حكايات من المجبرة واحتجاجات عليهم

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 326

حكايات من المجبرة واحتجاجات عليهم


ومن طريف محاسن حكايات جرت لبعض أهل العدل ما روى عن شيخ الاسلام بعد نبيهم وسيفه امته وحافظ ناموسه على بن أبى طالب عليه السلام فيما حكاه في القضاء والعدل عنه الخوارزمي في كتاب الفائق ، وهذا الخوارزمي من جملة علماء

الاربعة المذاهب قال : عن أصبغ بن نباتة قال : قام الى علي بن أبى طالب عليه السلام شيخ بعد انصرافه من صفين ، فقال : أخبرنا يا أمير المؤمنين عن مسيرنا الى الشام أكان بقضاء الله وقدره ؟ قال علي عليه السلام : والذى فلق الحبة وبرئ

النسمة ما وطئنا موطئا ولا هبطنا واديا ولا علونا تلعة الا بقضاء وقدر . فقال الشيخ : عند الله احتسب عناي ، ما أرى لى من الاحر شيئا . فقال له : مه ! أيها الشيخ ، بل الله أعظم أجركم في مسيركم وأنتم سائرون وفى منصرفكم وانتم منصرفون ،

ولم تكونوا في حال من حالاتكم مكرهين ولا إليها مضطرين . فقال الشيخ وكيف والقضاء والقدر ساقنا ؟ فقال : ويحك ظننت قضاء
 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 327

لازما وقدرا حتما ، لو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب والوعد والوعيد والامر والنهى ، ولم يات لائمة من الله لمذنب ولا محمدة لمحسن ، ولم يكن المحسن أولى بالمدح من المسئ ولا المسئ أولى بالذم من المحسن ، تلك مقالة عبدة الاوثان

وجنود الشيطان وشهود الزور وأهل العمى عن الصواب ، وهم قدرية هذه الامة ومجوسها ، ان الله تعالى أمر تخييرا ونهى تحذيرا وكلف يسرا ، ولم يكلف عسرا ولم يعص مغلوبا ولم يطع مكرها ولم يرسل الرسل الى خلقه عبثا ولم يخلق السماوات

والارض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار . فقال الشيخ : وما القضاء والقدر اللذان ما سرنا الا بهما . قال : هو الامر من الله تعالى والحكم ، ثم تلا قوله " وقضى ربك ألا تعبدوا الا اياه " ( 1 )

فنهض الشيخ مسرورا وهو يقول :

أنت الامام الذى نرجو بطاعته * يوم النشور من الرحمن رضوانا
أوضحت من ديننا ما كان ملتبسا * جزاك ربك عنا فيه أحسانا ( 2 )


ومن الحكايات المذكورة ما رواه كثير من المسلمين عن الامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام من عترة نبيهم أنه قال يوما لبعض المجبرة : هل يكون أحد أقبل للعذر الصحيح من الله ؟ فقال : لا . فقال له : فما تقول فيمن قال ما أقدر وهو لا

يقدر ، أيكون معذورا أم لا ؟ فقال المجبر : يكون معذورا . قال له : فإذا كان الله يعلم من عباده أنهم ما قدروا على طاعته وقال لسان حالهم أو مقالهم لله يوم القيامة : يا رب ما قدرنا على طاعتك لانك منعتنا منها ، أما يكون قولهم وعذرهم صحيحا على قول المجبرة ؟ قال : بلى والله . قال : فيجب
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الاسراء : 23 . ( 2 ) نقله الصدوق في عيون أخبار الرضا : 1 / 139 ، والبحار : 5 / 75 عن الشافي . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 328

على قولك ان الله يقبل هذا العذر الصحيح ولا يؤاخذ أحدا أبدا ، وهذا خلاف قول أهل الملل كلهم فتاب المجبرة من قوله بالجبر في الحال ( 1 ) .


ومن الحكايات المشار إليها ما روى في كتب المسلمين ان أبا حنيفة صاحب المذهب اجتاز على موسى بن جعفر المعروف بالكاظم عليه السلام وهو من علماء عترة نبيهم وكان يكتب ، فاراد أبو حنيفة أمتحانه فقال له : المعصية ممن ؟ فقال له

موسى عليه السلام : اجلس حتى أخبرك ، فجلس أبو حنيفة بين يديه : فقال موسى بن جعفر عليهما السلام : لا بد أن يكون المعصية من العبد أو من ربه تعالى أو منهما جميعا ، فان كانت من الله فهو أعدل وأنصف من أن يظلم عبده الضعيف ويأخذه

بما لم يفعله ، وان كانت المعصية منهما فهو شريكه والقوى أولى بانصاف عبده الضعيف ، وان كانت المعصية من العبد
وحده فعليه وقع الامر واليه توجه النهى وله حق الثواب والعقاب ووجبت له الجنة أو النار . فقال أبو حنيفة : ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم . وقد نظم بعض شعراء أهل البيت ذلك فقال :

لم تخل أفعالنا اللاتى نذم بها * أحدى ثلاث خصال حين ناتيها
أما تفرد بارينا بصنعتها * فيسقط اللوم عنا حين نبديها
أو كان يشركنا فيها فيلحقه * ما سوف يلحقنا من لائم
أو لم يكن لالهى في جنايتها * ذنب فما الذنب الا ذنب جانيها ( 2 )


ومن الحكايات المشهورة المشار إليها ما روى عن بعض أهل العدل ان رجلا من المجبرة ساله عن آية في كتابهم ظاهرها ان الله أضلهم ، فقال له العدلي : ان تفصيل الجواب يطول عليك وربما لا تفهمه ولا تحفظه ، ولكن عرفني
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) راجع البحار : 5 / 58 . ( 2 ) نقل نحوه الصدوق في عيون أخبار الرضا : 1 / 138 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 329

ما تعتقد أنت وسائر المسلمين ان القرآن الذى نزل عليكم حجة لمحمد " ص " نبيكم على الكافرين والعاصين . فقال : بلى . فقال العدلي : فلو كان باطن الايات التى يتعلق بها المجبرة مثل ظاهره وان الله تعالى منع الكفار من الايمان والاسلام ومنع

العصاة من الطاعة ، فكان يكون القرآن حجة للكفار والعصاة على محمد " ص " نبيكم ، وكانوا يستغنون بهذه الايات عن محاربته وقتل أنفسهم ، ويقولون ان ربك الذي جئت برسالته وكتابك الذى جئت به يشهدان أن الله قد منعنا من الاسلام

والطاعة ، فلا تظلمنا وقل لربك يتركنا ان نقبل منك ونسلم لك ، فكان القرآن حجة الكفار على المسلمين وعليه فتقطع حجته وهذا خلاف مذهب الاسلام ، فاذعن العقل أن لهذه الايات معنى يليق بالعدل ويناسب الرحمة والانعام ، فانقطع المجبر .


ومن الحكايات المشار إليها ما رواه جماعة من العلماء أن الحجاج بن يوسف كتب الى الحسن البصري والى عمر وبن عبيد والى واصل بن عطاء والى عامر الشعبى ، أن يذكروا ما عندهم وما وصل إليهم في القضاء والقدر ، فكتب إليه الحسن

البصري : ان أحسن ما سمعت من أمير المؤمنين علي بن أبى طالب عليه السلام أنه قال : يا بن آدم أتظن ان الذى نهاك
دهاك ، وانما دهاك أسفلك وأعلاك والله برئ من ذلك . وكتب إليه عمرو بن عبيد : أحسن ما سمعت في القضاء والقدر قول

علي بن أبى طالب عليه السلام : لو كان الوزر في الاصل محتوما كان الموزور في القصاص مظلوما . وكتب إليه واصل بن عطاء : أحسن ما سمعت في القضاء والقدر قول أمير المؤمنين على بن أبى طالب عليه السلام انه قال : أيدلك على الطريق وياخذ عليك المضيق .


وكتب إليه الشعبى : أحسن ما سمعت في القضاء والقدر قول أمير المؤمنين على بن أبى طالب عليه السلام انه قال : كلما
 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 330

استغفرت الله تعالى منه فهو منك وكل ما حمدت الله تعالى فهو منه ، فلما وصلت كتبهم الى الحجاج ووقف عليها قال : لقد أخذوها من عين صافية ، مع ما كان عند الحجاج معه من العداوة والامور الواهية .


ومن الحكايات المشار إليها ما روى ان رجلا سال جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام عن القضاء والقدر فقال : ما استطعت ان تلوم العبد عليه فهو منه ولم تستطع ان تلوم العبد عليه فهو من فعل الله ، يقول الله تعالى للعبد : لم عصيت ؟ لم فسقت : لم شربت الخمر ؟ لم زنيت ؟ فهذا فعل العبد ، ولا يقول له : لم مرضت ، لم علوت ؟ لم قصرت ؟ لم ابيضضت ؟ لم اسوددت ؟ لانه من فعل الله تعالى ( 1 ) .


ومن الحكايات أيضا ما روي ان الفضل بن سهل سال على بن موسى الرضا عليه السلام بين يدي المأمون فقال : يا أبا الحسن الخلق مجبورون ؟ فقال : الله أعدل من أن يجبر خلقه ثم يعذبهم ، قال : فمطلقون ؟ قال : الله أحكم من أن يهمل عبده ويكله الى نفسه ( 2 ) .


ومن الحكايات ايضا ما روى أنه قيل للمجبرة نرى الله تعالى قد استعظم في القرآن قول المشركين والكافرين فقال " تكاد السماوات يتفطرن وتنشق الارض وتخر الجبال هدا " ( 3 ) ونحو ذلك مما استعظمه في الكتاب العزيز الذي لا يستطيع

الجبرية له دفعا ولا ردا ، فإذا كان كل فعل وقول وقع منه وصدر عنه فكيف تقبل العقول السليمة والاذهان المستقيمة انه
جل جلاله يستعظم فعل نفسه على صورة الانكار والاستكبار ويبلغ الى هذه الغاية من الاستعظام والاستكبار فلم يكن لاحدهم جوابا .

 

* ( هامش ) *
( 1 - 2 ) البحار : 5 / 59 . ( 3 ) مريم : 90 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 331

ومن الحكاية في ذلك ما روي أن بعض أهل العدل وقف على جماعة من المجبرة فقال لهم ما معناه هذا : أنا ما أعرف المجادلة والاطالة ، لكني أسمع في القرآن قوله تعالى " كلما أوقدوا نارا للحرب أطفاها الله " ( 1 ) ومفهوم هذا الكلام

عند كل عاقل ان الموقد للنار غير الله تعالى وان المطفئ لها هو الله ، فكيف تقبل العقول ان الكل منه ؟ وان الموقد هو المطفئ لها . فانقطعوا ولم يردوا جوابا .


ومن الحكايات أيضا أنه قيل للمجبرة : اننا نرى الله تعالى يقول " قد أفلح من زكها * وقد خاب من دسيها " من هذا الشخص الذي يكون مصداقا لقوله قد خاب ؟ فما كان له جواب .


ومن الحكايات المأثورة ما يقال أن بعض أهل العدل اجتاز على بعض المجبرة والعدلي راكب ، فقال له الجبري : انزل حتى أسالك مسالة ، فقال له العدلي : أفتقدر أن تسألني ؟ قال : لا . قال : افاقدر ان أسالك أو أجيبك ؟ قال لا . قال : فكيف يطلب نزولي من لا يقدر على سؤالي ولا أقدر على نزولي عنده ولا جوابه ، فانقطع الجبري .


ومن الحكايات المأثورة ان عدليا قال لمجبر : ممن الحق ؟ قال : من الله فقال له : فمن هو المحق . قال : هو الله . قال له : فممن الباطل ؟ قال : من الله . قال : فمن هو المبطل ؟ فانقطع الجبري ولم يقدر على أن يقول ان الله تعالى هو المبطل ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، فكان يلزمه ذلك على راي المجبرة .


ومن الحكايات المأثورة ان مجبرا وعدليا اجتمعا للمناظرة وجعلا بينهما حكما ، فقال العدلي للجبري : هل من شئ غير الله وما خلق ؟ قال الجبري : لا . قال العدلي : فهل يعذب الكفار والعصاة على أنه خلقهم . قال الجبري : لا . قال : يعذبهم على أنه ما خلقهم ؟ قال : لا . قال : فعلا م يعذبهم ؟ قال :
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) المائدة : 64 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 332

لمعصيتهم اياه . قال العدلي : فقد جعلت ههنا شيئا ثالثا وأنت قلت انه ليس في الوجود شئ غير الله وما خلق فهذا قولك يعصى من هو العاصى ، فانقطع الجبري وحكم الحاكم بينهما بانقطاع الجبري .


ومن الحكايات المأثورة ان جماعة من اليهود اجتمعوا الى أبى بحر الخاقاني وقالوا له ما معناه : أنت سلطان عادل ومنصف من المسلمين وفي بلدك المجبرة وهم الذين يعولون عليهم في الاقوال والافعال . وهم يشهدون لنا اننا لا نقدر على الاسلام

ولا على الايمان ، فكيف تؤخذ الجزية من قوم لا يقدرون على الاسلام ولا الايمان ؟ فجمع المجبرة وقال لهم : ما تقولون فيما قد ذكره اليهود من احتجاجهم عليكم ؟ فقالوا : كذا نقول وانهم لا يقدرون على الاسلام والايمان ، فطالبهم بالدليل على قولهم فلم يقدروا عليه ، فنفاهم ( 1 ) .


( قال عبد المحمود ) مؤلف هذا الكتاب : ومما يقال للمجبرة انا نسمع الله جل جلاله قد طلب التوبة من العباد ، وقد تاب قوم وامتنع آخرون والقرآن والاخبار مملوءة من ذلك وشاهدة به ، فان كانت الافعال فلم يطلب التوبة من غيره ؟

وان كانت التوبة منه أو كان شريكا للعبد في الافعال جل وعلا عن قول الظالمين فليت شعري مما ذا تاب ؟ وان لم يكن التوبة منه ولا من غيره من العباد فمن هذا التائب النادم ؟ ومن هذا المصر الممتنع من التوبة ؟ انني أرى المجبرة على صفة عجيبة من الجهالة وغريبة عظيمة من الضلالة .


ومما يقال للمجبرة : قد رحمناكم لشدة غفلتكم ، وخاصة الذين يقولون منكم لا فاعل سوى الله تعالى ، ثم يقولون ان العبد غير مختار وانه مضطر فيما يصدر عنه ، ويا لله والعجب من جهالاتكم إذا كان لا فاعل سوى الله تعالى وعندكم وعند كافة أهل الاسلام ان الله تعالى مختار غير مضطر ولا ملجا ، وكيف صارت
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) البحار : 5 / 60 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 333

أفعاله الصادرة عن العباد في الصورة وهي صادرة عنه في التحقيق خارجة عن حكم اختياره وبطل على قولكم كونه مختارا وصرتم الى مذهب الفلاسفة في انه جل وعلا غير مختار .


ومما يقال : لمن قال ان الفعل مقضي على العباد تفسير المجبرة أوضح معنى قولك انه مقضي ، أتريد ان الفعل من الله تعالى في التحقيق وقضاه على عبده أم لا ؟ فان أردت ان الله قضاه وهو فعل له سبحانه فإذا كان العبد ما استقل بالفعل ولا قام به

وان الله تعالى هو الفاعل له حقيقة ، فكيف يصير مقضيا لانه ليس ههنا عبد فاعل عندهم أصلا حتى يكون فعل هذا العبد مقضيا عليه الا هو عندهم فعل الله ، فليت شعرى ومن قضى الفعل على الله حتى يسمى مقضيا وان أردت أن الله ما انفرد

بالفعل فقد تركت مذهبك وعدت الى العدل والحمد لله ، وما يصير الفعل مقضيا بالتفسير يفسرونه ، لانه لا يصح أن يقال ان العبد جعل نفسه مجبرا مقهورا في حال كونه مختارا وقضاه على نفسه - فسره المجبرة .


ومما يقال للمجبرة : وهو من طرائف ما يحتج به عليهم أنه لو كان الامر كما تقول المجبرة من أن كلما في الوجود من الافعال والاحوال الصادرة عن بني آدم انها أفعال الله خاصة ما كان قد ورد في القرآن ولا في السنة لفظ ضلال أحد ولا

كفره وفاحشة ولا منكر ولا فساد ولا ظلم ولا عناد ولا غير ذلك من أنواع النقائص والرذائل ، ولا كان يوجد كافر ولا
جاحد ولا معاند ولا كان يقع في الكفار سب لله تعالى ولا لانبيائه ، بل ما كان يقع بين اثنين والاكثر سباب ولا افتراق ولا

منازعة ولا شقاق ، لانه إذا كان كل ذلك من الله تعالى فكله هدى وايمان وصلاح ووفاق وتمام واتفاق ولانه ما كان الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا يسب نفسه ولا يجحد نفسه ولا يعاند نفسه ولا يعاقب نفسه ولا يخالف نفسه ولا يعادى
 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 334

نفسه ولا ينازع نفسه ولا يذم نفسه ، لانه إذا كان الكل منه فهذه المنازعات والمناقضات بين من ومن ولمن ، وإذا اعتبرت أفعال العباد وما جرى منها ويجرى فيها من الفساد والنقائص والتضاد علمت على اليقين انها ليست أفعال اله واحد وفاعل واحد قد أطبق العارفون به انه أحكم الحاكمين فكيف التبس ذلك على من يقال انه من عقلاء المسلمين .


ومن عجيب ما يقطع به المجبرة عن المناظرة أن يقال له : هذه المناظرة بينى وبينك في التحقيق أو بين الله تعالى وبين نفسه ، فان كانت بينى وبينك فقد بطل ما تدعونه من انه لا فاعل سوى الله تعالى ، وان كانت المناظرة بين الله تعالى وبين نفسه فهل

تقبل العقول ان الله تعالى يناظر نفسه ليغلب نفسه ويعجز نفسه ، ولان المناظرين إذا كان أحدهما محقا والاخر مبطلا و
أحدهما عالما والاخر جاهلا وكانت المناظرة كما زعموا بين الله تعالى ونفسه فكيف يتصور أن يكون الله تعالى عما يقولون

علوا كبيرا ، من جانب مبطلا ومن جانب محقا ومن جانب يوصف بجهل ومن جانب يوصف بعلم وهو عالم لذاته ، أن هذا قول المجبرة مما لا يقدم عليه عارف بالله تعالى وبذاته وبصفاته .


ومن عجيب ما يقطع المجبرة المذكورة به أن يقال لهم : هذه الشكوك والجهالات التى تحصل للعباد حتى تحوج المناظرة أو اليقين لا ريب انها أفعال ، فان كانت لنا ومنا فقد بطل ما تدعونه من أنه لا فاعل سوى الله تعالى فان قلتم انها من الله تعالى فيكون كفرا صريحا واختلاطا قبيحا .


ومن عجيب ما يقحم به المجبرة الذين يقولون انه لا فاعل سوى الله تعالى وان كل فعل يظهر عن العباد فهو فعل الله تعالى على التحقيق ، ان يقال لهم : ان كل انسان يعلم من نفسه أنه يكون جاهلا ثم يصير عالما ثم يكون شاكا فيصير متيقنا ثم يكون ظانا فيصير عالما ، ولا شبهة عند العقلاء ان الجهل
 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 335

والعلم والشك واليقين والظن والعلم أفعال ، فمن هذا الجاهل ومن هذا الشاك ومن هذا الظان ؟ فان قلتم انه ربكم فقد كفرتم تحقيقا وصار كل منكم بهذا الاعتقاد زنديقا ، وان قلتم انه العبد - وهو الحق - فقد تركتم مذهبكم ورجعتم الى الصدق .


ومن عجيب ما يقحم به المجبرة ان يقال لهم : قد أطبق أهل العقل والفضل من سائر أهل الملل على أن الوجود مشتمل على عبد ومعبود وان العبد مشتق من التعبد والتذلل لمعبوده ، وإذا كان جميع الاعمال والعبادات من فعل الله تحقيقا فاين العبد أيها الجاهلون فلا يبقى على قولهم في الوجود سوى الله تعالى وفعله وذهبت بل استحال الحقيقة للعبد .


( قال عبد المحمود ) مؤلف هذا الكتاب : ولعل بعض من يقف على المبالغة مني في الرد على المجبرة الذين يقولون انه لا فاعل سوى الله تعالى ليقول أو يتوهم ان هذا الاعتقاد لا يعتقد أحد منهم أو يعتقد عوامهم ، وسوف أذكر ما ذكره أعظم علمائهم من الاعتقاد في بالفاظه .


فمن ذلك محمد الخطيب الرازي وهو من أعظم علمائهم مذهبه انه لا يخرج الى الوجود شئ الا بقدرة الله تعالى وان الله
تعالى مريد لجميع الكائنات ، وقد وقفت على ما وصل الينا من تصانيفه فوجدتها جميعا تشهد بذلك وقد ذكر في كتاب

الاربعين وكان قد صنفه لولده العزيز فقال فيه ما هذا لفظه : المسالة الثالثة والعشرون في انه لا يخرج شئ من العدم الى الوجود الا بقدرة الله تعالى ( 1 ) . هذا لفظه .

ثم شرع يتحدث في ذلك ويريد تصحيحه ولا ينكر في انه على قوله يريد النقض على الله بالله والنقص على الله بالله سبحانه وتعالى ، لانه شرع ان المسالة فييها

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الاربعين : 237 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 336

تنازع ، قوم يقولون بقول الرازي وذلك القول من الرازي من الله جل جلاله وقوم يقولون بخلاف قوله ويريدون نقض قوله ونقصانه وهذا النقض والنقصان عند الرازي ايضا من الله .

فعلى قوله هذا يكون الله تعالى قد نقض على نفسه بنفسه ونقص كماله وكمال حجته بنفسه ، ولو فكر فيما بنى عليه زال عن المعارضة لقول أحد ومذهب أحد واعتقاد أحد لان ذلك عنده قول الله ومذهب الله واعتقاد الله ، ولكن الرازي ومن وافقه

وتقدمه من القائلين بانه لا فاعل سوى الله تعالى ربما يقولون في الجواب عما ذكرته الان ما يريد النقض على الله بالله تعالى ولا يلزمه الزوال عن المعارضة ، لانه يزعم ان الذي ينقض على نفسه وينقض نفسه ليس هو الرازي ولا من وافقه ولا من تقدمه من القائلين بقوله ، لان الناقض والمنقوض به منه لانها كلها أفعال والافعال كلها منه .


وإذا بلغوا الى هذه الغاية من ان الله تعالى ينقض على نفسه وينقص نفسه شهد ذلك عليهم بالخروج عن ملة الاسلام واظهار الكفر والالحاد والطعن على الله تعالى وعلى رسوله " ص " لان رسول الله ما جاء رسولا عن رب ينقض على نفسه

وينقص نفسه بغير خلاف عند أهل ملته والمصدقين برسالته ، فان قال أحد منهم ينقض أحدى الدعويين بالاخرى ويثبت أحد ان هذا النقص ما يمكن أن يكون تاما وان ذلك النقص كله لا يسمى نقصا ولا نقضا كابروا العيان وأثروا البهتان .


ومن ذلك قول الرازي ايضا في كتاب الاربعين ما هذا لفظه : المسالة الرابعة والعشرون في بيان ان الله تعالى مريد لجميع الكائنات ، مذهب المعتزلة ان الارادة توافق الامر ، فكل ما أمر الله تعالى به فقد أراده وكل ما نهى عنه فقد كرهه ، ومذهبنا ان الارادة توافق العلم ، فكل ما علم الله وقوعه فهو مراد
 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 337

الوقوع وكل ما علم عدمه فهو مراد العدم ، فعلى هذا ايمان أبى جهل مامور به وغير مراد وكفره منهي عنه وهو مراد . هذا لفظه وقد حكيناه بصورته ( 1 ) .


( قال عبد المحمود ) : لو صح ما قاله الرازي لكان أبو جهل غلب محمدا " ص " وأبطل رسالته إليه ، وكل كافر أيضا بان يقولوا لمحمد ربك ما يريد منا الاسلام وأنت تريده ، واتباع ارادة ربك أوجب من اتباع ارادتك ، وكان قد انقطع محمد

وبانقطاعه ينقطع حجة مرسله ، وان كان الرازي المثكل يزعم أن محمدا " ص " ما يريد أيضا من الكفار الايمان فتكون حجتهم قد ازدادت قوة ويقولون له إذا كان الله الذى أرسلك ما يريد الايمان منا وأنت ما تريده منا فنحن أيضا ما نريد خلاف

أرادتكما ، فعلام تحاربنا وتعادينا وقد وافقت ارادتنا ارادتك وارادة من أرسلك ، فكان أبلغ في ظهور حجة الكفار عليه وانقطاع حجته وحجة مرسله .


وكان أهل الجاهلية أقل كفرا من هذا الاعتقاد ، والجاحدون لله والجاهلون به ما بلغوا الى هذه الغاية من الكفر والفساد ، لان أولئك ما عرفوه فما نسبوا إليه خيرا ولا شرا وهؤلاء المجبرة ادعوا معرفته ونسبوا كل شر وكفر وخير إليه ، فيعز على

الله تعالى وعلى رسوله ما جنى هؤلاء عليه ، وكيف يقبل عقل الذين يعتقدون ان الله تعالى هو الفاعل لافعال العباد ان يكون الله تعالى يبعث رسولا خلقه ويبعث معه ما يقيم أعذارهم في مخالفتهم فعل من أرسله وانهم بريؤن منها ، وهل كان يبقى للرسل حكم أو حجة .


ومن عجيب طرائف المجبرة ان كتبهم بالمهور والديون تتضمن أن المقرين أقروا طوعا في صحة من أمرهم غير مجبرين ولا مكرهين ويكتبون هذا الوصف للمقرين في شريعة الاسلام ومجلس قضائهم بشهادة معدليهم ، ثم يكتبون

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الاربعين : 244 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 338

في آخر كتب المهور أن هذا القادر صالح والقادر هو المختار ، ثم إذا جرى حديث عقيدتهم انكروا ما قد أقروا به وجحدوا ما اعترفوا باثباته وادعوا ان المقرين مجبرون ومكرهون وما لهم اختيار ولا فعل ، ولا يفكرون في هذه المناقضات ولا لهم من يغافلهم عليها .


ومن طرائف ما يلزم الرازي واهل مذهبه القائلين بانه لا فاعل سوى الله تعالى ان يكون قولهم مثل قول النصارى في عيسى بن مريم عليه السلام والنصيرية في علي بن أبى طالب عليه السلام ، لان عقلاء النصارى وعقلاء النصيرية ما كان يخفى

عنهم ان لحم عيسى ولحم على عليه السلام وعظمهما وجسدهما هو الله جل جلاله ، ولا أن الله تعالى صورة مجسمة ، بل
لما راوا الاعمال الصادرة عن عيسى وعلى عليه السلام الخارقة للعادات يستحيل وقوعها من نفس البشر وانها افعال اله

قادر بالذات ، فنسبوا تلك الافعال الصادرة من عيسى وعلي عليه السلام الى أنها فعل الله تعالى ، فيلزمهم التصديق للنصارى والنصيرية في أن أفعال عيسى وافعال علي عليه السلام فعل الله تعالى ولا فاعل سوى الله تعالى الذى يستحق العبادة .

فهل ترى قول الرازي وأهل مذهبه في انه لا فاعل سوى الله الا قول النصارى والنصيرية وان حالهم كحالهم .


ومن عجيب ما بلغني ان محمد بن الخطيب الرازي المذكور تحدى يوما على علماء العالمين وأعجبته نفسه لحفظه للالفاظ وصياغته للمباني ، وما أدري انه ليس كل من حفظ لفظا عرف معناه واستوفاه ، وقد سمى الله تعالى الذين حفظوا الالفاظ ولم يراعوا المعاني بالحمار فقال " مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا " ( 1 ) .

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الجمعة : 5 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 339

وما علم الرازي أيضا انه ليس كل من صاغ حلية أو بني بناء عرف قيمة الجواهر وسائر الات البناء ومن حررها ودبرها وبدأها بالانشاء ، فلما تحدى الرازي العلماء بلغ ذلك الى بعض الزهاد من لسان بعض تلامذة الرازي فقال له الزاهد للتلميذ

استادك الرازي لا يعرف الله ، فثقل على التلميذ ذلك وقال للزاهد : عن اذنك اعرفه . فقال الزاهد : نعم ، فعرفه التلميذ الرازي فركب في جمعه ومماليكه وكان صاحب دنيا وسيعة وجاء الى الزاهد فقال له : قد بلغني عنك أنك انني لا أعرف الله

تعالى . فقال الزاهد : نعم قلت . فقال له الرازي من أين عرفت اننى لا أعرف الله تعالى ؟ فقال له الزاهد : لانك لو عرفته كما تدعي كمال المعرفة والتحقيق شغلتك معرفته وخدمته ومراقبته عن هذه الدنيا الفانية التى تعبدها من دونه ، فانقطع

الرازي وعرف لزوم الحجة له . قلت أنا : ومن وقف وصية الرازي عند موته ان كتبه التي صنفها جميعا ما اكتسب منها دينا ولا حصل منها يقينا زهده ذلك في ترك التعلم منها ووجب عليه الاعراض عنها .


ومن علماء المجبرة أبو حامد محمد بن محمد الغزالي وهو من أعظم علمائهم ومن الذين صنفوا لهم في علم الكلام وعلم
الجدل وعلم أصول الفقه وفي الفقه ، وكان له ثلاثمائة تلميذ ، وعاد وصنف في الزهد فقال في أعظم كتاب صنفه في ذلك

وسماه كتاب ( احياء علوم الدين ) في كتاب قواعد العقائد وهو الكتاب الثاني من كتاب احياء علوم الدين في الاصل الثالث منه ما هذا لفظه : ولا يجري في الملك والملكوت طرفة عين ولا لفتة خاطر ولا فلتة ناظر الا بقضاء الله وقدره وبارادته ومشيته ، ومنه الخير والشر والنفع والضر والاسلام والكفر والعرفان والمنكر والفوز والخسران والغواية والرشد والطاعة والعصيان
 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 340

والشرك والايمان ( 1 ) هذا لفظ الغزالي .

وصنف في آخر عمره كتابا سماه منهاج العابدين وهو آخر كتاب صنفه وما خص به الا خواص اصحابه ، فقال في اواخر الباب الاول منه ما هذا لفظه : ولا يكون في الملك والملكوت فلتة خاطر ولا لفتة ناظر الا بقضاء الله وقدره ومشيته ، فمنه

الخير والشر والنفع والضر والايمان والكفر والعز والشكر والفوز والخسر والغواية والرشد والطاعة والعصيان والشرك والايمان . هذا لفظه في المعنى .


( قال عبد المحمود ) : وإذا اعتبرت كلام هذا الشيخ في كتب الزهد وخاصة كتاب الاحياء وجدته يشهد صريحا وتلويحا انه يعلم من سريرته ان العباد مختارون وفاعلون وانما غلب عليه حب المذهب والمنشأ فانه في كتاب الاحياء يصف اسقام الدين

ويذكر الترغيب والحث على استعمال الدواء والتحريص بذلك ويظهر انه يعتقد كونهم مختارين فاعلين يقدرون على الفعل وعلى الترك ، فان شككت فاعتبر مقالاته لانك تجده يوافق اهل العدل فعلا وقولا ويخالفهم قولا غفلة وجهلا .


ومما يدل على ذلك منه قوله في العارض الثاني من الباب الرابع من كتاب منهاج العابدين ما هذا لفظه : فان قيل : هل يكون المفوض مختارا ؟ فاعلم ان الصحيح عند علمائنا أنه يكون مختارا ولا يقدح في تفويضه ذلك . هذا لفظه تصريح بالاختيار وتصديق لاهل العدل والاعتبار .

بل قد زاد على القائلين بالاختيار لان المفوض معناه ان يعزل نفسه عن الاختيار ويجعل الاختيار لنفسه الى الله ، فإذا كان من يعزل نفسه عن اختيارها ويجعل الاختيار لله يكون مختارا ، فيجب ان يكون من لم يفوض الى الله تعالى
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) احياء علوم الدين : 1 / 111 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 341

مختارين قطعا على سائر الاسباب وهذا واضح لذوى الالباب . وقال الغزالي في المجلد الثامن من الاحياء في كتاب النية والاخلاص ما هذا لفظه : بيان أن النية غير داخلة تحت الاختيار ( 1 ) ، ثم شرع يستدل على صحة هذا المقال وهذا موافقة لاهل العدل بغير اشكال .


وقال : في كتاب حماقة أهل الاباحة في الجواب عن شبهتهم الاولى ما هذا لفظه : فان الله تعالى ما كلفنا لاجل ان ينتفع بذلك ، بل لاجل انتفاعنا نحن بذلك .

وضرب الغزالي لذلك مثل الطبيب والمريض ، ثم قال : وكذا الرب تعالى أمرنا بالطاعة ونهانا عن المعصية للراحة لنا وفائدة راجعة الينا وهو مقدس منزه عن أفعالنا طاعة كانت أو معصية .

أقول : أما تراه عند ترك المعصية كيف يشهد بتنزية الجلالة الالهية من افعال العباد ؟ وهذا واضح لمن ترك منهم سبيل المكابرة والعناد وكان من أهل السداد وقد تقدم من الرد أهل هذه الاعتقادات ما في بعضه كفاية وشفاء لاهل العقول والديانات فاعتبر ما قلناه وقدمناه واحفظ نفسك من تقليد المجبرة وغيرهم ممن ترك الحق والصدق والذى حققناه .


ومن مناظرات أهل العدل للمجبرة ما روى ان ثمامة كان في مجلس المأمون وابو العتاهية حاضر فسال أبو العتاهية المأمون ان ياذن له في مناظرة ثمامة والاحتجاج عليه فاذن له ، فحرك أبو العتاهية يده وكان مجبرا وقال : من حرك هذه ؟ ثمامة : وكان يقول بالعدل : حركها من امه زانيه .

فقال أبو العتاهية شتمنى يا مامون في مجلسك . فقال ثمامه : ترك مذهبه يا مامون ، لانه يزعم أن الله حركها فلاي سبب غضب أبو العتاهية وليس لله أم فانقطع أبو العتاهية .


ومن عجيب ما تقحم به المجبرة الذين يقولون انه لا فاعل سوى الله وان

 

* ( هامش ) *
( 1 ) احياء علوم الدين : 4 / 373 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 342

كل فعل أو ترك يقع من العباد فانه فعل الله على الجملة ، والتفصيل ان يقال لهم قد رحمناكم من شدة مصيبة هذا التفصيل ، ويحكم ان هذا الاعتقاد أقبح نكرا وأوضح كفرا من الذين اعتقدوا أن عيسى وعلى بن ابى طالب عليه السلام الاهان من دون

الله ومن الذين عبدوا العجل والاصنام وغيرها من المعبودات لان اولئك حيث عبدوها عظموها وقبلوا ما توهموا انه منها وتركوا ما اعتقدوا ان يبعدهم عنها ، وأنتم إذا كنتم على هذا الاعتقاد الفاسد السخيف ، فكل قول أو أمر أو نهي يقع لكم من

قوى أو ضعيف فهو أمر الله ونهيه ، فاين امتثالكم لاوامر بعضكم لبعض وترككم لمناهي بعضكم لبعض ؟ فان قلتم ايها المشككون فنحن أيضا ارادتنا وكراهتنا هي ارادة الله وكراهته وفعله ، فيقال لكم : إذا كان الامر كذلك فسقطت العبادات والاوامر والنواهي وما بقى الوجود مامور ومنهي ، لانه كله على قولكم وجهلكم فعل آله واحد ورب واحد .


ومن عجيب ما يقال لهم أيضا : إذا كانت الافعال كلها التى تقع منكم هي فعل الله على التحقيق ، فقد صار كلامكم وأمركم ونهيكم كالقران وكالوحي وكلام الله تعالى لموسى عليه السلام من الشجرة وكلام الانبياء عن الله وما بينهم وبينكم فرق وحصل القدح في الرسل والطعن على الرسل .


ومن عجيب ما يقال لهم أيضا : إذا كان الامز كما قلتموه من ان جميع افعالكم فعل الله تعالى فيكم وليس لكم فعل تختصون به ، فكيف اشتمل الوجود على تابع ومتبوع ورئيس ومرؤوس ونبى وامته وامام ورعيته ، لانه لا يصح ان يكون الله جل جلاله

وذاته واحدة وافعاله صادرة عنها منقسمة في نفسه وفى افعاله كانقسام التابع والمتبوع والرئيس والمرؤوس والنبى والامة والرعية ، ويجتمع في ذاته تابع ومتبوع ورئيس ومرؤوس ونبى وامته وامام ورعيته ، أما لكم من
 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 343

ينظر في حالكم ؟ فان كنتم متعمدين للضلال أقام عليكم حدود النكال ، أو جاهلين ارشدكم وخلصكم من هذا الهلاك والاهمال ، أو مرضى حملكم الى المارستان وداواكم من هذا المرض والاختلال .


ومن عجيب الايات الصريحة في بطلان دعوى المجبرة انه لا فاعل سوى الله تعالى قوله " الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الى النور والذين كفروا أوليائهم الطاغوت يخرجونهم من النور الى الظلمات " ( 1 ) . وهذا كما ترى تصريح عظيم لا يحتمل التأويل بان الطاغوت غير الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا والمجبرة تزعم ان الطاغوت هو الله تعالى .


ومن عجيب الايات الصريحة بتكذيبهم والرد عليهم قوله تعالى " سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آبائنا ولا حرمنا من شئ كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا باسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ان تتبعون الا الظن وان انتم

الا تخرصون " ( 2 ) وهذه دعوى المجبرة بعينها وقد كذبكم تكذيبا صريحا وقال : إن انتم الا تخرصون ، وقال الله تعالى " لو استطعنا لخرجنا معكم ثم قال الله يشهد انهم لكاذبون " ( 3 ) وقوله " ولهم اعمال من دون ذلك هم لها فاعلون .


ومن عجيب جواب بعض العقلاء لما سئل من اعتقاد المجبرة في أنه يجوز أن يكلف الله العباد ما لا يطيقون . فقال العدلى : إذا كلف المولى عبده ما لا يطيق فقد بسط عذره في مخالفته .


ومن عجيب جواب بعض أهل العدل لبعض المجبرة ان المجبر قال له : انت ما ترضى من خلق المعاصي أن يكون لك ربا فقال : لا والله ولا عبدا ، يعنى لو كان لي عبد يخلق المعاصي ما رضيته يكون عبدي ولو عرض علي

 

* ( هامش ) *
( 1 ) البقرة : 257 . ( 2 ) الانعام : 148 . ( 3 ) التوبة : 42 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 344

عبد يعمل المعاصي ويخلقها ما رضيت أن يكون في خدمتي ولا عندي .

( قال عبد المحمود ) : ومن الحكايات المأثورة في ذلك ما رواه جماعة من علماء الاسلام عن نبيهم محمد " ص " أنه قال : لعنت القدرية على لسان سبعين نبيا . قيل ومن القدرية يا رسول الله ؟ فقال : قوم يزعمون ان الله سبحانه قدر عليهم المعاصي وعذبهم عليها ( 1 ) .


ومن الحكايات المأثورة عن نبيهم محمد " ص " في ذلك ما رواه صاحب الفائق محمود الخوارزمي وغيره من علماء الاسلام عن محمد بن على المكى باسناده قال : ان رجلا قدم على النبي " ص " له النبي " ص " : أخبرني باعجب شئ رايت . قال : رايت قوما ينكحون أمهاتهم وبناتهم وأخواتهم ، فإذا قيل لهم : لم تفعلون ذلك ؟ قالوا : قضاه الله تعالى علينا وقدره ، فقال النبي : سيكون في أمتي أقوام يقولون مثل مقالتهم اولئك مجوس أمتى ( 2 ) .


ومن الحكايات المذكورة في ذلك ما ذكره صاحب كتاب الفائق أيضا وغيره من علماء الاسلام عن جابر بن عبد الله صاحب نبيهم انه قال : يكون في آخر الزمان قوم يعملون المعاصي ويقولون ان الله تعالى قد قدرها عليهم ، الراد عليهم كالشاهر سيفه في سبيل الله ( 3 ) .


ومن الحكايات المذكورة في ذلك ما روى عن القاسم بن زياد الدمشقي انه قال : كنت في حرس عمر بن عبد العزيز فدخل غيلان فقال : يا أمير المؤمنين ان أهل الشام يزعمون ان المعاصي قضاء الله تعالى وانك تقول ذلك فقال : ويحك يا غيلان أو لست تراني اسمى مظالم بنى مروان ظلما وأردها ، افتراني اسمى قضاء ظلما الله وأرده .


( قال عبد المحمود ) مؤلف هذا الكتاب : فهذا آخر ما رايت ذكره في هذا الباب .

 

* ( هامش ) *
( 1 - 3 ) نقله في البحار : 5 / 47 . ( * )

 

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

صفحة الكتب

 

فهرس الكتاب