|
بيان أقوال الطائفة المجبرة وردها
|
|
|
بسم الرحمن الرحيم بيان أقوال الطائفة المجبرة وردها ( قال عبد المحمود ) : لما اعتبرت مقالة الفرقة الشيعة رايت عقائدهم وقواعدهم موافقة للعقول المرضية والشرائع السالفة الالهية ، وشرعت أنظر في ظواهر عقائد المذاهب الاربعة ، فرأيتها كما قالت الشيعة على صفات عجيبة ، أما أصحاب مالك واصحاب الشافعي وأصحاب أحمد بن حنبل ومن وافقهم على اعتقاد المجبرة ، فانهم اتفقوا جميعا على أن جميع ما في العالم من حركات
وسكنات ومكروهات ومحبوبات ومستحسنات ومستقبحات فانها من فعل الله في العباد ، وقوم منهم ذكروا أن الله سبحانه قهرهم ومنعهم من الاختيار في كل مكروه أو مراد ، ويلحق بهؤلاء من كان منهم يقول : ان الله يخلق الاعمال والعبد يكتسبها منه الكسب عندهم لا يوجبها ولا يوجدها وانما يوجبها ويوجدها على قولهم الله تعالى وهى صادرة عنه . ويقال لهم : هل يقدر العبد على ترك الكسب ؟ وزاد عليهم من كان يذهب من اتباع أحمد بن حنبل الى ان الله
جسم مستقر على عرشه بجوارح بشرية ، فاما ذهبوا الى ان الله جبر العباد وقهرهم على معصيته ومنعهم عن طاعته ! وان كلما ظهر أو وقع منهم فانه منه وانه لا فاعل سواه ، فما أدرى كيف التبس عليهم انهم فاعلون بالاختيار ؟ وكل عاقل يعلم من نفسه بل من غيره أيضا ضرورة بديهية انه فاعل
بالايثار ، وإذا جهل الانسان هذا من نفسه وهو أوضح من جميع البديهيات فكيف يبقى
له طريق الى شئ من العلوم والدلالات . ويدل على أن الجاحدين لما قلناه مكابرون
ان الانسان إذا رماه انسان بحجر
فانه يذم الرامى متى علم منه القصد لاذاه ويذمه من علم ذلك منه من العقلاء ، ولو كان يعلم أحد العقلاء أو يجوز ان الله قد أكره الرامى على الرمي كما أن الحجر مكره على الرمى لكان الحجر والرامي سواء ، والمعلوم عند جميع العقلاء خلاف ذلك ، ويغلب الظن ان أبليس ما كان يطمع ان يبلغ هذه الغاية من اضلالهم والتلبيس عليهم ، ولا أعلم من أي طريق دخل عليهم ولاي ذنب أعمى أبصارهم وأفسد عقولهم حتى قالوا هذا واحتملوا ما لا يرضى أحد بقوله ويستبعد ممن يعتقد ذلك أو يلزم به قولا أن ينفعه دلالة أو هداية ، وإذا كان عقول هؤلاء
قد بلغت من النقصان أو المرض الى أنهم يعرفون من أنفسهم
الملائكة والانبياء والرسل والاوصياء وفى كتبه فانه يكون على قول المجبرة قد وعد بذلك نفسه وتوعد لنفسه وتهدد نفسه ، وهذا قول ما صرح به أحد من العقلاء وذوي الالباب . وهذا الالزام يلزم المجبرة اكثر من سائر الالزامات لانه إذا ما كان في العالم فاعل سوى الله تعالى ، فالى من أرسل الرسل ، وعلى من أنزل الكتب ، ولمن تهدد ولمن وعد وتوعد ، ولمن يامر وينهى ، فقد بان لك أن كل من قال بقول المجبرة واعتقده على غاية من الضلال واختلال الاحوال . ثم إذا كان عندهم يجوز يضل العباد ويجبرهم على الفساد ويلبس
عليهم
بالمحال ويصدق بالمعجزات الكذابين ويظهر الدلالات الباهرات على يد المبطلين فكيف يبقى لهم طريق الى اثبات نبوة نبيهم وغيره من الانبياء ؟ ومن أين يعرفون صحة شريعته ؟ ( ولو أن العبد ليس له فعل فما معنى قوله تعالى " لم تكفرون بايات الله " ( 1 ) " كيف تكفرون بالله " ( 2 ) " لم تصدون عن سبيل الله " ( 2 ) " لم تلبسون الحق بالباطل " ( 4 ) . وعلى هذا فكفر الكافر موافق لرضا الله ومبرز لفعله ، والرضا بقضاء الله وقدره واجب ، ويلزم تعطيل الحدود والقصاص ، وان المعاصي لا نهى عنها لا الزنا ولا اللواط ولا الشرب ولا القذف ولا السرقة ولا سفك الدماء ولا الطنبور والنرد وغيرها وكلها برضا الله وقدره . وحكي أن سارقا من المجبرة أرادوا قطع يده فقال : أعوذ بالله من قضائه ، فقال العدلى : اخرجوه فان قوله هذا أقبح من سرقته . وكان ينبغي أن لا ينهى عن المنكر على مذهب الجبري ، وكان قول ابليس " رب بما أغويتني " صحيحا على مذهب الجبرى ) .
فكيف يصح على قولكم أن يوثق منه انه فعل المعجزات للتصديق ؟ أو كيف يبقى لاحد منكم طريق الى ان الله تعالى فعل شيئا من أفعاله سبحانه لغرض من الاغراض ، فما أقبح هذه المكابرة منكم . ثم ولو قدرنا أنه يترجح في نفوسكم ان المعجزات للتصديق فمن أين لكم ان ذلك الترجح علم ضروري ؟ أليس في مقدور الله تعالى أن يكون قد ركب في طبائعكم وعقولكم على ما قد وصفتموه به من الاضلال للعباد والتلبيس عليهم ؟ وإذا كان عندكم ان التلبيس يقع منه فلا تأمنوا أن يجعل
اعتقادكم الباطل كانه علم ويكون قد أضلكم بذلك ، أو لستم تجدون عالم علما ضروريا ، ثم لما استيقظ عرف أن ذلك ما كان علما ضروريا ولا ظنا صحيحا ولا ممكنا ، فلعلكم في الحياة نيام وكلما تعتقدونه يكون محالا وتلبيسا أو أضلكم الله به كما ذكرتم عنه ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . وهذا ما يلزم الا من قال بقولكم واعتقد اعتقادكم ، وأما غيركم من المسلمين الذين يعتقدون ان الله على أكمل غاية من العدل والحكمة فانهم يعلمون ان عدله وحكمته يقتضي عدم التلبيس على عباده ويمنعه سبحانه ان يظلمهم .
لا طريق لهم الي شئ من العلوم البديهية ولا المكتسبة ولا الى
معرفة الثواب ولا الشرائع ما داموا على اعتقادهم ، وأنهم اما ناقصوا
العقول أو مكابرون وأنهم لا دين لهم وان الذى يظهرونه من الاديان اما تقية أو على غير قاعدة مرضية . قال الخوارزمي : - وهو من أعيان علماء الاسلام - في كتابه الفائق : فاما المجبرة فان شيوخنا كفروهم ، وان قاضي القضاة حكى عن الشيخ أبى علي أنه قال : المجبر كافر ، ومن شك في كفرهم فهو كافر . ثم شرح تصديق القول وتحقيقه .
والمنافقين والاباليس والشياطين ويخلدهم في الجنة والنعيم أبد الابدين ، وزعموا ان ذلك يكون انصافا منه وعدلا وركبوا في ذلك مكابرة وجهلا ، ولعل قد كان للمجبرة سلف في عقولهم نقص أوجب مثل هذا الاعتقاد وجاء الخلف مقلدا للسلف ومحبا للمنشأ وسنة الاباء ، فان كان ذلك كذلك فاي عذر للمتأخرين من الاحباء والابناء في اتباع السلف والاباء على الضلال في أمر لا يخفى على أدنى العقلاء .
ان يعبدوا كل من ارادوه ، ما أحسن ما يقرؤنه في كتابهم " ما قدروا الله حق قدره " ( 1 ) ولا كان هذا قدر جلالته وعظمته ولا جزاء لاحسانه ونعمته .
ومن طرائف ما رايت في كتبهم وسمعته عنهم ان المجبرة قالوا : متى اعتقدوا ان أفعالهم منهم صار العباد شركاء الله تعالى فاقتضى التعظيم لله ان يكون الافعال كلها من بنى آدم وغيرهم من الله . فاقول : أيها القوم سود الله وجوهكم كما سودتم وجه ما وهبكم الله من البصائر أي شركة يكون لعبد لم يكن شيئا مذكورا فاوجده الله بعد العدم ، وأي تعظيم لله في أن ينتسب خسائس العبيد ورذائلهم إليه ، ومتى كانت العقول تشهد ان الملك يتكمل بان يكون همته كهمة عبده وتدبيره مثل تدبير عبده ، وأى نسبة بين جلالة الله وحقارة عبده حتى يتكمل سبحانه بنسبة أفعالهم القاصرة وتدبيراتهم الناقصة إليه .
على أنفسكم وعدتم الى قول من يقول أن العبد مستقل بالفعل ولم يجعل الفعل مشتركا بينه وبين الله تعالى ، وأما من ذهب منكم الى انه لا فاعل سوى الله تعالى فقد تقدم وسياتى من الجواب له ما لا يقدر على دفعه بحجة أبدا .
بفعله ، ولو لا سوء توفيقكم وفساد طريقكم ما كان هذا مما
ينسبه عاقل الى نفسه . وان كان مرادكم بطريق ان العبد يقع منه فعل الرب ، فلو
فكرتم عرفتم ان
هذا لا يقع أبدا ، وكيف يكون فعل فاعل لذاته وهو الله سبحانه كفعل فاعل لغيره وهر العبد ؟ ولو قدرنا وهو تقدير لا يقع أن العبد يقع منه فعل مثل فعل الله تعالى ما اقتضى كونه يفعل مثل فعل الله ان يكون شريكا لله تعالى ، فان العقلاء المتفرقين والمنفردين والمتقاطعين نجد في أفعالهم مثل افعال من فارقوه وقاطعوه وما اقتضى التماثل في الافعال الشركة بينهم بحال من الاحوال ، عافاكم الله من هذا الاختلال .
لا ينجلى هذه الظلمة عن بصائركم ، أي عجز يلحق بالمالك إذا كان عبده مختارا سواء فعل العبد ما يكره المولى أو ما يحب ، ومن المعلوم انه لو اراد المولى قهر عبده قهره أو موته أماته فاى عجز هاهنا للمولى وأى مقاهرة أو مغالبة للعبد .
دليلا على عجز السلطان عن عزل المملوك ومؤاخذته . أو يشك عاقل أن صبر السلطان على ذلك حتى ياتي وقت المدة التى عينها للمجازاة على الاحسان أو المؤاخذة على العصيان مما يدل على قوة قدرة السلطان واتساع الامكان حيث أنه يقدر على تعجيل المؤاخذة والنقمة ويصبر مع القدرة ، فكيف جعلوا ما يدل على القوة وسعة القدرة دليلا لهم على العجز ؟ أعاذنا الله وكل عاقل من مثل جهلهم السخيف النازل .
رب أنت قضيت علينا معصيتك وأنت منعتنا عن طاعتك ، فانه في يوم القيامة ينكشف الامور كشفا واضحا لا يبقى فيها شبهة ، وما نراهم الا أنهم تارة أقروا ان المعاصي منهم فقالوا : " ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل " ( 1 ) وما قالوا : ربنا فارجعنا تعمل غير الذي كنت تعمل ، وقالوا وهم في النار " ربنا أخرجنا منها فان عدنا فانا ظالمون " ( 2 ) وما قالوا فان عدت وقال بعضهم " رب ارجعون لعلي اعمل صالحا فيما تركت " ( 3 ) وما قال لعلك تعمل صالحا فيما تركت أنت ، وقال "
ان تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وان كنت لمن الساخرين
" ( 4 ) وما قال ما فرطت في جنبى وإذا كان العباد ما فعلوا شيئا .
فممن هذا التحسر والتفريط والتقصير وعلى ما ذا يندم النادمون ويبكى الباكون ، ومثل هذا في كتابهم كثير ، ومن العجب أن الشيطان يعترف لهم أنه أضلهم وغرهم ويشهد الله لهم عليه بذلك وينزهون الشيطان من اعترافه ولا يقبلون شهادة الله تعالى عليه .
قوله تعالى " الشيطان سول وأملى لهم " ( 2 ) فردوا على الله شهادته ونزهوا الشيطان عن اعترافه بضلالهم وغرورهم وقالوا : ما أضلهم الا لله .
الله وحده ما كانوا اعترفوا به على أنفسهم ولا ادعوه على ساداتهم وكبرائهم ، ثم لو كانوا قد علموا ان الله تعالى هو المضل لهم فعلى من يدعون ومن يلعنون .
كانوا قد علموا أن الله أضلهم فمن يجعلون تحت أقدامهم ، وعلى من هذا التظلم وممن هذا التالم . ومن طرائف أعذارهم الدالة ايضا
على تنزيه الله سبحانه عن افعال عبيده قولهم "
وما أضلنا الا المجرمون "
( 1 ) فإذا الاعذار ما يريدون ان يقولوه يوم القيامة ، ولو كانت أعمالهم من الله جل جلاله كانوا قد اعتذروا إليه سبحانه تعالى بذلك أو كان يعتذر به بعضهم ويقولون يا ربنا أنت منعتنا من الايمان وخلقت فينا الظلم والعدوان ، فاي ذنب لنا ، فان كتابكم يشهد أن بعض الخلائق يكابرون الله ويجحدونه حتى يقولوا " والله ربنا ما كنا مشركين " فقال " انظر كيف كذبوا على أنفسهم " ( 2 ) وقال في كتابهم " يحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شئ " ( 3 ) فمن أقدم على هذه المكابرة لله بالكذب ؟ لو كان يعلم ان الله تعالى فعل ذلك ، ما كان يحتاج الى هذه المكابرة ، وكان يقدر أن يقول له يا رب أنت فعلت ونحن ما فعلنا شيئا .
تعالى الله عما سلكته المجبرة من سوء المسالك وعظيم المهالك . ومن طرائف ما يدل على بطلان قول المجبرة ما تضمنه كتابهم في قوله " ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما " ( 1 ) فان كان هو الذي قتل المؤمن وقضاه وقهر عليه فعلى من يغضب ولمن يتهدد ويلعن ، وكذا قوله " فلما آسفونا انتقمنا منهم " ( 2 ) يعنى أغضبونا ، فلو كان هو الذي فعل أفعالهم لكان هو الذي أغضب نفسه والا فمن اغضبه وآسفه ، فما أقبح قول المجبرة وما اسخفه .
والانس والمجرمين وتبرئونهم من الكفر والمعاصي والرذائل وتنسبوها الى الله جل جلاله ، لا تفعلوا واستحيوا من ربكم وتادبوا معه وتوبوا إليه من هذا الاعتقاد قبل يوم المعاد فانه يقبل التوبة عن عباده ويحب التوابين ، فانكم على خطر عظيم في الدنيا والدين . وقد شمت بكم أهل الذمة وسائر من عرف حالكم من أهل الملل الشاهدة لله بالعدل وصرتم مضحكة لهم وزهدتم أعدائكم في الاسلام ، وصاروا يعتذرون اليكم بما ذكرتموه عن الله من كونه يضل عباده ويقولون لكم ما يخلينا ربكم نتبع ما تريدون ونقبل ما تشيرون ، وإذا خلا أهل الذمة وجماعة
من أهل العدل في مجالسهم فكثيرا بكم يستهزؤن وعليكم يضحكون . ولله در ابن
الحجاج حيث يقول :
المجبرون يجادلون بباطل * وخلاف ما يجدونه في القرآن ان صح ذا فتعوذوا من ربكم وذروا تعوذكم من الشيطان ومن طرائف ما تكثر المجبرة الاحتجاج به لانفسها قوله تعالي " لا يسئل عما يفعل وهم يسالون " ( 1 ) وما أرى لهم في ذلك عذرا ولا حجة لانه لا يسال عما يفعل وكذلك يقول أهل العدل لانهم يقولون ان الافعال التي يفعلها سبحانه فانه لا يسال عنها ، فمن أين ثبت ان أفعال العباد المنكرة التي يقع منهم عيانا و مشاهدة أنها في ى باطن الحال واقعة من الله ؟ وأن عباده منزهون عنها ؟ حتى يحتجون لكفرهم وظلمهم وقبائحهم بقوله لا يسئل عما يفعل ثم والى من اشار بقوله وهم يسالون وعند المجبرة
لا فاعل سواه ، فمن هم الذين يسالون ؟ وهذا الكلام عن ذلك ، ولو كان هو فاعلا لافعال عباده كافعال نفسه لكانت متساوية في أنها لا يسال عما يفعل عن جميعها ، وهذا واضح لمن كان له أدنى عقل وسلم من ظلمة الجهل .
قبض من ظهر آدم ذريته وقال : هؤلاء الى النار ولا أبالي ، وقبض قبضة أخرى وقال : هؤلاء الى الجنة ولا أبالي . وقد ذكر الغزالي الحديث في كتاب احياء علوم الدين في عدة مواضع ،
فمنها في الكتاب المذكور في كتاب الرجاء والخوف في أواخر قول الغزالي بيان اقسام الخوف بالاضافة الى ما يخاف منه ، فقال الغزالي في تشبيه عدم رحمة الله بعباده وقسوته عليهم وقلة مبالاته بهلاكهم ما هذا لفظه : ان السبع يخاف لا لجناية سبقت إليه منك بل لصفته وبطشته وسطوته وكبره وهيبته ، ولانه يفعل ما يفعل ولا يبالي ، فان قتلك لم يرق قلبه ولا يتالم بقتلك وان خلاك لم يخلك شفقة عليك وابقاء على روحك بل أنت عنده أخس من ان يلتفت اليك حيا كنت أو ميتا ، بل اهلاك ألف مثلك واهلاك نملة عنده على وتيرة واحدة ، إذ لا يقدح ذلك في عالم سبعيته وما هو موصوف به من قدرته وسطوته ، ولله المثل الاعلى ، ولكن من عرفه عرف بالمشاهدة الباطنة التي هي أقوى وأوثق وأجلى من المشاهدة الظاهرة أنه صادق في قوله : هؤلاء الى الجنة ولا أبالي وهؤلاء الى النار ولا أبالي ، ويكفيك من موجبات الهيبة والخوف المعرفة بالاستغناء وعدم المبالاة ( 1 ) .
العقلاء مجمعون مع اختلاف مللهم وعقائدهم ان الله تعالى أرحم الراحمين ، وشهد المسلمون أن الانبياء يشهدون ان الله ارحم الراحمين ، فمن ذلك في كتابهم قول موسى عليه السلام " رب اغفر لى ولاخى وادخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين " ( 2 ) . ومن ذلك قول يوسف عليه السلام " اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين " ( 3 )
ومن ذلك قول أيوب عليه السلام " رب اني مسنى الضر وأنت أرحم الراحمين " ( 1 ) . فكيف صدق هؤلاء الاربعة المذاهب ان نبيهم ياتي بهذه الصفة
العظيمة في الرحمة عن الله ويقول عن أرحم الراحمين انه منهم فانه منه ، ثم يحملهم الى النار ليعذبهم على غير الذنب أبد الابدين ويقول هؤلاء الى النار ولا أبالي ، ان لا يليق ذكره من رحيم فكيف من أرحم الراحمين . ويدل على بطلان هذا الخبر ما رواه هؤلاء القوم في صحاحهم عن ثقات رجالهم .
وأرضعته ، فقال لنا رسول الله " ص " : أترون هذه المراة طارحة ولدها في النار ؟ قلنا : لا والله وهي تقدر على أن لا تطرحه ، فقال رسول الله : الله أرحم بعباده من هذه المراة بولدها ( 2 ) .
بين الجن والانس والبهائم والهوام ، فبها يتعاطفون وبها يتراحمون وبها تعطف الوحش على ولدها ، وأخر الله تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة ( 1 ) .
أعودك ؟ وأنت رب العالمين . قال : أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده ، أما علمت انك لو عدته لوجدتني عنده ؟ يابن آدم استطعمتك فلم تطعمني . قال : يا رب وكيف أطعمك ؟ وأنت رب العالمين . قال : أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه ؟ أما علمت انك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي يابن آدم استسقيتك فلم تسقنى . قال : يا رب كيف أسقيك ؟ وأنت رب العالمين قال : استسقاك عبدي فلان فلم تسقه ، أما علمت انك لو سقيته وجدت ذلك عندي ( 2 ) .
والثلاثين من المتفق عليه من مسند عبد الله بن مسعود قال :
سمعت رسول الله " ص " يقول : لله أشد فرحا بتوبة عبده راحلته ، فطلبها حتى أدركه العطش ، ثم قال : أرجع الى مكاني الذى كنت فيه ، فانام حتى أموت ، فوضع راسه على ساعده ليموت ، فاستيقظ وعنده راحلته وعليها زاده وطعامه وشرابه ، فالله أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته عنده عليها زاده ( 1 ) . ورواه أيضا الحميدى من مسند براء بن عازب في الحديث السادس من أفراد مسلم ( 2 ) . وروى الحميدي أيضا نحو ذلك من مسند النعمان بن بشير في الحديث الاول من أفراد مسلم ( 3 ) . وروى الحميدي أيضا نحو ذلك في الحديث الثالث بعد المائة من المتفق عليه من مسند أنس بن مالك ( 4 ) .
الصحيحين للحميدي في مسند عمر بن الخطاب في الحديث الرابع من
أفراد مسلم المتضمن ان أول من قال بالقدر بالبصرة معبد الجهنى ، وان يحيى بن
يعمر وحميد بن عبد الرحمن الحميدي لقيا عبد الله بن عمر بن الخطاب فسالاه فصدق
المعبد الجهنى . وفي أواخر الحديث عن ابن عمر قال : حدثني عمر بن الخطاب ان
رسول الله " ص " قال : التقى آدم وموسى فقال موسى : أنت يا آدم الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة ؟ فقال له آدم : أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وكلامه وأنزل عليك التوراة . قال : نعم . فقال : فوجدت قدره علي قبل أن يخلقني فحج آدم موسى . ورواه الحميدي من عدة طرق لهذا الحديث من مسند أبي هريرة في الحديث الخامس والتسعين ( 1 ) . ( قال عبد المحمود ) : قد استطرفت رواية عمر لهذا الحديث عن نبيهم ، لانه ينقض بعضه بعضا ، ويشهد حال نبيهم انه ما قال ذلك ، واهل بيت نبيهم الذين امر بالتمسك بهم ينكرون تصديق هذا الحديث لانه إذا كانت الافعال والاقوال عند آدم وموسى كما يقوله المجبرة من الله وحده وليس لاحد من عباده فيها شئ ، وان آدم وموسى ما فعلا شيئا ، فكيف انكر موسى على آدم ؟ وكيف تكلف آدم جواب موسى ؟ وكيف يقول محمد " ص " نبيهم فحج آدم وموسى ويستحسن محمد " ص " ذلك . هذا لا يصدقه عارف بمحمد " ص " انه قاله أو تحدث به ، لانه إذا كان لا فاعل سوى الله فكلام آدم وفعله من الله وكلام موسى وفعله من الله تعالى ، فاي معنى لقولهم من نبيهم فحج آدم موسى . وانما يكون على قولهم قد حج الله نفسه وغلب نفسه ، وان كانت المجبرة تتجاهل الى ان تقول ان الله قهر
الثلاثة الانبياء آدم وموسى ومحمد " ص " ا عليهم السلام على ترك الرضا بقضائه
وقدره ، وقهر محمدا " ص " على ان يقول فحج آدم موسى ، وما يكون قد حجه فقد
اقدموا على تكذيب نبيهم وادعوا ان الله قهره على ان يقول غير الحق ، وكفى
المجبرة بذلك فضيحة في الدنيا
والاخرة ، وكفانا شماتة بهم بمثل هذا فثبت ان الحديث ما قاله نبيهم وانه كذب عليه وكتابهم يتضمن " وما ينطق عن الهوى * ان هو الا وحى يوحى " ( 1 ) فالكاذب عليه كاذب على الله ، وكتابهم يتضمن "
ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة
" ( 2 ) وكيف حسن من هؤلاء الاربعة المذاهب الذين يصححون هذا الخبر
ان يقولوا عن خليفتهم عمر مثل ذلك .
|
|