المفيد : 66 .
(2)
التقية / الشيخ الأنصاري : 37 . وانظر
القواعد الفقهية / البجنوردي 5 : 44 . والقواعد
الفقهية / ناصر مكارم الشيرازي 3 : 13 .
(3) المبسوط
/ السرخسي الحنفي 24 : 45 .
(4) راجع تعريف التقية عند ابن حجر
العسقلاني في فتح الباري بشرح صحيح البخاري
12 : 136 .
وعز الدين عبد العزيز بن عبد السلام السلمي في
قواعد الأحكام في مصالح الأنام 1 : 107 .
والآلوسي في روح المعاني 3 : 121
. والمراغي في تفسيره 3 : 137 . ومحمد رشيد
رضا في تفسير المنار 3 : 280 وغيرهم .
(5) سورة
النحل : 16 / 106 . ( * ) |
الإسلامية ، وتدبر أدلتها من القرآن والسنة وسيرة الصحابة
وتطبيقات التابعين وغيرهم من المسلمين أنه لا حصر للتقية على كتمان الحق وإظهار
خلافه خوفا على النفس من اللائمة والعقوبة بالإكراه ، لدخول ما إذا كان هذا
الكتمان لمصالح أخر فردية
أو اجتماعية في مصاديق التقية وإن لم يكن ثمة إكراه أصلا ،
ويؤيده أن الإكراه لم يؤخذ قيدا في تعريف التقية اصطلاحا - كما مر - عند بعضهم
.
الوجه في تقديم بحث الإكراه على التقية : إن نفي
الملازمة بين الإكراه والتقية من وجه كما يفهم من الكلام المتقدم مراعاة لأقسام
التقية لا يعني نفيها من كل وجه كما لا يعني عدم الحاجة إلى دراسة الإكراه في
بحث التقية ، لأنه من أهم وأقوى أسبابها على الاطلاق ، زيادة على ما في بحث
الإكراه من الأمور الباعثة على تقديمه بحيث لا يمكن معها إغفاله بحال ، وسوف
نشير إلى بعضها وهي :
1 - إن جميع التفصيلات الفقهية الواردة في
فقه المذاهب العامية الأربعة بشأن التقية إنما هي مبحوثة عندهم في كتب الإكراه
غالبا ، ولم نجد في جميع مصادرهم الفقهية التي رجعنا إليها كتابا أو بابا
بعنوان التقية ، ومن هنا قد يشتبه الأمر على بعضهم
بأن فقهاء العامة لم يتناولوا التقية وأحكامها ، وربما يزعم -
وهو ليس ببعيد - بأن جميع ما سنذكره من صور التقية في الفقه العامي - كما في
الفصل الأخير من هذا البحث - لا علاقة له بالتقية ، لأنه من الإكراه ! ! ورفع
مثل هذا الاشتباه لا يكون إلا ببيان العلاقة بين الاثنين وأنها علاقة السبب
بالمسبب والعلة بالمعلول .
2 - إن فهم أحكام التقية وبعض أقسامها
متوقف على فهم الإكراه
ومعرفة أركانه ومقوماته وأقسامه وحالاته وصوره بحيث لو لم
تبحث هذه الأمور قبل التقية لاضطررنا إلى ذكرها ثانية مع توزيعها على أغلب
مباحث التقية الآتية ، ولا يخفى ما في ذلك من تشتيت لأطراف البحث وتضييع
لفائدته ، زيادة على ما يسببه ذلك من إرباك في المنهج العلمي الذي حرصنا على أن
يكون دقيقا وسليما .
3 - اشتراك التقية بمعناها العام بأكثر
مقومات الإكراه وأركانه بمعناها الإكراهي الخاص بجميعها مع فارق التسمية ، ومنه
يعلم أن الملاك بين الاثنين واحد ، ولا شك أن هذا لا يتضح مع إهمال بحث الإكراه
، إلى غير ذلك من الأمور الآخر التي طوينا عنها صفحا . إذن ، فلنقف هنيهة عند
الإكراه ، لنتعرف على معناه لغة واصطلاحا ، مع بعض خصوصياته المهمة وأقسامه
وحالاته ، لكي تتضح بذلك العلاقة بينه وبين التقية مع وحدة الملاك بينهما .
تعريف الإكراه
:
أصل الإكراه لغة : مأخوذ من الفعل ( كره ) ،
والاسم : ( الكره ) ويراد به كل ما أكرهك غيرك عليه ، بمعنى : أقهرك عليه ،
وأما ( الكره ) فهو المشقة ، يقال : قمت على كره ، أي : على مشقة .
والفرق بين ( الكره ) ، و ( الكره ) أن الأول هو فعل المضطر ، بينما الثاني هو
فعل المختار ( 1 ) .
وأما في الاصطلاح : فقد عرفه التفتازاني بأنه : (
حمل الغير على أن
| |
* هامش * |
|
|
|
(1)
لسان العرب / ابن
منظور 12 : 80 كره . ( * ) |
|
يفعل ما لا يرضاه ، ولا يختار مباشرته لو خلي ونفسه )
( 1 ) .
كما عرفه عبد العزيز البخاري الحنفي بقوله ، هو : ( حمل الغير على أمر يمتنع
عنه بتخويف يقدر الحامل على إيقاعه ، ويصير الغير خائفا به )
( 2 ) .
وعند السرخسي الحنفي ، هو : ( اسم لفعل يفعله المرء بغيره ، فينتفي به رضاه ،
أو يفسد به اختياره ) ( 3 ) .
ولعل أوجز تعريف للإكراه هو ما نجده عند الشيخ الأنصاري رحمه الله ، إذ عرف
الإكراه بأنه ( حمل الغير على ما يكرهه ) ( 4 ) .
ومن كل ما تقدم يعلم اتفاق الفريقين على كون الإكراه حالة من حالات الإجبار على
النطق بشئ أو فعل شئ من غير رضا المكره ولا باختياره . ومع هذا فقد لا يتحقق
الإكراه في الواقع وإن توفرت بعض مقوماته ، وهذا ما يستدعي التعرف على ما يتقوم
به الإكراه من أركان ، وهو ما سنتناوله تحت عنوان :
أركان الإكراه :
لا خلاف بوجود أربعة أركان أساسية يتقوم بها الإكراه ، فإن
توفرت واجتمعت كلها تحقق الإكراه ، وأما لو تخلف ركن منها ، فلا إكراه ، وهي :
الأول : المكره : وهو من يصدر منه التهديد
والوعيد ، ويشترط فيه أن
| |
* هامش * |
|
|
|
(1)
التلويح على التوضيح
/ سعد الدين التفتازاني 2 : 196 طبعة مصر / 1322 ه .
(2)
كشف الأسرار عن أصول البزدوي / عبد العزيز
البخاري 4 : 1503 طبعة دار الخلافة .
(3) المبسوط
/ السرخسي 24 : 38 من كتاب الإكراه .
(4) المكاسب
/ الشيخ الأنصاري 3 : 311 في الحديث عن شرط الاختيار من شروط المتعاقدين ،
تحقيق مجمع الفكر الإسلامي ،
لجنة تحقيق التراث ، ط 1 ، قم / 1418 ه . ( * ) |
يكون قادرا على تنفيذ تهديده ووعيده بحق من يكرهه ، وإلا فمع
عجزه عن ذلك يسقط الإكراه . ولا يشترط في المكره أن يكون سلطانا أو حاكما جائرا
، بل يكفي أن يكون قادرا متمكنا على تنفيذ وعيده وتهديده ، كما لا يشترط أن
يكون المكره كافرا ، لأن
العقل يحكم بلزوم حفظ النفس من الهلكة ، سواء كانت على أيدي
بعض المسلمين أو الكفار ، وأنه لا فرق - بحكم العقل - في ضرورة تجنب الضرر
شخصيا كان أو نوعيا ، من أي جهة كان .
الثاني : المكره : وهو من يقع عليه التهديد
والوعيد ، ويشترط هنا أن يكون المكره متأكدا أو ضانا بحصول الضرر على نفسه أو
ماله أو عرضه أو على إخوانه أو دينه ( 1 ) فيما
لو لم يأتمر بأمر المكره .
كما يشترط به أيضا أن يكون عاجزا عن دفع ما يتهدد به ، بطريق
الهرب أو الاستغاثة ، أو المقاومة ونحو ذلك ، وأما لو لم يكن عالما ولا ظانا
بذلك ، أو كان قادرا على دفع ما هدد به فلا شك بأن ما يأتي به من قول أو فعل
مخالف للحق بذريعة الإكراه عليه يكون محرما ويعاقب عليه ، لعدم تحقق الإكراه
بتخلف هذا الركن من أركانه .
الثالث : المكره به : وهو نوع الضرر
المتوعد به المكره ، سواء كان ذلك الضرر متعلقا بنفسه أو ماله أو عرضه أو
إخوانه المؤمنين ، أو دينه .
وسواء كان ذلك الضرر ماديا كالضرب المبرح أو قطع الأطراف مثلا ، أو معنويا
كالإهانة والتشهير ونحوهما . هذا ، وأما لو لم يتصل الضرر بنفس المكره ولا
بماله ولا بعرضه ،
| |
* هامش * |
|
|
|
(1)
لثبوت التقية عند الخوف الشخصي كما لو خاف المكره على نفسه أو عرضه أو ماله
، وكذلك عند الخوف النوعي كالخوف على الدين
أو الوطن أو العشيرة ونحو ذلك . ( * )
|
ولا بإخوانه ، ولا بدينه ، ولا بمن تربطه معهم حتى صلة
الإسلام ، كما لو أكره على أمر ، فإن لم يفعل قتلوا مشركا ، فهنا لا إكراه ،
لعدم تحقق الركن الثالث .
