ما قاله المأمون العباسي من فضائل علي عليه السلام

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 275

ما قاله المأمون العباسي من فضائل علي عليه السلام
 

وقد ذكر الصولي في كتاب الاوراق مديحا للمأمون الخليفة العباسي في علي بن أبى طالب عليه السلام يتضمن بعض ما ذكرناه ، وهو " شعر " :

ألام على شكر الوصي أبا الحسن * وذلك عندي من عجائب ذا الزمن
خليفة خير الناس والاول الذى * أعان رسول الله في السر والعلن
ولولاه ما عدت لهاشم امرة * وكانت على الايام تقضى وتمتهن
فولى بنى العباس ما اختص غيرهم * ومن منه اولى بالكرامة والمنن
فاوضح عبد الله بالبصرة الهدى * وفاض عبيد الله جودا على اليمن
وقسم اعمال الخلافة بينهم * فلا زلت مربوطا بذا الشكر مرتهن ( 1 )


ومن الطرائف المشهورة ما بلغ إليه المأمون في مدح أمير المؤمنين على بن ابى طالب عليه السلام وفى مدح أهل بيته عليهم السلام ذكره ابن مسكويه صاحب التاريخ بحوادث الاسلام في كتاب سماه نديم الفريد يقول فيه حيث
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) تذكرة الخواص : 357 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 276

ذكر كتابا كتبه بنو هاشم يسالون جوابهم ( 1 ) ما هذا لفظه : فقال المأمون : " بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآل محمد على رغم أنف الراغمين . اما بعد عرف المأمون كتابكم ، وتدبير أمركم ، ومخض

زبدتكم ، وأشرف على قلوب صغيركم وكبيركم ، وعرفكم مقبلين ومدبرين ، وما آل إليه كتابكم قبل كنابكم في مراوضة
الباطل ، وصرف وجوه الحق عن مواضعها ونبذكم كتاب الله تعالى والاثار ، وكلما جاءكم به الصادق محمد " ص " حتى

كانكم من الامم السالفة التى هلكت بالخسفة والغرق والريح والصيحة والصواعق والرجم ، أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ، والذى هو اقرب الى المأمون من حبل الوريد لو لا ان يقول قائل : ان المأمون ترك الجواب عجزا لما أجبتكم من سوء أخلاقكم ، وقلة أخطاركم ، وركاكة عقولكم ، ومن سخافة ما تاوون إليه من آرائكم ، فليستمع مستمع فليبلغ شاهد غائبا .

أما بعد فان الله تعالى بعث محمدا " ص " على فترة من الرسل ، وقريش في أنفسها وأموالها لا يرون أحدا يساميهم ولا يباريهم ، فكان نبينا " ص " أمينا من أوسطهم بيتا وأقلهم مالا ، وكان أول من آمنت به خديجة بنت خويلد فواسته بما لها ثم

آمن به أمير المؤمنين على بن أبى طالب ابن سبع سنين لم يشرك بالله شيئا طرفة عين ، ولم يعبد وثنا ولم ياكل ربا ، ولم يشاكل الجاهلية في جهالاتهم ، وكانت عمومة رسول الله " ص " اما مسلم مهين أو كافر معاند الا حمزة فانه لم يمتنع من الاسلام ولا يمتنع الاسلام منه ، فمضى لسبيله على بينة من ربه
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) وفى نسخة الترجمة زيادة وهى : ويسألونه البيعة مع ولده العباس بولاية العهد وعاتبوه على اتخاذه على بن موسى الرضا ولى عهده فأجابهم ما هذا لفظه . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 277

واما أبو طالب فانه كفله ورباه ، ولم يزل مدافعا عنه ومانعا منه ، فلما قبض الله أبا طالب هم القوم واجمعوا عليه ليقتلوه فهاجر الى القوم الذين تبوؤا الدار والايمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا

ويؤثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون ، فلم يقم مع رسول الله " ص " أحد من المهاجرين كقيام علي ابن أبى طالب عليه السلام فانه آزره ووقاه بنفسه ونام في مضجعه ، ثم لم يزل بعد متمسكا

باطراف الثغور وينازل الابطال ، ولا ينكل عن قرن ، ولا يولي عن جيش منيع القلب ، يامر على الجميع ولا يؤمر عليه
أحد ، أشد الناس وطاة على المشركين وأعظمهم جهادا في الله ، وأفقههم في دين الله ، وأقرأهم لكتاب الله وأعرفهم بالحلال

 والحرام ، وهو صاحب الولاية في حديث خم ، وصاحب قوله " أنت منى بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبى بعدى " ، وصاحب يوم الطائف .

وكان أحب الخلق الى الله تعالى والى رسول اله " ص " ، وصاحب الباب فتح له وسد أبواب المسجد ، وهو صاحب الراية يوم خيبر ، وصاحب عمرو ابن عبدود في المبارزة ، وأخو رسول الله حين آخى بين المسلمين ، وهو متبع جزيل ( 1 ) ،

وهو صاحب آية " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا " وهو زوج فاطمة سيدة نساء العالمين وسيدة نساء أهل الجنة ، وهو ختن خديجة عليها السلام وهو ابن عم رسول الله " ص " رباه وكفله وهو ابن أبي طالب عليه السلام في

نصرته وجهاده ، وهو نفس رسول الله في يوم المباهلة ، وهو الذى لم يكن أبو بكر وعمر ينفذان حكما حتى يسالانه عنه ، فما راى انفاذه انفذاه ، وما لم يره رداه . وهو دخل من بنى هاشم في الشورى ، ولعمري لو
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) وفى نسخة البحار : وهو منيع جزيل . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 278

قدر أصحابه على دفعه عنه كما دفع العباس رضوان الله عليه ووجدوا الى ذلك سبيلا لدفعوه . فاما تقديمكم العباس عليه فان الله تعالى يقول : " أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الاخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون

عند الله " ( 1 ) والله لو كان ما في أمير المؤمنين من المناقب والفضائل والاى المفسرة في القرآن خلة واحدة في رجل
واحد من رجالهم أو غيره ، لكان مستاهلا متاهلا للخلافة ، مقدما على اصحاب رسول الله " ص " بتلك الخلة ، ثم لم يزل

الامور تتراقى به الى أن ولي امور المسلمين ، فلم يعن باحد من بنى هاشم الا بعبد الله بن عباس تعظيما لحقه ، وصلة
لرحمه وثقة به ، فكان من أمره الذى يغفر الله له ، ثم نحن وهم يد واحدة كما زعمتم حتى قضى الله تعالى بالامر إلينا

 فاخفناهم وضيقنا عليهم وقتلناهم أكثر من قتل بنى امية أياهم ، ويحكم ان بني أمية انما قتلوا منهم من سل سيفا وانا معشر بنى العباس قتلناهم جملا فلتسالن اعظم الهاشمية باى ذنب قتلت ، ولتسالن نفوس ألقيت في دجلة والفرات ونفوس دفنت ببغداد والكوفة احياء ، هيهات انه من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره .

وأما ما وصفتم في أمر المخلوع : وما كان فيه من لبس فلعمري ما لبس عليه أحد غيركم إذ هويتم عليه النكث ، وزينتم له الغدر ، وقلتم له ما عسى ان يكون من أمر اخيك ، وهو رجل مغرب ، ومعك الاموال والرجال تبعث إليه فيؤتى فكذبتم ونسيتم قول الله تعالى " ثم بغى عليه لينصرنه الله " ( 2 ) .

وأما ما ذكرتم من استبصار المأمون في البيعة لابي الحسن الرضا عليه

 

* ( هامش ) *
( 1 ) التوبة : 19 .
( 2 )
الحج : 60 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 279

السلام فما بايع له المأمون الا مستبصرا في أمره عالما بانه لم يبق أحد على ظهرها أبين فضلا ولا أظهر عفة ، ولا اورع ورعا ولا أزهد زهدا في الدنيا ، ولا اطلق نفسا ولا ارضى في الخاصة والعامة ، ولا أشد في ذات منه ، وان البيعة له

لموافقة رضى الرب عز وجل ، ولقد جهدت وما أجد في الله لومة لائم ، ولعمري ان لو كانت بيعتى معه محاباة لكان العباس ابني وسائر ولدى احب الى قلبى وأجلى في عينى ، ولكن أردت أمرا وأراد الله أمرا ، فلم يسبق امرى أمر الله .

وأما ما ذكرتم مما مسكم من الجفاء في ولايتى ، فلعمري كان ذلك الا منكم بمظافرتكم عليه ، ومما يلتكم اياه ، فلما قتلته تفرقتم عباديد فطورا اتباعا لابن أبى خالد ، وطورا اتباعا لاعرابي ، وطورا اتباعا لابن شكلة ، ثم لكل من سل سيفا علي ، ولو لا ان شيمتي العفو وطبيعتي التجاوز ما تركت على وجهها منكم أحدا ، فكلكم حلال الدم محل بنفسه .

وأما ما سألتم من البيعة للعباس ابني ، أتستبدلون الذى هو أدنى بالذى هو خير ، ويلكم ان العباس غلام حدث السن ، ولم يؤنس رشده ولم يمهل وحده ولم تحكمه التجارب ، تدبره النساء وتكفله الاماء ، ثم لم يتفقه في الدين ، ولم يعرف حلالا من

حرام ، الا معرفة لا تأتى به رعية ، وتقوم به حجة ، ولو كان مستاهلا قد احكمته التجارب ، وتفقه في الدين ، وبلغ مبلغ أمير العدل في الزهد في الدنيا وصرف النفس عنها ما كان له عندي في الخلافة الا ما كان لرجل من عك وحمير ( 1 ) فلا تكثروا في هذا المقال ، فان لساني لم يزل مخزونا عن امور
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) قال العلامة المجلسي : والعكة : الاناء الذى يجعل فيه السمن والحمير : في بعض النسخ بالخاء المعجمة وهو الخبز البائت والذى يجعل في العجين . وقال بعض : هما قبيلتان من القحطانية . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 280

وانباء ، كراهية ان تخنث النفوس عند ما تنكشف ، علما بان الله بالغ امره ، ومظهر قضاه يوما . فإذا أبيتم الا كشف الغطاء وقشر العظاء ، فالرشيد أخبرني آبائه وعما وجد في كتاب الدولة وغيرها ان السابع من ولد العباس لا تقوم لبنى العباس بعده

قائمة ولا تزال النعمة متعلقة عليهم بحياته ، فإذا أودعت فودعها ، فإذا أودع فودعاها ، وإذا فقدتم شخصي فاطلبوا لانفسكم معقلا وهيهات ، ما لكم الا السيف ياتيكم الحسني الثائر البائر ، فيحصدكم حصدا ، أو السفياني المرغم والقائم المهدي لا يحقن دمائكم الا بحقها .

وأما ما كنت أردته من البيعة لعلي بن موسى بعد استحقاق منه لها في نفسه واختيار منى له ، فما كان ذلك منى الا ان اكون الحاقن لدمائكم ، والذائد عنكم باستدامة المودة بيننا وبينهم ، وهى الطريق أسلكها في اكرام آل أبى طالب ، ومواساتهم في

الفيئ بيسير ما يصيبهم منه ، وان تزعموا انى أردت أن يؤول إليهم عاقبة ومنفعة فاني في تدبيركم والنظر لكم ولعقبكم وأبنائكم من بعدكم ، وأنتم ساهون لاهون تائهون في غمرة تعمهون لا تعلمون ما يراد بكم ، وما أظللتم عليه من النقمة ،

وابتزاز النعمة ، همة أحدكم ان يمسى مركوبا ويصبح مخمورا تباهون بالمعاصى ، وتبتهجون بها وآلهتكم البرابط مخنثون مؤنثون ، لا يتفكر متفكر منكم في اصلاح معيشة ولا استدامة نعمة ولا اصطناع مكرمة ، ولا كسب حسنة يمد بها عنقه يوم

لا ينفع مال وبنون الا من أتى الله بقلب سليم . أضعتم الصلاه ، واتبعتم الشهوات ، وأكببتم على اللذات وأعرضتم عن الغنيمات فسوف تلقون غيا ، وأيم الله لربما افكر في أمركم ، فلا أجد امة من الامم استحقوا العذاب حتى نزل بهم لخلة من الخلال الا اصيب تلك الخلة
 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 281

بعينها فيكم ، مع خلال كثيرة لم أكن اظن ان ابليس اهتدى إليها ولا أمر بالعمل عليها ، وقد أخبر الله في كتابه العزيز عن
قوم صالح انه كان فيهم تسعة رهط يفسدون في الارض ولا يصلحون فايكم ليس معه تسعة وتسعون من المفسدين في

الارض قد اتخذتموهم شعارا ودثارا استخفافا بالمعاد وقلة يقين بالحساب ، وأيكم له راى يتبع أو روية تنفع فشاهت الوجوه وعفرت الخدود .

وأما ما ذكرتم من العثرة كانت في أبى الحسن عليه السلام نور الله وجهه فلعمري انها عندي للنهضة والاستقلال الذى أرجو به قطع الصراط ، والامن والنجاة من الخوف يوم الفزع الاكبر ، ولا اظن عملت عملا هو عندي أفضل من ذلك الا ان أعود بمثلها الى مثله ، وأين لى بذلك وأنى لكم بتلك السعادة .

وأما قولكم انى سفهت آراء آبائكم وأحلام أسلافكم ، فكذلك قال مشركوا قريش " انا وجدنا آبائنا على امة وانا على آثارهم مقتدون " ( 1 ) ويلكم ان الدين لا يؤخذ الا من الانبياء ، فافقهوا وما أراكم تعقلون .

وأما تعييركم اياي بسياسة المجوس اياكم فما أذهبكم الانفة من ذلك ولو ساستكم القردة والخنازير ما أردتم الا امير المؤمنين ، ولعمري لقد كانوا مجوسا فاسلموا كابائنا وامهاتنا في القديم ، فهم المجوس أسلموا وأنتم المسلمون الذين ارتدوا ، فمجوسي

أسلم خير مسلم ارتد ، فهم يتناهون عن المنكر ويامرون بالمعروف ، ويتقربون من الخير ويتباعدون من الشر ، ويذبون عن حرم المسلمين ، يتباهجون بما نال الشرك وأهله من النكر ، ويتباشرون بما نال الاسلام وأهله من الخير ، منهم من قضى

نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ، وليس منكم الا لاعب بنفسه مافون ( 2 ) في عقله وتدبيره ، اما مغن أو ضارب دف أوزامر .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الزخرف : 23 .
( 2 )
قال العلامة المجلسي : والافن بالتحريك ضعف الرأى . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 282

والله لو أن بنى امية الذين قتلتموهم بالامس نشروا فقيل لهم لا تانفوا في معائب تنالونهم بها ، لما زادوا على ما صيرتموه لكم شعارا ودثارا وصناعة وأخلاقا . ليس فيكم الا من إذا مسه الشر جزع وإذا مسه الخير منع ، ولا تانفون ولا ترجعون الا خشية .

وكيف يانف من يبيت مركوبا ويصبح باثمه معجبا كانه قد اكتسب حمدا غايته بطنه وفرجه ، لا يبالي أن ينال شهوته بقتل ألف نبى مرسل أو ملك مقرب أحب الناس إليه من زين له معصية أو اعانه في فاحشة تنظفه المخمورة وتربده المطمورة ،

فشتت الاحوال فان ارتدعتم مما أنتم فيه من السيئات والفضائح ، وما تهذرون به من عذاب ألسنتكم ، والا فدونكم تعلموا بالحديد ولا قوه الا بالله وعليه توكلي وهو حسبى ( 1 ) .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) رواه العلامة المجلسي في البحار : 49 / 208 - 214 . وقال من بعده أقول : كان هذا الخبر في بعض نسخ الطرائف ولم يكن في أكثرها وكانت النسخ سقيمة .

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

صفحة الكتب

 

فهرس الكتاب