خطبة الزهراء عليها السلام

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 264

خطبة الزهراء عليها السلام


قال : حدثنا شرفي بن قطامي عن صالح بن كيسان عن الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت : لما بلغ فاطمة عليها السلام ان أبا بكر قد أظهر منعها فدك لاثت خمارها على راسها واشتملت بجلبابها وأقبلت في لمة من حفدتها ونساء من قومها تطا

ذيولها ما تخرم مشيتها مشية رسول الله " ص " حتى دخلت على أبي وهو في حشد من المهاجرين والانصار وغيرهم
فنيطت دونها ملاءة ، فجلست ثم أنت أنة أجهش القوم لها بالبكاء فارتج المجلس ، ثم أمهلت هنيئة حتى سكنت فورتهم

افتتحت كلامها بحمد الله واثنت عليه ثم قالت : لقد جائكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ، فان تعزوه وتعرفوه تجدوه أبي دون آبائكم وأنا ابنته دون نسائكم وأخوه ابن عمي دون رجالكم ، فبلغ الرسالة

صادعا بالنذارة مائلا عن مدرجة المشركين ضاربا ثبجهم آخذا باكظامهم وينكث الالهام ، يدعو الى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة حتى تفرى الليل عن صبحه ، وأسفر الحق عن محضه ، ونطق زعيم الدين ، وخرست شقاشق

الشياطين ، وتمت كلمة الاخلاص وكنتم شفا حفرة من النار فانقذكم منها ، نهزة الطامع ، ومذقة الشارب ، وقبسة العجلان ، وموطا الاقدام ، تشربون الطرق ، وتقتاتون القد ، أذلة خاسئين ، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم . حتى استنقذكم الله

برسوله " ص " بعد اللتيا والتي ، وبعد ان مني ببهم الرجال وذؤبان العرب ومردة أهل الكتاب ، كلما أوقدوا نارا للحرب أطفاها الله ، أو نجم قرن الشيطان أو فغرت فاغرة من المشركين ، قذف أخاه في لهواتها ، فلا ينكفئ حتى يطا صماخها

باخمصه ، ويطفئ عادية لهبها بسيفه ، مكدودا في ذات الله ، وأنتم في رفاهية فكهون آمنون وادعون ، حتى إذا اختار الله لنبيه دار أنبيائه أطلع الشيطان راسه فدعاكم فالفاكم لدعوته مستجيبين ، وللغرة فيه ملاحظين ، ثم استنهضكم
 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 265

فوجدكم خفافا ، وأحمشكم فالفاكم غضابا ، فوسمتم غير ابلكم ، ووردتم غير شربكم ، هذا والعهد قريب ، والكلم رحيب ، والجرح لما يندمل ، إنما زعمتم ذلك خوف الفتنة ، ألا في الفتنة سقطوا وان جهنم لمحيطة بالكافرين ثم لم تلبثوا الا ريث ان

تسكن نفرتها ، تسرون حسوا في ارتغاء ، ونحن نصبر منكم على مثل حز المدى ، وأنتم الان تزعمون ألا ارث لنا ، أفحكم الجاهله تبغون ومن احسن من الله حكما لقوم يوقنون ، يابن أبى قحافة ، أترث أباك ولا أرث أبى لقد جئت شيئا فريا ،

فدونكها مخطومة مرحولة ، تلقاك يوم حشرك ، فنعم الحكم الله ، والزعيم محمد ، والموعد القيامة وعند الساعة يخسر المبطلون ، ثم انكفات الى قبر أبيها عليه السلام فقالت :

قد كان بعدك انباء وهنبثة * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب

انا فقدناك فقد الارض وابلها * واختل قومك فاشهدهم فقد نكبوا ( 1 )
 

وفى بعض الروايات من المشار إليه زيادة هذه ألفاظها : أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم ؟ إذ يقول الله تعالى " وورث سليمان داود " ( 2 ) وقال فيما اقتص من خبر يحيى بن زكريا إذ قال " فهب ليس من لدنك وليا يرثنى

ويرث من آل يعقوب " ( 3 ) وقال : " واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله " ( 4 ) وقال : " يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين " ( 5 ) ثم عطفت على قبر أبيها وبكت وتمثلت بقول صفية بنت اثاثة وقيل أنابه :
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الى هنا رواه ابن ابى الحديد في الشرح : 16 249 - 251 .
( 2 ) النمل : 16 .
( 3 ) مريم : 6 .
( 4 ) الانفال : 75 .
( 5 )
النساء : 11 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 266

وكان جبريل بالايات يونسنا * فقد فقدت وكل الخير محتجب

وكنت بدرا ونورا يستضاء به * عليك ينزل من ذى العزة الكتب

تجهمتنا رجال واستخف بنا * لما فقدت وكل الارض مغتصب

أبدت رجال لنا فحوى صدورهم * لما مضيت وحالت دونك الترب

انا رزئنا بما لم يرز ذو شجن * من البرية لا عجم ولا عرب

وسوف نبكيك ما عشنا وما بقيت * منا العيون بتهمال لها سكب ( 1 )


( قال عبد المحمود ) : أنظر رحمك الله وفكر فيما قد رووه عن رجالهم وثقاتهم من هذا التالم العظيم من فاطمة عليها السلام وما تقدم من روايتهم له في صحاحهم من هجرانها لابي بكر ستة أشهر حتى ماتت ، فهل ترى هذا حديث من كان عندها

شبهة في انهم ظلموها عمدا وقصدا ؟ وهل ترى هذا الكلام منها كلام من قد قبلت لهم عذرا ؟ وهل ترى هذا حديث من لا يعرف صحة دعواها وثبوت حجتها ؟ وهل كان يحسن ان يسمع مثل هذا الكلام منها وتمنع مما طلبت ، أو العوض عنه ،

ولو كانت قد وفدت بهذا الكلام والاسترحام على أعظم ملوك الكفار ، أما كان تشهد العقول انه كان يرفع شانها ويشرف مقامها ويحسن جايزتها ، أفيليق بمسلم ان يكون جواب هذا الكلام منعها وسوء معاملتها وتهوين حضورها وخطابها والقساوة

عليها وترك التلطف بها على كل حال ، ما يقولون لو أن محمدا " ص " أباها رآها وهى تبكى وتقول مثل هذا الكلام ، أكان يغضب لغضبها كما رووه في صحاحهم أو كان يرضى عنهم ؟


انما تشهد العقول انه كان يشق عليه غضبها ويهجرهم بهجرانها ويستعظم اقدامهم على تكذيبهم لها وظلمها وكسرها واسقاط منزلتها ، فاختر لنفسك أيها المشفق على
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) رواه العلامة المجلسي في البحار : 8 / 109 ط كمپانى ، والطبرسي في الاحتجاج 1 / 131 ،
      والاربلى عن كتاب السقيفة في كشف الغمة : 2 / 480 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 267

نفسه ، هل توافق رسول الله في ذلك ويكون لك فيه أسوة حسنة ، أو تكون في زمرة من أغضبها واغضبه .


( قال عبد المحمود ) مؤلف هذا الكتاب : ومن طريف ما اكثر التعجب ويحق لي أن أعجب من شهادة هؤلاء الاربعة المذاهب بتصديق هذه الاحاديث وما تقدم منهم في مدح فاطمة عليها السلام وأنها سيدة نساء العالمين وان من أغضبها فقد أغضب أباها

محمدا " ص " ومن آذاها آذاه وكتابهم يتضمن " ان الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والاخرة " ( 1 ) ثم
يشهدون ويصححون أن أبا بكر أغضبها وآذاها وهجرته ستة أشهر حتى ماتت ، ثم وكيف تصدق العقول ان سيدة نساء

 العالمين وسيدة نساء أهل الجنة تدعى باطلا وتطلب محالا وتريد ظلم جميع المسلمين وتاخذ صدقتهم وتموت مصرة على ذلك ، ما يقبل هذا عقل صحيح ولا يعتقده ذو بصيرة . وخاصة فان على بن أبى طالب عليه السلام وأهل بيت نبيهم رووا عنه

فيهم أنهم أحد الثقلين الذين لا يفارقون كتابه وأن من تمسك بهم وبالكتاب سلم من الضلالة ، تقدم بيان ان فاطمة عليها السلام منهم ، وإذا كان التمسك بها يؤمن من الضلالة فكيف يقول أبو بكر واتباعه هي قد ضلت في دعواها ، واما على بن ابى

طالب الذى هو امام أهل بيت نبيهم فتارة يكون شاهدا لفاطمة عليها السلام كما تقدم وتارة موافقا لها على الغضب على أبى بكر ويدفنها ليلا ولا يعلم بها أبو بكر ، ثم لا يسترضيها في مدة هذه الستة الاشهر ويهون عليه غضبها وأذيتها وهى اذية

للنبى " ص " كما رووه ، ان ذلك كله شهادة منهم صريحة بضلال خليفتهم أبى بكر وخروجه عن حدود الاسلام وفضيحته بين الانام . ومن طريف ذلك رواية من روى منهم " نحن معاشر الانبياء لا نورث ما

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الاحزاب : 57 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 268

تركناه فهو صدقة " : وما يخفى على ذوى البصائر ان هذا حديث محال قالوه ليدفعوا به حق فاطمة عليها السلام عن ميراث أبيها ، والا فان كتابهم يتضمن " وورث سليمان داود " ( 1 ) ويتضمن ان زكريا قال " فهب لى من لدنك وليا يرثنى ويرث من آل يعقوب " ( 2 ) فكيف استحسنوا لانفسهم ان يبلغوا في الرد على كتاب ربهم ونبيهم الى هذه الغاية من المكابرة .


ومن طريف ذلك قبول هذا ممن رواه ونقله في الاخبار ، وهذه كتب التواريخ وسير الانبياء تشهد أن الانبياء كانوا في المواريث أسوة لامتهم فيما توجبه شرائعهم ، ولو قال قائل هذا الحديث عن نبيهم : أنا من دون الانبياء لا أورث ما تركته

فهو صدقة . كان فيه بعض الحيلة على منع فاطمة عليها السلام عن ميراثها وكان أقوى في التمويه والمحال ، ولعل البغى منهم عليها منعهم من هذا الحال .


ومن طريف ذلك أن كتابهم يتضمن " انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " وقد تقدمت رواياتهم
ان فاطمة عليها السلام بنت نبيهم من جملة أهل البيت المشار إليهم ، ولا خلاف بين المسلمين في ذلك ، ومن المعلوم عند

كل عاقل أن هذه الاية تقتضي حصول ازالة الرجس عنها وتطهيرها والا ما كان يحصل بذلك لاهل البيت مزية غيرهم ، لان الله تعالى يريد اذهاب الرجس عن جميع الخلايق وتطهير جمع الامة .


ومن طريف ذلك ان نبيهم محمدا " ص " قال : من أغضبها فقد أغضبني ومن آذاها فقد آذانى كما تقدم ، وذلك يقتضى أن لا يقع منها ما يستحق به عقابا ولا عتابا ، لانه لو جاز أن يقع منها ذلك أذيتها بالعقاب واجبة أو جائزة ويحصل بذلك غضبها وأذيتها اللذان هما غضب نبيهم واذيته ، فثبت انه لا يقع
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) النمل : 16 .
( 2 ) مريم : 6 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 269

منها معصية ، فكيف يقال عنها انها تطلب محالا وتدعى باطلا .

ومن طريف ذلك أنه لا خلاف بين المسلمين أنه لو شهد واحد على فاطمة عليها السلام بما يوجب حدا تأديبا ، انهم كانوا يبطلون شهادته ويكذبونه ، لانه يكون قد شهد بتكذيب كتابهم في ذهاب الرجس عنها وفى تطهيرها وكان طعنا في شهادة

نبيهم " ص " لها بانها سيدة نساء العالمين وسيدة نساء أهل الجنة ، فكيف خفي هذا على عقلاء المسلمين ؟ وكيف استجازوا تكذيبها أو الشك فيها برواية من يجوز عليه الخطاء والعصيان والزور والبهتان ؟ ومن طريف الجواب أيضا عن عفتها

واصطفائها أن الروايات وردت من طريق الاربعة المذاهب وغيرهم ان فاطمة عليها السلام افضل من مريم بنت عمران

وقد قال الله تعالى عن مريم " ان الله اصطفاك وطهرك على نساء العالمين " ( 1 ) فان مريم عليها السلام دون فاطمة عليها السلام في الاصطفاء والطهارة ، فكيف يكون اصطفاء الله لفاطمة عليها السلام ليس يكون أعظم وأبلغ بصريح هذه الاشارة .


ومن طريف الامور الشاهدة بما جرى على فاطمة وعلي عليه السلام والعباس وبنى هاشم من الظلم المشهور ان الامر بلغ الى ان فاطمة عليها السلام تحضر عند أبى بكر بنفسها والعباس معها يطلبان ميراث نبيهم محمد " ص " فيمنعها فتغضب

عليه فاطمة وهجرته ستة أشهر كما تقدم ذكره في الصحيحين عندهم الى أن ماتت ، فلما توفيت يعود العباس وعلي عليه السلام يحضران مجلسه ويطلبان ميراث نبيهم فيمنعهما فيموت أبو بكر ، فيحضر العباس وعلى عليه السلام يطلبان ميراث

نبيهم من عمر ، فكيف تقبل العقول الصحيحة والقلوب السليمة ان مثل علي والعباس وفاطمة يبالغون في هذه المطالبة بامر باطل أو يطلبون محالا يظلمون به جميع المسلمين ، ثم لو كانت فاطمة قد صدقت أبا بكر فيما دفعها به
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) آل عمران : 42 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 270

عن ميراثها من أبيها أو عرفت أو جوزت ان له عذرا مقبولا أو شبهة عذر عقلا أو شرعا كانت قد عذرته وما هجرته . ثم لو كان العباس وعلى عليه السلام قد صدقا أبا بكر فيما قاله لفاطمة عليها السلام من ان النبي " ص " لا يورث أو كانا قد

عذراه ما عادا بعد وفاة فاطمة عليها السلام حضرا عنده وطالباه بذلك الميراث . ثم لو كان العباس وعلى عليه السلام قد
صدقا ابا بكر في اعتذاره اليهما أيضا ما كانا عادا حضرا عند عمر بعد وفاة أبى بكر يطلبان ذلك الميراث ، أما تشهد القلوب

والعقول ان فاطمة والعباس وعليا ومن كان قد حفظ وصية محمد نبيهم كانوا جميعا يعلمون قطعا ويقينا أنهم منعوا ميراث نبيهم محمد " ص " ظلما وعدوانا ، وكانوا يراجعون المطالبة لعل من ظلمهم يتوب أو يرجع أو يقلع أو يخاف الله أو يستحيى منهم أو من الناس أو يحذر من النار أو العار ، فابى الظالمون لهم الا الاصرار فما أصبرهم على النار .


وأما حضور فاطمة والعباس عند أبى بكر فقد تقدمت الرواية بذلك من المتفق عليه من صحيح البخاري وصحيح مسلم كما ذكره الحميدى عنهما .


وأما حضور العباس وعلى عليه السلام عند أبى بكر بعد وفاتها وحضورهما بعد وفاة أبى بكر عند عمر .


 369 - فقد ذكره الحميدي في المتفق عليه وحذف من كلام عمر واستخفافه بالعباس وعلي عليه السلام كلمات عظيمة ، وها أنا أذكر المراد من صحيح البخاري وصحيح مسلم بالفاظهما روياه عن مالك بن أوس حيث ذكر ارتفاع العباس وعلي عليه

السلام الى فقال عمر للعباس وعلى عليه السلام ما هذا لفظه : فلما توفي رسول الله " ص " قال أبو بكر : أنا ولي رسول الله فجئتما تطلب أنت ميراثك من ابن أخيك ، ويطلب هذا ميراث امراته من أبيها ،
 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 271

فقال أبو بكر : قال رسول الله : نحن معاشر الانبياء لا نورث فما تركناه صدقة ، فرايتماه كاذبا آثما غادرا خائنا ، والله يعلم انه لصادق بار راشد تابع للحق .

ثم توفى أبو بكر فقلت : أنا ولى رسول الله " ص " وولى أبى بكر ، فرأيتماني كاذبا آثما غادرا خائنا ، والله يعلم انى لصادق بار راشد تابع للحق ثم جئتني أنت وهذا وأنتما جميع وأمركما واحد فقلتما : ادفعها الينا - الخبر ( 1 ) .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) رواه مسلم في صحيحه : 3 / 1378 في كتاب الجهاد ، وصدر الحديث : ان مالك بن أوس حدثه قال : أرسل إلي عمر بن الخطاب ، فجئته حين تعالى النهار قال : فوجدته في بيته جالسا على سرير ، مفضيا الى رماله ، متكئا على وسادة من أدم ، فقال لى : يا مال ! انه قد

دف أهل أبيات من قومك ، وقد أمرت فيهم برضخ فخذه فاقسمه بينهم . قال ، قلت : لو أمرت بهذا غيرى ؟ قال : خذه يا مال ! فجاء يرفا ، فقال : هل لك يا أمير المؤمنين في عثمان وعبد الرحمن ابن عوف والزبير وسعد ؟ فقال عمر : نعم فأذن لهم فدخلوا ، ثم جاء فقال : هل لك

في عباس وعلي ؟ قال نعم ، فأذن لهما ، فقال عباس : يا أمير المؤمنين ! أقض بينى وبين هذا الكاذب الاثم الغادر الخائن ! فقال القوم أجل
يا أمير المؤمنين فاقض بينهم وأرحهم ( فقال مالك بن أوس : يخيل الي انهم قد كانوا قدموهم لذلك ) فقال عمر : اتئا أنشدكم بالله الذى باذنه

تقوم السماء والارض أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : لا نورث ، ما تركناه صدقة ؟ قالوا : نعم ، ثم أقبل على العباس و
علي فقال : أنشدكما بالله الذى بأذنه تقوم السماء والارض ، أتعلمان أن رسول الله قال : لا نورث ما تركناه صدقة ؟ قالا : نعم .

فقال عمر : ان الله جل وعز كان خص رسوله " ص " بخاصة لم يخصص بها أحدا غيره . قال : ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ( ما ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 272

هذا المقصود من الحديث قد نقلناه بالفاظه .

( قال عبد المحمود ) : كيف حسن من رجال الاربعة المذاهب وعلمائهم أن يشهدوا على خليفتهم عمر بمثل هذه الافعال والاقوال في صحاح أخبارهم ، فانك إذا نظرت الى هذا الحديث بعقل صحيح وقلب سليم ظهر لك ما جرت الحال عليه وتحققت ما تقدمت الاشارة إليه . ثم تفكر في أمور تضمنها حديثهم هذا عنه ما كنت ذكرتها لك قبل .

منها قول عمر : ان أبا بكر قال : أنا ولي رسول الله " ص " سبحان الله من جعل لابي بكر أن يقول مثل هذا القول ؟ وكيف جاز له مثل هذه الدعوى العظيمة ويشهد لنفسه بهذا المقام يحتاج الى تصديق من الله ورسوله ؟ ومن شيم الاولياء ان لا

يزكوا أنفسهم لما تضمنه كتابهم " ولا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى " وهل أبو بكر الا رجل مات رسولهم محمد " ص " وقد جعله رعية من جملة رعايا أسامة زيد ، وقد شهدوا على أبى بكر بافعال وأقوال
 

 

* ( هامش ) *
أدرى هل قرأ الاية التي قبلها أم لا ) . قال : فقسم رسول الله " ص " بينكم أموال بني النضير ، فوالله ما استأثر عليكم ولا أخذها دونكم حتى بقى هذا المال ، فكان رسول الله " ص " يأخذ منه نفقة سنة ، ثم يجعل ما بقي أسوة المال ، ثم قال : أنشدكم بالله الذي باذنه تقوم السماء

والارض أتعلمون ذلك ؟ قالوا : نعم ، ثم نشد عباسا وعليا بمثل ما نشد به القوم : أتعلمان ذلك ؟ قالا : نعم . وأما بقية الحديث فقلت : ان

شئتم دفعتهما اليكما على ان عليكما عهد الله أن تعملا فيها بالذي كان يعمل رسول الله " ص " فأخذتماها بذلك ، قال : أكذلك ؟ قالا : نعم . قال ثم جئتماني لاقضى بينكما ، ولا والله لا أقضى بينكما بغير ذلك حتى تقوم الساعة فان عجزتما عنها فرداها الي . ورواه البخاري في صحيحه : 8 / 146 - 147 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 273

منكرة مستنكرة ، وقد تقدم ذكر بعضها عنهم ، فكيف لا يمنع جميعها ان يكون ولي رسول الله " ص " .

ومنها قوله في هذا الحديث للعباس : تطلب انت ميراثك من ابن اخيك ، أهكذا يعبر ممن هو عندهم خير الانبياء ويسمى بهذه الالفاظ الوضيعة ويقال ابن أخيك وقد تقدم في كتابهم " لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا " ( 1 ) .

ومنها قول عمر عن علي عليه السلام : ويطلب هذا ميراث امراته ، أهكذا يقال عن فاطمة عليها السلام التى شهدوا في صحاحهم أنها سيدة نساء العالمين وسيدة نساء أهل الجنة ؟ أترى هذا الكلام الذى قد شهدوا به على خليفتهم عمر يصدر عن

قلب يعترف بتعظيم الله تعالى واطلاعه على كلامه ومع هذا تهوين بذكر رسول الله " ص " أيضا أو يصدر هذا ممن عنده وفاء لنبيهم أو قضاء لحقوق صحبته أو مجازاة لاحسانه أو حياء من نعمته عليهم وشفقته إليهم .


ومنها اعتراف عمر أن العباس وعليا عليه السلام كان اعتقادهما في أبى بكر في حياته وبعد وفاته واعتقادهما في عمر انهما كانا كاذبين آثمين غادرين خائنين ، وهذا كتابهم يتضمن " انما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون " ( 2 ) ويتضمن " ان الله لا يحب من كان خوانا أثيما " ( 3 ) ويتضمن من التهديدات والوعيد بنقض العهود ما يدل على ان الغدر كالكفر .


أفتقبل العقول الصحيحة والقلوب السليمة ان هذين الرجلين العظيمين العباس وعليا عليه السلام اللذين أجمع المسلمون ان الله ورسوله شهدا لهما بالصدق والفضائل والمناقب ، يعتقدان في أبى بكر وعمر غير الحق ويقولان

 

* ( هامش ) *
( 1 ) النور : 63 .   ( 2 ) النحل : 105 .   ( 3 ) النساء : 107 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 274

فيهما غير الصدق وهما اخص بنبيهم " ص " وأعرف باسراره وأخباره ، ولا سيما ان البخاري ومسلما ذكرا في صحيحيهما ان هذا القول جرى من عمر للعباس وعلي عليه السلام بمحضر مالك بن أوس وعثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير

وسعد ، وما عرفنا أن أحدا ذكر عن العباس وعلى عليه السلام أنهما اعتذرا الى عمر من هذا القول ولا نقل من أحد من هؤلاء الجماعة الذين سمعوا من عمر انهم اعتذروا لعلي والعباس من هذا الاعتقاد في أبى بكر وعمر ، وهذا من عجيب ما

اعترف بصحته رجال أربعة المذاهب وقبحوا به ذكر خليفتيهم وشهدوا عليهما بالمطاعن والمعايب . ومن طريف الامور أن يدعى أحد من الاربعة المذاهب ان قد كان بين على عليه السلام والعباس منازعة في ميراث نبيهم .

وأول ما يقال في ذلك : انه لا يجوز تصديق رجال الاربعة المذاهب في الطعن على بنى هاشم ولا في ما يقتضى نقصا ولا تفريقا بينهم ، لان الاربعة المذاهب فارقوا التمسك باهل البيت الذين رووا في صحاحهم ان رسولهم محمدا " ص " أمرهم بالتمسك بهم وتظاهروا بالبعد عنهم ، فلا يقبل العقل والنقل شهادة العدو المتهم على من يعاديه ظلما ويميل عليه تعديا .


وأما ثانيا فان العلماء بالتواريخ وغيرهم رووا ان العباس وسائر بنى هاشم كانوا مع علي عليه السلام بعد وفاة نبيهم " ص " كنفس واحدة وقد تقدم ذكر بعض ذلك من صحاحهم عند ذكر تأخرهم مع علي عليه السلام عن بيعة أبى بكر وعند ذكر اجتماعهم لما أراد أبو بكر وعمر تحريق على والعباس بالنار .


وروى جماعة العلماء أن العباس سال عليا عليه السلام أن يمد يده ليبايعه بالخلافة عقيب وفاة نبيهم ، فاعتذر إليه بقلة الناصر لهما وخوف ارتداد كثير من المسلمين ، وطمع الكفار في الاسلام وان الله أمره بالصبر كما جرت عليه
 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 275

سنة جماعة من الانبياء والاوصياء حتى يجدوا أنصارا تقوم بهم الحجة . وأما ثالثا فقد روى كثير من علماء الاسلام دوام اتحاد العباس مع علي عليه السلام حتى روى ابن سعد وهو من أعيان المخالفين لاهل البيت في كتابه المعروف بالطبقات

ان عليا هو الذى غسل العباس وتولى أمره لما مات ، وقد كان من اختصاص على باولاد العباس قبل تمكنه في خلافته وبعد انبساط يده ومبايعته ما يدل على دوام الصفاء والوفاء ، وقد ذكر ذلك جماعة من علماء التاريخ حتى كانوا في خواصه في حروبه وولاياته وفى أسراره واحتجاجاته .

 

   

الصفحة السابقة

   

 

 

الصفحة الرئيسية

 

صفحة الكتب

 

فهرس الكتاب