أدلة التقية وأصولها التشريعية

 

 

- التقية في الفكر الاسلامي - مركز الرسالة ص 31 :

الفصل الثاني أدلة التقية وأصولها التشريعية


المبحث الأول أدلة التقية من القرآن الكريم لا شك أن من قال بالقرآن الكريم صدق ، ومن حكم به عدل ، ومن عمل به أجر ، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم . وكيف لا ، وهو يهدي للتي هي أقوم ، مع كونه بيانا للناس وهدى وموعظة للمتقين ؟

ومع هذه الحقيقة الناصعة التي طفحت بها آيات الكتاب ، وأكدتها السنة النبوية بأعظم التأكيد ، إلا إنك قد تجد من يسئ إلى المفاهيم القرآنية الواضحة فيه أبلغ الإساءة كمفهوم التقية ، فيدعي أنها من النفاق ! وهذا يكشف عن كون اتخاذ القرار في

التخطيط لأية مسألة فكرية تتصل بعقيدة المسلمين ، أو الأحكام الشرعية وفهمها فهما دقيقا لا يناط أبدا بغير المخلص الكفوء ، خشية من الوقوع في الانحراف الفكري عن قصد أو بدون قصد . ( * )
 

- ص 32 -

والعجب إنك ترى تلك الإساءة ممن يدعي العلم والفهم وتلاوة القرآن الكريم ، وكأنه لم يمر - في تلاوته - أبدا على ما سنتلوه عليك من آيات بينات وما قاله المفسرون بشأنها .
 

إن الآيات القرآنية الدالة على اليسر ونفي الحرج وعدم إلقاء النفس إلى التهلكة ، أو المشيرة إلى أن المكره أو المضطر إلى المحرم لا جرم عليه ، غير خافية على أحد ، ولا ينكرها إلا الجاهل المتعسف أو المعاند الصلف ، وكلامنا ليس مع هذا الصنف ، بل مع من يعي أن نبينا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم بعث بالحنيفية السمحة ثم يشتبه عليه أمر التقية .


ونحن إذ نتعرض هنا للأدلة القرآنية الدالة على مشروعية التقية ، نود التذكير بأن الدليل الواحد المعتبر الدال على صحة قضية يكفي لإثباتها ، فكيف لو توفرت مع إثباتها أدلة قرآنية كثيرة ، لم يختلف في تفسيرها ، لأنها محكمة ينبئ ظاهرها عن

حقيقتها ولا مجال لمتأول فيها ؟ ومع هذا سوف لا نكتفي بدليل قرآني واحد ، بل سنذكر أربع آيات مباركة ، من بين الآيات القرآنية الكثيرة الدالة على مشروعية التقية .


والسبب في هذا الحصر والانتقاء ، إنا وجدنا القرآن الكريم قد تعرض إلى بيان تقية المؤمنين في الأمم السالفة بآيتين صريحتين ، كما وجدناه قد أمضى تلك التقية بتشريعاته الخالدة في أكثر من آية ، انتقينا منها آيتين فقط ، لما فيهما من وضوح تام حول امتداد ظل ذلك التشريع العظيم إلى وقت مبكر من عمر الرسالة الخاتمة .


ومن هنا قسمنا الأدلة المذكورة على قسمين : أحدهما ، ما اتصل بالتقية قبل الإسلام ، والآخر : ما اتصل بها عند انطلاق دعوة الحق من

- ص 9 -

البيت العتيق ، وإليك التفصيل :

 أولا : الأدلة القرآنية الدالة على التقية قبل الإسلام .

 الآية الأولى : حول تقية أصحاب الكهف . قال تعالى : ( وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا * إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا ) ( 1 ) .


في هاتين الآيتين المباركتين أصدق تعبير على أن التقية كانت معروفة وجائزة في شرع ما قبلنا ( نحن المسلمين ) وهي صريحة في تقية أصحاب الكهف رضي الله تعالى عنهم ، وقد أفاض المفسرون في بيان قصتهم وكيف أنهم كانوا في ملة كافرة وأنهم كانوا يكتمون إيمانهم قبل أن يدعوهم ملكهم إلى عبادة الأصنام ، فلجأوا إلى الكهف بدينهم ( 2 ) .


ولكن قد يقال بأن الله عز وجل أورد من نبأهم ما يدل على عدم تقيتهم ، كقوله تعالى : ( وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا ) ( 3 ) وهذا القول
 

 

* هامش *

 

 

(1) سورة الكهف : 18 / 19 - 20 .
(2) راجع : تفصيل قصتهم في مجمع البيان / الطبري 5 : 697 - 698 . وزاد المسير / ابن الجوزي 5 : 109 - 110 .
    والجامع لأحكام القرآن / القرطبي 10 : 357 - 359 . وتفسير الطبري 15 : 50 . والدر المنثور / السيوطي 5 : 373 .
    والتفسير الكبير / الفخر الرازي 21 : 97 . وتفسير أبي السعود 6 : 209 . وقد وردت قصتهم عن ابن عباس ، ومجاهد ،
    وعكرمة ، وقتادة وغيرهم .

(3)
سورة الكهف : 18 / 14 . ( * )

 

- ص 34 -

دال على عدم تقيتهم . وقولهم : ( ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا من دونه إلها ) ، هو قول من لا يرى التقية أصلا ، فأين تقية أصحاب الكهف إذن ؟ !


والجواب : إن ما صدر عنهم من أقوال معبرة عن عدم تقيتهم إنما صدر بعد انكشاف أمرهم ، إذ كانوا قبل ذلك يكتمون إيمانهم عن ملكهم كما في لسان قصتهم ، على أن في القصة ذاتها ما يعبر بوضوح عن إيصائهم لمن بعثوه بعد انتهاء رقدتهم بالتقية ، كما يفهم من عبارة ( وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا ) .


ومن هنا قال الفخر الرازي : ( وقوله : ( وليتلطف ) أي : يكون ذلك في سر وكتمان ، يعني دخوله المدينة وشراء الطعام )
( 1 ) .

وأوضح من هذا ما صرح به القرطبي المالكي بشأن توكيل أصحاب الكهف لأحدهم بشراء الطعام مع إيصائه بالتقية من القوم الكافرين بإخفاء الحقيقة عنهم بالتكتم عليها ، فقال ما هذا نصه : ( في هذه الآية نكتة بديعة ، وهي أن الوكالة إنما كانت مع التقية خوف أن يشعر بهم أحد لما كانوا عليه من خوف على أنفسهم ، وجواز توكيل ذوي العذر متفق عليه ) ( 2 ) .


إذن ، تقية أصحاب الكهف لا مجال لإنكارها في جميع الأحوال سواء قبل تصميمهم على ترك المداراة مع القوم واللجوء إلى الكهف ، أو بعد

 

* هامش *

 

 

(1) التفسير الكبير / الفخر الرازي 21 : 103 .
(2) الجامع لأحكام القرآن / القرطبي 10 : 376 - 377 . ( * )

 

 

- ص 35 -

انتهاء رقدتهم ، ولكن الحق ، أن تقيتهم الأولى كانت قاسية على نفوسهم لما فيها من مجاهدة نفسية عظيمة ، لا سيما إذا علمنا أنهم من أعيان القوم ومن المقربين إلى الملك الكافر دقيانوس قبل أن ينكشف أمرهم .


ولا ريب بأن تقية المسلم من المسلم لا تكون مثل تقية المسلم من الكافر ، بل وما يكره عليه المسلم من كافر مرة واحدة أو مرات لا يقاس بمعاناة الفتية الذين آمنوا بربهم ، لأنهم قضوا شطرا من حياتهم بين قوم عكفوا على عبادة الأصنام والأوثان .


ولهذا ورد عن الإمام الصادق عليه السلام قوله : ما بلغت تقية أحد تقية أصحاب الكهف ، إن كانوا ليشهدون الأعياد ، ويشدون الزنانير ، فأعطاهم الله أجرهم مرتين ( 1 ) .


 أقول : كيف لا يشدون الزنار على وسطهم وهم عاشوا في أوساطهم ؟ وكيف لا يشهدون أعيادهم وهم من أعيانهم ؟ الآية الثانية : حول تقية مؤمن آل فرعون . قال تعالى : ( وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ) ( 2 ) .


هذه الآية المباركة هي الأخرى تحكي مشروعية التقية قبل بزوغ شمس الإسلام بقرون .
 

 

* هامش *

 

 

(1) أصول الكافي 2 : 174 - 175 / 14 و 19 كتاب الإيمان والكفر باب التقية ، المكتبة الإسلامية ، طهران / 1388 ه‍ .
(2) سورة غافر : 40 / 28 . ( * )

 

- ص 36 -

وعلى الرغم من وضوح دلالة الآية على التقية سوف نذكر طائفة من أقوال المفسرين بشأنها ، ليعلم اتفاقهم على مشروعية التقية قبل الإسلام ، وسيأتي تصريحهم ببقائها إلى يوم القيامة .


وفي هذا الصدد ، نقل الماوردي في تفسيره عن الحسن البصري ، أن هذا الرجل كان مؤمنا قبل مجئ موسى عليه السلام ، وكذلك امرأة فرعون ، فكتم إيمانه . وأورد عن الضحاك ، بأنه كان يكتم إيمانه للرفق بقومه ، ثم أظهره فقال ذلك في حال كتمه ( 1 ) .
 

ولا شك أن ما يعنيه كتمان الإيمان هو التقية لا غير ، لأنه إخفاء أمر ما خشية من ضرر إفشائه ، والتقية كذلك . وأورد ابن الجوزي عن مقاتل بشأن مؤمن آل فرعون : ( إنه كتم إيمانه من فرعون مائة سنة ) ( 2 ) .


لقد بين لنا القرآن الكريم - قبل الآية المذكورة - السبب الذي دفع مؤمن آل فرعون إلى قوله المذكور ، وهو رغبة فرعون بقتل موسى عليه السلام ، قال تعالى : ( وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد ) ( 3 ) .


وهنا قد يقال - كما في تفسير الرازي - : ( إنه تعالى حكى عن ذلك المؤمن أنه كان يكتم إيمانه ، والذي يكتم إيمانه كيف يمكنه أن يذكر هذه الكلمات مع فرعون ؟ ) .
 

 

* هامش *

 

 

(1) النكت والعيون / الماوردي 5 : 153 ، دار الكتب العلمية ، بيروت .
(2) زاد المسير / ابن الجوزي 7 : 312 .

(3) سورة غافر : 40 / 26 . ( * )

 

- ص 37 -

وقد بين الرازي أن في المسألة قولين :

 الأول : إن هذا المؤمن لما سمع قول فرعون : ( ذروني أقتل موسى ) لم يصرح بأنه على دين موسى عليه السلام بل أوهم أنه مع فرعون وعلى دينه ، مبينا أن المصلحة تقتضي ترك قتله ، لأنه لم يرتكب ذنبا وإنما كان يدعو إلى الله عز وجل ، وهذا لا يوجب القتل .
 

 الثاني : إنه كان يكتم إيمانه ، ولما علم بقول فرعون المذكور أزال الكتمان وأظهر كونه على دين موسى وشافه فرعون بالحق ( 1 ) . على أن تقيته واضحة جدا حتى على القول الثاني ، لأنه رضي الله عنه كان قد أظهر إيمانه وشافه فرعون بالحق بعد أن كتمه بتصريح القرآن الكريم ، وكتمان الحق وإظهار خلافه هو التقية بعينها .
 

وهذا الرجل العظيم لم يصفه القرآن الكريم بالنفاق ، ولا بالمحتال المخادع ، بل وصفه بأشرف الصفات وأعظمها عند الله عز وجل ، صفة الإيمان .
 

وكيف كان ، فقد أخرج المتقي الهندي في كنز العمال ، عن ابن النجار ، عن ابن عباس ، وعن أبي نعيم في الحلية ، وابن عساكر ، عن ابن أبي ليلى مرفوعا قوله صلى الله عليه وآله وسلم : الصديقون ثلاثة : حبيب النجار مؤمن آل ياسين ، ومؤمن آل فرعون الذي قال : ( أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ) ، والثالث : علي بن أبي طالب ، وهو أفضلهم ( 2 ) .
 

 

* هامش *

 

 

(1) التفسير الكبير / الرازي 27 : 60 . 2 ) كنز العمال / المتقي الهندي 11 : 601 / 32897 و 32898 ، ط 5 ، مؤسسة الرسالة ، بيروت .    وفي حاشية كشف الأستار / محمد حسين الجلال : 98 مؤسسة الأعلمي ، بيروت / 1405 ه‍ ، قال : ( وحسنه السيوطي ) . ( * )

 

- ص 38 -

وفي تفسير المحرر الوجيز : قال الجوهري : ( وقد أثنى الله على رجل مؤمن من آل فرعون كتم إيمانه وأسره ، فجعله الله تعالى في كتابه ، وأثبت ذكره في المصاحف لكلام قاله في مجلس من مجالس الكفر ) ( 1 ) .
 

وفي تفسير القرطبي في تفسيره الآية المذكورة قال : ( إن المكلف إذا نوى الكفر بقلبه كان كافرا وإن لم يتلفظ بلسانه ، وأما إذا نوى الإيمان بقلبه فلا يكون مؤمنا بحال حتى يتلفظ بلسانه ، ولا تمنعه التقية والخوف من أن يتلفظ بلسانه فيما بينه وبين الله تعالى ، إنما تمنعه التقية من أن يسمعه غيره ، وليس من شرط الإيمان أن يسمعه الغير في صحته من التكليف ، وإنما يشترط سماع الغير له ، ليكف عن نفسه وماله ) ( 2 ) .


وبالجملة ، فإن جميع المفسرين الذين وقفت على تفسيرهم اعترفوا بتقية مؤمن آل فرعون ، ولولا خشية الإطالة لأوردنا المزيد من أقوالهم ، ويكفي أن الخوارج الذين زعم بعضهم بأنهم ينكرون التقية قد صرح أباضيتهم بالتقية في تفسيرهم لهذه الآية :

قال المفسر الأباضي محمد بن يوسف أطفيش عن الرجل المؤمن : ( فمعنى كونه من آل فرعون أنه فيهم بالتقية مظهرا أنه على دينهم ، وظاهر قوله ( يا قوم ) أنه منهم - إلى أن قال - واستعمل الرجل تقية على نفسه ، ما ذكر الله عز وجل عنه بقوله : ( وإن يك كاذبا فعليه كذبه ) ( 3 ) .
 

 

* هامش *

 

(1) المحرر الوجيز / ابن عطية 14 : 132 ، تحقيق المجلس العلمي بفاس / 1407 ه‍ .
(2) الجامع لأحكام القرآن / القرطبي 15 : 307 .
(3)
تيسير التفسير / محمد بن يوسف بن أطفيش الأباضي 1 : 343 - 345 . ( * )

 

- ص 39 -

 ثانيا : الأدلة القرآنية الدالة على إمضاء التقية في الإسلام :

 

الآية الأولى : حول جواز الكفر بالله تقية : ويدل عليه قوله تعالى : ( من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ) ( 1 ) .

نزلت هذه الآية المباركة باتفاق جميع المفسرين في مكة المكرمة وفي البدايات الأولى من عصر صدر الإسلام ، يوم كان المسلمون يعدون بعدد الأصابع ، ومن مراجعة ما ذكروه بشأن هذه الآية يعلم أن التقية قد أبيحت للمسلمين أيضا في بدايات

الإسلام الأولى ، وأنها أبقيت على ما كانت عليه في الأديان السابقة ولم تنسخ في الإسلام ، بل جاء الإسلام ليزيدها توكيدا ورسوخا لكي يتترس بها أصحاب الدين الفتي أمام طغيان أبي سفيان وجبروت أبي جهل كما تترس بها - من قبل - أهل

التوحيد أمام ظلم المشركين فيما اقتص خبره القرآن الكريم ، وصرح به سائر المفسرين . فقد أخرج ابن ماجة بسنده عن ابن مسعود ما يؤكد نزول الآية بشأن عمار بن ياسر وأصحابه الذين أخذهم المشركون في مكة وأذاقوهم ألوان العذاب حتى اضطروا إلى موافقة المشركين على ما أرادوا منهم .


وقد علق الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي على هامش حديث ابن ماجة المذكور ، بقوله ( أي : وافقوا المشركين على ما أرادوا منهم تقية ، والتقية في مثل هذه الحال جائزة ، لقوله تعالى : ( إلا من أكره وقلبه مطمئن
 

 

* هامش *

 

 

(1) سورة النحل : 16 / 106 . ( * )

 

 

- ص 40 -

بالإيمان ) ( 1 ) . وقال الجصاص الحنفي : ( هذا أصل في جواز إظهار كلمة الكفر في حال الإكراه ، والإكراه المبيح لذلك هو أن يخاف على نفسه أو بعض أعضائه التلف إن لم يفعل ما أمر به ، فأبيح له في هذه الحال أن يظهر كلمة الكفر ) ( 2 ) .


وفي تفسير الماوردي : ( إن الآية نزلت في عمار بن ياسر وأبويه ياسر وسمية وصهيب وخباب ، أظهروا الكفر بالإكراه وقلوبهم مطمئنة بالإيمان ) ( 3 ) .
 

وبالجملة ، فإن جميع ما وقفت عليه من كتب التفسير وغيرها متفق على نزول الآية بشأن عمار بن ياسر وأصحابه الذين وافقوا المشركين على ما أرادوا وأعذرهم الله تعالى بكتابه الكريم ، على أن بعضهم لم يكتف ببيان هذا ، بل توسع في حديثه عن التقية ، مبينا مشروعيتها ، مع الكثير من أحكامها بكل صراحة ( 4 ) .
 

 

* هامش *

 

 

(1) سنن ابن ماجة 1 : 53 ، 150 باب 11 في فضل سلمان وأبي ذر والمقداد ، دار إحياء الكتب العربية ، وانظر التعليق عليه في الهامش
    رقم ( 1 ) من الصفحة المذكورة .

(2) أحكام القرآن / الجصاص 3 : 192 ، دار الفكر ، بيروت .
(3)
تفسير الماوردي ( النكت والعيون ) 3 : 215 ، دار الكتب العلمية ، بيروت .

(4)
أنظر : تفسير الواحدي الشافعي 1 : 466 مطبوع بهامش تفسير النووي المسمى ب ( مراح لبيد ) دار إحياء الكتب العربية ، مصر ، والمبسوط للسرخسي 24 : 25 . وأحكام القرآن للكيا الهراسي 3 : 246 ، دار الكتب العلمية ، بيروت / 1405 ه‍ .

والكشاف / الزمخشري 2 : 449 - 550 ، دار المعرفة ، بيروت . والمحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز / ابن عطية الأندلسي 10 : 234 - 235 تحقيق المجلس العلمي بفاس / 1407 ه‍ . وأحكام القرآن / ابن العربي 2 : 1177 - 1182 دار المعرفة ، بيروت ( وفيه كلام طويل عن التقية ) . وزاد المسير في علم التفسير / ابن الجوزي 4 : =

 

- ص 41 -

 الآية الثانية : حول موالاة الكافرين تقية : ويدل عليه قوله تعالى : ( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير ) ( 1 ) .

 

 

* هامش *
= 496 ، ط 4 ، المكتب الإسلامي ، بيروت / 1407 ه‍ . والتفسير الكبير / الفخر الرازي 20 : 121 ، ط 3 . والمغني / ابن قدامة 8 : 262 و 10 : 97 مسألة 7116 ، ط 1 ، دار الفكر ، بيروت / 1404 ه‍ . والجامع لأحكام القرآن / القرطبي 10 : 181 ، دار إحياء التراث العربي . وأنوار التنزيل وأسرار التأويل / البيضاوي 1 : 571 ، ط 2 ، مصر / 1388 ه‍ .

وتفسير الخازن / علي بن محمد الخازن الشافعي 1 : 277 . وتفسير ابن جزي الكلبي : 366 ، دار الكتاب العربي ، بيروت / 1403 ه‍ . وتفسير البحر المحيط / أبو حيان الأندلسي 5 : 538 ، ط 2 ، دار الفكر ، بيروت / 1403 ه‍ . وتفسير القرآن العظيم / ابن كثير 2 : 609 ، ط 1 ، دار الخير ، دمشق / 1990 م .

وغرائب القرآن / النيسابوري 14 : 122 مطبوع بهامش تفسير الطبري ، ط 2 ، دار المعرفة ، بيروت / 1392 ه‍ . وفتح الباري شرح صحيح البخاري / ابن حجر العسقلاني 12 : 262 - 263 ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت / 1406 ه‍ . ومنهاج الطالبين / النووي الشافعي 4 : 137 ، 174 دار الفكر ، بيروت .

وانظر تعليق الشربيني عليه في مغني المحتاج في شرح المنهاج 4 : 137 مطبوع بهامش منهاج الطالبين . وروح البيان / البرسوي الحنفي 5 : 84 ، ط 7 ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت / 1405 ه‍ . وفتح القدير / الشوكاني 3 : 197 ، دار المعرفة ، بيروت . وتفسير النووي ( مراح لبيد ) 1 : 466 . ومحاسن التأويل / القاسمي 10 : 165 ، ط 2 ، دار الفكر ، بيروت / 1398 ه‍ .

وتيسير التفسير / محمد بن يوسف أطفيش الأباضي 7 : 97 ، طبعة وزارة التراث القومي والثقافي في سلطنة عمان . وتفسير المراغي 14 : 146 ، ط 2 ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت / 1985 م . وصفوة التفاسير / محمد علي الصابوني الوهابي ، ط 1 ، عالم الكتب ، بيروت / 1406 ه‍ .

أقول : إنما ذكرنا هذه القائمة الطويلة من مصادر تفسر الآية - وكلها مصادر غير شيعية - لكي يعلم من مراجعتها اتفاقهم جميعا على مشروعية التقية في حالة الإكراه عليها ، ولكن بعض المتطفلين على من الكلام الذي ليس له في ميزان العلم أي وزن ولا اعتبار .
 

 

(1) سورة آل عمران : 3 / 28 . ( * )

 

 

- ص 42 -

هذه الآية المباركة ما أصرحها بالتقية ، وقد مر في تعريف التقية لغة بأنه لا فرق بين علماء اللغة بين ( التقاة ) و ( التقية ) فكلاهما بمعنى واحد ، ومن هنا قرأ ابن عباس ، ومجاهد ، وأبو رجاء ، وقتادة ، والضحاك ، وأبو حياة ، وسهل ، وحميد بن قيس ، والمفضل عن عاصم ، ويعقوب ، والحسن البصري ، وجابر بن يزيد : ( تقية ) ( 1 ) .
 

وقد أخرج الطبري في تفسير هذه الآية ، من عدة طرق ، عن ابن عباس ، والحسن البصري ، والسدي ، وعكرمة مولى ابن عباس ، ومجاهد ابن جبر ، والضحاك بن مزاحم جواز التقية في ارتكاب المعصية عند الإكراه عليها كاتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين في حالة كون المتقي في سلطان الكافرين ويخافهم على نفسه ، وكذلك جواز التلفظ بما هو لله معصية بشرط أن يكون القلب مطمئنا بالإيمان ، فهنا لا أثم عليه ( 2 ) .
 


هذا مع اعتراف سائر المسلمين بأن الآية لم تنسخ فهي على حكمها منذ نزولها وإلى يوم القيامة ، ولهذا كان الحسن البصري يقول : ( إن التقية جائزة إلى يوم القيامة ) . حكاه الفقيه السرخسي الحنفي ، وقال معقبا : ( وبه نأخذ ، والتقية أن يقي نفسه من العقوبة بما يظهره وإن كان يضمر خلافه ) ( 3 ) .


واحتج إمام المذهب المالكي ( مالك بن أنس ) بهذه الآية ، على أن

 

* هامش *

 

 

(1) أنظر : حجة القراءات / أبو زرعة : 160 . ومعاني القرآن / الزجاج 1 : 205 . وتفسير الرازي 8 : 12 .
    والنشر في القراءات العشر 3 : 5 . والجامع لأحكام القرآن 4 : 57 . والبحر المحيط 2 : 424 . وفتح القدير 1 : 303 .

(2) تفسير الطبري ( جامع البيان عن تأويل آي القرآن ) 6 : 313 - 317 ، ط 2 ، دار المعرفة ، بيروت / 1392 ه‍ .
(3)
المبسوط / السرخسي 24 : 45 من كتاب الإكراه . ( * )

 

- ص 43 -

طلاق المكره تقية لا يقع ، ونسب هذه الفتيا إلى ابن وهب ورجال من أهل العلم - على حد تعبيره - ثم ذكر أسماء الصحابة الذين قالوا بذلك أيضا ، ونقل عن ابن مسعود قوله : ( ما من كلام يدرأ عني سوطين من سلطان إلا كنت متكلما به ) ( 1 ) .


وقال الزمخشري في تفسير : ( إلا أن تتقوا منهم تقاة ) : ( إلا أن تخافوا أمرا يجب اتقاؤه تقية . . رخص لهم في موالاتهم إذا خافوهم ، والمراد بتلك الموالاة : مخالفة ومعاشرة ظاهرة ، والقلب بالعداوة والبغضاء وانتظار زوال المانع ) ( 2 ) .


وأما الفخر الرازي فقد بين في تفسير الآية أحكام التقية ، قائلا : ( اعلم أن للتقية أحكاما كثيرة ، إلى أن قال : الحكم الرابع : ظاهر الآية يدل على أن التقية إنما تحل مع الكفار الغالبين ، إلا أن مذهب الشافعي : إن الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والمشركين حلت التقية محاماة على النفس .


الحكم الخامس : التقية جائزة لصون النفس ، وهل هي جائزة لصون المال ؟ يحتمل أن يحكم فيها بالجواز لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : حرمة مال المسلم كحرمة دمه ، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم : من قتل دون ماله فهو شهيد ، ولأن الحاجة إلى المال شديدة ، والماء إذا بيع بالغبن سقط فرض الوضوء ، وجاز الاقتصار على التيمم رفعا لذلك القدر من نقصان المال ! فكيف لا يجوز هاهنا ؟ ) .
 

 

* هامش *

 

 

(1) المدونة الكبرى / مالك بن أنس 3 : 29 ، مطبعة السعادة ، مصر .
(2) الكشاف / الزمخشري 1 : 422 . ( * )

 

- ص 44 -

ثم رجح بعد هذا قول الحسن البصري ( التقية جائزة للمؤمنين إلى يوم القيامة ) على قول من قال بأنها كانت في أول الإسلام ، وقال : ( هذا القول أولى ، لأن دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الإمكان ) ( 1 ) .


هذا وقد نقل أبو حيان الأندلسي المالكي في البحر المحيط ، في تفسير الآية المذكورة قول ابن مسعود : ( خالطوا الناس وزايلوهم وعاملوهم بما يشتهون ، ودينكم فلا تثلموه ) .


وقول صعصعة بن صوحان لأسامة بن زيد : ( خالص المؤمن وخالق الكافر ، إن الكافر يرضى منك بالخلق الحسن ) .


وقول الإمام الصادق عليه السلام : إن التقية واجبة ، إني لأسمع الرجل في المسجد يشتمني فاستتر منه بالسارية لئلا يراني . ثم قال بعد ذلك ما هذا نصه : ( وقد تكلم المفسرون هنا في التقية إذ لها تعلق بالآية ، فقالوا : أما الموالاة بالقلب فلا خلاف بين المسلمين في تحريمها ، وكذلك الموالاة بالقول والفعل من غير تقية ، ونصوص القرآن والسنة تدل على ذلك .


والنظر في التقية يكون : فيمن يتقى منه ، وفيما يبيحها ، وبأي شئ تكون من الأقوال والأفعال ؟ فأما من يتقى منه : فكل قادر غالب يكره يجوز منه ، فيدخل في ذلك الكفار ، وجورة الرؤساء ، والسلابة ، وأهل الجاه في الحواضر . وأما ما يبيحها : فالقتل ، والخوف على الجوارح ، والضرب بالسوط ،
 

 

* هامش *

 

 

(1) التفسير الكبير / الفخر الرازي 8 : 13 . ( * )

 

 

- ص 45 -

والوعيد ، وعداوة أهل الجاه الجورة . وأما بأي شئ تكون ؟ من الأقوال : فبالكفر فما دونه ، من بيع ، أو هبة وغير ذلك . وأما من الأفعال : فكل محرم . . وقال مسروق : إن لم يفعل حتى مات دخل النار ، وهذا شاذ ) ( 1 ) .


ما يدل على جواز التقية بين المسلمين أنفسهم : وجدير بالإشارة هنا ، هو ما صرح به فقهاء الفريقين ومفسروهم من جواز التقية بين المسلمين أنفسهم استنادا إلى طائفة أخرى من الآيات الكريمة من قبيل قوله تعالى : ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة )
( 2 )
. فهو : ( يدل على حرمة الإقدام على ما يخاف الإنسان على نفسه أو عرضه أو ماله ) ( 3 ) .


وقد استدل الفخر الرازي بهذه الآية على وجوب التقية في بعض الحالات ، لقوله بوجوب ارتكاب المحرم بالنسبة لمن أكره عليه بالسيف ، وعد امتناع المكره حراما ، لأنه من إلقاء النفس إلى التهلكة ، مع أن صون النفس عن التلف واجب استنادا إلى هذه الآية ( 4 ) ، ولا معنى لوجوب ارتكاب المكره للمحرم غير التقية .


ومن ذلك ، قوله تعالى : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) ( 5 ) ، والحرج هو الضيق لغة ، والتقية عادة ما يكون صاحبها في حرج شديد ،

 

* هامش *

 

 

(1) تفسير البحر المحيط / أبو حيان 2 : 424 .
(2) سورة البقرة : 2 / 195 .
(3)
مواهب الرحمن / السيد السبزواري في تفسير الآية المذكورة .
(4)
التفسير الكبير / الفخر الرازي 20 : 21 في تفسير الآية 106 من سورة النحل .
(5)
سورة الحج : 23 / 78 . ( * )

 

 

- ص 46 -

ولا يسعه الخروج من ذلك الحرج بدونها . ومنه أيضا ، قوله تعالى : ( ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) ( 1 ) .


فقد جاء تفسيرها عن الإمام الصادق عليه السلام بالتقية ، فقال عليه السلام : التي هي أحسن : التقية ( 2 ) . إلى غير ذلك من الآيات الأخرى المستدل بها على جواز التقية بين المسلمين أنفسهم فضلا عن جوازها للمسلمين مع غيرهم ( 3 ) ، زيادة على

ما سيأتي في أدلتها الأخرى كالسنة المطهرة ، والإجماع ، والدليل العقلي القاضي بعدم الفرق في تجنب الضرر سواء كان الضرر من مسلم أو كافر .


 

 

* هامش *

 

 

(1) سورة فصلت : 41 / 34 .
(2) أصول الكافي 2 : 218 / 6 باب التقية .
(3)
راجع : جامع أحاديث الشيعة 18 : 371 - 372 باب وجوب التقية ، فقد ذكر في أول الباب عشر آيات ، يستفاد من بعضها جواز التقية
    بين المسلمين أنفسهم . ( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب