|
أدلة التقية من السنة المطهرة |
|
|
المبحث الثاني
أدلة التقية من السنة المطهرة القسم الأول : الأحاديث النبوية الدالة على التقية . توطئة في أنه هل تجوز التقية على الأنبياء عليهم السلام ؟ إن نظرة سريعة في كتب الصحاح والسنن والمسانيد تكفي للخروج بالقناعة الكاملة على ورود التقية في أحاديث غير قليلة في تلك المصادر
المعتبرة عند العامة التي نسبت التقية إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في القول والفعل معا . وهنا ، قد يتوهم البعض فيزعم أن التقية غير جائزة على الأنبياء مطلقا ! وهذا غير صحيح قطعا ، لأن غير الجائز عليهم صلوات الله عليهم هو ما بلغ من التقية درجة الكفر بالله عز وجل ، أو كتمان شئ من التبليغ المعهود إليهم ونحو هذا من الأمور التي لا تنسجم وعصمتهم عليهم السلام بحال من الأحوال ، لأنها من نقض الغرض والإغراء بالقبيح وهم عليهم السلام منزهون عن كل قبيح عقلا وشرعا ، إذ لا يؤتمن على الوحي إلا المصطفون الذين لا يخشون في الله لومة لائم .
اتقى المعصوم عليه السلام في ظرف خاص من شرار الناس تأليفا لقلوبهم - كما سيأتيك مثاله في صحيح البخاري - ونحو هذا من المصالح العائدة إلى نفس المعصوم أو دعوته ، وبشرط أن يبين وجه الحق لأهل بيته ، أو لمن يثق به من أصحابه ، أو على أقل تقدير لمن لا يخشى من مغبة مفاتحته بالحقيقة ، لكي لا يكون ما خالفها هو السنة المتبعة .
رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين ) ( 1 ) ما هذا نصه : ( والذي عندي في هذا أن فيه مضمرا يبينه ما بعده ، وهو إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يتوقى بعض التوقي ، ويستخفي ببعض ما يؤمر به على نحو ما كان عليه قبل الهجرة ، فلما فتح الله عليه مكة وأفشى الإسلام ، أمره أن يبلغ ما أرسل إليه مجاهرا به غير متوق ولا هائب ولا متألف . وقيل له : إن أنت لم تفعل ذلك على هذا الوجه لم تكن مبلغا لرسالات ربك .
والذي نراه : أن ابن قتيبة خلط في هذا بين التقية في التبليغ ، وبين
التقية لأجله ، والأول من كتمان الحق المنزه عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والثاني لا ريب فيه ، وهو الذي نعتقده في خصوص آية التبليغ ، وبيان ذلك : إن الوعيد والإنذار الموجه إلى النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم بقوله تعالى : ( وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ) ظاهره الوعيد والإنذار وحقيقته معاتبة الحبيب لحبيبه على تريثه بخصوص الولاية ، وليس المقصود من الآية تهاون النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أمر الدين أو عدم الاكتراث بشأن الوحي وكتمانه ، فحاشا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك ، ولا يقول هذا إلا زنديق أو جاهل .
رجعوا من حجة الوداع وكانوا يزيدون على مائة ألف صحابي ، مع تمهيد السبيل أمام هذه الحشود الكثيرة لكي تقبل مثل هذا التبليغ الخطير ، خصوصا وإن فيهم الموتورين بسيف صاحب الولاية أمير المؤمنين عليه السلام ، فضلا عن المنافقين ، والذين في نفوسهم مرض والأعراب الذين أسلموا ولما يدخل الإيمان في قلوبهم ، ولا شك أن وجود تلك الأصناف في مكان واحد مدعاة للخشية على حاضر ذلك التبليغ ومستقبله .
حين ، ليجد له ظرفا صالحا وجوا آمنا تنجح فيه دعوته ولا يخيب
مسعاه ، فأخذ صلى الله عليه وآله وسلم يعد للأمر أهبته ، ومنها طلب الرعاية
الإلهية لنصرة هذا التبليغ نفسه من تلك الجراثيم المحدقة ، كما يدل عليه
قوله تعالى : (
والله يعصمك من الناس )
. ومما يدل على وجود تلك الخشية جملة من الأخبار المروية في كتب العامة أنفسهم فقد أخرج الحاكم الحسكاني الحنفي في شواهد التنزيل ، بسنده عن ابن عباس وجابر بن عبد الله الأنصاري ، أنهما قالا : ( أمر الله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم أن ينصب عليا للناس ليخبرهم بولايته ، فتخوف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقولوا : حابا ابن عمه ، وأن يطعنوا في ذلك عليه ، فأوحى الله إليه : ( يا أيها الرسول بلغ . . . ) الآية ، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بولايته يوم غدير خم ) ( 1 ) .
الله عليه وآله وسلم من الغد فقال : يا أيها الناس إن الله أرسلني إليكم برسالة وإني ضقت بها ذرعا مخافة أن تتهموني وتكذبوني حتى عاتبني ربي فيها بوعيد أنزله علي بعد وعيد ، ثم أخذ بيد علي فرفعها حتى رأى الناس بياض إبطيهما ثم قال : أيها الناس ، الله مولاي وأنا مولاكم ، فمن كنت مولاه فعلي
مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من
نصره ، وأخذل من خذله ، وأنزل الله : (
اليوم أكملت لكم دينكم )
( 1 ) ( 2 ) . وأخرج بسنده عن أبي جعفر محمد بن علي ( الإمام الباقر عليه السلام ) أنه قال : إن جبريل هبط على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال له : إن الله يأمرك أن تدل أمتك على صلاتهم . . إلى أن قال - إن الله يأمرك أن تدل أمتك على وليهم على مثل ما دللتهم عليه من صلاتهم وزكاتهم وصيامهم وحجهم ليلزمهم الحجة من جميع ذلك . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا رب إن قومي قريبو عهد بالجاهلية ، وفيهم تنافس وفخر . . . الخبر ( 3 ) .
الرسول بلغ . . ) ثم قال : ( وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ، عن مجاهد ، قال : لما نزلت ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ) ، قال : يا رب ! إنما أنا واحد ، كيف أصنع ليجتمع علي الناس فنزلت : ( وإن لم تفعل فما بلغت رسالته . . ) ( 4 ) .
عليا عليه السلام ، فكان يخاف أن يشق ذلك على جماعة من أصحابه ) ( 1 ) .
وسوف يأتي قريبا ما يؤيد قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن القوم حديثو عهد بالجاهلية كما في صحاح القوم وسننهم ومسانيدهم .
يعي الولاية من يعيها ويعقلها من المؤمنين ، ولن يضر الحقيقة الالتفاف حولها بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم كما حصل في السقيفة المشؤومة ( ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة ) ( 3 ) .
النفس الذي هو من أشد ما يخاف عليه الإنسان عند الإكراه ، ومن يزعم بخلاف هذا فإن القرآن الكريم يكذبه ، إذ امتدح رسل الله وأنبياءه
- ونبينا العظيم أشرفهم وأكرمهم وأحبهم وأقربهم درجة عند الله عز وجل - بقوله تعالى : ( الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا ) ( 1 ) . نعم هي تقية لأجل التبليغ ، تقية مؤقتة ممن كان المترقب من حالهم أنهم سيخالفونه مخالفة شديدة قد تصل إلى تكذيبه صلى الله عليه وآله وسلم .
نزول الوحي ، لأن الخوف من قائد المشركين أبي سفيان وأعوانه
من الشياطين كأبي جهل ونظرائه كان قائما على أصل الدعوة وأنصارها في ذلك الحين
، فكان من الحكمة أن تمر الدعوة إلى الإسلام بهذا الدور الخطير
( 2 ) ، وفي الحديث : إن الإسلام بدأ غريبا
وسيعود
غريبا فطوبى للغرباء ( 1 ) . وهكذا كل دعوة إلى الحق في مجتمع متعسف ظالم ، لا بد وأن تكون في بداياتها غريبة ، تلازمها التقية حتى لا يذاع سرها وتخنق في مهدها .
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||