الحديث الثاني : تقية النبي صلى الله عليه وآله وسلم من فاحش

 

 

- التقية في الفكر الاسلامي - مركز الرسالة ص 58 :

 الحديث الثاني : تقية النبي صلى الله عليه وآله وسلم من فاحش : أخرج البخاري من طريق قتيبة بن سعيد ، عن عروة بن الزبير ، أن عائشة أخبرته أن رجلا استأذن في الدخول إلى منزل النبي فقال صلى الله عليه وآله وسلم : إئذنوا له فبئس ابن

العشيرة ، أو بئس أخو العشيرة ، فلما دخل ألان له الكلام ، فقلت له : يا رسول الله ! قلت ما قلت ثم ألنت له في القول ؟ فقال : أي عائشة ، إن شر الناس منزلة عند الله من تركه أو ودعه الناس اتقاء
 

- ص 59 -

فحشه ( 1 ) .

ونظير هذا الحديث ما أخرجه الطبراني من حديث ابن بريدة ، عن أبيه ، قال : ( كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأقبل رجل من قريش ، فأدناه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقربه ، فلما قام ، قال : يا بريدة أتعرف هذا ؟ قلت : نعم

، هذا أوسط قريش حسبا ، وأكثرهم مالا ، ثلاثا ، فقلت : يا رسول الله أنبأتك بعلمي فيه ، فأنت أعلم . فقال صلى الله عليه وآله وسلم : هذا ممن لا يقيم الله له يوم القيامة وزنا ( 2 ) .


وهذان الحديثان يكشفان عن صحة ما سيأتي في تقسيم التقية ، وأنها غير منحصرة بكتمان الحق وإظهار خلافه خوفا على النفس من اللائمة والعقوبة بسبب الإكراه ، وإنما تتسع التقية إلى أبعد من هذا ، فيدخل فيها ما ذكره المحدثون في باب المداراة ، سيما إذا كان في خلق الشخص المداري نوع من الفحش كما في هذا الحديث ، أو فيه نوع من الشكاسة كما كان في خلق مخرمة .


فقد أخرج البخاري نفسه من طريق عبد الوهاب ، عن أبي مليكة ، قال : ( إن النبي صلى الله عليه ( وآله ) وسلم أهديت له أقبية من ديباج مزررة بالذهب ، فقسمها في ناس من أصحابه ، وعزل منها واحدا لمخرمة ، فلما
 

 

* هامش *

 

 

(1)  صحيح البخاري 8 : 38 كتاب الإكراه ، باب المداراة مع الناس . وسنن أبي داود 4 : 251 / 4791 و 4792 و 4793 .
     وسنن الترمذي 4 : 359 / 1996 باب 59 وقال ( هذا حديث حسن صحيح ) .
     ومسند أحمد 7 : 59 / 23856 ، والطبعة الأولى 6 : 38 .
     وانظر : أصول الكافي 2 : 245 / 1 كتاب الإيمان والكفر ، باب من يتقى شره .

(2) المعجم الأوسط / الطبراني 2 : 165 / 1304 . ومجمع الزوائد / الهيثمي 8 : 17 . ( * )

 

- ص 60 -

جاء ، قال : خبأت هذا لك ( 1 ) .


قال الكرماني في شرح الحديث المذكور : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خبأت هذا لك . وكان ملتصقا بالثوب وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يري مخرمة أزاره ليطيب قلبه به ، لأنه كان في خلق مخرمة نوع من الشكاسة ) ( 2 ) .


وقد استخدم هذا الأسلوب من التقية بعض الصحابة أيضا . قال السرخسي الحنفي في المبسوط : ( وقد كان حذيفة ممن يستعمل التقية على ما روي أنه يداري رجلا ، فقيل له : إنك منافق ! ! فقال : لا ، ولكني أشتري ديني بعضه ببعض مخافة أن يذهب كله ) ( 3 ) .


وواضح من كلام هذا الصحابي الجليل ، أن ترك التقية ليس مطلقا في كل حال وأن عدم مداراة الناس تؤدي إلى نفرتهم ، وعزلته عنهم ، وربما ينتج عنها من الإضرار ما يذهب بالدين كله . ومن هنا روي عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : المؤمن الذي يخالط الناس ، ويصبر على أذاهم أعظم أجرا من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم ( 4 ) .


ولا يخفى على عاقل ما في مخالطة الناس من أمور توجب مداراتهم سيما إذا كانت المخالطة مع قوم مرجت عهودهم وأماناتهم وصاروا حثالة .

 

* هامش *

 

 

(1) صحيح البخاري 8 : 38 ، كتاب الأدب ، باب المداراة مع الناس .
(2) صحيح البخاري بشرح الكرماني 22 : 7 / 5756 ، كتاب الأدب ، باب المداراة مع الناس .
(3)
المبسوط / السرخسي 24 : 46 ، من كتاب الإكراه .
(4)
سنن ابن ماجة 2 : 1338 / 4032 . وسنن البيهقي 10 : 89 .
    وحلية الأولياء / أبو نعيم 5 : 62 و 7 : 365 .
    والجامع لأحكام القرآن / القرطبي 10 : 359 . ( * )

 

- ص 61 -

فقد أخرج الهيثمي ، من طريق إبراهيم بن سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : كيف أنتم في قوم مرجت عهودهم وأماناتهم وصاروا حثالة ؟ وشبك بين أصابعه ، قالوا : كيف نصنع ؟ قال : اصبروا وخالقوا الناس بأخلاقهم ، وخالفوهم بأعمالهم ( 1 ) .


وهذا الحديث أخرجه الطبراني في الأوسط بسنده عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا أبا ذر كيف أنت إذا كنت في حثالة من الناس - وشبك بين أصابعه - قلت : يا رسول الله ، ما تأمرني ؟ قال : صبرا ، صبرا ، خالقوا الناس بأخلاقهم ، وخالفوهم في أعمالهم ( 2 ) . وأخرجه الهيثمي عن أبي ذر أيضا ( 3 ) .


أقول : إن أبا ذر سير إلى الشام ، وبعد أن أفسد الشام على معاوية بأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر أعيد إلى المدينة ، ثم نفي - بعد ذلك - إلى الربذة ومات فيها غريبا وحيدا بلا خلاف بين سائر المؤرخين ، ومنه يعلم من هم الناس الذين وصفوا بالحثالة ! هذا ، وقد روى الشيخ المفيد في أماليه بسنده عن أمير المؤمنين الإمام علي ( ع ) أنه قال : خالطوا الناس بألسنتكم وأجسادكم ، وزايلوهم بقلوبكم وأعمالكم ( 4 ) .


ولست أدري كيف تكون مخالقة حثالة الناس بأخلاقهم ومخالطتهم باللسان والمخالفة في الأعمال والمزايلة بالقلوب من غير تقية ؟ !

 

* هامش *

 

 

(1) كشف الأستار / الهيثمي 4 : 113 / 2324 .
(2) المعجم الأوسط / الطبراني 1 : 293 / 473 .
(3)
مجمع الزوائد / الهيثمي 7 : 282 - 283 ، كتاب الفتن ، باب في أيام الصبر . .
(4)
أمالي الشيخ المفيد : 131 / 7 المجلس الخامس عشر . ( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب