بيان أقوال الطائفة المجبرة وردها

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 308

بسم الرحمن الرحيم

بيان أقوال الطائفة المجبرة وردها

( قال عبد المحمود ) : لما اعتبرت مقالة الفرقة الشيعة رايت عقائدهم وقواعدهم موافقة للعقول المرضية والشرائع السالفة الالهية ، وشرعت أنظر في ظواهر عقائد المذاهب الاربعة ، فرأيتها كما قالت الشيعة على صفات عجيبة ، أما أصحاب

مالك واصحاب الشافعي وأصحاب أحمد بن حنبل ومن وافقهم على اعتقاد المجبرة ، فانهم اتفقوا جميعا على أن جميع ما في العالم من حركات

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 309

وسكنات ومكروهات ومحبوبات ومستحسنات ومستقبحات فانها من فعل الله في العباد ، وقوم منهم ذكروا أن الله سبحانه قهرهم ومنعهم من الاختيار في كل مكروه أو مراد ، ويلحق بهؤلاء من كان منهم يقول : ان الله يخلق الاعمال والعبد يكتسبها منه الكسب عندهم لا يوجبها ولا يوجدها وانما يوجبها ويوجدها على قولهم الله تعالى وهى صادرة عنه .

ويقال لهم : هل يقدر العبد على ترك الكسب ؟
فان قالوا : نعم فقد قالوا بالاختيار وحصل الوفاق ،
وان قالوا : لا يقدر على ترك الكسب ، فقد ساووا المجبرة في تصريحهم بان العباد مجبورون ومقهورون .
ثم يقال لمن قال منهم ان العباد مجبرون : ما معنى قولكم انهم مجبرون ؟
فان العقلاء ما يعرفون حقيقة الجبر للعبد الا إذا كان العبد مختارا فجبره غيره ومنعه من اختياره ،
وأنتم تزعمون ان العبد ما كان مختارا قط ولا كان له فعل على الحقيقة ، فما معنى قولكم ان العباد مجبرون ؟
أفلا يتفكرون فيما يقولون ؟ فما نراه الا خلاف اصطلاح العقلاء وضد تحقيق الفضلاء .

وزاد عليهم من كان يذهب من اتباع أحمد بن حنبل الى ان الله جسم مستقر على عرشه بجوارح بشرية ،
وقال قوم منهم : ان الله تعالى ينزل الى الارض في صورة شاب ، ورووا في ذلك أخبارا يكذبها العقول الصحيحة .

فاما ذهبوا الى ان الله جبر العباد وقهرهم على معصيته ومنعهم عن طاعته ! وان كلما ظهر أو وقع منهم فانه منه وانه لا فاعل سواه ، فما أدرى كيف التبس عليهم انهم فاعلون بالاختيار ؟

وكل عاقل يعلم من نفسه بل من غيره أيضا ضرورة بديهية انه فاعل بالايثار ، وإذا جهل الانسان هذا من نفسه وهو أوضح من جميع البديهيات فكيف يبقى له طريق الى شئ من العلوم والدلالات . ويدل على أن الجاحدين لما قلناه مكابرون ان الانسان إذا رماه انسان بحجر
 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 310

فانه يذم الرامى متى علم منه القصد لاذاه ويذمه من علم ذلك منه من العقلاء ، ولو كان يعلم أحد العقلاء أو يجوز ان الله قد أكره الرامى على الرمي كما أن الحجر مكره على الرمى لكان الحجر والرامي سواء ، والمعلوم عند جميع العقلاء خلاف

ذلك ، ويغلب الظن ان أبليس ما كان يطمع ان يبلغ هذه الغاية من اضلالهم والتلبيس عليهم ، ولا أعلم من أي طريق دخل عليهم ولاي ذنب أعمى أبصارهم وأفسد عقولهم حتى قالوا هذا واحتملوا ما لا يرضى أحد بقوله ويستبعد ممن يعتقد ذلك أو

يلزم به قولا أن ينفعه دلالة أو هداية ، وإذا كان عقول هؤلاء قد بلغت من النقصان أو المرض الى أنهم يعرفون من أنفسهم
ان أفعالهم منهم أو يستحسنون المكابرة والجحود لذلك مع العلم به . فباي سبيل يفهمون أو يقبلون ما يقال لهم ، أو باي دين يرجعون الى الحق إذا ورد عليهم شبهة .


ومما يستدل به على اختلاف عقولهم أو مكابرتهم للحق ، أنه لو كان الامر كما ذكروه من انه لا فاعل في العالم سوى الله
كان يلزمهم ان يكون الله قد أرسل الرسل الى نفسه وأنزل الكتب على نفسه وكان كل وعد ووعيد وتهديد صدر على لسان

الملائكة والانبياء والرسل والاوصياء وفى كتبه فانه يكون على قول المجبرة قد وعد بذلك نفسه وتوعد لنفسه وتهدد نفسه ، وهذا قول ما صرح به أحد من العقلاء وذوي الالباب .

وهذا الالزام يلزم المجبرة اكثر من سائر الالزامات لانه إذا ما كان في العالم فاعل سوى الله تعالى ، فالى من أرسل الرسل ، وعلى من أنزل الكتب ، ولمن تهدد ولمن وعد وتوعد ، ولمن يامر وينهى ، فقد بان لك أن كل من قال بقول المجبرة واعتقده على غاية من الضلال واختلال الاحوال .

ثم إذا كان عندهم يجوز يضل العباد ويجبرهم على الفساد ويلبس عليهم
 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 311

بالمحال ويصدق بالمعجزات الكذابين ويظهر الدلالات الباهرات على يد المبطلين فكيف يبقى لهم طريق الى اثبات نبوة نبيهم وغيره من الانبياء ؟ ومن أين يعرفون صحة شريعته ؟

( ولو أن العبد ليس له فعل فما معنى قوله تعالى " لم تكفرون بايات الله " ( 1 ) " كيف تكفرون بالله " ( 2 ) " لم تصدون عن سبيل الله " ( 2 ) " لم تلبسون الحق بالباطل " ( 4 ) . وعلى هذا فكفر الكافر موافق لرضا الله ومبرز لفعله ، والرضا بقضاء الله وقدره واجب ، ويلزم تعطيل الحدود والقصاص ، وان المعاصي لا نهى عنها لا الزنا ولا اللواط ولا الشرب ولا

القذف ولا السرقة ولا سفك الدماء ولا الطنبور والنرد وغيرها وكلها برضا الله وقدره . وحكي أن سارقا من المجبرة أرادوا قطع يده فقال : أعوذ بالله من قضائه ، فقال العدلى : اخرجوه فان قوله هذا أقبح من سرقته . وكان ينبغي أن لا ينهى عن المنكر على مذهب الجبري ، وكان قول ابليس " رب بما أغويتني " صحيحا على مذهب الجبرى ) .


ولقد رايت بعضهم يعتذر عن هذا الطعن ويدعي أنهم يعلمون بالضرورة والبديهة ان معجزات نبيهم كانت حقا لتصديقه ، فقلت له : أيها الشيخ هذا من جملة البهت والمكابرة التي أقدمتم عليها ، وقلتم انكم ما تعلمون ان افعالكم منكم والا إذا كان الله تعالى يجوز ان يضل ويلبس ، بل تذكرون عنه انه قد اضل ولبس ومنع من الاسلام والطاعات وقهر العباد على الضلال والمعاصي ،

 

* ( هامش ) *
( 1 ) آل عمران : 70 و 98 . ( 2 ) البقرة : 28 . ( 3 ) آل عمران : 99 . ( 4 ) البقرة : 42 وآل عمران : 71 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 312

فكيف يصح على قولكم أن يوثق منه انه فعل المعجزات للتصديق ؟ أو كيف يبقى لاحد منكم طريق الى ان الله تعالى فعل شيئا من أفعاله سبحانه لغرض من الاغراض ، فما أقبح هذه المكابرة منكم .

ثم ولو قدرنا أنه يترجح في نفوسكم ان المعجزات للتصديق فمن أين لكم ان ذلك الترجح علم ضروري ؟ أليس في مقدور الله تعالى أن يكون قد ركب في طبائعكم وعقولكم على ما قد وصفتموه به من الاضلال للعباد والتلبيس عليهم ؟

وإذا كان عندكم ان التلبيس يقع منه فلا تأمنوا أن يجعل اعتقادكم الباطل كانه علم ويكون قد أضلكم بذلك ، أو لستم تجدون
النائم يرى في منامه كان جسده في بلاد بعيدة وكانه في مهمات ومسار وأكدار ويكون في حال نومه معتقدا لذلك حتى كانه

عالم علما ضروريا ، ثم لما استيقظ عرف أن ذلك ما كان علما ضروريا ولا ظنا صحيحا ولا ممكنا ، فلعلكم في الحياة نيام وكلما تعتقدونه يكون محالا وتلبيسا أو أضلكم الله به كما ذكرتم عنه ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .

وهذا ما يلزم الا من قال بقولكم واعتقد اعتقادكم ، وأما غيركم من المسلمين الذين يعتقدون ان الله على أكمل غاية من العدل والحكمة فانهم يعلمون ان عدله وحكمته يقتضي عدم التلبيس على عباده ويمنعه سبحانه ان يظلمهم .


وأما أنتم أيها المجبرة وكل من وصف الله تعالى بذلك واعتقد فيه أنه يضل العباد ويلبس عليهم وعلم أنه سبحانه قادر على كل مقدور فانه يلزم لهذا القائل المجبر ألا يثق بشئ من عقائده ولا أحواله وظنونه ولا شكوكه ، فقد ظهر لكل عاقل أن المجبرة

لا طريق لهم الي شئ من العلوم البديهية ولا المكتسبة ولا الى معرفة الثواب ولا الشرائع ما داموا على اعتقادهم ، وأنهم اما ناقصوا
 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 313

العقول أو مكابرون وأنهم لا دين لهم وان الذى يظهرونه من الاديان اما تقية أو على غير قاعدة مرضية .

قال الخوارزمي : - وهو من أعيان علماء الاسلام - في كتابه الفائق : فاما المجبرة فان شيوخنا كفروهم ، وان قاضي القضاة حكى عن الشيخ أبى علي أنه قال : المجبر كافر ، ومن شك في كفرهم فهو كافر . ثم شرح تصديق القول وتحقيقه .


ومن طرائف ما تعتقده المجبرة انهم يعتقدون انه يجوز من الله في عقولهم مع عدله وحكمته أن يجمع الانبياء والمرسلين والملائكة المقربين وعباده الصالحين فيخلدهم في الجحيم والعذاب الاليم أبد الابدين ، ويجمع الكفار والملحدين والزنادقة

والمنافقين والاباليس والشياطين ويخلدهم في الجنة والنعيم أبد الابدين ، وزعموا ان ذلك يكون انصافا منه وعدلا وركبوا في ذلك مكابرة وجهلا ، ولعل قد كان للمجبرة سلف في عقولهم نقص أوجب مثل هذا الاعتقاد وجاء الخلف مقلدا للسلف ومحبا

للمنشأ وسنة الاباء ، فان كان ذلك كذلك فاي عذر للمتأخرين من الاحباء والابناء في اتباع السلف والاباء على الضلال في أمر لا يخفى على أدنى العقلاء .


وان كانت المجبرة قصدت بقولها ان أفعالهم من فعل اللة تعالى فيهم وأنهم بريئون منها بحيث لا يلومهم العقلاء على يقع
منهم من القبائح والفضائح والظلم والعدوان وحتى يعذرهم الانبياء في ترك القبول منهم ، فقد كان للمجبرة في غير الله متسع

ان يعبدوا كل من ارادوه ، ما أحسن ما يقرؤنه في كتابهم " ما قدروا الله حق قدره " ( 1 ) ولا كان هذا قدر جلالته وعظمته ولا جزاء لاحسانه ونعمته .

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الانعام : 91 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 314

ومن طرائف ما رايت في كتبهم وسمعته عنهم ان المجبرة قالوا : متى اعتقدوا ان أفعالهم منهم صار العباد شركاء الله تعالى فاقتضى التعظيم لله ان يكون الافعال كلها من بنى آدم وغيرهم من الله .

فاقول : أيها القوم سود الله وجوهكم كما سودتم وجه ما وهبكم الله من البصائر أي شركة يكون لعبد لم يكن شيئا مذكورا فاوجده الله بعد العدم ، وأي تعظيم لله في أن ينتسب خسائس العبيد ورذائلهم إليه ، ومتى كانت العقول تشهد ان الملك يتكمل

بان يكون همته كهمة عبده وتدبيره مثل تدبير عبده ، وأى نسبة بين جلالة الله وحقارة عبده حتى يتكمل سبحانه بنسبة أفعالهم القاصرة وتدبيراتهم الناقصة إليه .


ومن عجيب ما يفهمونه ويتفوهون به أن يقال لهم : عرفونا مرادكم بقولكم ان العبد يصير شريكا لله ، فان أردتم ما ادعيتموه من الكسب فانتم قد أثبتم الشركة على قولكم بين العبد وبين الله عند من ذهب منكم الى ذلك ، فلاي حال عدلتم عن الانكار

على أنفسكم وعدتم الى قول من يقول أن العبد مستقل بالفعل ولم يجعل الفعل مشتركا بينه وبين الله تعالى ، وأما من ذهب منكم الى انه لا فاعل سوى الله تعالى فقد تقدم وسياتى من الجواب له ما لا يقدر على دفعه بحجة أبدا .


وان قصدتم بالرد على أهل العدل التمويه منكم بانه إذا انفرد الله تعالى بافعال نفسه وانفرد العباد بافعالهم ان ذلك يكون شركة ، فما عرفنا أن العقل يقتضي أن مع الانفراد في الاحوال والاعمال يكون شركة في تلك الافعال في حال انفراد كل فاعل

بفعله ، ولو لا سوء توفيقكم وفساد طريقكم ما كان هذا مما ينسبه عاقل الى نفسه . وان كان مرادكم بطريق ان العبد يقع منه فعل الرب ، فلو فكرتم عرفتم ان
 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 315

هذا لا يقع أبدا ، وكيف يكون فعل فاعل لذاته وهو الله سبحانه كفعل فاعل لغيره وهر العبد ؟

ولو قدرنا وهو تقدير لا يقع أن العبد يقع منه فعل مثل فعل الله تعالى ما اقتضى كونه يفعل مثل فعل الله ان يكون شريكا لله تعالى ، فان العقلاء المتفرقين والمنفردين والمتقاطعين نجد في أفعالهم مثل افعال من فارقوه وقاطعوه وما اقتضى التماثل في الافعال الشركة بينهم بحال من الاحوال ، عافاكم الله من هذا الاختلال .


ومن طرائف ما رايت للمجبرة أنهم يذكرون أنه متى اعتقدوا ان العباد يقدرون ان يفعلوا شيئا باختيار هم كان ذلك دليلا على عجز الله حيث يقع منهم ما لا يريد المعاصي ، فاقول : ما أحوجكم الى طبيب يداوى ما أمرضتموه من عقولكم ، والى متى

لا ينجلى هذه الظلمة عن بصائركم ، أي عجز يلحق بالمالك إذا كان عبده مختارا سواء فعل العبد ما يكره المولى أو ما يحب ، ومن المعلوم انه لو اراد المولى قهر عبده قهره أو موته أماته فاى عجز هاهنا للمولى وأى مقاهرة أو مغالبة للعبد .


ومما يدل على غلطهم في ذلك أيضا ان كل عاقل يعلم ان سلطان الاسلام يؤثر أن يكون اليهودي الوحيد الضعيف مظهرا للاسلام ومع هذا فان اليهودي على خلاف ما يريد السلطان ، ولا يدل ذلك على عجز سلطان الاسلام عن قهر اليهودي عن اظهار الاسلام ولا يعتقد عاقل ان السلطان عاجز لاجل بقاء ذلك اليهودي على اظهار كفره .


ومما يدل على غلطهم أيضا ان كل عاقل يعلم أن السلطان إذا أقطع مملوكا له أقطاعا وقال له : قد مكنتك في هذه الاقطاع والرعية مدة معلومة عندي فان أحسنت إليهم جازيتك بالاحسان وان اسات إليهم عاقبتك ، فمضى المملوك الى أقطاعه فظلم الرعية وسار فيهم بخلاف ما يريد السلطان أفيكون ذلك
 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 316

دليلا على عجز السلطان عن عزل المملوك ومؤاخذته .

أو يشك عاقل أن صبر السلطان على ذلك حتى ياتي وقت المدة التى عينها للمجازاة على الاحسان أو المؤاخذة على العصيان مما يدل على قوة قدرة السلطان واتساع الامكان حيث أنه يقدر على تعجيل المؤاخذة والنقمة ويصبر مع القدرة ، فكيف جعلوا ما يدل على القوة وسعة القدرة دليلا لهم على العجز ؟ أعاذنا الله وكل عاقل من مثل جهلهم السخيف النازل .


ومن طرائف أمر المجبرة أنهم يدعون الاعتراف بصدق نبيهم وثبوت كتابهم ، وقد اعتبرت القرآن فما رايت الا متضمنا لاعتذار الكفار والظالمين الى الله يوم القيامة بانهم أضلهم غير الله ، وما وجدت أحدا منهم اعتذر الى الله تعالى وقال له : يا

رب أنت قضيت علينا معصيتك وأنت منعتنا عن طاعتك ، فانه في يوم القيامة ينكشف الامور كشفا واضحا لا يبقى فيها شبهة ، وما نراهم الا أنهم تارة أقروا ان المعاصي منهم فقالوا : " ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل " ( 1 ) وما قالوا

: ربنا فارجعنا تعمل غير الذي كنت تعمل ، وقالوا وهم في النار " ربنا أخرجنا منها فان عدنا فانا ظالمون " ( 2 ) وما قالوا فان عدت وقال بعضهم " رب ارجعون لعلي اعمل صالحا فيما تركت " ( 3 ) وما قال لعلك تعمل صالحا فيما تركت أنت ،

وقال " ان تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وان كنت لمن الساخرين " ( 4 ) وما قال ما فرطت في جنبى وإذا كان العباد ما فعلوا شيئا .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الفاطر : 37 . ( 2 ) المؤمنون : 107 . ( 3 ) المؤمنون : 100 . ( 4 ) الزمر : 56 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 317

فممن هذا التحسر والتفريط والتقصير وعلى ما ذا يندم النادمون ويبكى الباكون ، ومثل هذا في كتابهم كثير ، ومن العجب أن الشيطان يعترف لهم أنه أضلهم وغرهم ويشهد الله لهم عليه بذلك وينزهون الشيطان من اعترافه ولا يقبلون شهادة الله تعالى عليه .


أما اعتراف الشيطان فهو في مواضع كثيرة منها قوله " ان الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فاخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان الا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم " ( 1 ) وأما شهادة الله لهم عليه بذلك فهو في مواضع منها

قوله تعالى " الشيطان سول وأملى لهم " ( 2 ) فردوا على الله شهادته ونزهوا الشيطان عن اعترافه بضلالهم وغرورهم وقالوا : ما أضلهم الا لله .


ومن طرائف اعذارهم يوم القيامة بما يدل على تنزيه الله من أفعال عباده قولهم " ربنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فاضلونا السبيلا ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا " ( 3 ) فلو كان هؤلاء قد وجدوا يوم القيامة ان الذين أضلهم في الدنيا هو

الله وحده ما كانوا اعترفوا به على أنفسهم ولا ادعوه على ساداتهم وكبرائهم ، ثم لو كانوا قد علموا ان الله تعالى هو المضل لهم فعلى من يدعون ومن يلعنون .


ومن طرائف اعذارهم الدالة تنزيه الله تعالى قولهم " ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والانس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الاسفلين " ( 4 ) فان
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) ابراهيم : 22 . ( 2 ) محمد : 25 . ( 3 ) الاحزاب : 67 و 68 . ( 4 ) فصلت : 29 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 318

كانوا قد علموا أن الله أضلهم فمن يجعلون تحت أقدامهم ، وعلى من هذا التظلم وممن هذا التالم .

ومن طرائف أعذارهم الدالة ايضا على تنزيه الله سبحانه عن افعال عبيده قولهم " وما أضلنا الا المجرمون " ( 1 ) فإذا
كانت هذه أعذارهم وأقوالهم يوم يكشف الاسرار وتحقق الاخبار فهلا اعتذرت المجبرة في الدنيا بذلك وقالوا الان من

الاعذار ما يريدون ان يقولوه يوم القيامة ، ولو كانت أعمالهم من الله جل جلاله كانوا قد اعتذروا إليه سبحانه تعالى بذلك أو كان يعتذر به بعضهم ويقولون يا ربنا أنت منعتنا من الايمان وخلقت فينا الظلم والعدوان ، فاي ذنب لنا ، فان كتابكم يشهد

أن بعض الخلائق يكابرون الله ويجحدونه حتى يقولوا " والله ربنا ما كنا مشركين " فقال " انظر كيف كذبوا على أنفسهم " ( 2 ) وقال في كتابهم " يحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شئ " ( 3 ) فمن أقدم على هذه المكابرة لله بالكذب ؟

لو كان يعلم ان الله تعالى فعل ذلك ، ما كان يحتاج الى هذه المكابرة ، وكان يقدر أن يقول له يا رب أنت فعلت ونحن ما فعلنا شيئا .


ومن طرائف ذلك قوله تعالى " أنظر كيف كذبوا على أنفسهم " يدل على تعجبه منهم كيف انكروا أنهم أشركوا ، فلو كان هو الذى فعل فيهم الشرك وقضاه عليهم فممن كان يتعجب ، وان كان هو الذي قهرهم يوم القيامة على هذا الجحود والانكار فهل كان يقع من أحكم الحاكمين وأعدل العادلين أنه يتعجب منهم ؟ وهو الذى فعله ؟ وهل يكون التعجب على قولهم الا من نفسه
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الشعراء : 99 ( 2 ) الانعام : 23 و 24 . ( 3 ) المجادلة : 18 . ( * )

 

    

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 319

تعالى الله عما سلكته المجبرة من سوء المسالك وعظيم المهالك .

ومن طرائف ما يدل على بطلان قول المجبرة ما تضمنه كتابهم في قوله " ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما " ( 1 ) فان كان هو الذي قتل المؤمن وقضاه وقهر عليه فعلى من يغضب

ولمن يتهدد ويلعن ، وكذا قوله " فلما آسفونا انتقمنا منهم " ( 2 ) يعنى أغضبونا ، فلو كان هو الذي فعل أفعالهم لكان هو الذي أغضب نفسه والا فمن اغضبه وآسفه ، فما أقبح قول المجبرة وما اسخفه .


( قال عبد المحمود ) : والله أيها المجبرة اني أستقبح لكم أن تجحدوا حقوق الله عليكم واحسانه اليكم وتتركوا ما يلزمكم من لتعظيم الالهيته وما يجب من العبودية في خدمته ، وتنزهون أنفسكم والشيطان وساداتكم وكبراءكم ومن أضلكم من الجن

والانس والمجرمين وتبرئونهم من الكفر والمعاصي والرذائل وتنسبوها الى الله جل جلاله ، لا تفعلوا واستحيوا من ربكم وتادبوا معه وتوبوا إليه من هذا الاعتقاد قبل يوم المعاد فانه يقبل التوبة عن عباده ويحب التوابين ، فانكم على خطر عظيم في الدنيا والدين .

وقد شمت بكم أهل الذمة وسائر من عرف حالكم من أهل الملل الشاهدة لله بالعدل وصرتم مضحكة لهم وزهدتم أعدائكم في الاسلام ، وصاروا يعتذرون اليكم بما ذكرتموه عن الله من كونه يضل عباده ويقولون لكم ما يخلينا ربكم نتبع ما تريدون

ونقبل ما تشيرون ، وإذا خلا أهل الذمة وجماعة من أهل العدل في مجالسهم فكثيرا بكم يستهزؤن وعليكم يضحكون . ولله در ابن الحجاج حيث يقول :
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) النساء : 93 . ( 2 ) الزخرف : 55 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 320

المجبرون يجادلون بباطل * وخلاف ما يجدونه في القرآن
كل مقالتها الاله أضلني * وأرادني ما كان عنه نهاني
أيقرل ربك للخلائق آمنوا * جهرا ويجبرهم على العصيان

ان صح ذا فتعوذوا من ربكم وذروا تعوذكم من الشيطان ومن طرائف ما تكثر المجبرة الاحتجاج به لانفسها قوله تعالي " لا يسئل عما يفعل وهم يسالون " ( 1 ) وما أرى لهم في ذلك عذرا ولا حجة لانه لا يسال عما يفعل وكذلك يقول أهل العدل

لانهم يقولون ان الافعال التي يفعلها سبحانه فانه لا يسال عنها ، فمن أين ثبت ان أفعال العباد المنكرة التي يقع منهم عيانا و مشاهدة أنها في ى باطن الحال واقعة من الله ؟ وأن عباده منزهون عنها ؟ حتى يحتجون لكفرهم وظلمهم وقبائحهم بقوله لا

يسئل عما يفعل ثم والى من اشار بقوله وهم يسالون وعند المجبرة لا فاعل سواه ، فمن هم الذين يسالون ؟ وهذا الكلام
المحكم يشهد تصريحا وتحقيقا ان ما يختص به من الافعال لا يسال عنها ، وما تختص به عباده من الافعال فانهم يسالون

عن ذلك ، ولو كان هو فاعلا لافعال عباده كافعال نفسه لكانت متساوية في أنها لا يسال عما يفعل عن جميعها ، وهذا واضح لمن كان له أدنى عقل وسلم من ظلمة الجهل .


ومن طرائف أخبار المجبرة الشائع بينهم الذي يعتمد كثير منهم عليه ، وقد رووه وسبروه وسطروه عن نبيهم ويشهد العقل والاعتبار أن نبيهم ما قاله ولا سمعه منه أحد ، ولان كان قاله ليكون له تأويل غير ما يذكرونه ، وهو أنهم ذكروا ان الله

قبض من ظهر آدم ذريته وقال : هؤلاء الى النار ولا أبالي ، وقبض قبضة أخرى وقال : هؤلاء الى الجنة ولا أبالي .

وقد ذكر الغزالي الحديث في كتاب احياء علوم الدين في عدة مواضع ،

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الانبياء : 23 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 321

فمنها في الكتاب المذكور في كتاب الرجاء والخوف في أواخر قول الغزالي بيان اقسام الخوف بالاضافة الى ما يخاف منه ، فقال الغزالي في تشبيه عدم رحمة الله بعباده وقسوته عليهم وقلة مبالاته بهلاكهم ما هذا لفظه : ان السبع يخاف لا لجناية

سبقت إليه منك بل لصفته وبطشته وسطوته وكبره وهيبته ، ولانه يفعل ما يفعل ولا يبالي ، فان قتلك لم يرق قلبه ولا يتالم بقتلك وان خلاك لم يخلك شفقة عليك وابقاء على روحك بل أنت عنده أخس من ان يلتفت اليك حيا كنت أو ميتا ، بل اهلاك

ألف مثلك واهلاك نملة عنده على وتيرة واحدة ، إذ لا يقدح ذلك في عالم سبعيته وما هو موصوف به من قدرته وسطوته ، ولله المثل الاعلى ، ولكن من عرفه عرف بالمشاهدة الباطنة التي هي أقوى وأوثق وأجلى من المشاهدة الظاهرة أنه صادق

في قوله : هؤلاء الى الجنة ولا أبالي وهؤلاء الى النار ولا أبالي ، ويكفيك من موجبات الهيبة والخوف المعرفة بالاستغناء وعدم المبالاة ( 1 ) .


( قال عبد المحمود ) :
أنظر رحمك الله الى هذا الخبر الذى قد تلقاه هذا الشيخ الموصوف بالعقل والفضل بالقبول ، ثم ما
كفاه ذلك حتى ادعى أنه يعلم ذلك بالباطن ، وما أدري كيف التبس بطلان الخبر عليه وعلى هؤلاء الاربعة المذاهب وكل

العقلاء مجمعون مع اختلاف مللهم وعقائدهم ان الله تعالى أرحم الراحمين ، وشهد المسلمون أن الانبياء يشهدون ان الله ارحم الراحمين ، فمن ذلك في كتابهم قول موسى عليه السلام " رب اغفر لى ولاخى وادخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين " ( 2 ) .

ومن ذلك قول يوسف عليه السلام " اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين " ( 3 )

 

* ( هامش ) *
( 1 ) احياء علوم الدين : 4 / 159 - 160 . ( 2 ) الاعراف : 151 . ( 3 ) يوسف : 92 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 322

ومن ذلك قول أيوب عليه السلام " رب اني مسنى الضر وأنت أرحم الراحمين " ( 1 ) .

فكيف صدق هؤلاء الاربعة المذاهب ان نبيهم ياتي بهذه الصفة العظيمة في الرحمة عن الله ويقول عن أرحم الراحمين انه
خلق خلقا لم يعصوه فيما مضى ولا يعصونه فيما يستقبل ولم يجعل لهم اختيارا في أنفسهم كما زعمت المجبرة بل كلما يقع

منهم فانه منه ، ثم يحملهم الى النار ليعذبهم على غير الذنب أبد الابدين ويقول هؤلاء الى النار ولا أبالي ، ان لا يليق ذكره من رحيم فكيف من أرحم الراحمين . ويدل على بطلان هذا الخبر ما رواه هؤلاء القوم في صحاحهم عن ثقات رجالهم .


فمن ذلك ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الحادى والعشرين من أفراد مسلم في مسند عمر بن الخطاب قال : قدم على رسول الله " ص " بسبي ، فإذا امراة من السبي تسعى ، إذا وجدت صبيا في السبي أخذته فالصقته ببطنها

وأرضعته ، فقال لنا رسول الله " ص " : أترون هذه المراة طارحة ولدها في النار ؟ قلنا : لا والله وهي تقدر على أن لا تطرحه ، فقال رسول الله : الله أرحم بعباده من هذه المراة بولدها ( 2 ) .


( قال عبد المحمود ) : من يروى مثل هذا الخبر في وصف الله تعالى بهذه الرافة والرحمة كيف يصدق قائلا ينقل هؤلاء الى النار ولا أبالي على ما فسروه .


ومن ذلك ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين أيضا في الحديث السادس عشر من المتفق عليه من مسند أبي هريرة من حديث عطاء بن أبي رياح عن أبي هريرة عن النبي " ص " قال : ان لله مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الانبياء : 83 . ( 2 ) مسلم في صحيحه : 4 / 2109 كتاب التوبة . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 323

بين الجن والانس والبهائم والهوام ، فبها يتعاطفون وبها يتراحمون وبها تعطف الوحش على ولدها ، وأخر الله تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة ( 1 ) .


( قال عبد المحمود ) : فهل ترى أيها العاقل هذه صفة من يقول هؤلاء الى النار ولا ابالي .


ومن ذلك ما روا الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث السادس والعشرين بعد المائة من أفراد مسلم من مسند أبي هريرة قال : قال رسول الله " ص " ان الله عز وجل يقول يوم القيامة : يابن آدم مرضت فلم تعدني ، قال : يا رب كيف

أعودك ؟ وأنت رب العالمين . قال : أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده ، أما علمت انك لو عدته لوجدتني عنده ؟ يابن آدم استطعمتك فلم تطعمني . قال : يا رب وكيف أطعمك ؟ وأنت رب العالمين . قال : أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان

فلم تطعمه ؟ أما علمت انك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي يابن آدم استسقيتك فلم تسقنى . قال : يا رب كيف أسقيك ؟ وأنت رب العالمين قال : استسقاك عبدي فلان فلم تسقه ، أما علمت انك لو سقيته وجدت ذلك عندي ( 2 ) .


( قال عبد المحمود ) : أنظر أيها العاقل كيف بلغت رحمة الله بعباده الى أن جعل ما يصل الى مريضهم وجائعهم وعطشانهم كانه واصل إليه ، أما هذا من كمال رحمته لهم وعنايته بهم وشفقته عليهم ، أفيليق أن يقال عن هذا الرب الرحيم انه قال هؤلاء الى النار ولا ابالي .


ومن ذلك ما رواه الحميدي في الجمع الصحيحين في الحديث الحادى

 

* ( هامش ) *
( 1 ) روا مسلم في صحيحه : 4 / 2108 . ( 2 ) مسلم في صحيحه : 4 / 1990 كتاب البر والصلة . ( * )

 

  

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 324

والثلاثين من المتفق عليه من مسند عبد الله بن مسعود قال : سمعت رسول الله " ص " يقول : لله أشد فرحا بتوبة عبده
المؤمن من رجل نزل في أرض دوية مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه ، فوضع راسه فنام نومة فاستيقظ وقد ذهبت

راحلته ، فطلبها حتى أدركه العطش ، ثم قال : أرجع الى مكاني الذى كنت فيه ، فانام حتى أموت ، فوضع راسه على ساعده ليموت ، فاستيقظ وعنده راحلته وعليها زاده وطعامه وشرابه ، فالله أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته عنده عليها زاده ( 1 ) .

ورواه أيضا الحميدى من مسند براء بن عازب في الحديث السادس من أفراد مسلم ( 2 ) .

وروى الحميدي أيضا نحو ذلك من مسند النعمان بن بشير في الحديث الاول من أفراد مسلم ( 3 ) .

وروى الحميدي أيضا نحو ذلك في الحديث الثالث بعد المائة من المتفق عليه من مسند أنس بن مالك ( 4 ) .


( قال عبد المحمود ) : فمن تبلغ رحمته الى هذه الغاية كيف يقال عنه انه قال : هؤلاء الى النار ولا ابالى ، ما أقبح مناقضة هؤلاء الاربعة المذاهب في أقوالهم وما أطرف استمرارهم على ضلالهم . ومن طرائف ما وقفت عليه في الجمع بين

الصحيحين للحميدي في مسند عمر بن الخطاب في الحديث الرابع من أفراد مسلم المتضمن ان أول من قال بالقدر بالبصرة معبد الجهنى ، وان يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن الحميدي لقيا عبد الله بن عمر بن الخطاب فسالاه فصدق المعبد الجهنى . وفي أواخر الحديث عن ابن عمر قال : حدثني عمر بن الخطاب ان
 

 

* ( هامش ) *
( 1 - 4 ) رواه مسلم في صحيحه : 4 / 2103 الباب الاول من كتاب التوبة . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 325

رسول الله " ص " قال : التقى آدم وموسى فقال موسى : أنت يا آدم الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة ؟ فقال له آدم : أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وكلامه وأنزل عليك التوراة . قال : نعم . فقال : فوجدت قدره علي قبل أن يخلقني فحج آدم موسى .

ورواه الحميدي من عدة طرق لهذا الحديث من مسند أبي هريرة في الحديث الخامس والتسعين ( 1 ) .

( قال عبد المحمود ) : قد استطرفت رواية عمر لهذا الحديث عن نبيهم ، لانه ينقض بعضه بعضا ، ويشهد حال نبيهم انه ما قال ذلك ، واهل بيت نبيهم الذين امر بالتمسك بهم ينكرون تصديق هذا الحديث لانه إذا كانت الافعال والاقوال عند آدم

وموسى كما يقوله المجبرة من الله وحده وليس لاحد من عباده فيها شئ ، وان آدم وموسى ما فعلا شيئا ، فكيف انكر موسى على آدم ؟ وكيف تكلف آدم جواب موسى ؟ وكيف يقول محمد " ص " نبيهم فحج آدم وموسى ويستحسن محمد " ص "

ذلك . هذا لا يصدقه عارف بمحمد " ص " انه قاله أو تحدث به ، لانه إذا كان لا فاعل سوى الله فكلام آدم وفعله من الله وكلام موسى وفعله من الله تعالى ، فاي معنى لقولهم من نبيهم فحج آدم موسى . وانما يكون على قولهم قد حج الله نفسه

وغلب نفسه ، وان كانت المجبرة تتجاهل الى ان تقول ان الله قهر الثلاثة الانبياء آدم وموسى ومحمد " ص " ا عليهم السلام على ترك الرضا بقضائه وقدره ، وقهر محمدا " ص " على ان يقول فحج آدم موسى ، وما يكون قد حجه فقد اقدموا على تكذيب نبيهم وادعوا ان الله قهره على ان يقول غير الحق ، وكفى المجبرة بذلك فضيحة في الدنيا
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) راجع صحيح مسلم : 4 / 2042 كتاب القدر . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 326

والاخرة ، وكفانا شماتة بهم بمثل هذا فثبت ان الحديث ما قاله نبيهم وانه كذب عليه وكتابهم يتضمن " وما ينطق عن الهوى * ان هو الا وحى يوحى " ( 1 ) فالكاذب عليه كاذب على الله ،

وكتابهم يتضمن " ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة " ( 2 ) وكيف حسن من هؤلاء الاربعة المذاهب الذين يصححون هذا الخبر ان يقولوا عن خليفتهم عمر مثل ذلك .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) النجم : 3 . ( 2 ) الزمر : 60 . ( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

صفحة الكتب

 

فهرس الكتاب