|
|
- التقية في الفكر الاسلامي - مركز
الرسالة ص 86 : |
المبحث الثالث
الإجماع ودليل العقل
أولا : الإجماع :
يعتبر الإجماع - في أصح أقوال المسلمين - أداة كاشفة عن وجود
دليل متين وقويم كآية من كتاب الله عز وجل أو حديث شريف ينطق بالحكم المجمع
عليه ، وإن اعتبره فريق منهم دليلا قائما بنفسه تماما كالكتاب والسنة ، وهو
بهذا المعنى يستحيل في حقه الخطأ ويكون معصوما كعصمة الكتاب والسنة المطهرة ،
وأن من رد عليه هو كمن رد قول الله عز وجل وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه
وآله وسلم .
ومع هذا فلم يختلف اثنان من المسلمين في أن أهم مصادر التشريع في الإسلام هما :
القرآن الكريم ، والسنة
المطهرة القطعية ، وأنه لا يوجد مصدر تشريعي آخر يبلغ شأنهما في الحجية
.
والحق ، أن ما تقدم من أدلة التقية يغني عما سواه ، خصوصا مع اتفاق المفسرين
والمحدثين على عدم وجود الناسخ لتلك الأدلة ، مع انعدام الشك في ما دلت عليه من
جواز التقية عند الخوف الشخصي أو النوعي ، ولهذا لم يناقش أحد منهم في ذلك ،
وعليه سيكون الحديث عن الإجماع على مشروعية التقية حديثا زائدا عند من لا يراه
دليلا مستقلا وقائما بنفسه .
ولهذا سنكتفي بقول من يراه دليلا مستقلا كالكتاب والسنة ، إذ
سيكون ذلك أبلغ في دحض حجة كون التقية نفاقا كما يزعم بعض أتباع القول
باستقلالية الإجماع الذي ادعاه غير واحد من علماء العامة كما يفهم من
أقوالهم وإليك نموذجا منها :
1 -
قال أبو بكر الجصاص الحنفي ( ت / 370 ه ) : (
ومن امتنع من المباح كان قاتلا نفسه متلفا لها عند جميع أهل العلم )
( 1 ) .
2 -
ابن العربي المالكي ( ت / 543 ه ) ذكر في كلامه عن حديث الرفع - كما مر
- اتفاق العلماء على صحة معناه ، وأنهم حملوا فروع الشريعة عليه وهذا يكشف عن
إجماعهم على أن ما استكره عليه الإنسان فهو له ، وهذا هو معنى التقية
( 2 ) .
3 -
عبد الرحمن المقدسي الحنبلي ( ت / 624 ه ) قال :
( أجمع العلماء على إباحة الأكل من الميتة للمضطر وكذلك سائر المحرمات التي لا
تزيل العقل ) ( 3 ) .
والإكراه داخل في المفهوم العام للضرورة كما سبق التأكيد عليه ، كما أن
الاضطرار إلى أكل الميتة كما قد يكون بسبب المخمصة ، فقد يكون بسبب الإكراه من
ظالم أيضا .
4 - القرطبي المالكي
( ت / 671 ه ) قال : ( أجمع أهل العلم على أن من أكره على الكفر حتى خشي على
نفسه القتل أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان )
( 4 ) .
5 - ابن كثير
الشافعي ( ت / 774 ه ) قال : ( اتفق العلماء على أن المكره
| |
* هامش * |
|
|
|
(1)
أحكام القرآن /
الجصاص 1 : 127 .
(2)
أحكام القرآن / ابن العربي 3 : 1179 .
(3) العدة في
شرح العمدة / عبد الرحمن المقدسي : 464 ، نشر مكتبة الرياض الحديثة
.
(4) الجامع
لأحكام القرآن / القرطبي 10 : 180 . ( * ) |
|
على الكفر يجوز له أن يوالي أيضا لمهجته ، ويجوز له أن يأبى )
( 1 ) .
6 - ابن حجر
العسقلاني الشافعي ( ت / 852 ه ) قال : ( قال ابن بطال - تبعا لابن
المنذر - : أجمعوا على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل فكفر وقلبه
مطمئن بالإيمان ، أنه لا يحكم عليه بالكفر ) ( 2 )
.
7 - الشوكاني
( ت / 1250 ه ) قال : ( أجمع أهل العلم على أن من أكره على الكفر حتى خشي على
نفسه القتل ، إنه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان ، ولا تبين منه
زوجته ، ولا يحكم عليه بحكم الكفر ) ( 3 ) .
8 - جمال الدين القاسمي
الشامي ( ت / 1332 ه ) قال : ومن هذه الآية : (
إلا أن تتقوا منهم تقاة ) استنبط الأئمة
مشروعية التقية عند الخوف ، وقد نقل الإجماع على جوازها عند ذلك الإمام مرتضى
اليماني ) ( 4 ) .
ثانيا :
الدليل العقلي :
وأما عن الدليل العقلي ، فالواقع إنه لم يكن للعقل البشري
صلاحية الاستقلال بالحكم عند جميع المسلمين بما في ذلك المعتزلة ، إذ لم يثبت
عنهم اعتبار العقل حاكما في المقام وتقديمه على حكم الشرع
( 5 ) ،
| |
* هامش * |
|
|
|
(1)
تفسير القرآن
العظيم / ابن كثير 2 : 609 .
(2)
فتح الباري / ابن حجر العسقلاني 12 : 264 .
(3) فتح
القدير / الشوكاني 3 : 197 .
(4) محاسن
التأويل / القاسمي 4 : 197 . وانظر هذه الأقوال وغيرها من الأقوال
الأخر المصرحة بإجماع علماء العامة على مشروعية
التقية في كتاب واقع التقية /
السيد ثامر هاشم العميدي : 93 - 96 ، ط 1 ، نشر مركز الغدير للدراسات
الإسلامية ، 1416 ه .
(5) راجع
مباحث الحكم عند الأصوليين / محمد سلام مدكور 1 : 162 . فقد نقل عن
كتاب مسلم الثبوت قوله : ( في كتب بعض المشايخ : إن المعتزلة يرون أن
الحاكم هو العقل ) ثم نقل في رده عن محيط الزركشي قوله : ( إن المعتزلة لا
ينكرون أن الله هو الشارع للأحكام والموجب لها ، والعقل عندهم طريق إلى
العلم بالحكم الشرعي ) .( * ) |
والصحيح من الأقوال : إنه الطريق الموصل إلى العلم القطعي ،
والسبيل إلى معرفة حجية القرآن ودلائل الأخبار ( 1 )
.
فالعقول وإن كان لها قابلية الادراك ، إلا أن إدراكها يتناول
الكليات ولا يتعدى إلى الجزيئات والفروع التي تحتاج إلى نص خاص بها ، وهذا لا
يمنع من أن يدرك العقل السليم خصائص كثيرة في تفسير النصوص بشرط أن لا يكون
خاضعا لتأثيرات أخرى تصده عن الوصول إلى الواقع ، كما لو ناقش في الأوليات
والبديهيات ولم يفرق بين قبح الظلم وحسن العدل مثلا .
كما لا يمنع أيضا من أن يستقل ببعض الأحكام ، إذ لو عزل العقل عن الحكم لهدم
أساس الشريعة ، غير أنه لا يتعرض للتفاصيل والأشياء الخارجية ولا يتخذ منها
موضوعات لأحكامه ، وإنما يحكم بأمور كلية عامة كما مر . فهو مثلا لا يحكم بوجوب
الصوم والصلاة ، وإنما يحكم بإطاعة الشارع المقدس وامتثال أوامره التي منها
الأمر بالصوم والصلاة .
وهو لا يتعرض للبيع والإجارة والزواج والطلاق ، بل يقر كل ما يصلح الجميع ويحفظ
النظام العام . وهو لا يحلل هذا أو يحرم ذاك ، وإنما يحكم بقبح العقاب بلا بيان
، وبوجوب دفع الضرر عن النفس ، وبحرمة إدخاله على الغير .
فالعقل له القدرة في أن يحكم بهذه الكليات العامة وما إليها حكما
| |
* هامش * |
|
|
|
(1)
التذكرة بأصول الفقه
/ الشيخ المفيد : 28 ، مطبوع ضمن سلسلة مؤلفات الشيخ المفيد في المجلد
التاسع ، ط 2 ، دار المفيد ، بيروت / 1414 ه . وقد نقله عنه الكراجكي في
كنز الفوائد 2 : 15 ، دار الأضواء ، بيروت / 1405 ه ، إذ أورد فيه
مختصر التذكرة بأصول الفقه للشيخ المفيد . (
* ) |
مستقلا ، حتى وإن لم يرد فيها نص شرعي ، ونحن نكتشفها ونطبقها
على مواردها دون أية واسطة . وأما ما جاء في لسان الشارع من الأحكام في الموارد
التي استقل العقل بها فمحمول على الإرشاد والتأكيد لحكم العقل ، لا على التأسيس
والتجديد ، ومن هذه الموارد :
1 - حكم العقل
بالاحتياط : كما لو كان لديك إناءان : أحدهما طاهر ، والآخر نجس ، ولم
تستطع التمييز بينهما ، أو تيقنت أنه قد فاتك فرض العشاء أو المغرب ولم تميز
أحدهما . ففي مثل هذا الحال يحكم العقل بوجوب الاحتياط باجتناب الإنائين في
المثال الأول ، وبأداء الصلاتين في المثال الثاني . ولهذا اشتهر عن الفقهاء
قولهم : ( العلم باشتغال الذمة يستدعي العلم بفراغها ) .
2 - حكم العقل
البراءة : كما لو كانت هناك قضية لدى الفقيه لا يعرف حكمها هل هو الفعل
أو الترك ؟ بعد أن استفرغ ما في وسعه للبحث عنها في جميع أدلة الأحكام ، ومع
هذا لم يجد شيئا في خصوص تلك القضية .
فهنا يلجأ الفقيه إلى العقل الذي يحكم في مثل هذه الحالة التي
لم يصل بها بيان من الشارع بقبح العقاب بلا بيان ، وبناء على هذه القاعدة
العقلية يحكم الفقيه بجواز الأمرين : الفعل والترك .
ومن هنا يتضح أن الفرق بين الاحتياط والبراءة العقليين ، هو
أن مورد الاحتياط هو الشك في المكلف به بعد العلم بوجود التكليف ، ومورد
البراءة هو الشك في أصل وجود التكليف .
3 - حكم العقل بدفع
الضرر : قسم الفقهاء الضرر على قسمين ، وهما : الضرر الدنيوي كالمتعلق
بالنفس والعرض والمال ، والضرر الأخروي كالعقاب على مخالفة الشارع .
والواقع ، إن وجوب دفع الضرر لا ينكره إلا الجاهل الغبي ،
لأنه من أحكام الفطرة التي فطرت عليها النفوس ، ومن ينكر ذلك فهو أقل رتبة من
الحيوانات التي تعرف ذلك بفطرتها ، ألا ترى أنها تنفر من الضرر وتسعى إلى النفع
بفطرتها دون توسط حكم العقل بالحسن والقبح ؟
إن هذه القاعدة قاعدة التحسين والتقبيح العقليين اعتنى بها المتكلمون كثيرا ،
وأما علماء الأصول فهم وإن لم يخصصوا لها بابا مستقلا ، إلا أنهم تكلموا عنها
استطرادا في مباحث الظن والاحتياط والبراءة ، وتتلخص أقوالهم بأن الضرر إما أن
يكون دنيويا ، أو أخرويا ، وكل منهما إما أن يكون معلوم الوقوع أو مظنونا أو
محتملا .
أما الضرر المعلوم ، فإن العقل يحكم بوجوب دفعه مهما كان نوعه . وأما المظنون
والمحتمل ، فإن كان أخرويا ، وكان ناشئا عن العلم بوجود التكليف والشك في
المكلف به ، فهو واجب الدفع ، لأنه يعود إلى وجوب الإطاعة فيدخل في باب
الاحتياط .
وإن كان الخوف من الضرر الأخروي ناشئا من الشك في أصل وجود التكليف ، فالعقل لا
يحكم بوجوب الدفع ، لوجود المؤمن العقلي وهو قاعدة ( قبح العقاب بلا بيان ) أي
: إن عدم البيان أمان من العقاب ، كما في قوله تعالى : (
وما كنا
معذبين حتى نبعث رسولا
) ( 1 ) زيادة على حديث الرفع المشهور كما تقدم ،
وحديث السعة في الكافي عن أمير المؤمنين عليه السلام ، أنه قال : . . هم في سعة
حتى يعلموا ( 2 ) وقول الإمام الصادق عليه السلام
:
| |
* هامش * |
|
|
|
(1)
سورة الإسراء :
17 / 15 .
(2)
فروع الكافي 6 :
297 / 2 باب 48 من كتاب الأطعمة . ( * ) |
|
كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهي ( 1 )
، وقوله عليه السلام : كل شئ مطلق حتى يرد فيه نص ( 2 )
، وهذا يعني دخوله في باب البراءة .
أما الضرر الدنيوي المظنون والمحتمل ، فإن العقل يحكم بوجوب دفعه ولا فرق بينه
وبين الضرر المعلوم من هذه الجهة ، لأن الإقدام على ما لا يؤمن معه الضرر قبيح
عقلا .
فأي منا مثلا إذا تردد عنده سائل موجود في إناء بين كونه سما أو ماء ولا يحكم
عقله بوجوب اجتناب ذلك السائل ؟ والخلاصة : إن الضرر الدنيوي يحكم العقل بوجوب
الابتعاد عنه معلوما كان أو مظنونا أو محتملا ( 3 )
.
وواضح أن الاستدلال بالعقل على مشروعية التقية ، إنما هو من جهة حرص العاقل على
حفظ نفسه من التلف ، بل ومن كل ما يهدد كيانه بالخطر ، أو يعرض شرفه إلى
الانتهاك ، أو أمواله إلى الضياع .
والتقية ما هي إلا وسيلة وقائية لحفظ هذه الأمور
وصيانتها عندما يستوجب الأمر ذلك ، على أن لا يؤدي استخدامها إلى فساد في الدين
أو المجتمع كما لو أبيحت في الدماء مثلا .
| |
* هامش * |
|
|
|
(1)
من لا يحضره الفقيه
1 : 208 / 937 باب 45 .
(2)
عوالي الآلي 2 : 44 / 111 .
(3) راجع في ذلك
مقالات الشيخ محمد جواد مغنية : 250 - 253 ،
ط 2 ، دار ومكتبة الهلال ، بيروت / 1993 م . ( * )
|
|