أدلة التقية من السنة المطهرة

 

 

- التقية في الفكر الاسلامي - مركز الرسالة ص 46 :

المبحث الثاني أدلة التقية من السنة المطهرة
 

القسم الأول : الأحاديث النبوية الدالة على التقية .

توطئة في أنه هل تجوز التقية على الأنبياء عليهم السلام ؟ إن نظرة سريعة في كتب الصحاح والسنن والمسانيد تكفي للخروج بالقناعة الكاملة على ورود التقية في أحاديث غير قليلة في تلك المصادر

 

- ص 47 -

المعتبرة عند العامة التي نسبت التقية إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في القول والفعل معا . وهنا ، قد يتوهم البعض فيزعم أن التقية غير جائزة على الأنبياء مطلقا ! وهذا غير صحيح قطعا ، لأن غير الجائز عليهم صلوات الله عليهم هو ما بلغ

من التقية درجة الكفر بالله عز وجل ، أو كتمان شئ من التبليغ المعهود إليهم ونحو هذا من الأمور التي لا تنسجم وعصمتهم عليهم السلام بحال من الأحوال ، لأنها من نقض الغرض والإغراء بالقبيح وهم عليهم السلام منزهون عن كل قبيح عقلا وشرعا ، إذ لا يؤتمن على الوحي إلا المصطفون الذين لا يخشون في الله لومة لائم .


ومن هنا قال السرخسي الحنفي في معرض حديثه عن تقية عمار بن ياسر بإظهار كلمة الكفر بعد الإكراه عليها مع اطمئنان قلبه بالإيمان : ( إلا أن هذا النوع من التقية يجوز لغير الأنبياء والرسل عليهم السلام ، فأما في حق المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين فما كان يجوز ذلك فيما يرجع إلى أصل الدعوة إلى الدين الحق ) ( 1 ) .


ويفهم من كلامه جواز التقية على الأنبياء والمرسلين فيما لا يمس أصل دعوتهم ، أما إنكارها ، أو كتمانها عن الخلق ، أو تكذيب أنفسهم ونحو هذا فهو مما لا يجوز عليهم .


وجملة القول : إن كل شئ لا يعلمه البشر - على واقعه - إلا من جهة المعصوم عليه السلام نبيا كان أو إماما لا تجوز التقية فيه على المعصوم ، وأما ما يجوز له فيه التقية فهو كل ما لا يتنافى ومقام التبليغ والتعليم والهداية إلى الحق حتى ولو انحصر وصول الحق إلى طائفة دون أخرى ، كما لو
 

 

* هامش *

 

 

(1) المبسوط / السرخسي 24 : 25 . ( * )

 

 

- ص 48 -

اتقى المعصوم عليه السلام في ظرف خاص من شرار الناس تأليفا لقلوبهم - كما سيأتيك مثاله في صحيح البخاري - ونحو هذا من المصالح العائدة إلى نفس المعصوم أو دعوته ، وبشرط أن يبين وجه الحق لأهل بيته ، أو لمن يثق به من أصحابه ، أو على أقل تقدير لمن لا يخشى من مغبة مفاتحته بالحقيقة ، لكي لا يكون ما خالفها هو السنة المتبعة .


هذا ، وقد ذهب ابن قتيبة الدينوري ( ت / 276 ه‍ ) إلى أبعد من ذلك فجوز التقية على نبينا صلى الله عليه وآله وسلم في مقام التبليغ أيضا ، فقال عن آية تبليغ الولاية من قوله تعالى : ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت

رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين ) ( 1 ) ما هذا نصه : ( والذي عندي في هذا أن فيه مضمرا يبينه ما بعده ، وهو إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يتوقى بعض التوقي ، ويستخفي ببعض ما يؤمر به على نحو

ما كان عليه قبل الهجرة ، فلما فتح الله عليه مكة وأفشى الإسلام ، أمره أن يبلغ ما أرسل إليه مجاهرا به غير متوق ولا هائب ولا متألف . وقيل له : إن أنت لم تفعل ذلك على هذا الوجه لم تكن مبلغا لرسالات ربك .


ويشهد لهذا قوله بعد : ( والله يعصمك من الناس ) أي : يمنعك منهم . ومثل هذه الآية قوله : ( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ) ( 2 ) ( 3 ) .

والذي نراه : أن ابن قتيبة خلط في هذا بين التقية في التبليغ ، وبين

 

* هامش *

 

 

(1) سورة المائدة : 5 / 67 .
(2) سورة الحجر : 15 / 94 .
(3)
المسائل والأجوبة في الحديث والتفسير / ابن قتيبة : 222 ، ط 1 ، دار ابن كثير / 1410 ه‍ . ( * )

 

 

- ص 46 -

التقية لأجله ، والأول من كتمان الحق المنزه عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والثاني لا ريب فيه ، وهو الذي نعتقده في خصوص آية التبليغ ، وبيان ذلك : إن الوعيد والإنذار الموجه إلى النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم بقوله تعالى :

( وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ) ظاهره الوعيد والإنذار وحقيقته معاتبة الحبيب لحبيبه على تريثه بخصوص الولاية ، وليس المقصود من الآية تهاون النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أمر الدين أو عدم الاكتراث بشأن الوحي وكتمانه ، فحاشا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك ، ولا يقول هذا إلا زنديق أو جاهل .


نعم ، آية التبليغ تدل على تريث النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم بعض التريث لجسامة التبليغ الذي جعله الله تعالى موازيا لثقل الرسالة كلها ، ريثما يتم له صلى الله عليه وآله وسلم تدبير الأمر بتهيئة مستلزماته ، كجمع حشود الصحابة الذين

رجعوا من حجة الوداع وكانوا يزيدون على مائة ألف صحابي ، مع تمهيد السبيل أمام هذه الحشود الكثيرة لكي تقبل مثل هذا التبليغ الخطير ، خصوصا وإن فيهم الموتورين بسيف صاحب الولاية أمير المؤمنين عليه السلام ، فضلا عن المنافقين ،

والذين في نفوسهم مرض والأعراب الذين أسلموا ولما يدخل الإيمان في قلوبهم ، ولا شك أن وجود تلك الأصناف في مكان واحد مدعاة للخشية على حاضر ذلك التبليغ ومستقبله .


فالتريث - أو سمه التقية إن شئت - لم يكن خوفا على النفس من القتل ، بل كان تقية لأجل التبليغ نفسه والحرص على كيفية أدائه بالوجه الأتم ، إذ تفرس النبي صلى الله عليه وآله وسلم في وجوه تلك الأصناف من الصحابة مخالفته ، فأخر التبليغ إلى

حين ، ليجد له ظرفا صالحا وجوا آمنا تنجح فيه دعوته ولا يخيب مسعاه ، فأخذ صلى الله عليه وآله وسلم يعد للأمر أهبته ، ومنها طلب الرعاية الإلهية لنصرة هذا التبليغ نفسه من تلك الجراثيم المحدقة ، كما يدل عليه
 

- ص 50 -

قوله تعالى : ( والله يعصمك من الناس ) . ومما يدل على وجود تلك الخشية جملة من الأخبار المروية في كتب العامة أنفسهم
 

فقد أخرج الحاكم الحسكاني الحنفي في شواهد التنزيل ، بسنده عن ابن عباس وجابر بن عبد الله الأنصاري ، أنهما قالا : ( أمر الله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم أن ينصب عليا للناس ليخبرهم بولايته ، فتخوف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقولوا : حابا ابن عمه ، وأن يطعنوا في ذلك عليه ، فأوحى الله إليه : ( يا أيها الرسول بلغ . . . ) الآية ، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بولايته يوم غدير خم ) ( 1 ) .


وأخرج بسنده عن أبي هريرة : ( إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسر أمر الولاية ، فأنزل الله تعالى : ( يا أيها الرسول بلغ . . . ) ( 2 ) .


وأخرج بسنده عن ابن عباس هذا المعنى قائلا : ( فكره أن يحدث الناس بشئ منها - أي : الولاية - إذ كانوا حديثي عهد بالجاهلية . . . حتى كان يوم الثامن عشر أنزل الله عليه : ( يا أيها الرسول بلغ . . . ) إلى أن قال - فخرج رسول الله صلى

الله عليه وآله وسلم من الغد فقال : يا أيها الناس إن الله أرسلني إليكم برسالة وإني ضقت بها ذرعا مخافة أن تتهموني وتكذبوني حتى عاتبني ربي فيها بوعيد أنزله علي بعد وعيد ، ثم أخذ بيد علي فرفعها حتى رأى الناس بياض إبطيهما ثم قال :

أيها الناس ، الله مولاي وأنا مولاكم ، فمن كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من
 

 

* هامش *

 

 

(1) شواهد التنزيل / الحسكاني الحنفي 1 : 255 / 249 في الشاهد رقم 35 ، وأورده الآلوسي في روح المعاني عند تفسيره للآية 67 من
    سورة المائدة ، فراجع . ه

(2) شواهد التنزيل 1 : 249 / 244 . ( * )

 

- ص 51 -

نصره ، وأخذل من خذله ، وأنزل الله : ( اليوم أكملت لكم دينكم ) ( 1 ) ( 2 ) .
 

وأخرج بسنده عن أبي جعفر محمد بن علي ( الإمام الباقر عليه السلام ) أنه قال : إن جبريل هبط على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال له : إن الله يأمرك أن تدل أمتك على صلاتهم . . إلى أن قال - إن الله يأمرك أن تدل أمتك على وليهم على

مثل ما دللتهم عليه من صلاتهم وزكاتهم وصيامهم وحجهم ليلزمهم الحجة من جميع ذلك . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا رب إن قومي قريبو عهد بالجاهلية ، وفيهم تنافس وفخر . . . الخبر ( 3 ) .


وقال السيوطي في تفسير آية التبليغ في الدر المنثور : ( أخرج أبو الشيخ ، عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : إن الله بعثني برسالة فضقت بها ذرعا وعرفت أن الناس مكذبي ، فوعدني لأبلغن أو ليعذبني ، فأنزل : ( يا أيها

الرسول بلغ . . ) ثم قال : ( وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ، عن مجاهد ، قال : لما نزلت ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ) ، قال : يا رب ! إنما أنا واحد ، كيف أصنع ليجتمع علي الناس فنزلت : ( وإن لم تفعل فما بلغت رسالته . . ) ( 4 ) .


وهذا هو الموافق لما ورد في بعض كتب الشيعة الإمامية أيضا ، فقد ذكر الطبرسي وجود هذه الأخبار ونظائرها في كتب الفريقين مصرحا بأن هذا هو المشهور عند أكثر المفسرين ثم قال : ( وقد اشتهرت الروايات عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام إن الله أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يستخلف
 

 

* هامش *

 

 

(1) سورة المائدة : 5 / 3 .
(2) شواهد التنزيل 1 : 256 - 258 / 250 .
(3)
شواهد التنزيل 1 : 253 - 255 / 248 .
(4)
الدر المنثور 3 : 117 في تفسير الآية 67 من سورة المائدة ، طبع دار الفكر ، بيروت . ( * )

 

- ص 52 -

عليا عليه السلام ، فكان يخاف أن يشق ذلك على جماعة من أصحابه ) ( 1 ) .


وفي كشف الغمة ، أورد سبب نزول الآية ( يا أيها الرسول بلغ . . ) ، عن زيد بن علي ، أنه قال : ( لما جاء جبريل عليه السلام بأمر الولاية ضاق النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، بذلك ذرعا ، وقال : قومي حديثوا عهد بالجاهلية ، فنزلت ) ( 2 )
 

وسوف يأتي قريبا ما يؤيد قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن القوم حديثو عهد بالجاهلية كما في صحاح القوم وسننهم ومسانيدهم .


ومن كل ما تقدم يعلم أن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم - بعد تريثه لتدبير أمر تبليغ الولاية العامة - بتبليغ عاجل ، مبينا له أهمية هذا التبليغ ، ووعده العصمة من الناس ولا يهديهم في كيدهم ، ولا يدعهم يقلبوا له أمر الدعوة بالتكذيب بعد أن

يعي الولاية من يعيها ويعقلها من المؤمنين ، ولن يضر الحقيقة الالتفاف حولها بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم كما حصل في السقيفة المشؤومة ( ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة ) ( 3 ) .


وهكذا تم التبليغ بخطبة وداع بعيدة عن أجواء التقية التي استخدمها من حضر الغدير لكتمان ما سمعه يوم ذاك بأذنيه وشاهده بعينيه وأدركه بلبه ووعاه بأذنه كما سيوافيك . فالتقية هنا وإن اتصلت بالتبليغ إلا أنها لأجله ، ولم تكن لأجل الخوف على

النفس الذي هو من أشد ما يخاف عليه الإنسان عند الإكراه ، ومن يزعم بخلاف هذا فإن القرآن الكريم يكذبه ، إذ امتدح رسل الله وأنبياءه

 

* هامش *

 

 

(1) مجمع البيان 3 : 223 في تفسير الآية 67 من سورة المائدة ، طبع دار إحياء التراث العربي ، بيروت .
(2) كشف الغمة 1 : 436 ، نشر أدب الحوزة ، ط 2 ، قم .
(3)
سورة الأنفال : 8 / 42 . ( * )

 

- ص 53 -

- ونبينا العظيم أشرفهم وأكرمهم وأحبهم وأقربهم درجة عند الله عز وجل - بقوله تعالى : ( الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا ) ( 1 ) . نعم هي تقية لأجل التبليغ ، تقية مؤقتة ممن كان المترقب من حالهم أنهم سيخالفونه مخالفة شديدة قد تصل إلى تكذيبه صلى الله عليه وآله وسلم .


ونظير هذا هو ما حصل في بدايات أمر الدعوة إلى الدين الجديد في مكة ، فقد اتفق الكل على بدء الدعوة إلى الإسلام سرا ، وصرح أرباب السير وغيرهم بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يجهر بالدعوة إلى الإسلام إلا بعد ثلاث سنوات على

نزول الوحي ، لأن الخوف من قائد المشركين أبي سفيان وأعوانه من الشياطين كأبي جهل ونظرائه كان قائما على أصل الدعوة وأنصارها في ذلك الحين ، فكان من الحكمة أن تمر الدعوة إلى الإسلام بهذا الدور الخطير ( 2 ) ، وفي الحديث : إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود
 

 

* هامش *

 

 

(1) سورة الأحزاب : 33 / 39 .
(2) أنظر : السيرة النبوية / ابن هشام 1 : 280 . والسيرة النبوية / ابن كثير 1 : 427 . والسيرة الحلبية / ابن برهان 1 : 283 .
    والسيرة النبوية / دحلان 1 : 282 مطبوع بهامش السيرة الحلبية . وانظر كذلك تاريخ الطبري 1 : 541 .
    والكامل في التاريخ / ابن الأثير 2 : 60 . والبداية والنهاية / ابن كثير 3 : 37 .

وإن شئت المزيد فراجع كتب التفسير في تفسير قوله تعالى : ( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ) . سورة الحجر : 15 / 94 ، وقوله تعالى : ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) . سورة الشعراء : 26 / 214 .

وفي عناوين تاريخ الخميس للدياربكري 1 : 287 هذا العنوان : ذكر ما وقع في السنة الثانية والثالثة من إخفاء الدعوة وقد أخرج تحت هذا العنوان عن ابن الزبير أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان لا يظهر الدعوة إلا للمختصين ، وإنه صلى الله عليه وآله وسلم أظهرها لعامة الناس بعد ثلاث سنين عندما نزل قوله تعالى : ( فاصدع بما تؤمر . . ) . سورة الحجر : 15 / 94 . ( * )

 

- ص 54 -

غريبا فطوبى للغرباء ( 1 ) .

وهكذا كل دعوة إلى الحق في مجتمع متعسف ظالم ، لا بد وأن تكون في بداياتها غريبة ، تلازمها التقية حتى لا يذاع سرها وتخنق في مهدها .

 

 

* هامش *

 

 

(1) ورد الحديث بألفاظ متقاربة في صحيح مسلم 1 : 130 / 232 . وسنن ابن ماجة 2 : 1319 / 3986 .
    وسنن الترمذي 5 : 18 / 7629 . ومسند أحمد 1 : 74 .


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب