أحاديث أهل البيت عليهم السلام في التقية

 

 

- التقية في الفكر الاسلامي - مركز الرسالة ص 70 :

 القسم الثاني : أحاديث أهل البيت عليهم السلام في التقية :


إن الأحاديث المروية عن أهل البيت عليهم السلام في التقية كثيرة وقد بلغ رواتها الثقات عددا يزيد على الحد المطلوب في التواتر ، وفي تلك الأحاديث تفصيلات كثيرة تضمنت فوائد التقية ، وأهميتها ، وكيفياتها ، وموارد حرمتها ، مع الكثير من أحكامها فيما يزيد على أكثر من ثلاثمائة حديث تجدها مجموعة في كتب الحديث المتأخرة كوسائل الشيعة
 

- ص 71 -

ومستدركه ، وجامع أحاديث الشيعة وذلك في أبواب كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
 

ومن هنا أصبحت دراستها في بحث مختصر كهذا متعذرة ، بل حتى الاكتفاء بعرض نصوصها كذلك أيضا ، ولما لم نجد بدا من التعرض السريع إليها ارتأينا جمع ما اشترك منها في معنى واحد تحت عنوان واحد ، ومن ثم الاستدلال على ذلك العنوان

ببعض أحاديثه لا كلها سيما وأن القدر المشترك في أحاديث كل عنوان يبلغ حد التواتر المعنوي ، وقد اكتفينا ببعض العناوين المهمة وتركنا الكثير منها ، إذ لم يكن الهدف سوى وضع صورة مصغرة عن التقية في الأحاديث المروية عن أهل البيت عليهم السلام ، وبالنحو الآتي :


 أولا : الأحاديث المستنبطة جواز التقية من القرآن الكريم :


هناك جملة وافرة من الأحاديث التي فسرت بعض الآيات القرآنية بالتقية ، نذكر منها :


 1 - عن هشام بن سالم ، عن الإمام الصادق عليه السلام ، في قول الله تعالى : ( أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ) قال : بما صبروا على التقية ( ويدرؤن بالحسنة السيئة ) ( 1 ) قال : الحسنة : التقية ، والسيئة : الإذاعة ( 2 ) .


 2 - وعنه عليه السلام في قوله تعالى : ( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ) قال : الحسنة : التقية ، والسيئة : الإذاعة . وقوله عز وجل : ( إدفع بالتي هي أحسن ) . . . قال : التي هي أحسن : التقية - ثم قرأ عليه السلام - : ( فإذا الذي بينك
 

 

* هامش *

 

 

(1) سورة القصص : 28 / 54 .

(2) أصول الكافي 2 : 217 / 1 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب التقية . ( * )

 

- ص 72 -

وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) ( 1 ) .

ولا يخفى : أن تفسير الحسنة بالتقية ، والسيئة بالإذاعة ، هو من باب تفسير الشئ ببعض مصاديقه ، وهذا مما لا ينكر ، فلو توقف مثلا صون دم مسلم على التقية فلا شك في كونها حسنة ، بل من أعظم القربات ، وأما لو ترتب على الإذاعة سفك دم حرام ، فلا ريب بعد الإذاعة سيئة بل من أعظم الموبقات .


هذا ، وقد تجد في هذا النمط من الروايات ما يدل على عمق تاريخ التقية في الحياة البشرية ، باعتبارها المنفذ الوحيد المؤدي إلى سلامة الإنسان أزاء ما يعرضه للفناء ، أو يقف حجرا في طريق المصالح المشروعة ، كما حصل ذلك لبعض الأنبياء عليهم السلام ، ومن تلك الروايات : عن أبي بصير ، قال : ( قال أبو عبد الله عليه السلام : التقية من دين الله ، قلت : من دين الله ؟ قال : إي والله من دين الله ، ولقد قال يوسف : ( أيتها العير إنكم لسارقون ) ( 2 ) والله ما كانوا سرقوا شيئا .


ولقد قال إبراهيم عليه السلام : ( إني سقيم ) ( 3 ) والله ما كان سقيما ( 4 ) .

ومما يجب التنبيه عليه هنا ، هو أن تقية يوسف عليه السلام إنما هي من جهة قول المؤذن الآتي ، الذي صحت نسبته إلى يوسف عليه السلام باعتبار علمه به مع تهيئة مقدماته .
 

 

* هامش *

 

 

(1) أصول الكافي 2 : 218 / 6 باب التقية . ومثله في المحاسن / البرقي : 257 / 297 . والآية من سورة فصلت : 41 / 34 .
(2) سورة يوسف : 12 / 70 .
(3)
سورة الصافات : 37 / 89 .
(4)
أصول الكافي 2 : 217 / 3 باب التقية . ومثله في المحاسن للبرقي 258 / 203 . وعلل الشرائع / الصدوق : 51 / 1 ، 2 . ( * )

 

- ص 73 -

فانظر إلى قوله تعالى : ( ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون * فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون ) ( 1 ) .


ستعلم أن قول المؤذن كان بتدبير يوسف عليه السلام وعلمه ، وهو لم يكذب عليه السلام ، لأن أصحاب العير كانوا قد سرقوه من أبيه وألقوه في غيابات الجب حسدا منهم وبغيا .


ومما يدل على صدق يوسف عليه السلام أن إخوته لما قالوا له بعد ذلك : ( يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه ) ( 2 ) . لم يقل عليه السلام لهم بأنا لا نأخذ إلا من سرق متاعنا ، بل قال لهم : ( معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده . . ) ( 3 ) .


وبالجملة فإن تقية النبي يوسف عليه السلام إنما هي من جهة ظهوره بمظهر من لا يعرف حال إخوته مع إخفاء الحقيقة عنهم مستخدما التورية في حبس أخيه .


وعليه تكون تقيته هنا ليست من باب الأحكام وتبليغ الرسالة حتى يزعم عدم جوازها عليه ، بل كانت لأجل تحقيق بعض المصالح العاجلة كاحتفاظه بأخيه بنيامين ، والآجلة كما يكشف عنها قوله لهم بعد إن جاءوا من البدو : ( أدخلوا مصر إن شاء الله آمنين ) ( 4 ) .


وجدير بالذكر أن البخاري قد أخرج في صحيحه بسنده عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم - من طريقين - أنه قال : . . ولو لبثت في السجن ما لبث

 

* هامش *

 

 

(1) سورة يوسف : 12 / 69 - 70 .
(2) سورة يوسف : 12 / 78 .

(3) سورة يوسف : 12 / 79 .
(4)
سورة يوسف : 12 / 99 . ( * )

 

- ص 74 -

يوسف لأجبت الداعي ( 1 ) ! ! ولا أعلم فرية تجوز على أشرف الأنبياء والرسل صلى الله عليه وآله وسلم التقية في ارتكاب ما أبى عنه يوسف عليه السلام واستعصم فيما لو جعل صلى الله عليه وآله وسلم مكانه عليه السلام من هذه الفرية التي ليس بها مرية .


هذا ، وأما عن تقية إبراهيم عليه السلام ، فهي نظير تقية يوسف عليه السلام ، وذلك باعتبار أنه أخفى حاله وأظهر غيره بهدف تحقيق بعض المصالح العالية التي تصب في خدمة دعوة أبي الأنبياء عليه السلام إلى التوحيد ونبذ الشرك ، مثل تكسير الأصنام وتحطيمها ، وليس في قوله : ( إني سقيم ) أدنى كذب ، لأنه ورى عما سيؤول إليه حاله مستقبلا ، بمعنى أنه سيسقم بالموت ، فتكون تقيته عليه السلام في موضوع لا في حكم حتى يتأمل فيها .


ومن هنا كانت كلمة أهل البيت عليهم السلام قاطعة في صدق إبراهيم عليه السلام في تقيته . ولكن أبى البخاري إلا أن يكذب إبراهيم عليه السلام ، فقد أخرج في صحيحه من طريقين عن أبي هريرة نفسه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : لم يكذب إبراهيم إلا ثلاثا وفي لفظ آخر : لم يكذب إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث كذبات ( 2 ) .


ولم يكتف البخاري بهذا ، بل أخرج بسنده عن أبي هريرة نفسه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : ( . . إن الله يجمع يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد . . . فيأتون إبراهيم فيقولون : أنت نبي الله وخليله من الأرض إشفع لنا إلى ربك ، فيقول - فذكر كذباته - : نفسي ، نفسي ، اذهبوا إلى موسى ) .
 

 

* هامش *

 

 

(1) صحيح البخاري 6 : 97 باب سورة يوسف ، من كتاب التفسير .
(2) صحيح البخاري 4 : 171 باب قول الله تعالى : ( واتخذ الله إبراهيم خليلا ) من كتاب بدء الخلق . ( * )

 

- ص 75 -

ثم قال البخاري : ( تابعه أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ) ( 1 ) ! !


 أقول : معاذ الله أن نصدق بهذه الأكاذيب وإن قالوا بوثاقة رواتها ! ، وكيف لا نكذبهم وقد رموا من قد رفع الله محله ، وأرسله من خلقه رحمة للعالمين وحجة للمجتهدين ؟ وفي هذا الصدد قال الفخر الرازي في تفسيره عن خبر أبي هريرة :

( ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات ) قال : ( قلت لبعضهم : هذا الحديث لا ينبغي أن يقبل ، لأن نسبة الكذب إلى إبراهيم عليه السلام لا تجوز ، وقال ذلك الرجل : فكيف يحكم بكذب الرواة العدول ؟ فقلت : لما وقع التعارض بين نسبة الكذب إلى الراوي وبين نسبته إلى الخليل عليه السلام ، كان من المعلوم بالضرورة أن نسبته إلى الراوي أولى ) ( 2 ) .


 ثانيا : الأحاديث الدالة على أن التقية من الدين :

دلت جملة من الأحاديث المروية عن أهل البيت عليهم السلام بأن التقية من دين الله عز وجل ومن الإيمان وأن من يتركها في موارد وجوبها فهو غير مكتمل التفقه في الدين ، من ذلك :

 1 - عن أبي عمر الأعجمي ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : يا أبا عمر ، إن تسعة أعشار الدين في التقية ، ولا دين لمن لا تقية له ( 3 ) .

وهذا الحديث لا شك فيه ، فهو ناظر من جهة إلى كثرة ما يبتلى به المؤمن في دينه ولا يخرج من ذلك إلا بالتقية خصوصا إذا كان في مجتمع يسود أهله الباطل .
 

 

* هامش *

 

 

(1) صحيح البخاري 4 : 172 باب يزفون النسلان في المشي من كتاب بدء الخلق .
(2) التفسير الكبير / الفخر الرازي 16 : 148 .
(3)
أصول الكافي 2 : 172 / 2 . والمحاسن / البرقي : 359 / 309 . والخصال / الصدوق : 22 / 79 . ( * )

 

 

- ص 76 -

ومن جهة أخرى إلى قلة أنصار الحق وكثرة أدعياء الباطل حتى لكأن الحق عشر ، والباطل تسعة أعشار ، وعليه فلا بد لأهل الحق من مماشاة أهل الباطل في حال ظهور دولتهم ليسلموا من بطشهم .


على أن وصف الحق بالقلة والباطل بالكثرة وكذلك أهلهما صرح به القرآن الكريم في أكثر من آية ، كقوله تعالى : ( وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ) ( 1 ) وقوله تعالى : ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم ) ( 2 ) .


كما أن الحديث لا يدل على نفي الدين عمن لا يتقي بل يدل بقرينة أحاديث أخر أنه غير مكتمل التفقه ، بل ليس فقيها في دينه ، وهكذا في فهم نظائره الآخر . ومما يدل عليه ما رواه عبد الله بن عطاء قال : قلت لأبي جعفر الباقر عليه السلام : رجلان من أهل الكوفة أخذا ، فقيل لأحدهما : ابرأ من أمير المؤمنين ، فبرئ واحد منهما وأبى الآخر ، فخلي سبيل الذي برئ وقتل الآخر ؟ فقال عليه السلام : أما الذي برئ فرجل فقيه في دينه ، وأما الذي لم يبرأ فرجل تعجل إلى الجنة ( 3 ) .


هذا ، ولا يمنع أن يكون الحديث دالا أيضا على سلب الإيمان والدين حقيقة ممن لا يتقي في موارد وجوب التقية عليه ، كما لو أكره مثلا على أن يعطي مبلغا زهيدا ، وإلا عرض نفسه إلى القتل ، فامتنع حتى قتل ، فهذا لا شك أنه من إلقاء النفس بالتهلكة ، وقد مر تصريح علماء العامة بأن مصير
 

 

* هامش *

 

 

(1) سورة يوسف : 12 / 103 .
(2) سورة ص : 38 / 24 .

(3) أصول الكافي 2 : 175 / 21 ، باب التقية . ( * )

 

- ص 77 -

مثل هذا يكون في جهنم ، ومن غير المعقول أن تكون جهنم مأوى المؤمن المتدين ، بل هي مأوى الكافرين والمنافقين وأمثالهم

ونظير هذا الحديث :

 2 - عن معمر بن خلاد ، عن أبي الحسن عليه السلام قال : قال أبو جعفر عليه السلام : التقية من ديني ودين آبائي ، ولا إيمان لمن لا تقية له ( 1 ) .
 

 3 - عن أبان بن عثمان عن الإمام الصادق عليه السلام قال : لا دين لمن لا تقية له ، ولا إيمان لمن لا ورع له ( 2 ) .
 

 4 - عن عبد الله بن أبي يعفور ، عن الإمام الصادق عليه السلام قال : اتقوا على دينكم فاحجبوه بالتقية ، فإنه لا إيمان لمن لا تقية له ( 3 ) .



 ثالثا : الأحاديث الواردة في بيان أهمية التقية :


وصفت التقية في جملة من الأحاديث بأنها ترس المؤمن ، وحرزه ، وجنته ، وإنها حصنه الحصين ونحو هذه العبارات الكاشفة عن أهمية التقية .
 

وربما قد يستفاد من ذلك الوصف والتشبيه وجوبها في موارد الخوف أحيانا ، فكما أن استتار المؤمن - في سوح الوغى - بالترس من ضرب السيوف وطعن الرماح قد يكون واجبا أحيانا ، فكذلك استتاره بالتقية في موارد الخوف لحفظ النفس من التلف ، ومن هذه الأحاديث :


 1 - عن عبد الله بن أبي يعفور ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : التقية ترس المؤمن ، والتقية حرز المؤمن ( 4 ) .


 2 - عن محمد بن مروان ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : كان أبي عليه السلام

 

* هامش *

 

 

(1) أصول الكافي 2 : 219 / 12 ، باب التقية .
(2) صفات الشيعة / الشيخ الصدوق : 3 / 3 .

(3) أصول الكافي 2 : 218 / 5 ، باب التقية .
(4)
أصول الكافي 2 : 221 / 23 ، باب التقية . ( * )

 

- ص 78 -

يقول : وأي شئ أقر لعيني من التقية ؟ إن التقية جنة المؤمن ( 1 ) .


 3 - وعن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال للمفضل : إذا عملت بالتقية لم يقدروا في ذلك على حيلة ، وهو الحصن الحصين وصار بينك وبين أعداء الله سدا لا يستطيعون له نقبا ( 2 ) .



 رابعا :
الأحاديث الدالة على عدم جواز ترك التقية عند وجوبها :

 1 - من مسائل داود الصرمي للإمام الجواد عليه السلام قال : قال لي : يا داود ، لو قلت إن تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقا ( 3 ) .


 2 - أورد الشيخ الطوسي في أماليه بسنده عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال : ليس منا من لم يلزم التقية ويصوننا عن سفلة الرعية ( 4 ) .

 3 - وعن أمير المؤمنين عليه السلام : التقية من أفضل أعمال المؤمن يصون بها نفسه وإخوانه عن الفاجرين ( 5 ) .
 


 خامسا : الأحاديث الدالة على أن التقية في كل ضرورة ، وأنها تقدر بقدرها وتحرم مع عدمها ، مع بعض مستثنياتها :

 1 - ما رواه زرارة عن الإمام الباقر عليه السلام قال : التقية في كل ضرورة
 

 

* هامش *

 

 

(1) أصول الكافي 2 : 220 / 14 ، باب التقية .
(2) تفسير العياشي 2 : 351 / 86 . وانظر : الوسائل 16 : 213 / 21389 باب 24 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
(3)
وسائل الشيعة 16 : 211 / 21382 باب 24 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، نقله عن مستطرفات السرائر ،
    وأورده الصدوق في الفقيه عن الإمام الصادق عليه السلام . وانظر : الفقيه 2 : 80 / 6 باب صوم يوم الشك .

(4)
أمالي الشيخ الطوسي 1 : 287 .
(5)
تفسير الإمام العسكري عليه السلام : 320 / 163 . ( * )

 

- ص 79 -

وصاحبها أعلم بها حين تنزل به ( 1 ) .

 2 - وعن إسماعيل الجعفي ، ومعمر بن يحيى بن سام ، ومحمد بن مسلم ، وزرارة كلهم قالوا : ( سمعنا أبا جعفر عليه السلام يقول : التقية في كل شئ يضطر إليه ابن آدم فقد أحله الله له ) ( 2 ) .


 3 - وعن أبي عمر الأعجمي ، عن الصادق عليه السلام أنه قال : . . . والتقية في كل شئ إلا في النبيذ والمسح على الخفين ( 3 ) .


 4 - وفي مضمر زرارة ، قال : ( قلت له : في مسح الخفين تقية ؟ فقال : ثلاثة لا أتقي فيهن أحدا : شرب المسكر ، ومسح الخفين ، ومتعة الحج ) ( 4 ) .


وأورده الصدوق بلفظ : ( وقال العالم عليه السلام ) ( 5 ) ولا أثر لهذا الإضمار والوصف في تحديد اسم القائل على حجية الخبر ، لأن قرينة ( عليه السلام ) كافية في تعيين كونه من الأئمة الاثني عشر عليهم السلام ، وهو في المورد المذكور مردد بين الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام .


هذا ، وقد حمل زرارة المنع عن استخدام التقية في المسكر ، ومسح الخفين ، ومتعة الحج على شخص الإمام عليه السلام ، لأنه قال في ذيل الحديث برواية الكافي : ( ولم يقل الواجب عليكم أن لا تتقوا فيهن أحدا ) ، فلاحظ .
 

 

* هامش *

 

 

(1) أصول الكافي 2 : 219 / 13 ، باب التقية .
(2) أصول الكافي 2 : 220 / 18 ، باب التقية . ومثله في المحاسن للبرقي : 259 / 308 .
(3)
أصول الكافي 2 : 217 / 2 ، باب التقية . ومثله في المحاسن : 259 / 309 . والخصال / الصدوق : 22 / 79 .
(4)
فروع الكافي 3 : 32 / 2 باب مسح الخفين من كتاب الطهارة .
(5)
من لا يحضره الفقيه 1 : 30 / 95 باب حد الوضوء وترتيب ثوابه . ( * )

 

- ص 80 -

وقد يكون السبب أن هذه الأمور الثلاثة مما هي معلومة جدا من مذهبه عليه السلام ، وإن التقية فيها لا تجدي نفعا لأن كل من عاصر الإمام الصادق عليه السلام يعلم رأيه في هذه الثلاثة ، فلا حاجة لأن يتقي فيهن أحدا .


 5 - وفي حديث آخر بالغ الأهمية مع علو إسناده وصحته ، عن مسعدة ابن صدقة قال : ( سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول وسئل عن إيمان من يلزمنا حقه وإخوته كيف هو وبما يثبت وبما يبطل ؟ فقال عليه السلام : إن الإيمان قد يتخذ على

وجهين : أما أحدهما : فهو الذي يظهر لك من صاحبك ، فإذا ظهر لك منه مثل الذي تقول به أنت ، حقت ولايته وأخوته إلا أن يجئ منه نقض للذي وصف من نفسه وأظهره لك ، فإن جاء منه ما تستدل به على نقض الذي أظهر لك ، خرج عندك

مما وصف لك وأظهر ، وكان لما أظهر لك ناقضا إلا أن يدعي أنه إنما عمل ذلك تقية ، ومع ذلك ينظر فيه : فإن كان ليس مما يمكن أن تكون التقية في مثله ، لم يقبل منه ذلك ، لأن للتقية مواضع ، من أزالها عن مواضعها لم تستقم له . وتفسير ما

يتقى مثل أن يكون قوم سوء ظاهر حكمهم وفعلهم على غير حكم الحق وفعله ، فكل شئ يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية مما لا يؤدي إلى الفساد في الدين فإنه جائز ( 1 ) .
 


 سادسا : الأحاديث الدالة على حرمة استخدام التقية في الدماء :

 1 - عن محمد بن مسلم ، عن الإمام الباقر عليه السلام قال : إنما جعلت التقية ليحقن بها الدم ، فإذا بلغ الدم فليس تقية ( 2 ) .

 

* هامش *

 

 

(1) أصول الكافي 2 : 168 / 1 باب فيما يوجب الحق لمن انتحل الإيمان وينقضه ، من كتاب الإيمان والكفر .
(2) أصول الكافي 2 : 220 / 16 . والمحاسن : 259 / 310 . ( * )

 

- ص 81 -

 2 - وعن أبي حمزة الثمالي ، عن الإمام الصادق عليه السلام : . . . إنما جعلت التقية ليحقن بها الدم ، فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية ( 1 ) .

وجدير بالذكر ، إن بعض فقهاء العامة جوز التقية في الدماء وهتك الأعراض كما سيوافيك مفصلا في محله من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى .
 


 سابعا : الأحاديث المبينة لحكم التقية في بعض الموارد : ونذكر من هذه الموارد ما يأتي :

 1 - ما دل على مخالطة أهل الباطل ومداراتهم بالتقية :

 أ - عن إسماعيل بن جابر ، وإسماعيل بن مخلد السراج ، كلاهما عن الإمام الصادق عليه السلام ، في رسالته إلى أصحابه : وعليكم بمجاملة أهل الباطل ، تحملوا الضيم منهم ، وإياكم ومماظتهم ، دينوا فيما بينكم وبينهم إذا أنتم جالستموهم وخالطتموهم ونازعتموهم الكلام ، فإنه لا بد لكم من مجالستهم ومخالطتهم ومنازعتهم الكلام بالتقية التي أمركم الله أن تأخذوا بها فيما بينكم وبينهم . . ( 2 ) .


 ب - وعن هشام الكندي ، عن الإمام الصادق عليه السلام ، قال : إياكم أن تعملوا عملا يعيرونا به ، فإن ولد السوء يعير والده بعمله ، كونوا لمن انقطعتم إليه زينا ولا تكونوا عليه شينا ، صلوا في عشائرهم ، وعودوا مرضاهم ، واشهدوا جنائزهم ، ولا يسبقونكم إلى شئ من الخير فأنتم أولى به منهم ، والله ما عبد الله بشئ أحب إليه من الخب ء .
 

 

* هامش *

 

 

(1) تهذيب الأحكام / الشيخ الطوسي 6 : 172 / 335 باب النوادر ، من كتاب الجهاد وسيرة الإمام عليه السلام .
(2) روضة الكافي 8 : 2 / 1 . ( * )

 

- ص 82 -

قلت : وما الخب ء ؟ قال : التقية ( 1 ) .

 ج - وعن أبي بصير قال : قال أبو جعفر عليه السلام : خالطوهم بالبرانية ، وخالفوهم بالجوانية إذا كانت الإمرة صبيانية ( 2 ) .


وقد مر هذا المعنى أيضا في رواية الشيخ المفيد في أماليه بسنده عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال : خالطوا الناس بألسنتكم وأجسادكم ، وزايلوهم بقلوبكم وأعمالكم . كما مر أيضا ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كتب العامة ، أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال : كيف أنتم في قوم مرجت عهودهم وأماناتهم وصاروا حثالة ؟ وشبك بين أصابعه ، قالوا : كيف نصنع ؟ قال : اصبروا وخالطوا الناس بأخلاقهم ، وخالفوهم في أعمالهم ( 3 ) .


وقد مر في حديث مسعدة بن صدقة عن الإمام الصادق عليه السلام ما يدل عليه . وبالجملة ، فإن مخالطة أهل الباطل عند غلبتهم ضرورة لا بد منها وقد نهجها من قبل مؤمن آل فرعون وأصحاب الكهف كما مر في الأدلة القرآنية ، فراجع .

 

 2 - ما دل على عدم الحنث والكفارة على من حلف تقية : ويدل عليه ما رواه الأعمش ، عن الإمام الصادق عليه السلام قال : . . . واستعمال التقية في دار التقية واجب ، ولا حنث ولا كفارة على من
 

 

* هامش *

 

 

(1) أصول الكافي 2 : 219 / 11 باب التقية .
(2) أصول الكافي 2 : 220 / 20 باب التقية .
(3)
أنظر ما ذكرناه حول الحديث الثاني في هذا الفصل . ( * )

 

 

- ص 83 -

حلف تقية يدفع بذلك ظلما عن نفسه ( 1 ) .


 أقول : سيأتي إن شاء الله تعالى جواز الحلف تقية عند العامة ولا أثر يترتب عليه عندهم .

 

 3 - ما دل على حكم التقية في شرب الخمر : عن درست بن منصور ، قال : ( كنت عند أبي الحسن موسى عليه السلام ، وعنده الكميت بن زيد ، فقال للكميت : أنت الذي تقول : فالآن صرت إلى أمية * والأمور لها مصائر ؟ قال : قلت ذاك ، والله ما رجعت عن إيماني ، وإني لكم لموال ، ولعدوكم لقال ، ولكني قلته على التقية . قال : أما لئن قلت ذلك ، إن التقية تجوز في شرب الخمر ( 2 ) .


وقد فسر هذا الحديث عند بعضهم بعدم جواز التقية في شرب الخمر ، بتقريب : إن الإمام عليه السلام لم يقتنع بعذر الكميت ، وأجابه : بأن باب التقية لو كان واسعا بهذه السعة لجازت التقية حتى في شرب الخمر ! ومعنى هذا أنه لا تجوز التقية فيه ( 3 ) .


ولكن في هذا التفسير تأمل ، لأن اللام في قوله عليه السلام ( لئن قلت هذا . . . ) هي اللام الموطئة للقسم و ( إن ) شرطية ، وجواب الشرط محذوف يمكن تقديره بالإباحة أي : والله لئن قلت ذلك فهو مباح لك أن تقول مثل هذا القول الباطل المحرم كما أبيح شرب الخمر تقية على عظمة حرمته .
 

 

* هامش *

 

 

(1) الخصال / الصدوق : 607 / 9 .
(2) رجال الكشي 2 : 465 / 364 .

(3) القواعد الفقهية / ناصر مكارم الشيرازي 3 : 417 . ( * )

 

- ص 84 -

وبهذا تكون جملة : ( إن التقية تجوز في شرب الخمر ) جملة ابتدائية لا صلة لها بجواب الشرط ، ويدل عليه عدم اقترانها بالرابط . وأما لو وجد الرابط ، لكان جواب القسم الذي سد مسد جواب الشرط هو ( فأن التقية تجوز في شرب الخمر ) وعندها سيكون المعنى على طبق التفسير المتقدم .


والحق : إن مسألة تحريم التقية في شرب الخمر وإن لم تثبت بهذه الرواية ، لإمكان الخدش في دلالتها ، إلا أنه يمكن الاستدلال بروايات أخر على التحريم . كرواية الصدوق في ( الخصال ) في حديث الأربعمائة ، بسنده عن أمير المؤمنين عليه السلام ، قال : ليس في شرب المسكر والمسح على الخفين تقية .


ورواية ( دعائم الإسلام ) عن الإمام الصادق عليه السلام قال : التقية ديني ودين آبائي إلا في ثلاث : في شرب المسكر ، والمسح على الخفين ، وترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم . وفي ( فقه الإمام الرضا عليه السلام ) ، عن العالم عليه السلام : ولا تقية في شرب الخمر ، ولا المسح على الخفين ، ولا تمسح على جوربك إلا من عدو أو ثلج تخاف على رجليك


وفي ( الهداية ) للصدوق : ولا تقية في ثلاث أشياء : شرب المسكر ، والمسح على الخفين ، ومتعة الحج ( 1 ) ، والمعروف أن فتاوى الصدوق في سائر كتبه منتزعة من نصوص الأخبار . ومن كل ما تقدم يعلم عدم صحة تأويل زرارة المتقدم ، لعدم تقييد

 

* هامش *

 

 

(1) أنظر هذه الموارد في جامع أحاديث الشيعة 2 : 391 - 392 / 22 - 25 باب 26 من أبواب الوضوء . ( * )

 

- ص 85 -

النهي في هذه الأخبار بشخص المعصوم عليه السلام . هذا فيما إذا كان الإكراه على شرب الخمر بما دون القتل ، وأما مع القتل فلا شك في جوازه عندهم .

 

 4 - ما دل على جواز إظهار كلمة الكفر تقية : وقد مر ما يدل عليها في الدليل القرآني ، وأما من الحديث فيدل عليه ما رواه مسعدة بن صدقة عن الإمام الصادق عليه السلام في حديث طويل ذكر فيه قصة عمار بن ياسر وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعمار : يا عمار ، إن عادوا فعد ( 1 ) .
 


 5 - ما دل على جواز التقية في الوضوء البدعي : ويدل عليه ما أخرجه العياشي بسنده عن صفوان ، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام في غسل اليدين ، قال : ( قلت له : يرد الشعر ؟ فقال عليه السلام : إن كان عنده آخر فعل وإلا فلا ) ( 2 ) .

والمراد ب ( الآخر ) هو من يتقى شره ، وأما رد الشعر ، فهو كناية لطيفة عن الوضوء البدعي المنكوس ، لأن رد الشعر من لوازمه .

أقول : لا يخفى على الفطن ما في هذا الحديث من دلالة واضحة على إنشائه تقية فضلا عن كونه في التقية ، إذ كان السائل فيه لبقا وحذرا فجاء بالكناية المعبرة عن مراده ، كما كان الإمام عليه السلام حذرا في جوابه إذ جاء تجويز الوضوء المنكوس تقية بلفظ متسق مع طبيعة السؤال من غير تصريح ، وهذا يكشف عن كون السؤال والجواب كانا في محضر من يتقى شره .
 

 

* هامش *

 

 

(1) أصول الكافي 2 : 219 / 10 باب التقية ، وقد تضمن هذا المعنى الحديث رقم 15 و 21 من الباب المذكور .
(2) تفسير العياشي 1 : 300 / 54 . ( * )


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب