|
|
|
|
الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف تأليف العالم العابد الزاهد رضي الدين أبي القاسم علي بن موسى ابن طاووس الحلي المتوفى سنة 664 ه
مطبعة الخيام - قم 1399 ه
بسم الرحمن الرحيم الحمد لله كما يستحقه لذاته ، ويستوجبه باحسانه الى مخلوقاته ، ونشهد أن لا اله إلا هو كما دل عليه بواضح دلالاته ، وانه بعث رسلا مشيده بحججه وبيناته ، واوضح الطريق إليه لئلا يكون لاحد حجة عليه . وبعد : فانى رجل من أهل الذمة ولي بذلك على أهل الاسلام ثبوت حرمة فيجب أن لا يعجلوا بذمي على ما أسطره ، بل يتفكروا في حقيقة ما أذكره ، فرب ملوم منا لا ذنب له . وذلك انى مذ نشأت سمعت اختلاف أهل الملل في كل زمان ، فسافرت بنفسى وخاطري وناظرى في العقائد والاديان ، لاحصل لنفسي السلامة وأفوز برضا الله ودار المقامه ، وأسلم من الندامة وخطر يوم القيامة . واننى عرفت ما بلغ إليه محمد صلى الله عليه وآله ومن أتبعه على ملته ، فأحبت أن اقدم النظر فيما جاء به وفي حال اتباعه وشريعته ، فوجدت اكثر أهل الاسلام المالكيه والحنفيه والشافعية والحنبليه ، وهم الاربعة المذاهب مذهب مالك ومذهب الشافعي ومذهب أبي حنيفه ومذهب احمد بن حنبل ولم ارتب
ذكرهم ههنا على حسب ترتبهم في أزمانهم لأن المقصود غير ذلك . فسالت : هل كان هؤلاء الاربعة من اصحاب نبيهم محمد صلى الله عليه وآله وأهل زمانه ؟ فقيل : لا . فقلت : هل كانوا جميعا من التابعين الذين لقوا أصحابه فسمعوا منهم ورووا عنهم ؟ فقيل لا بل هؤلاء الاربعة تكلموا فيما بعد وتعلموا العلم وقلدهم اكثر المسلمين . فقلت : هذا عجيب من هذه الامه ، كيف تركوا ان يسموا أنفسهم محمديه وينسبوا الى اسم نبيهم محمد صلى الله عليه وآله ، وكان ذلك أشرف لهم وأقرب الى تعظيم نبوته واظهار حرمته ، وليتهم جعلوا مذاهبهم باسم أحد من أهل بيته وعترته أو باسم أحد من صحابته أو باسم أحد شاهد آثارهم وأعلامهم فكيف عدلوا عن ذلك كله وسموا أنفسهم باتباع هؤلاء الاربعة الانفس ؟
فكيف اتفق اكثرهم على الاقتداء باربعة أنفس على هذا الاختلاف الذي خرجوا به عن طريق نبيهم محمد صلى الله عليه وآله في الاتفاق والايتلاف وتباعدوا بذلك عما يذكرونه من قواعد ( 1 ) الاسلاف .
