|
خطبة الزهراء عليها السلام |
|
|
خطبة الزهراء عليها السلام
ذيولها ما تخرم مشيتها مشية رسول الله " ص " حتى دخلت على أبي
وهو في حشد من المهاجرين والانصار وغيرهم افتتحت كلامها بحمد الله واثنت عليه ثم قالت : لقد جائكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ، فان تعزوه وتعرفوه تجدوه أبي دون آبائكم وأنا ابنته دون نسائكم وأخوه ابن عمي دون رجالكم ، فبلغ الرسالة صادعا بالنذارة مائلا عن مدرجة المشركين ضاربا ثبجهم آخذا باكظامهم وينكث الالهام ، يدعو الى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة حتى تفرى الليل عن صبحه ، وأسفر الحق عن محضه ، ونطق زعيم الدين ، وخرست شقاشق الشياطين ، وتمت كلمة الاخلاص وكنتم شفا حفرة من النار فانقذكم منها ، نهزة الطامع ، ومذقة الشارب ، وقبسة العجلان ، وموطا الاقدام ، تشربون الطرق ، وتقتاتون القد ، أذلة خاسئين ، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم . حتى استنقذكم الله برسوله " ص " بعد اللتيا والتي ، وبعد ان مني ببهم الرجال وذؤبان العرب ومردة أهل الكتاب ، كلما أوقدوا نارا للحرب أطفاها الله ، أو نجم قرن الشيطان أو فغرت فاغرة من المشركين ، قذف أخاه في لهواتها ، فلا ينكفئ حتى يطا صماخها باخمصه ، ويطفئ عادية لهبها بسيفه ، مكدودا في ذات الله ،
وأنتم في رفاهية فكهون آمنون وادعون ، حتى إذا اختار الله لنبيه دار أنبيائه
أطلع الشيطان راسه فدعاكم فالفاكم لدعوته مستجيبين ، وللغرة فيه ملاحظين ، ثم
استنهضكم
فوجدكم خفافا ، وأحمشكم فالفاكم غضابا ، فوسمتم غير ابلكم ، ووردتم غير شربكم ، هذا والعهد قريب ، والكلم رحيب ، والجرح لما يندمل ، إنما زعمتم ذلك خوف الفتنة ، ألا في الفتنة سقطوا وان جهنم لمحيطة بالكافرين ثم لم تلبثوا الا ريث ان تسكن نفرتها ، تسرون حسوا في ارتغاء ، ونحن نصبر منكم على مثل حز المدى ، وأنتم الان تزعمون ألا ارث لنا ، أفحكم الجاهله تبغون ومن احسن من الله حكما لقوم يوقنون ، يابن أبى قحافة ، أترث أباك ولا أرث أبى لقد جئت شيئا فريا ، فدونكها مخطومة مرحولة ، تلقاك يوم حشرك ، فنعم الحكم الله ، والزعيم محمد ، والموعد القيامة وعند الساعة يخسر المبطلون ، ثم انكفات الى قبر أبيها عليه السلام فقالت : قد كان بعدك انباء وهنبثة * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب انا فقدناك فقد
الارض وابلها * واختل قومك فاشهدهم فقد نكبوا ( 1 ) وفى بعض الروايات من المشار إليه زيادة هذه ألفاظها : أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم ؟ إذ يقول الله تعالى " وورث سليمان داود " ( 2 ) وقال فيما اقتص من خبر يحيى بن زكريا إذ قال " فهب ليس من لدنك وليا يرثنى
ويرث من آل يعقوب " ( 3 )
وقال : " واولوا
الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله "
( 4 ) وقال : "
يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين
" ( 5 ) ثم عطفت على قبر أبيها وبكت وتمثلت بقول صفية بنت اثاثة
وقيل أنابه :
وكان جبريل بالايات يونسنا * فقد فقدت وكل الخير محتجب وكنت بدرا ونورا يستضاء به * عليك ينزل من ذى العزة الكتب تجهمتنا رجال واستخف بنا * لما فقدت وكل الارض مغتصب أبدت رجال لنا فحوى صدورهم * لما مضيت وحالت دونك الترب انا رزئنا بما لم يرز ذو شجن * من البرية لا عجم ولا عرب وسوف نبكيك ما عشنا وما بقيت * منا العيون بتهمال لها سكب ( 1 )
شبهة في انهم ظلموها عمدا وقصدا ؟ وهل ترى هذا الكلام منها كلام من قد قبلت لهم عذرا ؟ وهل ترى هذا حديث من لا يعرف صحة دعواها وثبوت حجتها ؟ وهل كان يحسن ان يسمع مثل هذا الكلام منها وتمنع مما طلبت ، أو العوض عنه ، ولو كانت قد وفدت بهذا الكلام والاسترحام على أعظم ملوك الكفار ، أما كان تشهد العقول انه كان يرفع شانها ويشرف مقامها ويحسن جايزتها ، أفيليق بمسلم ان يكون جواب هذا الكلام منعها وسوء معاملتها وتهوين حضورها وخطابها والقساوة عليها وترك التلطف بها على كل حال ، ما يقولون لو أن محمدا " ص " أباها رآها وهى تبكى وتقول مثل هذا الكلام ، أكان يغضب لغضبها كما رووه في صحاحهم أو كان يرضى عنهم ؟
نفسه ، هل توافق رسول الله في ذلك ويكون لك فيه أسوة حسنة ، أو تكون في زمرة من أغضبها واغضبه .
محمدا " ص " ومن آذاها آذاه وكتابهم يتضمن "
ان الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا
والاخرة " ( 1 ) ثم العالمين وسيدة نساء أهل الجنة تدعى باطلا وتطلب محالا وتريد ظلم جميع المسلمين وتاخذ صدقتهم وتموت مصرة على ذلك ، ما يقبل هذا عقل صحيح ولا يعتقده ذو بصيرة . وخاصة فان على بن أبى طالب عليه السلام وأهل بيت نبيهم رووا عنه فيهم أنهم أحد الثقلين الذين لا يفارقون كتابه وأن من تمسك بهم وبالكتاب سلم من الضلالة ، تقدم بيان ان فاطمة عليها السلام منهم ، وإذا كان التمسك بها يؤمن من الضلالة فكيف يقول أبو بكر واتباعه هي قد ضلت في دعواها ، واما على بن ابى طالب الذى هو امام أهل بيت نبيهم فتارة يكون شاهدا لفاطمة عليها السلام كما تقدم وتارة موافقا لها على الغضب على أبى بكر ويدفنها ليلا ولا يعلم بها أبو بكر ، ثم لا يسترضيها في مدة هذه الستة الاشهر ويهون عليه غضبها وأذيتها وهى اذية للنبى " ص " كما رووه ، ان ذلك كله شهادة منهم صريحة بضلال خليفتهم أبى بكر وخروجه عن حدود الاسلام وفضيحته بين الانام . ومن طريف ذلك رواية من روى منهم " نحن معاشر الانبياء لا نورث ما
تركناه فهو صدقة " : وما يخفى على ذوى البصائر ان هذا حديث محال قالوه ليدفعوا به حق فاطمة عليها السلام عن ميراث أبيها ، والا فان كتابهم يتضمن " وورث سليمان داود " ( 1 ) ويتضمن ان زكريا قال " فهب لى من لدنك وليا يرثنى ويرث من آل يعقوب " ( 2 ) فكيف استحسنوا لانفسهم ان يبلغوا في الرد على كتاب ربهم ونبيهم الى هذه الغاية من المكابرة .
فهو صدقة . كان فيه بعض الحيلة على منع فاطمة عليها السلام عن ميراثها وكان أقوى في التمويه والمحال ، ولعل البغى منهم عليها منعهم من هذا الحال .
كل عاقل أن هذه الاية تقتضي حصول ازالة الرجس عنها وتطهيرها والا ما كان يحصل بذلك لاهل البيت مزية غيرهم ، لان الله تعالى يريد اذهاب الرجس عن جميع الخلايق وتطهير جمع الامة .
منها معصية ، فكيف يقال عنها انها تطلب محالا وتدعى باطلا . ومن طريف ذلك أنه لا خلاف بين المسلمين أنه لو شهد واحد على فاطمة عليها السلام بما يوجب حدا تأديبا ، انهم كانوا يبطلون شهادته ويكذبونه ، لانه يكون قد شهد بتكذيب كتابهم في ذهاب الرجس عنها وفى تطهيرها وكان طعنا في شهادة نبيهم " ص " لها بانها سيدة نساء العالمين وسيدة نساء أهل الجنة ، فكيف خفي هذا على عقلاء المسلمين ؟ وكيف استجازوا تكذيبها أو الشك فيها برواية من يجوز عليه الخطاء والعصيان والزور والبهتان ؟ ومن طريف الجواب أيضا عن عفتها واصطفائها أن الروايات وردت من طريق الاربعة المذاهب وغيرهم ان فاطمة عليها السلام افضل من مريم بنت عمران وقد قال الله تعالى عن مريم " ان الله اصطفاك وطهرك على نساء العالمين " ( 1 ) فان مريم عليها السلام دون فاطمة عليها السلام في الاصطفاء والطهارة ، فكيف يكون اصطفاء الله لفاطمة عليها السلام ليس يكون أعظم وأبلغ بصريح هذه الاشارة .
عليه فاطمة وهجرته ستة أشهر كما تقدم ذكره في الصحيحين عندهم الى أن ماتت ، فلما توفيت يعود العباس وعلي عليه السلام يحضران مجلسه ويطلبان ميراث نبيهم فيمنعهما فيموت أبو بكر ، فيحضر العباس وعلى عليه السلام يطلبان ميراث نبيهم من عمر ، فكيف تقبل العقول الصحيحة والقلوب السليمة ان
مثل علي والعباس وفاطمة يبالغون في هذه المطالبة بامر باطل أو يطلبون محالا
يظلمون به جميع المسلمين ، ثم لو كانت فاطمة قد صدقت أبا بكر فيما دفعها به
عن ميراثها من أبيها أو عرفت أو جوزت ان له عذرا مقبولا أو شبهة عذر عقلا أو شرعا كانت قد عذرته وما هجرته . ثم لو كان العباس وعلى عليه السلام قد صدقا أبا بكر فيما قاله لفاطمة عليها السلام من ان النبي " ص " لا يورث أو كانا قد عذراه ما عادا بعد وفاة فاطمة عليها السلام حضرا عنده وطالباه
بذلك الميراث . ثم لو كان العباس وعلى عليه السلام قد والعقول ان فاطمة والعباس وعليا ومن كان قد حفظ وصية محمد نبيهم كانوا جميعا يعلمون قطعا ويقينا أنهم منعوا ميراث نبيهم محمد " ص " ظلما وعدوانا ، وكانوا يراجعون المطالبة لعل من ظلمهم يتوب أو يرجع أو يقلع أو يخاف الله أو يستحيى منهم أو من الناس أو يحذر من النار أو العار ، فابى الظالمون لهم الا الاصرار فما أصبرهم على النار .
السلام الى فقال عمر للعباس وعلى عليه السلام ما هذا لفظه :
فلما توفي رسول الله " ص " قال أبو بكر : أنا ولي رسول الله فجئتما تطلب أنت
ميراثك من ابن أخيك ، ويطلب هذا ميراث امراته من أبيها ،
فقال أبو بكر : قال رسول الله : نحن معاشر الانبياء لا نورث فما تركناه صدقة ، فرايتماه كاذبا آثما غادرا خائنا ، والله يعلم انه لصادق بار راشد تابع للحق . ثم توفى أبو بكر فقلت : أنا ولى رسول الله " ص " وولى أبى بكر
، فرأيتماني كاذبا آثما غادرا خائنا ، والله يعلم انى لصادق بار راشد تابع للحق
ثم جئتني أنت وهذا وأنتما جميع وأمركما واحد فقلتما : ادفعها الينا - الخبر
( 1 ) .
هذا المقصود من الحديث قد نقلناه بالفاظه . ( قال عبد المحمود ) : كيف حسن من رجال الاربعة المذاهب وعلمائهم أن يشهدوا على خليفتهم عمر بمثل هذه الافعال والاقوال في صحاح أخبارهم ، فانك إذا نظرت الى هذا الحديث بعقل صحيح وقلب سليم ظهر لك ما جرت الحال عليه وتحققت ما تقدمت الاشارة إليه . ثم تفكر في أمور تضمنها حديثهم هذا عنه ما كنت ذكرتها لك قبل . منها قول عمر : ان أبا بكر قال : أنا ولي رسول الله " ص " سبحان الله من جعل لابي بكر أن يقول مثل هذا القول ؟ وكيف جاز له مثل هذه الدعوى العظيمة ويشهد لنفسه بهذا المقام يحتاج الى تصديق من الله ورسوله ؟ ومن شيم الاولياء ان لا يزكوا أنفسهم لما تضمنه
كتابهم " ولا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى " وهل أبو بكر الا رجل مات رسولهم
محمد " ص " وقد جعله رعية من جملة رعايا أسامة زيد ، وقد شهدوا على أبى بكر
بافعال وأقوال
منكرة مستنكرة ، وقد تقدم ذكر بعضها عنهم ، فكيف لا يمنع جميعها ان يكون ولي رسول الله " ص " . ومنها قوله في هذا الحديث للعباس : تطلب انت ميراثك من ابن اخيك ، أهكذا يعبر ممن هو عندهم خير الانبياء ويسمى بهذه الالفاظ الوضيعة ويقال ابن أخيك وقد تقدم في كتابهم " لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا " ( 1 ) . ومنها قول عمر عن علي عليه السلام : ويطلب هذا ميراث امراته ، أهكذا يقال عن فاطمة عليها السلام التى شهدوا في صحاحهم أنها سيدة نساء العالمين وسيدة نساء أهل الجنة ؟ أترى هذا الكلام الذى قد شهدوا به على خليفتهم عمر يصدر عن قلب يعترف بتعظيم الله تعالى واطلاعه على كلامه ومع هذا تهوين بذكر رسول الله " ص " أيضا أو يصدر هذا ممن عنده وفاء لنبيهم أو قضاء لحقوق صحبته أو مجازاة لاحسانه أو حياء من نعمته عليهم وشفقته إليهم .
فيهما غير الصدق وهما اخص بنبيهم " ص " وأعرف باسراره وأخباره ، ولا سيما ان البخاري ومسلما ذكرا في صحيحيهما ان هذا القول جرى من عمر للعباس وعلي عليه السلام بمحضر مالك بن أوس وعثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد ، وما عرفنا أن أحدا ذكر عن العباس وعلى عليه السلام أنهما اعتذرا الى عمر من هذا القول ولا نقل من أحد من هؤلاء الجماعة الذين سمعوا من عمر انهم اعتذروا لعلي والعباس من هذا الاعتقاد في أبى بكر وعمر ، وهذا من عجيب ما اعترف بصحته رجال أربعة المذاهب وقبحوا به ذكر خليفتيهم وشهدوا عليهما بالمطاعن والمعايب . ومن طريف الامور أن يدعى أحد من الاربعة المذاهب ان قد كان بين على عليه السلام والعباس منازعة في ميراث نبيهم . وأول ما يقال في ذلك : انه لا يجوز تصديق رجال الاربعة المذاهب في الطعن على بنى هاشم ولا في ما يقتضى نقصا ولا تفريقا بينهم ، لان الاربعة المذاهب فارقوا التمسك باهل البيت الذين رووا في صحاحهم ان رسولهم محمدا " ص " أمرهم بالتمسك بهم وتظاهروا بالبعد عنهم ، فلا يقبل العقل والنقل شهادة العدو المتهم على من يعاديه ظلما ويميل عليه تعديا .
سنة جماعة من الانبياء والاوصياء حتى يجدوا أنصارا تقوم بهم الحجة . وأما ثالثا فقد روى كثير من علماء الاسلام دوام اتحاد العباس مع علي عليه السلام حتى روى ابن سعد وهو من أعيان المخالفين لاهل البيت في كتابه المعروف بالطبقات ان عليا هو الذى غسل العباس وتولى أمره لما مات ، وقد كان من اختصاص على باولاد العباس قبل تمكنه في خلافته وبعد انبساط يده ومبايعته ما يدل على دوام الصفاء والوفاء ، وقد ذكر ذلك جماعة من علماء التاريخ حتى كانوا في خواصه في حروبه وولاياته وفى أسراره واحتجاجاته .
|
|