الرابع : المكره عليه : وهو نوع ما يراد
تنفيذه من المكره ، سواء كان كلاما أو فعلا . ويشترط فيه أن لا يكون الضرر
الناتج عنه أكبر من الضرر المتوعد به المكره ، وكذلك أن يكون مما يحرم تعاطيه
على المكره .
ومثاله : أن يكره الإنسان على ارتكاب جريمة الزنا ، وإلا أخذت
بعض أمواله ، أو أن يشهد زورا على برئ ، وإلا فصل من وظيفته ، ففي مثل هاتين
الصورتين ونظائرهما لا يجوز الإقدام على التنفيذ ، لاختلال الركن الرابع من
أركان الإكراه .
كما يشترط أيضا في هذا الركن أن يكون الإتيان به منجيا
من الضرر بمعنى أن يحصل من إتيان المكره عليه الخلاص من الشر المتوعد به ، وأما
لو علم المكره بأنه لا نجاة له مما هدد به حتى مع الإتيان بما أمر فلا إكراه
هنا ،
ومثاله : أن يقول المكره للمكره : أعطني دارك وإلا أخذتها منك
بالقوة . أو أقتل نفسك وإلا قتلتك ، ونحوه .
أنواع الإكراه
:
الإكراه في جميع صوره على نوعين ، وهما :
النوع الأول : الإكراه
على الكلام المخالف للحق . وهذا النوع لا يجب به شئ عندهم ، فكل ما أكره عليه
المسلم فله ذلك ، وله أمثلة كثيرة جدا ، أشدها : التلفظ بكلمة الكفر ، وهنا يجب
الالتفات إلى نقطة في غاية الأهمية في مسألة الإكراه على اللفظ المخالف
للحق ، ونعني بها صلة الألفاظ بأفعال القلوب التي لا سبيل
للمكره إلى علمها في قلب المكره ، وعليه فلا يصح التجاء المكره إلى شئ منها قط
، كما لو أكره على كلمة الكفر ، أو على الإعتقاد بعقيدة فاسدة ، أو إنكار كل ما
ثبت أنه من الدين إنكارا قلبيا
لا لفظيا . فمثل هذه الأمور ونظائرها يجب الاحتراز فيها جدا ، بحيث لا يتعدى
النطق باللفظ إليها ، لأنها مما لا يصح فيه الإكراه ، فغاية الأمر : إن المكره
يريد التخلص من الشر بإتيان اللفظ المخالف للحق ، لا أن يؤمن بما يتلفظ به
حقيقة .
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى صراحة في قوله تعالى :
( لا يتخذ المؤمنون
الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ ويحذركم الله
نفسه وإلى الله المصير ) ( 1 ) . ومما
يلحظ هنا هو أن التحذير الشديد الوارد في الآية المباركة قد جاء مباشرة بعد
تشريع التقية في الآية نفسها ،
ثم أكده تعالى بقوله الكريم : (
قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما
في السماوات وما في الأرض والله على كل شئ قدير )
( 2 ) . وكل هذا التحذير قد جاء في سياق واحد بعد تشريع التقية ، لئلا
يتحول إنكار المؤمن للحق بفعل الإكراه إلى إنكار قلبي كما يريده من أكرهه ، لأن
الواجب أن يبقى القلب مطمئنا بالإيمان .
وفي هذا الصدد قال الفخر الرازي في تفسيره : ( إنه تعالى لما نهى
| |
* هامش * |
|
|
|
(1)
سورة آل عمران : 3 / 28 . |
(2) سورة آل عمران
: 3 / 29 . ( * ) |
المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء ظاهرا وباطنا واستثنى عنه
التقية في الظاهر ، أتبع ذلك بالوعيد على أن يصير الباطن موافقا للظاهر في وقت
التقية ، وذلك لأن من أقدم عند التقية على إظهار الموالاة ، فقد يصير إقدامه
على ذلك الفعل بحسب الظاهر سببا لحصول تلك الموالاة في الباطن ، فلا جرم بين
تعالى أنه عالم بالبواطن كعلمه بالظواهر ، فيعلم العبد إنه لا بد أن يجازيه على
ما عزم عليه في قلبه ) ( 1 ) .
هذا ، ومن الجدير بالإشارة إن الإكراه اللفظي قد لا يكون هكذا في جميع صوره ،
فلو أكره المرء المسلم على الطلاق مثلا ، وكانت نيته موافقة للفظه فلا يكون
بهذا خارجا عن ربقة الإسلام ، بخلاف ما لو أكره بالقتل على سب النبي صلى الله
عليه وآله وسلم وسبه بكل رضا وارتياح ، فهو بهذا سيكون كافرا بلا خلاف .
النوع الثاني : الإكراه على الفعل المحظور
لا شك أن الشريعة لم تبح جميع الأفعال المحظورة بلا قيد أو شرط ، لأن الأفعال
المحرمة - في نظر الشريعة الغراء - على نحوين :
أحدهما ، تسوغ معه التقية
حال الإكراه عليه ، وأمثلته كثيرة كالتقية في السرقة ، أو إتلاف مال الغير ، أو
الإفطار في شهر رمضان ، أو تأخير الصلاة ، أو الامتناع عنها إذا اقتضى الإكراه
ذلك ، أو شرب الخمر - على خلاف فيه ، ونحوها من الأمور التي يجوز ارتكابها عند
الإكراه عليها .
والآخر ، لا تسوغ معه التقية مطلقا وفي جميع
الأحوال مهما بلغت درجة الإكراه عليه ، كالإقدام مثلا على قتل مسلم برئ بحجة
الإكراه ،
| |
* هامش * |
|
|
|
(1)
التفسير الكبير /
الفخر الرازي 8 : 15 . ( * ) |
|
فهنا لو أقدم المكره على القتل فلولي الدم القصاص بلا خلاف
بين سائر فقهاء الشيعة ، وأحاديثهم المروية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
وعترته عليهم السلام صريحة بهذا كل الصراحة ، وأيدهم على هذا أكثر فقهاء
المذاهب سوى الأحناف كما سيأتي بيانه في مكان آخر في هذا البحث .
ومما يجب التنبيه عليه هنا ، هو أن التقية ليست
واجبة شرعا في جميع حالات الإكراه ، فهي قد تكون واجبة ، أو محرمة ، أو مباحة ،
أو مندوبة ، أو مكروهة بحسب الأحكام التكليفية الخمسة ، ولكن ليس لأحكامها ضابط
معين بحيث لا يمكن تجاوزه في جميع حالات الإكراه ومن أي مكره ، كما أشرنا إلى
ذلك فيما تقدم .
نعم يستثنى من ذلك ما نص عليه الدليل المعتبر ، وأما ما لا نص فيه من صور
الإكراه فيترك تقدير الإقدام على التقية فيه لمن يحمل عليها قسرا ، مع مراعاة
اجتناب أصعب الضررين ، وسيأتي المزيد من التوضيح في بيان حكم ما يكره عليه ، مع
صلة بعض القواعد الفقهية بهذا البيان .
حكم ما يكره عليه :
إن من الثوابت التي لا يشك بها أحد هو أن الدين الإسلامي دين اليسر ورفع الحرج
، إذ أباحت الشريعة الإسلامية للمضطر والمكره ارتكاب المحظور شرعا ، كل ذلك من
أجل أن يعيش الإنسان حياة حرة كريمة بعيدة عن كل ما يتلفها أو ينتقص من
كرامتها وقدرها ، حتى ولو أدى ذلك إلى ارتكاب المحرمات ، أو
المساس بحقوق الآخرين التي صانتها الشريعة الإسلامية نفسها وبأروع ما يكون .
ومن هنا انطلق فقهاء المذاهب الإسلامية ليقعدوا بعض القواعد
الفقهية المعبرة عن يسر هذا الدين العظيم وروحه السمحة ، ومن
بين تلك القواعد الفقهية المتفق عليها ، قاعدة الضرر يزال ، وقاعدة الضرورات
تبيح المحظورات ، وغيرهما من القواعد الفقهية المتفرعة عن قاعدة ( لا ضرر ولا
ضرار ) ( 1 ) .
وقد استمدوا هاتين القاعدتين من أصول التشريع الإسلامي : قرآنا وسنة .
والسؤال المهم هنا ، هو : هل أن الشريعة
الإسلامية أباحت للمكره أو المضطر كل محرم - مهما كان - بسبب ذلك الإكراه أو
الاضطرار . وبعبارة أخرى : هل أن حديث الرفع المشهور عند جميع المذاهب
الإسلامية ) ( 2 ) ، يجري على كل إكراه ، أو أن
له حدودا ثابتة لا يمكن تجاوزها بحال ؟
والواقع ، إن الإجابة المفصلة على هذا التساؤل المهم جدا في بيان حكم ما يكره
عليه ، لا يمكن أن تتم ما لم يعرف قبل ذلك نوع الضرر المهدد به المكره ، مع
معرفة الآثار السلبية الناجمة عن تنفيذ المكره للنطق أو الفعل الذي أكره عليه .
