مبيت على عليه السلام في فراش رسول الله

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 33

* ( مبيت على عليه السلام في فراش رسول الله ( ص ) ) *

ومن آيات الله ورسوله في على بن أبي طالب عليه السلام التي انفرد بها عن سائر المسلمين وكانت سببا لانتظام الرساله وبقاء الدين بمقتضى روايه رجال الاربعة المذاهب وروايتهم لحديث من يؤازرني وينصرني يكون وصيى ، وقد تقدم فانه لم يقم بذلك أحد سواه .


ومن ذلك مبيته عليه السلام على فراش النبي الامي ( ص ) يفديه بمهجته ولولا هذا المبيت وفكاكه من الاعداء ما تمكن من هجرته ولاتمام رسالته ، ومن المعلوم أن أتباع الانبياء والرؤساء والامراء متى انكسر الرئيس أو اندفع النبي أو هرب الامير لم يبق لمن تبعه قوة على ثبوت قدم ولا رفع علم ويكلف ما عجز عنه رئيسه ومتقدمه ، وعلى بن أبي طالب عليه السلام يقف ويبيت في الوقت الذي اندفع فيه رئيسه ونبيه ومتقدمه .



ثم العجب أنه حكى ما كان الامر مقصورا على أنه يبيت في موضع النبي صلى الله عليه وآله بعض الليل أو كل الليل فحسب حتى يبعد النبي عن مكه ، فانه لو كان الامر كذلك كان أهون ولكنه تكلف أنه يفديه بنفسه ويصبح بين

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 34

الاعداء وقد جنى عليهم هذه الجنايه وفوتهم من يعتقدون انه أعدى عدو لهم ، وكان سبب هجرته وسلامته منهم . ثم العجب أنه ما يكفيه اقامته حتى أصبح بينهم ظاهرا ساكنا ثابت الجنان مع خذلان البشر له وقلة الاعوان ، ويكون مع ذلك على صفة قوة القلب واللسان ، حتى أن الكفار لما هجموا عليه ولم يجدوا النبي ( ص ) وسألوه عنه فما قال ما أدرى أين مشى كما يقوله المعتذر الخائف .


بل قال في حفظ الله تعالى كانه قصد اظهار العداوة لهم والقوة عليهم ثقه بالله وتثبيتا لمقام النبوة وكسر شوكة الكفار والرد عليهم في مثل ذلك الوقت الهائل ، أن هذا مما يتعجب منه كل عاقل .


ثم العجب أنه ما كفاه ذلك كله حتى يقيم ثلاثه أيام بمكة بعد النبي ( ص ) يرد الودائع ويقضى الديون ويجهز عياله ويسد مسده ويحمل حرمه الى المدينة بقلب راسخ ورأى شامخ ، أن هذا مما يعجز عنه قوة الطباع البشريه إلا بمواد قوية من القدرة الالهيه .


فسبحان من خص على بن أبي طالب عليه السلام بهذه الخصائص الالهيه ، فكل خير جاء بعد ذلك في الاسلام والمسلمين الى يوم الدين فهو ببركه تلك الفدية والمبيت على الفراش ، وحصلت لعلى عليه السلام فضيلة حفظ النبي ( ص ) والمشاركة في فوائد نبوته ورسالته وفي سعادة من اهتدى الى يوم القيامة من أمته .


وهو أعجب من استسلام اسماعيل لذبح إبراهيم عليه السلام ، لأن اسماعيل استسلم الذبح لوالد شفيق كان يمكن أن ينظر الله الى قلب والده فيعفيه من ذبحه كما جرى ، أو كان يجوز أن يموت أحدهما قبل ذبح اسماعيل ، أو كان يذبح بغير تألم اكراما لكون الذبح بأذنه على يد والد لولده ، وغير ذلك من أسباب تجويز السلامه اشفاقا من الله تعالى .


وعلى بن أبي طالب عليه السلام استسلم للاعداء بعد وفاة والده أبي طالب وتفرق الاولياء ، فهل ترى كان يجوز

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 35

التقدم عليه بعد النبي ( ص ) في شئ من الاشياء ، وكم وقى النبي والاسلام وحفظ ذلك لما وهبه الله تعالى من العناية والاكرام .


مثل يوم بدر وأحد وخيبر وحنين ويوم قتل عمرو بن عبد ود كما قال النبي ( ص ) برز الايمان كله الى الشرك كله ، وغيرها من المقامات التي ما قام أحد مقامه كتادية سورة براة وما يضيق الوقت عن ذكرة ونشره .


ولو أردنا ذكر ما رواه أهل البيت وشيعتهم من النصوص على علي بن أبي طالب عليه السلام والائمه من العترة النبويه لاحتاج ذلك الى مجلدات وضاق عنه كثير من الاوقات ، وسأذكر طرفا من رواية رجال الاربعة المذاهب في هذا الموضع غير ما تقدم ذكره .


 23 - فمن ذلك ما رواه ابن المغازلى عن عبد الله بن بريدة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله لكل نبى وصى ووارث ، وأن وصيى ووارثي على بن أبي طالب عليه السلام
( 1 ) * نزول قوله تعالى ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ) في على عليه السلام


 24 - ومن كتاب شواهد التنزيل باسناده الى عبد الله بن عباس في تأويل قوله تعالى " واتقوا فتنه لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة " الايه ، قال : لما نزلت هذه الاية قال النبي صلى الله عليه وآله : من ظلم عليا مقعدي هذا بعد وفاتي فكانما جحد نبوتى ونبوة الانبياء قبلى ( 2 ) .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) المناقب : 200 ، والذخائر : 71 .
( 2 ) شواهد التنزيل : 1 / 206 . والبحار : 38 / 155 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 36

  25 - ومن كتاب أبي عبد الله محمد بن علي السراج في تأويل هذه الايه باسناده الى عبد الله بن مسعود أنه قال : قال النبي ( ص ) يابن مسعود أنه قد أنزلت على آية " واتقوا فتنة " ( 1 ) الايه ، وأنا مستودعكها ، ومسم لك خاصة الظلمة ،


فكن لما أقول لك واعيا وعنى له مؤديا ، من ظلم عليا مجلسي هذا كمن جحد نبوتى ونبوة من كان قبلى . فقال له الراوى : يا أبا عبد الرحمان أسمعت هذا من رسول الله ( ص ) ؟ قال : نعم . قال قلت : فكيف وليت للظالمين ؟ قال : لا جرم جلبت عقوبة عملي ، وذلك انى لم أستاذن امامى كما أستاذنه جندب وعمار وسلمان ، وأنا أستغفر الله وأتوب إليه
( 2 ) نزول قوله تعالى ( ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضاة الله ) في على عليه السلام


 26 - ومن ذلك ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده في حديث طويل يرويه عن عمر بن ميمون يشتمل على عشرة مناقب لعلى بن أبي طالب عليه السلام شهد له بها النبي ( ص ) يقول في بعضه في تفسير قوله تعالى " ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤف بالعباد " ( 3 )

قال : وشرى علي نفسه لبس ثوب رسول الله ( ص ) ثم نام مكانه . قال : وكان المشركون يتوهمون انه رسول الله ، ثم قال فيه : وجعل علي يرمي بالحجارة كما كان يرمى نبى الله وهو يتضور قد لف رأسه بالثوب لا يخرجه حتى أصبح ، ثم كشف رأسه فقالوا : لما كان صاحبك
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الانفال : 25 .
( 2 ) البحار : 38 / 156 .
( 3 ) البقرة : 207 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 37

كنا نرميه بالحجارة فلا يتضور وقد استنكرنا ذلك ( 1 ) .


 27 - وذكر الثعلبي في تفسير هذه الاية باسناد رفعه قال : أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما أراد الهجرة خلف على بن أبي طالب عليه السلام بمكه لقضاء ديونه ورد ودائعه التي كانت عنده ، وأمره ليله خرج الى الغار ، وقد أحاط المشركون بالدار أن ينام على فراشه .


ثم قال الثعلبي بعد كلام ذكره : ( 2 ) ففعل ذلك علي عليه السلام فأوحى الله الى جبرئيل وميكائيل عليهما السلام : اني آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الاخر ، فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة ؟ فاختارا كلاهما الحياة ،

فأوحى الله عز وجل اليهما : أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب آخيت بينه وبين محمد فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة ، اهبطا الى الارض فاحفظاه من عدوه فنزلا فكان جبرئيل عند رأسه وميكائيل عند رجليه ،

فقال جبرئيل : بخ بخ من مثلك يابن أبي طالب ، يباهى الله بك الملائكه ، فأنزل الله عز وجل على رسوله وهو متوجه الى المدينة في شأن على بن أبي طالب : " ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضاة الله " الايه ( 3 ) .


وروى الشافعي ابن المغازلى في كتاب المناقب حديث مبيت على عليه السلام على فراش النبي صلى الله عليه وآله مسندا أيضا ( 4 ) .

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مسند أحمد بن حنبل : 1 / 331 ، والبحار : 36 / 41 ، والعمدة : 123 .
( 2 ) وهو ( وقال له : أتشح ببردي الحضرمي الاخضر فانه لا يخلص اليك منهم مكروه انشاء الله تعالى ) .
( 3 ) احقاق الحق عن الثعلبي : 6 / 479 ، بحار : 36 / 41 ، العمدة : 124 .
( 4 ) لم نجده في المصدر المطبوع . ( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

صفحة الكتب

 

فهرس الكتاب