اعتقادات الاربعة المذاهب في الانبياء وخاصة نبينا

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 355

في جملة من اعتقادات الاربعة المذاهب في الانبياء وخاصة نبينا
 

ومن طرائف ما وقفت عليه في شرح حال أحمد بن حنبل الشيباني الذى شهد الخليفة المعتصم من بنى العباس وعلماء أيامه بالضلال وضربوه وحبسوه ، وقد تضمنت كتب التواريخ شرح ذلك ، وهو المدفون على شاطئ الجانب الغربي من بغداد عند الحربية ، وشرح حال اصحابه ما شهد عليه والراضي بالله أيضا
 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 356

الخليفة من بنى العباس المدفون بين يدى الرصافة المعروف ، وقد ذكر ذلك جماعة من أصحاب التواريخ فمنهم ثابت بن سنان ذكره في الجزء السابع من تاريخه الخبر في كثير من ربطهم ومدارسهم فقال ما هذا لفظه :


وروى أن يوم السبت لعشر خلون من جمادى الاخرة ركب بدر الحرسى صاحب الشرطة فنادى في جانبى بغداد في أصحاب أبى محمد البربهازي الحنابلة لا يجتمع منهم نفسان في موضع واحد وحبس جماعة واستتر أبو البربهازى .


ووقع الخليفة الراضي بالله الى الحنابلة توقيعا نسخته : " بسم الله الرحمن الرحيم . من نافق باظهار الدين وتوثب على المسلمين وأكل به أموال المعاهدين كان قريبا من سخط رب العالمين وغضب الله عليه وجعله من الضالين وقد تأمل الراضي

بالله جماعتكم وكشفت له الخبرة عن مذهب صاحبكم فوجده كاللعين ابليس يزين لحزبه المحظور ويركب بهم صعاب الامور ويدنى لهم حبل الغرور ، فمن ذلك تشاغلهم بالكلام في رب العزة تباركت أسماؤه وفي نبيه وفي عرشه وفي كرسيه ،

وكطعنكم على خيار الامة ونسبتكم شيعة اهل بيت نبيكم الى الضلال وارصادكم لهم بالمكابرة في الطرقات والمحال وأستدعائكم المسلمين الى الدين بالبدع الظاهرة والمذاهب الفاجرة التي لا يشهد بها القرآن ولا يقتضيها فرائض الرحمن ،

وانكاركم لزيارة قبور الائمة عليهم الاسلام وتشنيعكم على زوارها بالبدع وأنكم مع ذلك تتفقون وتجتمعون لقصد رجل من العامة - يعني احمد بن حنبل - ليس بذى شرف ولا نسب برسول الله " ص " وتامرون بزيارته والخشوع لدى تربته

والخضوع حضرته ، فلعن الله رايا حملكم على هذه المنكرات ما أرداه وشيطانا زينها لكم ما أغواه ، والراضي بالله يقسم
بالله قسما بتة يلزمه الوفاء به لان لم تنصرفوا عن مذموم مذهبكم ومعوج طريقتكم ليوسعنكم
 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 357

ضربا وتشريدا وقتلا وتبددا وتعذيرا ولتعملن السيوف في عواتقكم والنار في منازلكم ومحالكم فليبلغ الشاهد منكم الغائب ، ومن أعذر لنفسه لعاتب ( لغائب خ ل ) وما توفيق الراضي بالله الا بالله عليه يتوكل واليه ينيب " .


وأما أصحاب أبى حنيفة وأتباعه ومن تقدم منهم أو تأخر عنهم من المعتزلة فقد ذكر أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي في فضايح المعتزلة وكتاب الفرق بين الفرق عنهم أمورا عظيمة ، فان كانت كما ذكره فهي من أعظم الفضائح في الاسلام وأتم القبائح عند الله وعند الانام .


وذكر الخطيب في تاريخ بغداد من طعون أبى حنيفة وفضائحه ما هتك مستورات مذهبه . وذكر أيضا الجويني في كتاب مغيث الخلق في معرفة الاحق طعونا كثيرة على أبى حنيفة المذكور ، من أراد الوقوف عليها فليراجع الكتاب المذكور .

وأما أنا فلا أشهد بها جميعا ، لانني وقفت على كتبهم ولقيت علماءهم فرأيتهم يذكرون من صفات الله وتوحيده وتنزيهه ما تشهد به العقول الصحيحه ، لكن ذكروا عن الانبياء وائمتهم أمورا قبيحة ، مع أني رايت القائلين منهم باثبات الجواهر والاعراض في العدم .


قد ذكروا في ذلك اعتقادا يقتضي موافقتهم للفلاسفة في قدم العالم و موافقتهم للمجبرة في بعض الوجوه في ان أفعالنا حركاتنا وسكناتنا ليست منا ، بل زادوا على الفلاسفة والمجبرة في سوء الاعتقاد وقبح القول ، لان الفلاسفة قالت : ان الهيولى قديمة

وأنها أصل العالم وان الله ليس له في وجود الهيولى قدرة ولا أثر ، لانهم ذكروا أنها لا أول لوجودها وهى عندهم مشاركة لله في القدم ، وقالوا : ان الله يصور منها الصور ، فليس له الا التصوير فحسب ،
 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 358

وقد بطل قولهم بما ثبت من حدوث العالم وحدوث كل ما سوى الله تعالى ، مع ان كلام الفلاسفة في ذلك ومرادهم مفهوم غير متناقض وان كان باطلا .


وأما القائلون بثبوت الجواهر والاعراض في العدم فانهم قالوا أنها ثابتة في العدم ولا أول لثبوتها وليس لله فيها الا صفة الوجود ، ومن المعلوم أن هذا القول هذيان ومتناقض ، لان الشئ اما ثابت موجود أو معدوم منفي ، فان كانت الجواهر

والاعراض معدومة فاى معنى لقولهم أنها ثابتة في العدم وأنها قديمة وان كان معنى قولهم أنها ثابتة في العدم وقديمة أي أنها موجودة في القدم ومتحققة ومتعينة ولا أول لوجودها ، فاي شئ أوجدها الله إذا كان الثبوت هو الوجود قديما مع الله ومستغنيا عنه ، فقد ناقض قول هؤلاء في اللفظ والمعنى وصاروا أقبح قولا واعتقادا من الفلاسفة .

وأما كونهم اقبح قولا واعتقادا من المجبرة فلان المجبرة ادعت ان العالم وسائر حركاتنا وسكناتنا فانها ليست منا وقالوا : ان ذلك جميعه من الله ، فابطلنا قولهم بما تقدم ذكره وبغيره من الادلة الاخر .

وأما الذين أثبتوا الجواهر والاعراض في العدم وأنها لا أول لثبوتها ، فان كان الحركات والسكنات التى تقع منا تسمى شيئا فهى عندهم ثابتة في العدم قديمة فليست على قولهم من الله ولا منا ، ومن المعلوم ان أفعالنا وحركاتنا وسكناتنا تسمى شيئا

فان الانسان وكل عاقل يقول : مثلا ما فعلت شيئا أو يقول : فعلت شيئا جيدا أو رديا ، وان كانت أفعالنا ليست بشئ عندهم
فما فعلنا على قولهم شيئا أبدا ، فقد صارت أفعالنا لا منا ولا من الله ، فكان قولهم أقبح من قول المجبرة واخس من سوء اعتقادهم .


( قال عبد المحمود بن داود ) مؤلف هذا الكتاب : لما وقفت على هذه الاحوال وعرفت اعتقادات الاربعة المذاهب مذهب مالك ومذهب أبى حنيفة

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 359

ومذهب الشافعي وأحمد بن حنبل ، ورايت ظهور ضلالتهم ومناقضاتهم واختلافهم واختلالهم تعوذت بالله من اتباعهم على تلك العقائد المذمومة وضرعت الى الله سبحانه في دوام السلامة مما أوقعوا أنفسهم فيه من فضيحة الدنيا وهلاك يوم القيامة .

ثم رايت هؤلاء الاربعة المذاهب قد اتفقوا واجمعوا على ان الانبياء عليهم السلام يصح ان يقع منهم الذنوب وان يكون لهم عيوب ، وخالفوا عترة نبيهم الذين امروا بالتمسك بهم فان العترة وأتباعها مجمعون على تنزيه الانبياء وعصمة رسل اله والسماء .

بل رايت أولئك الاربعة المذاهب قد رووا في كتبهم المعتبرة ان قد وقعت من الانبياء ذنوب عظيمة وعيوب ذميمه ، فزادني ذلك نفورا من اتباع هؤلاء الاربعة المذاهب ، واستعظمت تقبيحهم لذكر انبياء الله ورسله وخاصته ، وقد تقدم من الكلام ما

يدل على ان الانبياء لو كانوا كذلك ما كانت تحصل الثقة بهم والتصديق لهم والطمانينة الى ما يقولون من الشرايع ويخبرون
به من الله من مصالح الخلائق ، وكان يقع النفور عنهم والشك فيما يقع منهم ، وكيف يجوز في العقول ان يكون نواب الله المترجمون عنه على صفات توجب الشك فيما يقولون أنه منه .


ولقد قال هشام بن عبد الملك لغيلان : أنت الذى تزعم ان الله لم يولنى ولم يرض ما أنا فيه ؟ فقال له غيلان : وهل رايت أمينا يولى الخائنين أمانته ، أم رايت مصلحا يولى المفسدين اصلاحه ، أم رايت كريما يدعو الى أمر ثم يصد عنه أم رايت حكيما

يقضى بما يعيب أم يعيب بما يقضى ، أم رايت حكيما يكلف فوق الطاقة ؟ فصريح العقول يشهد أن رسل الله والمترجمين عنه يجب ان يكونوا معصومين منزهين عن الخطاء والسهو والغلط وكل منفر عنهم وحايل
 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 360

بين الخلائق وبين القبول منهم

( قال عبد المحمود ) : من جملة ما وقفت عليه من تقبيح هؤلاء الاربعة المذاهب لذكر رسل الله وأنبيائه أنهم ينسبون آدم وحواء الى الشرك ، ورووا في ذلك أخبارا ذكروها في كتبهم وتواريخهم ونقلوا منها طرفا في الجمع بين الصحيحين

للحميدي في مسند أبي هريرة وغيره ، وذكروا في الجمع بين الصحيحين أخبارا في تقبيح ذكر الانبياء عليهم السلام والرسل جملة وتفصيلا تنكرها عتره نبيهم ، بل تنكرها أعداء الاسلام من أهل الملل ويشهدون بتنزيههم عنها .


فمن ذلك ما ذكره الحميدى في الجمع بين الصحيحين في مسند أبى هريرة في الحديث التاسع والثمانين بعد المائة من المتفق عليه ان ملك الموت لما جاء لقبض روح موسى لطمه موسى فقلع عينه .

واسنده البخاري ومسلم في صحيحيهما الى نبيهم ( 1 ) .


( قال عبد المحمود ) : أفيجوز لذوى الالباب ان يعتقدوا في انبياء الله ونوابه وخاصته وصفوته مثل هذا الاعتقاد ، ويصححون الاخبار بذلك ؟ وهل يجوز ان يقال عن موسى عليه السلام مثل هذا ؟ هكذا أدب الانبياء مع رسل اله والسماء ، والله لو كان

الرسول الذى جاء لموسى عليه السلام من بعض ملوك الدنيا أو من بعض رعيته ويعلم ان فيه مصلحته ، كما يعلم ان ملك الموت ما جاء الا لمصلحته ما كان موسى عليه السلام يتلقى الرسول بقلع عينه وسوء الادب معه ومع من أرسله ان عقول الذين يعتقدون بهذه الرواية سقيمة وأديانهم ذميمة .


( وما يليق بالعقل هو ما روى عن موسى عليه السلام وذكره وهب بن منبة في كتاب المبتداء فقال : لما فقد بنو اسرائيل موسى عليه السلام ، وتجسسوا عنه تجسسا شديدا واختلطوا واجتمعوا ، وما يدرى من خلق الله أحد أين ذهب

 

* ( هامش ) *
( 1 ) رواه مسلم في صحيحه : 4 / 1842 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 361

موسى عليه السلام وما صار أمره وما شانه ، فبقوا في هذه الحالة ثلاثة أيام ، ثم أنشاء الله علا شانه سحابا سمعوا منه انه ينادى : مات موسى واي نفس لا تموت فعلموا ان الله قبضه ) .


ومن ذلك ما رواه الحميدى في الجمع بين الصحيحين في الحديث الحادى والعشرين بعد الماتين من المتفق عليه من مسند أبى هريرة يرويه عن نبيهم قال في صفة حال الخلق يوم القيامة : وأنهم ياتون آدم ويسالونه الشفاعة فيعتذر إليهم ، فيأتون نوحا

فيعتذر إليهم ، فيأتون إبراهيم فيقولون يا أبراهيم أنت نبى الله وخليله من أهل الارض ، أشفع لنا الى ربك ألا ترى الى ما نحن فيه فيقول لهم ابراهيم : ان ربى قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله ، واني كنت كذبت ثلاث كذبات . قال الحميدى : فذكرها أبو كتان يحيى بن سعيد بن كنانى في الحديث : نفسي نفسي اذهبوا الى غيرى ( 1 ) .


( قال عبد المحمود ) : كيف جاز لهؤلاء الاربعة المذاهب ان يذكروا عن نبيهم مثل هذه ويصححوه ؟ وقد ذكروا عنه انه ما كان يقبح ذكر أحد من رعيته وامته ويستر على الخلائق بجهده ، فكيف صدقوا عنه انه يقول ذلك عن ابراهيم خليل الله

ورسوله وجد محمد " ص " والذى احال في كتابهم الاسلام إليه ، فقال " ملة أبيكم ابراهيم " ( 2 ) ، ويقولون في توجههم : على ملة ابراهيم وقال في كتابهم " قد كانت لكم أسوة حسنة في ابراهيم " ( 2 ) .


ومع ذلك تراهم قد بلغوا من الجهل الى أن يقولوا على الله أنه أمرهم باتباع ملة ابراهيم والتاسى به فيما لفقوه عليه من الكذب ، أتراهم لو سمعوا

 

* ( هامش ) *
( 1 ) رواه مسلم في صحيحه : 1 / 185 . ( 2 ) الحج : 78 . ( 3 ) الممتحنة : 4 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 362

أحدا يقول عن أبى بكر وعمر أو أحد الصحابة أنه كذب ثلاث كذبات أما كانوا يكذبون الحديث في ذلك ؟
ويقدحون في القائل ؟ ويسقطون رواية من يرويه ؟
فكيف استجازوا ان يصححوا عن الانبياء ما يكذبونه عن بعض الصحابة ؟
ان هذا من تناقضهم الهائل واختلافهم الباطل .


ومن ذلك في المعنى ما رواه الحميدى في الجمع بين الصحيحين في الحديث السابع والاربعين بعد الماتين من المتفق عليه من مسند أبى هريرة أن رسول الله " ص " قال : لم يكذب أبراهيم النبي عليه السلام قط الا ثلاث كذبات ثم شرحها أبو هريرة في حديثه عن نبيهم ( 1 ) .


( قال عبد المحمود ) : سوءة لمستمع الحديث هذا على وجه التصديق به ، وسوءة لراويه ومصححه ، والله ما كان نبيهم بهذه الصفات ، ولقد رايت في كتابهم وأحاديثهم عنه انه نهى عن ذم الدواب التى لا تعقل ، وأنه ما ذم طعاما قط ولو كان

مذموما ، فكيف يقال عن من تنزه عن ذم طعام مذموم ونهى أصحابه عن الغيبة وعن ذم الدواب والناس ، أنه يصرح بالشهادة على ابراهيم أنه كذب معاذ الله من سوء عقائد هؤلاء الاربعة المذاهب .


ومن ذلك ما رواه الحميدى في الجمع بين الصحيحين في الحديث الثامن والخمسين من المتفق عليه من مسند أبى هريرة قال : ان النبي " ص " قال : نحن أحق بالشك من ابراهيم إذ قال : رب أرنى كيف تحيى الموتى قال : أو لم تؤمن قال : بلى

ولكن ليطمئن قلبى ، قال ويرحم الله لوطا لقد كان ياوى الى ركن شديد ، ولو لبثت في السجن طول لبث يوسف لاجبت الداعي ( 2 ) .


( قال عبد المحمود ) : وكيف يجوز لاهل الملة ان يصححوا عن نبيهم
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) رواه مسلم في صحيحه : 4 / 1840 . ( 2 ) رواه مسلم في صحيحه : 1 / 133 و 4 / 1839 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 363

قدحه في الانبياء وتقبيحه لذكرهم ؟ وكيف يجوز تصديق من يروى مثل ذلك عنه ؟ وكيف يجوز لعاقل ان يقتدى بقوم هذه صفاتهم أو يثق برواياتهم .


ومن ذلك ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين أيضا في الحديث السادس والستين من المتفق عليه من مسند أبى هريرة قال : ان رسول الله " ص " قال : قرصت نملة نبيا من الانبياء ، فامر بقرية النمل فاحرقت ، فأوحى الله تعالى إليه ان قد قرصتك نملة احرقت امة من الامم تسبح ( 1 ) .


( قال عبد المحمود ) : هل يليق بعاقل يعرف سنة الانبياء أن يصدق عن أحد منهم الطعن في بعضهم ، وخاصة من قد شهدوا أنه أكمل الانبياء ، فكيف يصدق عن اكملهم أنه يجاهر بذمهم ويذكر لهم عيوبا وهو الذى صدقهم وزكاهم ومدحهم وعرف

امته بهم ؟ وهل كان يقع من نبى مثل هذه الحركات التى لا تقع إلا من الملوك الجبارين ؟ والذين لا يفكرون في سخط مالك يوم الدين حتى يقولوا عن نبيهم مثل هذه المقالة .


ومن ذلك ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند أنس بن مالك في الحديث السادس والخمسين من المتفق عليه وهو حديث طويل يتضمن ذم هؤلاء الاربعة المذاهب لجماعة من الانبياء وغلطهم في ذلك على من وصفوه بانه أكمل الانبياء


ومن ذلك ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الرابع والاربعين من المتفق عليه من مسند أبى هريرة قال : بينما الحبشة يلعبون عند النبي " ص " بحرابهم إذ دخل عمر بن الخطاب فاهوى الى الحصباء يحصبهم بها ، فقال له رسول " ص " : دعهم يا عمر ( 2 ) .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) رواه مسلم في صحيحه : 4 / 1759 . ( 2 ) رواه مسلم في صحيحه : 2 / 610 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 364

وروى الغزالي في كتاب احياء علوم الدين حديثا في المعنى مثل هذا ، وهو أن محمدا نبيهم " ص " كان جالسا وعنده جوار يتغنين ويلعبن ، فجاء عمر فاستاذن فقال النبي " ص " : اسكتن فسكتن ، فدخل عمر فقضى حاجته ثم خرج ،

فقال لهن محمد نبيهم : عدن الى الغناء فعدن الى الغناء ، فقلن : يا رسول الله " ص " من هذا الذى كل ما جاء قلت اسكتن وكلما خرج قلت عدن الى الغناء ، فقالوا عن نبيهم محمد " ص " أنه قال : هذا رجل لا يؤثر سماع الباطل ونحو ذلك .

ورووا في صحاحهم عدة أحاديث يتضمن امثال ذلك تركنا ذكرها كراهية الاطالة . وقد روى مسلم منها في صحيحه سبعة أحاديث في المجلد الاول بنحو هذه المعاني تنفر منها عقول العارفين بالانبياء ولا يثبت مثلها عن أكمل العقلاء .


( قال عبد المحمود ) : يا اهل العقول يا ذوى البصائر انظروا في عقول هؤلاء الذين رووا مثل هذا عن نبيهم وصدقوا قائله ، وتفكروا هل يجوز ان يقتدى عاقل بهم ؟ أو يثق برواياتهم ، أو يسكن الى بصائرهم ؟ ويغلب الظن أنه ما حملهم على الكذب في ذلك على نبيهم الا قصدهم لمدح عمر وكونه أنكر على النبي " ص " وأرشده الى الصواب في هذه الاسباب .


ولئن كان عمر يعتقد في نفسه أو يعتقد له أحد منهم أنه أكمل من النبي المبعوث إليه فانه كفر صريح من معتقد ذلك وتقبيح لذكر الله والاسلام وبهت للعقول والافهام .


أبعد الله من رحمته قوما بلغوا من الجهل وتعمد الكذب الى هذه الغاية وما سمعنا عن امة من الامم أنها تبلغ في حق نبيها وتقبيح ذكره الى هذه المقالة السخيفة مع اعتقادهم لنبوته .
 

ومن ذلك ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين قال : ان النبي

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 364

صلى الله عليه وآله صلى بالناس صلاة العصر ركعتين ، ودخل حجرته ثم خرج لبعض حوائجه فذكره بعض أصحابه فاتم الصلاة .

ومن كتاب الحميدي في الجمع بين الصحيحين أيضا في الحديث السبعين من المتفق عليه من مسند أبى هريرة قال : أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قياما وفي رواية هارون بن معروف وحرملة بن يحيى فعدلنا الصفوف قبل ان يخرج الينا رسول

الله " ص " فخرج الينا رسول الله " ص " فلما قام في مصلاه ذكر أنه جنب ، فقال لنا : مكانكم . وفي حديث محمد بن يوسف عن الاوزاعي فمكثنا على هيئتنا يعنى قياما ثم رجع فاغتسل ثم خرج الينا وراسه تقطر فكبر وصلينا معه ( 1 ) .


( قال عبد المحمود ) : أنظر رحمك الله الى هؤلاء القوم السفهاء كيف شهدوا لرجل أنه اكمل الانبياء وأعقل العقلاء ، وان عنده من الفطنة والبصيرة ما لم يبلغ إليه أحد ممن كان قبله ولا ياتي بعده مثله ، ثم يصدقون مثل هذه الغفلة عنه ويصححون

ان ذلك وقع منه ؟ ولو سمعوا مثل ذلك عن ابى بكر وعمر كذبوا قائله ولعنوا ناقله أحمد الله على السلامة من الاقتداء بهم والاتباع لهم ، ولا سيما عترة نبيهم الذين أمرهم الله بالتمسك بهم متفقون ان هذا ما جرى منه وان نبيهم منزه عنه فلم تلتفت الاربعة المذاهب الى من زكاه وصدقوا من ذمه ورووا عنه ما حكيناه .


ومن ذلك ما رواه في الجمع بين الصحيحين للحميدي في الحديث الخامس والاربعين ، بعد الماتين من المتفق عليه من مسند ابى هريرة في حديث يزيد بن ابراهيم عن محمد أبى هريرة قال : صلى بنا رسول الله " ص " احدى صلاتي العشى - قال محمد يعني ابن سيرين واكثر ظنى العصر - فسلم في ركعتين ،

 

* ( هامش ) *
( 1 ) رواه مسلم في صحيحه : 1 / 422 - 423 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 366

ثم قام الى خشبة في مقدم المسجد فوضع يده عليها مغضبا ، وفيهم أبو بكر وعمر فهابا ان يكلماه ، وخرج سرعان الناس فقالوا أقصرت الصلاة ؟ وهناك رجل يدعوه النبي ذا اليدين فقال : يا نبى الله أنسيت أم قصرت الصلاة ؟ فقال : لم أنس ولم

تقصر الصلاة ، قال : بلى قد نسيت ، قال : صدق ذو اليدين ، فقام فصلى ركعتين ثم سلم ثم كبر فسجد مثل سجوده وأطول ثم رفع راسه وكبر ( 1 ) .

ورووا نحوه في الحديث السابع من كتاب الجمع بين الصحيحين في مسند عمران بن حصين ( 2 )


( قال عبد المحمود ) : يا بشرى لمن فارق هؤلاء الاربعة المذاهب القائلين عن نبيهم مثل هذه المقالات المصدقين عنه لهذه الروايات . ومن طريف هذا الحديث ان أبا بكر وعمر كانا ذاكرين أنه غلط وسهى ، ليت شعري من عرف من الرواة

باطنهما حتى شهد لهما بذلك ، أو من شهد لهما بالعصمة حتى يصدقهما أنهما كانا أكمل من نبيهم وأحضر فكرا وأشد بصيرة ، وليت شعرى من اين لهما أنه غلط وسهى وهلا جوزا ان يكون قد قصرت الصلاة وصارت ركعتين ونسخت منها ركعتان ؟

وكيف استجازا سوء الظن به بما قالا فيه انه سهى وغلط قبل ان يعترف به كما زعموا ؟ وليت شعرى كيف استحسن رواة هذا الحديث ومصححوه ان يذكروا عن نبيهم أنه غلط وسهى ؟ ثم يذكرون أن ابا بكر وعمر من دون الصحابة ودون بنى

هاشم وعترة نبيهم على وجه التزيه لهما بانهما هاباه ان يكلماه ، يعني أنهما كانا منزهين في هذه عن السهو ، وليت شعرى من يروى عنهما ما تقدم وما سيأتي ذكره انشاء الله تعالى من الاقدام الانكار على نبيهم في عدة مقامات ومقالات ، وكيف يستحسن ان يكذبوا

 

* ( هامش ) *
( 1 ) رواه مسلم في صحيحه : 1 / 403 - 404 ، والبخاري في صحيحه : 2 / 66 و 1 / 123 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 367

انفسهم وينافضوا ويباهتوا ويقولوا في هذه الرواية انهما هاباه . ومن طريف الحديث المذكور أنهم صدقوا أبا هريرة في ان نبيهم قال ما قصرت ولا سهوت ، وان ذا اليدين كذبه ورد عليه ، وما أنكر على ذى اليدين منكر ، وان نبيهم عاد وعرف ان

ذا اليدين صادق في تكذيبه ، ما رايت ولا سمعت عن قوم يقتدى بهم في الاسلام قد بلغوا من الاختلاط الى هذه الغاية ، وليس العجب لهم فحسب بل العجب لمن يقتدى أو يثق بهم . ومن ذلك ما رواه في الجمع بين الصحيحين للحميدي في مسند عمران

بن حصين في الحديث الاول من المتفق عليه ما تضمن معناه لان ألفاظه فيها تكرار واسماء الرواة تطويل لا حاجة الى ذكره ها هنا قال : ان النبي " ص " كان في سفر فنام هو وأصحابه في آخر الليل الى ان طلعت الشمس ، فاول من استيقظ

أبو بكر ثم عمر فكبر عمر تكبيرا عاليا وأيقظ رسول الله " ص " فامرهم بالارتحال وسار غير بعيد ثم نزل وصلى الصبح قضاء .

وروى نحوه في كتاب الجمع بين الصحيحين أيضا في الحديث الثاني من أفراد البخاري من مسند أبى قتادة الحرث بن ربعى وروى نحوه ايضا في مسند أبى هريرة في الحديث الثاني من أفراد مسلم ( 1 ) .


( قال عبد المحمود ) : إذا نظرت أيها العاقل في وصفهم لعناية الله بنبيهم وأنه سبحانه جل وعلا لا يصح ان ينام وان جبرئيل ما كان شفقته على نبيهم دون عناية عمر حتى كان يوقظه دون الله أو جبرئيل ، وإذا نظرت الى رواياتهم عن نبيهم محمد

" ص " أنه تنام عيناه ولا ينام قلبه وتفسيرهم ذلك بان نومه لا يمنعه من معرفة الاحوال ، ونظرت في رواياتهم بوجوب قضاء ما فات من الصلاة عقيب ذكره ، ثم يذكرون عنه في هذه الرواية أنه أخر القضاء الى بعد الارتحال

 

* ( هامش ) *
( 1 ) رواه مسلم في صحيحه 1 / 475 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 368

وأنه قد نام قلبه حتى لم يحس بخروج الوقت ، وكل ذلك يشهد عليهم بالمناقضة في رواياتهم وسوء مقالاتهم وتكذيب أنفسهم .


ومن ذلك ما رواه في الجمع بين الصحيحين للحميدي أيضا في الحديث الخامس من المتفق عليه من مسند جابر بن عبد الله ان عمر جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس ، فجعل يسب كفار قريش وقال : يا رسول الله ما كدت أصلى العصر حتى كادت الشمس تغرب فقال النبي " ص " : ما صليتها : قال : فقمنا الى بطحان فتوضأ للصلاة وتوضانا لها فصلى العصر بعد ما غربت الشمس ، ثم صلى بعدها المغرب ( 1 ) .


( قال عبد المحمود ) : هل كان يحسن من مسلم أو من يتبع المسلمين أو من يلزم التقية المسلمين أو من يريد للاسلام خيرا
ان يروى مثل الحديث ويصدق رواته ويصححه ومذهب المسلمين ان من تعذر عليه الصلاة على الاختيار فليصلها صلاة

الخوف وصلاة شدة الخوف ، ولهم في أداء الصلاة وأنها لا تسقط مع بقاء التكليف بها تفصيلات طويلة حتى أن فيهم من
يقول انه تصلى عند اضطراب السيوف وذهاب الارواح بالتسبيح فقط ، فكيف استجازوا مع ذلك ان يصدقوا عن نبيهم

ويشهدوا عليه انه ترك الصلاة بالكلية حتى خرج وقتها ، مع ان عمر ما تركها أما كان لعمر أسوة برسول الله " ص " في ترك الصلاة ان كان تركها ، وهذه رواية يكذبها عترة نبيهم وينكرها خاصة .


ومن ذلك ما رواه الجمع بين الصحيحين للحميدي أيضا في الحديث الرابع والاربعين من أفراد مسلم من مسند عائشة قالت : دخل على رسول الله " ص " رجلان ، فكلماه بشئ لا أدري ما هو ، فاغضباه ، فلعنهما وسبهما ، فلما خرجا قلت : يا رسول الله ما أصاب أحد من الخير شيئا ما أصابه هذان ، قال :

 

* ( هامش ) *
( 1 ) رواه مسلم في صحيحه : 1 / 438 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 369

وما ذاك ؟ قلت : لعنتهما وسببتهما قال : أو ما علمت ما شارطت عليه ربى ؟ قلت : اللهم انما أنا بشر فاى المسلمين لعنته أو سببته فاجعله له زكاتا وأجرا ( 1 ) .


( قال عبد المحمود ) : اعتبروا رحمكم الله في هذا الحديث فان فيه طرائف فمن طرائفه كونه يخالف كتابهم في وصف نبيهم بالرحمة والشفقة عليهم وأنه لعلى خلق عظيم ، وأنه ما فظا غليظ القلب ، فكيف جاز أن يصدقوا أو يصححوا يخالف كتابهم ويردوا على كتاب نبيهم بقول عائشة .


ومن طرائفه ان يكون لعن نبيهم وسبه مصلحة لمن يلعنه ويسبه وخيرا وزكاة ومعلوم أنه لا ينطق عن الهوى ان هو الا وحى يوحى ، فكيف قبلت عقولهم قول عائشة في ذلك ووصفوا نبيهم بهذه المقالات التى لا تليق به ومن طرائفه انهم يشهدون لهما

أنهما من المسلمين برواية عائشة ، وانه يجوز مع ذلك ان يسبهما ويلعنهما وهذه امور يستحى ذووا البصائر من تصحيحها عن أدنى العقلاء ، فكيف جاز ان ينسبوها الى أكمل الانبياء ؟ لقد بلغ التعجب من هؤلاء القوم الى أبعد الغايات ، ورحمتهم من شدة هذه الغفلات .


ومن ذلك ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين أيضا في الحديث الرابع عشر من أفراد البخاري من مسند عبد الله بن عمر أنه كان يحدث عن رسول الله " ص " انه لقى زيد بن عمربن نفيل باسفل بلدح وذاك قبل ان ينزل الوحى على رسول الله " ص " فقدم إليه رسول الله سفرة فيها لحم ، فابى ان ياكل منها ، ثم قال : انى لا اكل مما تذبحون على أنصابكم ولا آكل مما لم يذكر اسم الله عليه ( 2 ) .


( قال عبد المحمود ) : انظروا رحمكم الله الى هذه الرواية التى شهدوا بصحتها وان نبيهم ممن يذبح على الانصاب وياكل منه ، وقد ذكروا في

 

* ( هامش ) *
( 1 ) رواه مسلم في صحيحه : 4 / 2007 في كتاب البر والصلة . ( 2 ) رواه البخاري في صحيحه 6 / 225 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 370

كتبهم ان الله كان يتولى تربيته وتاديبه وجبرئيل يلازم تهذيبه ، وانه ما كانت له متابعة للجاهلية ولا رضي شيئا من امورهم ، فكيف كذبوا أنفسهم في ذلك كله وفى مدح الله تعالى له ومدحهم له لاول أمره وآخره وظاهره وباطنه ، ثم مع هذا يشهدون

عليه ان زيد بن عمر بن نفيل كان أعرف بالله منه وأتم حفظا لجانب الله ، فكيف أقتدي أنا وغيري من العقلاء بقوم يروون مثل هذا ويصححونه ، ولقد سالت علماء أهل العترة من شيعتهم فرأيتهم ينكرون تصديق ذلك غاية الانكار .


ومن ذلك ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين أيضا في الحديث العشرين بعد المائتين من المتفق عليه من مسند أبى هريرة قال : قال رسول الله " ص " لبلال في صلاة الغداة : يا بلال حدثنى بارجى عمل عملته عندك في الاسلام منفعة ،

فانى سمعت الليلة خشف نعليك بين يدى في الجنة ، قال بلال : ما عملت عملا في الاسلام أرجى عندي منفعة من أنى لم أتطهر طهورا تاما في ساعة من ليل نهار الا صليت بذلك الطهور ما كنت أقدر أن اصلي ( 1 ) .


( قال عبد المحمود ) : قد تعجبت من تصديقهم وتصحيحهم ان بلالا سبق رسول الله " ص " الى الجنة ودخلها قبل ان يدخلها ، ما هذا الا اختلاط شنيع واضطراب بديع ، فاين رواياتهم انه أول داخل الى الجنة واول شافع ، وانه لا يدخلها أحد الا

باذنه أو جواز منه ؟ فكيف استحسنوا ان يرووا هاهنا انه ما كان علم من بلال انه قد سبقه الى الجنة حتى سمع خشفة نعليه ؟ وليت شعرى أي حاجة لبلال الى تلك النعلين اللتين توجهت الاشارة اليهما حتى يلبسهما في الجنة . ان هذا من المحال الذى لا يخفى على أهل الكمال .


ومن ذلك ما رواه الحميدى في الجمع بين الصحيحين أيضا في الحديث السادس من المتفق عليه من مسند حذيفة بن اليمان قال : كنت مع النبي " ص "

 

* ( هامش ) *
( 1 ) رواه مسلم في صحيحه : 4 / 1910 فضائل بلال . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 371

فانتهى الى سباطة قوم ، فبال قائما فتنحيت فقال : ادنه فدنوت حتى قمت عند عقبيه فتوضأ فمسح على خفيه . وفي رواية حتى فرغ ( 1 ) .


( قال عبد المحمود ) : انظر ايدك الله الى قوم رووا في كتبهم ان نبيهم علم الناس الاداب في البول والخلاء وسائر الامور الدينية والدنيوية ، وانه لا يبول قائما كما يفعله السفهاء ويتباعد عن الناس وقت بوله ثم يصدقون ويصححون أنه بال قائما كما

يفعل السفهاء والاراذل ، والله ما بلغ أعداؤهم الى هذه الحال ، وانى سمعت جماعة من أهل الملل يشهدون ان محمدا " ص " ما كان بهذه الصفات ، وانه كان مؤدبا منزها عن هذه الامور المنقصات .


ثم العجب من هذا الحديث أن حذيفة يعلم ان الادب في التباعد عن نبيهم فكيف يقال أن النبي " ص " أمره بالدنو منه عند عقيبه وان يترك الادب ، ثم واي غرض يمكن أن يكون للنبى في الاطلاع عليه عند هذه الحال ، اما استحيى أما خاف أهل الاسلام في رواية هذا المحال .


ومن ذلك ما رواه الحميدى في الجمع بين الصحيحين ايضا في الحديث الخامس والخمسين من أفراد البخاري من مسند أبى هريرة قال : واتى النبي " ص " بني حارثة فقال أراكم يا بنى حارثة قد خرجتم من الحرم ، ثم التفت فقال : بل أنتم فيه ( 2 ) .


( قال عبد المحمود ) : يا لله وللعقول كيف يقول هؤلاء عن رجل ذكروا أنه لا ينطق عن الهوى ان هو الاوحي يوحى ، ولو لم يات في قرآنهم هذه الاية فان نبيهم ما كان بصفة من يستعجل في أمر قبل تحقيقه ، فكيف صدقوا وصححوا أنه قال ما ليس بحق ثم رده على نفسه وكشف لهم عن غلطه ؟ وهل كان يجوز

 

* ( هامش ) *
( 1 ) رواه مسلم في صحيحه : 1 / 228 . ( 2 ) البخاري في صحيحه 2 / 221 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 372

أن يقبل عليه في ذلك شهادة مسلم ، ولو ان مسلما ادعى عليه مثل هذا وجب ان يحكم عليه بالردة أو نحوها ويستتاب ، الحمد لله على التنزه مما حصل لهؤلاء في رسوله ، ونساله ان يوفقنا لمراضبه .


ومن ذلك ما رواه الحميدي في كتاب الجمع بين الصحيحين أيضا في الحديث الثالث من أفراد مسلم من مسند رافع بن خديج قال : قدم نبى الله " ص " المدينة وهم يابرون النخل فقال : ما تصنعون ؟ قالوا : كنا نصنعه قال : لعلكم لو لم تفعلوا كان

خيرا منه ، فتركوه فنفضت أو فنقصت ثمارها قال : فذكروا ذلك له . فقال : انما أنا بشر مثلكم أذا أمرتكم بشئ من دينكم فخذوا به ، وإذا أمرتكم بشئ من راى فانما أنا بشر ( 1 ) .


ومن مسند طلحة بن عبد الله في الحديث الثالث من افراد مسلم قال : مررت مع رسول الله " ص " بقوم على رؤس النخل ، فقال ما يصنع هؤلاء ؟ فقالوا : يلقحونه يجعلون الذكر في الانثى فقال رسول الله " ص " : ما أظن يغنى ذلك شيئا قال :

فاخبروا بذلك فتركوه ، فاخبر بذلك رسول الله " ص " فقال : ان كان ينفعهم ذلك فليصنعوه فانى انما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن ، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به فانى لن اكذب على الله عز وجل ( 2 ) .


( قال عبد المحمود ) : كيف صدقوا مثل هذا الحديث وصححوه وقد شهدوا في عدة مواضع ان نبيهم " ص " ما كان بصفة من يخفى عليه مثل هذا الامر الذى ما يخفى على الصبيان والنساء ، وانه ما تربى ولا عاش الا مع قوم يعرفون عادة النخل

في التلقيح ، ولو لم يكن تربى معهم فان هذا ما هو من الامور الخفية على الخلائق ، ولو كان ذلك قد خفى عليه ما كان بصفة من يستعجل السؤال والتحقيق ، وكيف يفعل ذلك من يتضمن كتابه انه ما ينطق عن الهوى ؟

 

* ( هامش ) *
( 1 - 2 ) مسلم في صحيحه : 4 / 1835 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 373

وكيف يقتدى عاقل بقوم هذه رواياتهم ومقالاتهم ؟ لقد استحييت لهؤلاء الاربعة المذاهب من هذه الامور العجائب .


( ومن طريف ما قبحوا به ذكر نبيهم بما لو ذكر أحد منهم أو من واحد من الصحابة كذبوه ، ما ذكره عبد الرحمن بن جوزي في كتاب مرآة من الجياد في باب السبق بالمصارعة قال ما هذا لفظه ورفعه الى أبي عبد الله بن حرب قال : صارع رسول

" ص " أبا دكانه في الجاهلية وكان شديدا شاة بشاة ، ودنى فصرعه النبي ثلاث مرات ، فقال أبو دكانه ما اقول لاهلي شاة أكله الذئب وشاة تسرق فما أقول للثلاث فقال " ص " ما كنا لنصرعك لنجمع عليك ان نصرعك ونغرمك ، خذ غنمك .


( قال عبد المحمود ) : كيف تلزمونا أيها المسلمون إذا أنكرنا نبوة نبيكم . وأنتم تقولون عنه مثل هذه الروايات التى لا تليق بالفضلاء ولا بالعقلاء فكيف عن الانبياء ، وهل بلغتم من الجهل الى ان تقولوا أنه كان في الجاهلية مثل بعضهم في

المصارعة واللعب وأحوال أهل السفه ، أعنت يابن الجوزى على هدم الاسلام وبطلان النبوة وأشمت قلوب الاعداء وجعلت الحجة للزنادقة على مخالفة المسلمين ، فان لم يكن لكم دين أما كان لك عقل يردك عن هذه الفضائح التى نسبتها الى دين الاسلام ) .


( قال عبد المحمود ) : فقد عرفتك طرفا مما ذكروه عن الانبياء وعن نبيهم من الامور التى ما كان يجوز تصديقها عنهم ، ولا كان يحل ان يقبلوا ممن ينقل ما يقتضى النفور منهم ، ومع هذا فقد قبلوا ونقلوا وصححوا فكيف يقتدى بقوم يصفون نبيهم بهذه الصفات ويصدقون عنه مثل هذه الروايات .

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

صفحة الكتب

 

فهرس الكتاب