بمعنى ، أن تكون هناك معرفة بحجم الضرر المهدد به المكره ، مع معرفة المحرم
الذي يراد تنفيذه كرها ، لكي تجري عملية موازنة بين الضررين ، حتى يرتكب أخفهما
حرمة في الشريعة . وفي المسألة صور كثيرة جدا ، إذ قد يكون الإكراه ، على قتل
مسلم ، أو
| |
* هامش * |
|
|
|
(1)
أنظر : الأشباه والنظائر
/ السيوطي : 173 القاعدة الرابعة ، طبعة دار الكتاب العربي . وانظر
قاعدة لا ضرر / السيد السيستاني 1 : 158
(2) سيأتي
ذكر الحديث في أدلة التقية من السنة النبوية . ( * ) |
زنا ، أو قطع بعض الأطراف ، أو شرب خمر ، أو قذف مؤمن ، أو
شهادة زور ، أو سرقة مال ، ونحوها . وقد يكون التهديد والوعيد ، بالقتل ، أو
التعذيب ، أو السجن ، أو النفي ، أو الإهانة ، أو التشهير ، أو الغرامة المالية
، أو هتك العرض ، أو تهديم الدار ، أو الفصل من الوظيفة ، وغيرها .
وهذه الصور الكثيرة يمكن جمعها في ثلاث صور لا رابع لها
وهي :
الصورة الأولى : أن يكون
الضرر المهدد به المكره تافها وحقيرا ، بينما يكون المحرم المراد ارتكابه عظيما
وجسيما .
الصورة الثانية : عكس
الأولى .
الصورة الثالثة : يتساوى
فيها الأمران .
وهذا - مع قربه من الإجابة على التساؤل السابق - إلا إنه لا يكفي في ذلك ،
لوجود جوانب أخر ذات صلة وثقى بتحديد الجواب ، ويأتي في مقدمتها ، اختلاف الناس
وتفاوت رتبهم ودرجاتهم ، فالإمام ليس كالمأموم ، والرئيس يختلف عن المرؤوس ،
والعالم ليس كالجاهل ، والفقيه ليس كالمقلد ، والنابه الذكي ليس كالخامل الغبي
.
ولا شك أن هذا الاختلاف في رتب الناس ودرجاتهم يؤثر سلبا أو إيجابا في تقدير
موقف المكره نفسه أولا ، مع تأثيره المباشر أيضا في تقدير الأفعال أو الأقوال
المطلوبة منه ثانيا ، وفي تقدير الأمور المخوف بها ثالثا . إذ قد ( يكون الشئ
إكراها في شئ دون غيره ، وفي حق شخص دون
آخر ) ( 1 ) .
فقد يرى بعضهم في نوع الضرر المهدد به ما يبرر له ارتكاب
المحرم ، لأجل التخلص من ذلك الضرر بأية وسيلة .
ويرى الآخر في ارتكاب المحرم البسيط عند الإلجاء القهري إليه خطرا جسيما على
العقيدة الإسلامية برمتها ، بناء على موقعه الديني الرفيع مثلا ، فتراه يقدم
على التضحية بكل غال ونفيس ولا يتقي من أحد .
هذا زيادة على أن الاختلاف المذكور له تأثيره المباشر في مسألة التخلص من
التقية باستخدام التورية ، فيخدع بها المكره ويخلص نفسه بها من شره .
دور القواعد الفقهية في بيان حكم ما يكره عليه :
حاول الفقهاء أن يجدوا الإجابة العامة الشافية للتساؤل السابق
من خلال قواعدهم الفقهية المسلمة الصحة الخاصة بالضرر وكيفية التعامل معه
وإزالته ، وسوف نشير إلى أهم تلك القواعد على النحو الآتي :
1 - قاعدة : يرتكب
أخف الضررين لدفع أعظمهما : صلة القاعدة بالإكراه والتقية :
تصب هذه القاعدة في رافد الإجابة على التساؤل السابق حول حديث
الرفع ، لأنها تفيدنا في معرفة حكم ما يكره عليه الإنسان ، وقد مر ورود لفظ (
الإكراه ) في الحديث صراحة .
| |
* هامش * |
|
|
|
(1)
الأشباه والنظائر
/ السيوطي : 370 . ( * ) |
|
ويتوقف هذا على بيان صلة القاعدة بالإكراه والتقية ، إذ قد
يقع الإنسان بين ضررين وهو مضطر إلى أحدهما ، فيرتكب أخفهما لدفع أعظمهما بموجب
القاعدة وحينئذ لا إكراه في المقام ولا تقية من أحد ! ! ولكن القاعدة لم توضع
لأجل هذا فحسب
، بل هي عامة تنطبق على موارد الضرر كافة ومن بينها الضرر
الناتج بفعل الإكراه الذي لا خلاص منه إلا بالتقية شأنها بذلك شأن القواعد
الفقهية الأخرى الآتية الخاصة بالضرر .
وتوضيح ذلك يتم من خلال معرفة أقسام الضرر تبعا لأسبابه ، وهي :
1 - الضرر الناتج من نفس
المتضرر ، وهو ما يعبر عنه بالضرر الحاصل من سوء الاختيار كموارد تعجيز الإنسان
نفسه مثلا .
2 - الضرر الناتج بفعل
العامل الطبيعي كالزلازل ونحوها .
3 - الضرر الناتج من شخص
آخر ، ويعبر عن الضررين الأخيرين بالضرر الحاصل من غير سوء الاختيار .
ومن الواضح أن الإكراه لا يكون إلا من الغير كما تقدم في أركانه ، وهذا يعني
صلة الضرر الأخير بالإكراه إذا كان من ظالم ، لأن الضرر الحاصل من الغير قد
يكون بإكراه وقد لا يكون .
على أن بعض فقهائنا الأعلام أدخل موارد التقية حتى في الضرر
الناتج عن سوء الاختيار ، كما نجده صريحا في تقريرات بحث السيد الخوئي الأصولية
( 1 ) ، إذ ورد فيها القول بصحة تعجيز الإنسان
نفسه في موارد التقية .
وبما أن القاعدة لم تختص بمورد ضرري معين كما هو حال القواعد
الفقهية الأخرى ، بل ناظرة إلى مطلق
| |
* هامش * |
|
|
|
(1)
محاضرات في أصول الفقه
/ محمد إسحاق الفياض 4 : 243 ، مبحث الإجزاء ، في مسألة حكم الأضرار بسوء
الاختيار . ( * )
|
الضرر فتكون صلتها بالإكراه والتقية واضحة جدا .
وهذه القاعدة الفقهية لا خلاف في صحتها عند جميع الفقهاء ، وهي منسجمة تماما مع
روح التشريع الإسلامي ومرونته ، وجارية على وفق مقتضيات العقل السليم ، فهي على
ما يقول السيد الخوئي قدس سره : ( من القضايا التي قياساتها معها ، فلا تحتاج
إلى برهان أو مؤنة الاستدلال ) ( 1 ) .
وفيها يقول الندوي : ( إذا اجتمع للمضطر محرمان كل منهما لا يباح بدون الضرورة
، وجب تقديم أخفهما مفسدة وأقلهما ضررا ، لأن الزيادة لا ضرورة إليها فلا يباح
) ( 2 ) .
وقال الزيلعي : ( الأصل في جنس هذه المسائل : إن من ابتلي ببليتين ، وهما
متساويتان يأخذ بأيهما شاء ، وإن اختلفتا يختار أهونهما ، لأن مباشرة الحرام لا
تجوز إلا للضرورة ، ولا ضرورة في حق الزيادة ) ( 3 )
.
وفي هذا الصدد ، يقول الغزالي : ( وارتكاب أهون الضررين يصير واجبا بالإضافة
إلى أعظمهما ، كما يصير شرب الخمر واجبا في حق من غص بلقمة - أي : ولم يجد ماء
- ، وتناول طعام الغير واجبا على المضطر في المخمصة ، وإفساد مال الغير ليس
حراما لعينه ، ولذلك لو أكره عليه بالقتل وجب أو جاز ) (
4 ) .
| |
* هامش * |
|
|
|
(1)
أنظر : مصباح الأصول
2 : 562 في التنبيه السابع من تنبيهات قاعدة لا ضرر ، المسألة الأولى .
(2)
القواعد الفقهية / علي أحمد الندوي : 225 ،
دار القلم ، دمشق / 1412 ه ،
وأشار في هامشه إلى قواعد ابن رجب
الحنبلي : 246 القاعدة رقم / 112 .
(3) الأشباه
والنظائر / ابن نجيم الحنفي : 89 .
(4) المستصفى
/ الغزالي 1 : 89 دار الكتب العلمية / 1403 ه . ( * ) |
وقد صيغت هذه القاعدة بألفاظ أخرى في كتب القواعد الفقهية
وغيرها ، ومن تلك الصياغات ما تجده في شرح القواعد الفقهية إذ وردت بهذه الصيغة
: ( إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما )
( 1 ) وهي نفسها عند ابن نجيم الحنفي
( 2 ) ونظيرها عند آخرين (
3 ) .
هذا ، وقد فرع فقهاء العامة على هذه القاعدة جملة من الفروع ، نذكر منها ما
ذكره الشيخ الزرقا من فروع هذه القاعدة وهي :
أ - تجويز السكوت على المنكر إذا كان يترتب على إنكاره
ضرر أعظم .