ثم سألت : عن معنى ما تضمنه كتابهم "
اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا
"
( 2 )
فقالوا : هذه الايه نزلت على نبيهم في أواخر عمره حيث كمل الله دينه . فقلت :
كان دينه قد تكمل في حياته فما هذا الاختلاف العظيم بعد وفاته
مع قرب بعض هؤلاء الاربعة المذاهب من الصدر الاول ؟ . فان كان هذا الاختلاف من الرواة الذين رووا عنهم فقد شهدوا على رواة أحاديثهم بالكذب أو الغفلة أو الضلال وتبديل الاسلام ، فكيف يوثق بهم فيما نقلوه عنهم . وان كان هذا الاختلاف من هؤلاء الاربعة المذاهب لحاجه دعتهم الى ذلك أو لطلب ما ضاع والتبس من شرع نبيهم فهذا يدل على أن هؤلاء الاربعة المذاهب قد شهدوا على أن دين نبيهم ما كان محفوظا ولاترك لهم من يقوم مقامه ، ويحفظ شرعه ويحتج به عليهم ، فكيف يجوز الاقتداء بمن يشهد على ربه تعالى ونبيه وشريعته بمثل ذلك . وان كان قد كان تاما محفوظا فأي شئ ضاع منهم غير دينهم وشريعة نبيهم حتى فتشوا عليه واختلفوا لاجله هذا الاختلاف ؟. وان كانوا اختلفوا من غير حاجة لهم الى الاختلاف فقد قبحوا ذكر نبيهم وأساؤا سمعته وزهدوا الناس في اتباع شريعته وزادوا ونقصوا بذلك ما لم يكن في زمانه ، فكيف يجوز الاقتداء بمن يكون بهذه الصفات ؟ . وان كان هؤلاء الاربعة أنفس يزعمون أو يزعم بعضهم انهم أعرف بالشريعة من ربهم ونبيهم وانهم يزيدون وينقصون بحسب اختيارهم وانهم قد اتوا بما لم يات به نبيهم من الهداية فهذا خلاف عقول العقلاء وضد مذاهب أمم الانبياء . ثم قلت لبعض أتباعهم : إذا كانوا هؤلاء الاربعة أنفس في أزمان متفرقة وعلى مذاهب مختلفه فلاي حال كانوا جميعا على صواب مع أن بعضهم يلعن بعضا ويكفر بعضهم بعضا ، وهلا كان بعضهم على الحق وبعضهم على الباطل أو جميعهم على الباطل . فيكون الحق مع من كان قبلهم من الصحابة والتابعين الذين لزموا بمحمد صلى الله عليه وآله وشريعته وتبعوا طريقته التي هي طريقة واحده ؟ ثم قلت لبعض اتباعهم كيف اقتصرتم على أربعة أنفس تقتدون بهم ؟ فهلا كان الذين يقتدون اكثر عددا أو أقل ؟ ومن حدد هذا التحديد ؟ وجعل رؤساء
المذاهب أربعة أنفس فحسب ، وليس هذا التحديد في كتابكم ولا شريعة نبيكم . ثم ومن العجب انى رأيت في اتباع هؤلاء الاربعة من هو أعلم منهم بكثير . وما أدى كيف صار الاقتداء والاسم لاولئك الاربعة . وهلا كان كل واحد من علماء الاسلام الذين مثل أولئك الاربعة أو أفضل منهم يكون قوله والاقتداء به مثل هؤلاء ؟ ثم أيها المسلمون ان كان اصحاب كل واحد من هؤلاء الاربعة ما اهتدوا إلا بهم ولا عرفوا الشريعة حتى ظهر الذي اقتدوا به . فكيف كانت حال آبائهم وأسلافهم ؟ فيلزم أن يكون سلف هؤلاء الاتباع قد كانوا ضالين حيث لم يكن لهم واحد من هؤلاء الاربعة . وان كان قد كان لسلفهم مثل واحد هؤلاء الاربعة أو أفضل فهلا كان اقتداء باولئك الاوائل والاسم لهم ؟ ثم قد وقفت على ذم كل فرقه منهم لرئيس الفرقة الاخرى ولفتاويه ولوم جماعته بما أن لو ذكرته طال شرحه ، فلينظر ذلك في مواضعه ، ويسال كل فرقة عن الاخرى . ومما دل أنهم تبعوا هؤلاء الاربعة الائمة عندهم عصبية ومراقبة لطلب الخبز واللحم والوظائف التي في المدارس المنسوبه إليهم والربط قول الموصوف عندهم بأنه حجة الاسلام محمد بن محمد بن أحمد الغزالي في كتاب ( الجام العوام عن علم الكلام ) ، وهو كتاب وجدته واصله في وقف الزيدى ببغداد ، ويذكر أنه آخر كتاب صنفه الغزالي ، ولاشبهه بأنه آخر العمر وقرب الموت يكون الانسان اقرب الى الحق فقال في خطبته ماهذا لفظه : اعلم أن الحق الصريح الذي لا مراء فيه عند أهل البصائر هو مذهب السلف أعنى الصحابة والتابعين .
ههنا مذاهب كثيره فقلت : من اكثرها عددا بعد هذه الاربعة المذاهب وأظهرها احتجاجا في الاصول والشريعة ؟ فقيل : قوم يعرفون بالشيعة منتسبون الى نبيهم محمد صلى الله عليه وآله وأهل بيته خاصه ، إلا ان هؤلاء الاربعة المذاهب متفقون أو اكثرهم على بغض أهل هذا المذهب المذكور وعلى عداوتهم في اكثر الامور .
لانه لو كان الاعتبار بالكثرة ما وجب اتباع الانبياء ولا ثبت شرائعهم ، لأن كل نبى ظهر فان الناس كانوا وقت ظهوره كلهم أو اكثرهم مجتمعين على مخالفته ، ولم يدل ذلك على بطلان نبوته ولما بايعه بعضهم فان اكثرهم كانوا في اول الامر مخالفين لهم في ذلك ولم يدل كثرة مخالفيهم على بطلان مذهب القليلين التابعين له . ولاننى رأيت خيار كل شئ في الدنيا وجيده أقله حتى من كل صامت وناطق ورطب ويابس ، وإذا اعتير العاقل ذلك وجده كما قلت .
ومما حملني على تقديم النظر في اعتقاد هذه الفرقة الشيعة انى ما رأيتهم أحدثوا لانفسهم ولاديانهم من يقتدون به ، وإنما حفظوا الطريق الاول واقتدوا بنبيهم وخواص أهل بيته ، وقد استحسنت هذا الاختيار من الفرقة . ولقد لقيت جماعة من علمائهم وسألتهم عن اعتقادهم ، فقالوا : ما نكلفك تقليدنا بغير حجة وقد حكمناك في حال انصافك أن تنظر في كتبنا وتلقى من تقوم به الحجة من علمائنا ، فان كتبنا المصنفة في أصول الدين واصول الفقه وفي الشريعة وفي العبادات والاداب والدعوات واللغة والسير وتفاسير القرآن والاخبار وغير ذلك في سائر العلوم والاثار الدينية ما لا نقدر على حصرها لك بقلم ولا بلسان لافتراقها في البلدان وكثرة المصنفين لها في كل زمان . ولنا كتب مجلدة كبار فيها أسماء المصنفين من أصحابنا المتقدمين وعدد بعض تصانيفهم أو كلها وفيهم من له الف مصنف وفيهم من له اقل أو أكثر ، وإذا كان اسماء مصنفي كتبنا مجلدات فكم يكون عدد تصانيفهم وعدد من لم يصنف من علمائهم ، فاطلب ما تريد من تلك التصانيف فانك تجد فيها من الادلة الواضحة والبراهين اللائحه ما يصونك عن خطر التقليد ويوجب لك الاعتقاد بها والعمل بها .
وما كنا لنهتدي لو لا ان هدانا الله بالطافه المتواترة وعنايته المتظاهرة وأما ما كان من علم الشريعة المحمدية فاننا أخذناه عن نبينا وخواص أهل بيته الذين عرفنا حقيقة عصمتهم وطهارتهم وأمنا من غلطهم وسهوهم واختلافهم ، وأمرنا الله ورسوله بالقبول منهم والاخذ عنهم ، فأرشدونا الى سبيل الصالح
وأوردونا على منهل الحق الواضح . ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ( 1 ) . وان كان مقصودك الان سؤالنا أن تسمع صورة اعتقادنا قبل النظر في دلائلنا ، فاعلم اننا نعتقد : أن لنا ربا واجب الوجود بذاته ، متفردا في صفاته ، قادرا على كل مقدور مختارا في سائر الامور ، عالما بكل معلوم ، سميعا بصيرا مدركا منزها عن الجسمية والتشبيه وعن ظلم العباد وعن الرضا بما يقع منهم من الفساد ، غنيا واحدا أبديا سرمديا حكيما لا يفعل قبيحا ولا يخل بواجب ، مريدا لما تقتضيه الحكمة والاحسان ، كارها لما تكره الحكمة والعدل من الظلم والكفر والعدوان متكلم بكلام أحدثه بقدرته وأنزله على ملائكته ورسله وأنبيائه وخاصته . وان افعالنا صادره عنا بحسب دواعينا وأن كل قبيح أو فساد أو نقص فانه منا ، وان ربنا جل جلاله منزه عن أفعالنا الذميمة وعما نختاره نحن من الاختيارات السقيمة ، وأننا مختارون ولسنا مكرهين ولا مضطرين ولا مقهورين . وانه سبحانه خلقنا رحمة لنا وعناية بنا وجودا وتكرما علينا واحسانا الينا ، " من عمل صالحا فلنفسه ومن اساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد " ( 2 ) . وانه جعل لنا عقولا سليمة تشهد عندنا بجملة ما كلفنا اياه وتدلنا على مسالك رضاه . وانه بعث الانبياء حجة على من أطاعه وعصاه ، حيث علم ان رسله أهل لتحمل رسالته وأداء امانته ، وعلم أن عباده محتاجون الى معرفة تفصيل مراد الله منهم ، فجعل رسله سفراء يأخذ عباده تلك التفاصيل عنهم ، ولئلا يقول الناس
يوم القيامة " ربنا لو لا ارسلت الينا رسولا فنتبع آياتك " ( 1 ) ونكون من المؤمنين ونعتقد أن رسله عليهم السلام معصومون من الخطأ والزلل ، ومأمون منهم وقوع السهو والخطأ بحيث تحصل الثقة بما يقولون انه منه ولا يقع شك فيما يذكرونه عنه. وانه ما قبض رسولا حتى أمره أن يوصى الى من يقوم مقامه في أمته وفيما يجب له في حفظ كتابه وشريعته ، وان القائم مقامه صفات نبيه في العصمة وكلما يجب له يجب للنائب من صفات الكمال ليوثق به في كل ما يتركه أو يفعله ويقتدى به فيه وفي سائر الاحوال ، لأن الله تعالى علم أن الخطأ جائز على رعية من يقوم مقام نبيه ، فلم يكن لهم يد من معصوم يرجعون إليه ويحتج به عليهم ويكون تماما للاحسان إليهم ، وهذا واجب في عدل الله وحكمته وجوده وكرمه ورحمته وهو من تمام التكليف وصفات المالك الرحيم اللطيف . وكيف يريد سبحانه منا مثل مراده من صحابة نبيه ! ويجعل لهم كتابا ونبيا حافظا للكتاب والشريعة ومبينا لهما ويقتصر بنا على الكتاب وحده وهو محتمل للتأويلات ، وقد بلغ الاختلاف فيه الى بعيد الغايات . فيقتضى العدل والانصاف أن يكون لنا مع الكتاب المجيد خليفة للنبى يقوم مقامه ويحفظ كتابه وشريعته وأحكامه . ولما عرفنا ان نبينا محمد صلى الله عليه وآله كان في اته وصفاته على غاية تامة من الدلالة على صدق نبوته وأن الله تعالى زاده تصديقا بالمعجزات الشاهدة بثبوت رسالته ، واننا رأينا مدة حياته قد أخرجنا الله به من الذل الى العز ، ومن الفقر الى الغنى ، ومن الهوان الى الكرامة ، ومن الكفر الايمان ، ومن الخلود في النار الى الخلود في نعيم دار القرار ، ومن كل شر كنا عليه الى كل خير اهتدينا به إليه ،
وانه عليه السلام آثرنا بالدنيا على نفسه الشريفة وعياله ، وأحسن الينا احسانا يعجز اللسان والبيان حصر أوصاف كماله وانه كان من شفقته علينا واحسانه الينا إذا أراد سفرا أو بعث عسكرا عين لنا وأوصى بنا الى من يخلفه في سفره ومن ينوبه في عسكره ، وانه ما زال مدة حياته يوصى في كثير من أوقاته بعترته وذريته ، ويدلنا على انهم خلفاؤه في أمته ، ووجدنا أسلافنا قد نقلوا الينا ذلك خلفا عن سلف نقلا متواترا موجبا للعلم اليقين . وان نبينا محمدا صلى الله عليه وآله لم يهمل أمور المسلمين كما يقول عنه بعض الجهال ، بل دل على من يقوم مقامه في الانام كما يجب في العقول السليمة والعوائد المستقيمة . فإن شئت أن نورد لك شيئا من أخبارنا في ذلك أوردنا منها طرفا ، فانها اكثر من أن تحصى أو تستقصى لامثالنا . وان شئت ان نورد لك بعض ما أورده ورواه مخالفونا من الاربعة المذاهب في كتبهم التي سموها صحاحا واعتمدوا عليها .
فان شهادتهم لكم وروايتهم لتزكيتكم أبلغ في الحجة عليهم وأوضح في الحجة لكم . فذكرو القائل لذلك أن بعض شيعة أهل بيت نبيهم قد نقل في كتاب سماه ( العمدة ) ( 1 ) تسع مائه وثمانية حديثما وصل إليه تصفحه من كتب
صحاح المخالفين التي يعتمدون عليها ، وقال اننى اورد لك مما وقفت عليه شيئا يسيرا ، لانه ذكر أن الذي وجد في كتبهم مما يحتج به عليهم شيئا كثيرا وقال : ينبغى أن تعلم وتحقق انه ما يلزمنا العمل بما انفردوا به عنا فزكوا به أنفسهم وشهدوا به لمذاهبهم كما اننا ما ألزمناهم ولا احتججنا عليهم بما انفردنا به عنهم . ( قال عبد المحمود ) : وسأذكر بعض ما حدثني به عن مشائخ هؤلاء الاربعة المذاهب الثقاة عندهم من كتبهم الصحاح بينهم ، ومن شك في ذلك فلينظر في كتبهم وفي رواياتهم التي أشير إليها ، ولا ينبغى الشك في شئ منها فانه اوقفني على كتبهم المتضمنة لما رواه الشيعي عنهم وحكاه فرأيت الامر كما ذكره محققا إلا أحاديث يسيرة تختص بمناقبة حكاها عنهم صاحب كتاب العمدة التي تقدمت الاشارة إليها فربما ذكرت بعضها واعتمدت على امانته والدرك فيما ضمن تحقيقه عليه . وان نظرت أيها المعتبر شيئا مما اعتمدنا فيه على المذكور ووجدت بعض نسخ أصل ذلك المسطور يخالف ما نقله ، فلا تعجل بسوء الظن به فلعل النسخة التي نقل منها أصح أو أتم من النسخة التي وقفت عليها ، فانا تحققنا أن هذا الشيخ ما ظهر كتابه في حياته وتحدى بصحة ما نقله كل من وقف عليه ، ولكتابه نسخة بالنظاميه ببغداد .
ولقد اتفق مطالعتي في مسند عبد الله بن مسعود لاعتبار هذا المعنى فوجدت فيه عدة مواضع فمن ذلك في الحديث الرابع والثلاثين من مسند عبد الله بن مسعود من المتفق عليه ، قال في آخر الحديث المذكور ما هذا لفظه : قال
أبو مسعود في الاطراف في حديث عبد الواحد " ولقد رآه نزلة أخرى " ( 1 ) قال : قال النبي صلى الله عليه وآله رأيت جبرئيل في صورة له ستمائة جناح . وليس ذلك فيما رأيناه من النسخ ولا ذكره البرقانى فيما أخرجه من الكتابين . ( قال عبد المحمود ) : ألا ترى الحميدى قد جعل هذا من المتفق على صحته عند البخاري ومسلم في صحيحيهما ، ومع ذلك فانه قال : وليس فيما رأيناه من النسخ . ومن ذلك ما ذكره الحميدى في أواخر الحديث السابع من مسند عبد الله ابن مسعود من افراد البخاري ما هذا لفظه : ذكر هذا الحديث البرقانى وقال ان البخاري اخرجه ، وقال قال علقمة واغفله صاحب الاطراف . ( قال عبد المحمود ) ألا ترى قد أثبته في صحيح البخاري وجعله من افراده ثم حكى أن صاحب الاطراف أغفله . ومن ذلك ما ذكره الحميدى في الحديث العاشر من افراد مسلم من مسند عبد الله ابن مسعود قال في آخره ما هذا لفظه : عن علقمة عن ابن مسعود ان النبي " ص " قال : ليلنى منكم اولو الاحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثلاثا واياكم وهيشات الاسواق . ذكر ابن مسعود هذا الحديث في افراد مسلم فحكى فيه " ثم الذين يلونهم مرتين ولا تختلفوا فيختلف قلوبكم " ، وليس ذلك في كتاب مسلم ( 2 ) . ( قال عبد المحمود ) : هذا اللفظ الذي ذكره الحميدى أفلا تراه قد اختلف حكايته عن كتاب مسلم وحكاية ابن مسعود . ومن ذلك ما ذكره أيضا الحميدى في مسند عبد الله بن مسعود في اوسط
الحديث الثلاثين من افراد مسلم " ولا يعد صبيه ثم لا ينجزه الوعد " وكذا قال أبو مسعود الدمشقي ( 1 ) ان مسلما أخرج هذه الزيادة من هذا الحديث وليس ذلك فيما عندنا من كتاب مسلم . هذا آخر لفظ الحميدى . ( قال عبد المحمود ) : فيكفى هذا في التنبيه على ما حكيناه ، وإذا كان هذا قد تجدد في نسخ صحيح البخاري ومسلم كما نقلناه ، وهم الاربعة المذاهب مصروفة الى ضبطهما وحفظهما ، وكان الممكن ان البخاري ومسلما كانا يزيدان في النسخ بحسب ما يصح عندهما فيخرج عنهما نسخة ناقصة ثم يخرج نسخة تامة . فكذا يجب أن يعتذر فيما نقله صاحب كتاب العمدة . واعتمدنا على نقله عنهما وعن الثعلبي ومسند أحمد بن حنبل وابن المغازلى وغير ذلك مع اننا اعتبرنا اكثره فكان كما ذكره . وما نقلناه مما تركناه مستدركا ( 2 ) في صحه نقلنا عنهم وتحقيقنا منهم ، وذكر بعض ما رواه وأورده من طريق المخالفين له من الاربعة المذاهب والاشارة الى الكتب التي يتضمن ذلك ، وهي من صحيح مسلم بن الحجاج النيسابوري ، ومن صحيح أبي عبد الله محمد بن اسماعيل البخاري ،
ومن الجمع بين الصحيحين لابي عبد الله محمد بن نصر الحميدى ، ومن مسند أحمد بن
حنبل ، ومن الجمع بين الصحاح الستة تأليف أبي الحسن رزين بن معاوية بن عمار
العبدرى السرقسطى الاندلسي وهو موطأ مالك بن الانس الاصبحي وصحيح مسلم وصحيح
البخاري وكتاب السنن لابي داود السجستاني ، وصحيح الترمذي ، والنسخة الكبيرة من
كتاب صحيح النسائي ، ومن رواية
محمد بن سليمان بن داود النيسابوري ، الذي قال الخطيب في تاريخ بغداد انه كان ثقه وانه من الاولياء وانه فاضل وانه من المقبولين بمصر والحجاز والشام والعراقين ، ومن كتاب الولاية ، ومن رواية الشيخ المتفق على صدقه وورعه وحفظه أبي سعيد مسعود بن أبي ناصر بن أبي زيد السجستاني الحافظ ، ومن كتاب الفقيه الشافعي أبي الحسن علي بن محمد الخطيب الجلابى المعروف بابن المغازلى الواسطي ، ومن كتاب الكشف والبيان في تفسير القرآن لابي اسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي ، ومن كتاب الفردوس لابن شيرويه الديلمى . وقال : ان أوردت احاديث من غير هذه الكتب المذكورة فسوف اسمى الكتاب الذي فيه الحديث أو التاريخ وأحذف الاسانيد التي ارويها بها اختصارا ولأن المقصود لفظ الحديث دون اسناده ، مذكور في الكتب التي أشرت إليها ، وسوف ابدأ بايراد الحديث من أحد الكتب المذكورة واذكر من واقف منهم عليه أو على بعضه ، وإذا كان الحديث طويلا اقتصرت على المراد منه ونبهت على ما عدلت عنه .
|
|