ب - تجوز طاعة الأمير الجائر إذا كان يترتب على الخروج
عليه شر أعظم ( 4 ) .
2 - قاعدة :
الضرورات تقدر بقدرها : صلة القاعدة بالإكراه والتقية :
إن من أوجه الاتفاق بين الضرورة والإكراه - كما سيأتي - هو أن
مفهوم الضرورة العام يعني تحققها بمجرد حلول خطر لا يندفع إلا بمحظور ، وعليه
سيكون الإكراه داخلا بهذا المفهوم العام .
وإذا اتضحت صلة الضرورة بالإكراه اتضحت صلتها بالتقية أيضا على أن في أحاديث
أهل
| |
* هامش * |
|
|
|
(1)
شرح القواعد
الفقهية / أحمد بن محمد الزرقا : 201 القاعدة رقم 28 ، ط 2 ، دار
القلم ، دمشق / 1409 ه .
(2)
الأشباه والنظائر / ابن نجيم الحنفي : 89 .
(3) كالغزالي في
إحياء علوم الدين 3 : 138 . والقراني
المالكي في الفروق 4 : 236 ( الفرق الرابع والستون والمائتان ) .
والفرغاني الحنفي في فتاوى قاضيخان
3 : 485 ، مطبوع بهامش الفتاوى الهندية .
(4) شرح
القواعد الفقهية : 201 في شرح القاعدة رقم 28 . ( * ) |
البيت عليهم السلام ما يؤكد هذه الصلة أيضا .
ففي حديث الإمام الباقر عليه السلام : التقية في كل ضرورة
وصاحبها أعلم بها حين تنزل به ( 1 ) .
وما تعنيه هذه القاعدة ، هو أن ما تدعو إليه الضرورة من
المحظورات إنما يرخص منه القدر الذي تندفع به الضرورة فحسب ، فإذا اضطر الإنسان
لمحظور لأي سبب مسوغ كالإكراه ، أو المخمصة ونحوهما ، فليس له أن يتوسع في
المحظور ، بل يقتصر منه على قدر ما تندفع به الضرورة فقط .
ومن ثمرات هذه القاعدة كما صرح به الشيخ الزرقا : إنه من أكره على اليمين
الكاذبة فإنه يباح له الإقدام على التلفظ مع وجوب التورية والتعريض فيها إن
خطرت على باله التورية والتعريض ( 2 ) .
وهناك قواعد أخرى تصب في هذا الاتجاه أيضا ، سنكتفي بذكرها دون شرحها لأجل
الاختصار ، وهي :
3 - قاعدة : الضرر
الأشد يزال بالضرر الأخف :
وقد ذهب الشيخ الأنصاري إلى أبعد من هذه القاعدة في حال
التقية ، إذ جوز التقية للمكره في صورة إزالة الضرر عن نفسه حتى مع كون الضرر
على الغير أشد ما لم يصل إلى حد القتل ، فقال في حديثه عن قاعدة لا ضرر -
الآتية : ( اتفقوا على أنه يجوز للمكره الإضرار على الغير بما دون القتل ، لأجل
دفع الضرر عن نفسه ، ولو كان أقل من ضرر الغير ) ( 3 )
.
| |
* هامش * |
|
|
|
(1)
أصول الكافي 2 :
219 / 13 باب التقية ، من كتاب الإيمان والكفر .
(2)
شرح القواعد الفقهية / أحمد بن محمد الزرقا :
188 في شرح القاعدة رقم 21 .
(3) رسائل
الشيخ الأنصاري : 298 ، في آخر البحث عن أصل الاشتغال . ( * ) |
|
وهذا ما لم يوافقه عليه جملة من كبار الفقهاء المعاصرين آخذين
بهذه القاعدة ( 1 ) .
4 - قاعدة : لا ضرر
ولا ضرار : وفي هذه القاعدة قسم السيد الخوئي قدس سره ، والسيد
السيستاني الضرر إلى أنواعه المتقدمة مع بيانهما وأسبابه التي ذكرناها سابقا ،
ومن مراجعتها تعلم صلة هذه القاعدة بالتقية فضلا عن اتفاقهم على إدخال الضرر
الناتج عن إكراه في موجب هذه القاعدة .
5 - قاعدة : الضرورات
تبيح المحظورات : وهذه القاعدة متفرعة عن قاعدة لا ضرر المتقدمة كما
نجده في قاعدة لا ضرر للسيد السيستاني وغيره ، ومن أوضح تطبيقاتها عندهم جواز
التلفظ بكلمة الكفر في حال الإكراه عليها ( 2 ) .
ولا يخفى بأن ما جوزوه لا يكون إلا في حال التقية ، وهذا هو معنى صلة القاعدة
بموضوع البحث ، وهو التقية ، على أن الشيخ الأنصاري صرح في بحث التقية بما يفيد
المقام جدا وسوف نذكر نص كلامه في الحديث عن صلة حديث الرفع بالتقية ، فلاحظ .
وبما أن صلة هذه القواعد بالتقية صلة وثيقة جدا ، بل هي صلة الضرورة بالإكراه ،
ومن هنا لا بد من التعرض للعلاقة القائمة بين الضرورة والإكراه ، تحت عنوان :
| |
* هامش * |
|
|
|
(1)
القواعد الفقهية
/ ناصر مكارم الشيرازي 1 : 89 في قاعدة التقية . وانظر :
مصباح الأصول ( تقريرا لبحث السيد الخوئي ) 2
: 562 .
والتنبيه السابع من تنبيهات قاعدة لا ضرر .
(2)
قاعدة لا ضرر / السيد السيستاني 1 : 158 . والأشباه
والنظائر / السيوطي : 92 - 93 . ( * ) |
الفرق والاتفاق بين الضرورة والإكراه :
أولا : الفرق بين
الضرورة والإكراه : ويلاحظ هنا أن الفرق الأول بينهما ، هو أن في
الإكراه يدفع المكره إلى إتيان المحظور من قبل شخص آخر بقوة الإكراه .
وأما في الضرورة فلا يدفع المرء إلى ارتكاب المحظور أحد ، وإنما يكون المرء
المضطر في ظرف خاص صعب يقتضي الخروج منه ارتكاب المحظور ، لكي ينقذ نفسه أو
عائلته من الهلاك المحتم ، كالاضطرار إلى أكل لحم الميتة في حالة الجوع الشديد
مع عدم وجود ما يؤكل غيره .
والفرق الآخر هو أن امتناع المكره عن تنفيذ ما أكره عليه قد يكون في بعض صور
الإكراه واجبا عليه كما في الإكراه على القتل مثلا . وأما في حالة الاضطرار إلى
ارتكاب المحرم لسد الرمق بعد الوقوع في مخمصة فالامتناع عنه حرام يعاقب عليه
ثانيا : الاتفاق بين
الضرورة والإكراه : يمكن القول بأن الفرق الأخير يعد من حيثية أخرى
اتفاقا بين الضرورة والإكراه ، لأن كلا منهما يهدف إلى صيانة النفوس من التلف .
وهذا لا يعني انعدام الصلة بينهما إلا في هذه الحيثية ، بل هناك جوانب اتفاق
بين الضرورة والإكراه .
منها : إن الفاعل فيهما لا يجد سبيلا للخلاص من الشر المحدق به غير ارتكاب
المحظور . ومنها : أيضا اتفاقهما من جهة ترتب الآثار على نفس الفاعل .
ومن نقاط الاتفاق الواضحة بينهما هو أن الضرورة تجعل المحظور
مباحا كما مر في قاعدة ( الضرورات تبيح المحظورات ) ، وكذلك الحال مع الإكراه ،
إذ يبيح ارتكاب بعض المحرمات ، ومنها المساس بحقوق الآخرين . وعلى هذا الوجه
يدخل الإكراه في مفهوم الضرورة العام الذي يعني تحققها بمجرد حلول خطر لا يندفع
إلا بمحظور ( 1 ) .
ومن هنا يتبين عدم الفرق بينهما من جهة الملاك ، لأن ملاكهما واحد ، وهو رفع
الضرر الأهم بارتكاب ترك المهم ( 2 ) .
ولهذا علل بعض فقهاء القانون الوضعي انتفاء المسؤولية في حالة الضرورة بفكرة
الإكراه ، لأن من يكون في حالة ضرورة هو مكره على الفعل الذي يخلصه منها ،
وكثير منهم قرن أحدهما بالآخر ( 3 ) .
وبهذا العرض الموجز عن الإكراه وصلته بالضرورة والتقية ، نعود إلى الحديث عن
التقية لنتعرف أولا على أصولها ومصادرها التشريعية عبر بيان أدلتها من القرآن
الكريم والسنة المطهرة ، ودليل العقل والإجماع .
| |
* هامش * |
|
|
|
(1)
راجع : الضرورة في
الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي / الدكتور محمد محمود عبد العزيز
الزيني : 59 ، مؤسسة الثقافة الجامعية ،
الإسكندرية / 1993 م .
(2)
راجع القواعد الفقهية
/ ناصر مكارم الشيرازي 2 : 19 .
(3) راجع
الإحكام العامة في قانون العقوبات / الدكتور السعيد مصطفى السعيد :
417 ، وشرح قانون العقوبات - القسم العام /
الدكتور محمود
المصطفى : 326 نقلا عن الضرورة
للدكتور محمد محمود الزيني : 223 . ( * ) |
|