النبي لم يترك امته بغير وصية

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 381

في ان النبي " ص " لم يترك امته بغير وصية

ومن طرائف الامور التى أقدم عليها هؤلاء الاربعة المذاهب وأمثالهم ،
 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 382

وكابروا فيها المعقول والمنقول ، وناقضوا بها العادات ، وما قدموه من الروايات التى اجمعوا على صحتها ، وانهم مع قولهم ان نبيهم محمدا " ص " كان أعقل العقلاء وأفضل الانبياء ، وأنه كان شفيقا على امته ورحيما لاهل ملته ، وأنه ما كان يسافر

عنهم حتى يجعل لهم من ينوبه فيهم وينظر في مصالحهم ، وانه كان إذا نفذ سرية أو جيشا يقول ان قتل أميركم فالامير فلان فان قتل فلان ففلان الاخر عوضه ، ورووا في ذلك أخبارا في صحاحهم .


فمنها ما ذكره الحميدى في الجمع بين الصحيحين في الحديث الخامس والخمسين من أفراد مسلم من مسند عبد الله بن عمر قال : أمر النبي " ص " في غزوة موتة زيد بن حارثة وقال : ان قتل زيد فجعفر ، فان قتل جعفر فعبد الله بن رواحة .
 

وكل ذلك فعله نبيهم لئلا يقع بينهم اختلاف ولئلا ينشر أمرهم ، وان شفقته عليهم بلغت الى انه أمرهم الا يبيت أحد منهم ألا ووصيته تحت رأسه ، وانه من مات بغير وصية مات ميته جاهلية ، ورووا في ذلك أخبارا .


فمنها في بعض ما ذكرناه ما ذكره الحميدى في الجمع بين الصحيحين في الحديث الثامن والستين بعد المائة من المتفق عليه من مسند عبد الله بن عمر بن الخطاب ان رسول الله " ص " قال : ما حق أمرء مسلم له شئ يريد أن يوصى فيه ، يبيت ليلتين الا ووصيته مكتوبة عنده . ( 1 ) .


وقد تقدم من روايتهم عنه " ص " في صحاحهم أنه أوصى ان الامر في قريش ، ثم عين على بنى هاشم وأهل بيته ، وجعلهم خلفاء بعد وفاته ، وتقدم أيضا رواياتهم عنه في تعيينة على بن ابى طالب عليه السلام في عدة مقامات بروايات متواتره .

 

* ( هامش ) *
( 1 ) رواه مسلم في صحيحه : 3 / 1249 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 383

وروى الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الثاني والسبعين من المتفق عليه من مسند عائشة قال : كانت عائشة تحدث ان النبي " ص " قال بعد ما دخل بيتى واشتد وجعه : أهريقوا علي من سبع قرب لم تحل أو كيتهن لعلي ان أعهد الى

الناس ، فاجلسناه في مخضب لحفصة زوجة النبي " ص " ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب حتى طفق يشير الينا ان قد فعلتن . قالت : ثم خرج الى الناس فصلى بهم وخطبهم .


( قال عبد المحمود ) : ومع هذا كله فان الاربعة المذاهب كابروا وباهتوا وقالوا ان نبيهم ما أوصى بهم ، وانه ترك امته جميعا بغير وصية منه فيهم ، ولا اختار لهم أحدا يقوم مقامه ، ولا قال لهم اختاروا أنتم ، وأنه تركهم حتى اختلفوا بعده ، واختلط أمورهم غاية الاختلال وشهد بعضهم على بعض بالضلال .


( قال عبد المحمود ) : لقد ركب القائلون بذلك مركبا عظيما من البهتان لا يجوز أن يستحسنه أحد من أهل العقول والاديان ، فانه لو لم يصفوه بما وصفوه من الشفقة عليهم والاحسان إليهم ولا رووا ما رووا من وصاياه وكانوا لا يعرفون على الجملة

ما جرت الحال عليه ، وجب أن يعتقدوا أنه أوصى وأنه لا يجوز وصفه أنه مات بغير وصية وقبل تعيين من يقوم مقامه سواء كان نبيا أو ملكا من الملوك ، فاننا ما عرفنا وما سمعنا أن نبيا قبله مات بغير وصية ، وما مات نبي الا بعد أن عين

على من يقوم مقامه ، وكذلك الملوك إذا لم يحل بينهم وبين وصيتهم حائل ، فكيف أقدموا على تقبيح ذكر نبيهم ؟ ووصفوه بانه ترك ما شهد بوجوبه كافة الانبياء وأعقل العقلاء .


لا سيما وقد ذكروا عنه أنه ما مات فجاة وما مات الا بعد أن ظهر له ولهم أنه يموت في ذلك المرض ، وقد كان يجب عليهم في حكم الوفاء له أنه إذا
 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 384

أورد عليهم حديث يتضمن أنه أوصى بهم وعين لهم عالى من يقوم مقامه أن يفرحوا بذلك الحديث لموافقته للعقول السليمة والاديان المستقيمة والعوائد الصحيحة ، ولا يبدئوا قائله وناقله بالبهتان ويقابلوا الحديث بالهجران .


فكيف وقد روت عترته الذين أمرهم بالتمسك بهم وصية نبيهم بالاسلام والمسلمين وتعيينه على من يقوم مقامه فيهم الى يوم الدين ويصدقوا العترة في تلك الروايات بما تقدم ذكره من رواياتهم في صحاحهم .


ومن طريف بهتهم للمعقول والشرائع والعوائد أنهم يقولون لو كان نبيهم قد أوصى الى أحد أو عين على من يقوم مقامه ما خالفه أحد من الصحابة ، وقد عرفوا وعرف أهل الملل أن أكثر أصحاب نبيهم خالفوه في حياته في حال الشدة وزمان الرخاء


أما الشدة فانهم فارقوه في غزوات جماعة وخذلوه واختاروا أنفسهم عليه ، فمنها غزاة حنين واحد وخيبر وغيرهن ، وقد تضمن كتابهم " ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم يغن عنكم وضاقت عليكم الارض بما رحبت ثم وليتم مدبرين " ( 1 ) وكانوا في تلك الحال نحو عشرة آلاف فلم يتخلف معه أحد الا أقل من عشرة أنفس .


وروى سبعة أنفس فحسب وهم علي بن أبى طالب عليه السلام والعباس والفضل بن العباس وربيعة وأبو سفيان بن حرث بن عبد المطلب واسامة بن زيد وعبيدة بن ام أيمن ، وروى ايمن بن ام أيمن ، وأسلمة الباقون للقتل وشماتة الاعداء وابطال كثير

من شريعته ، لان هذه الغزوات كانت قبل اكمال شريعتهم كما يذكرون وآثروا الحياة الفانية على الحياة الباقية وعلى الله وعلى نبيهم وهو يراهم عيانا ولم يستحيوا منه ولا من الله ولا من العار .

 

* ( هامش ) *
( 1 ) التوبة : 25 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 385

وأما مخالفة أصحابه له في الرخاء والامن فقد تضمن كتابهم ذلك فقال " وإذا راوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين " ( 1 ) فكانوا كما روى إذا سمعوا بوصول تجارة تركوا

الصلاة معه والحياء منه وتركوا المراقبة لله الذي يذكرون أنه أمرهم بالصلاة معه ، ولم يلتفتوا الى حرمة ربهم ولا حرمة نبيهم ولا صلاتهم معه وباعوا ذلك كله بمشاهدة تجارة أو طمع في مكسب منها ، فكيف يستبعد من هؤلاء ان يخالفوه بعد

وفاته في طلب الملك والخلافة والجاه والمال ، وقد انقطعت مشاهدته لهم وحياؤهم منه ، ان استبعاد مخالفتهم له من عجائب الامور وطرائف الدهور . ومن طرائف ما يدل على ان أكثر الصحابة لا يستبعد منهم مخالفة نبيهم بعد وفاته .


ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند أنس بن مالك في الحديث الحادي عشر من المتفق عليه قال : ان ناسا من الانصار قالوا يوم حنين حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء ، فطفق رسول الله " ص " يعطي رجلا من

قريش المائة من الابل ، فقالوا : يغفر الله لرسوله يعطى قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم . وقال الحميدي في الحديث المذكور في حديث هاشم بن زيد عن أنس ان الانصار قال : إذا كانت الشدة فنحن ندعى وتعطى الغنائم غيرنا ، قال ابن شهاب عن أنس : فحدث ذلك رسول الله " ص " فعرفهم .

وفي حديث ذكره : أنه فعل ذلك تالفا لمن أعطاه ، ثم يقول في رواية الزهري عن أنس ان النبي " ص " قال للانصار : انكم ستجدون بعدى أثره شديدة ، فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله على الحوض قال أنس : فلم يصبروا

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الجمعة : 11 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 386

ومن ذلك ما رواه في صحاحهم باتفاقهم ، وقد ذكر مسلم في صحيحه أيضا في المجلد الثالث من حديث عائشة في قصة
الافك فقال فيه ما هذا لفظه قالت : فقام رسول الله " ص " على المنبر فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول قالت : فقال

رسول الله " ص " وهو على المنبر : يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتى ، فوالله ما علمت
على أهل بيتى الا خيرا ، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه الا خيرا وما كان يدخل على أهلي الا معي . فقام سعد بن معاذ

الانصاري فقال : أنا أعذرك منه يا رسول الله ان كان من الاوس ضربنا عنقه ، وان كان من اخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك قالت : فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان رجلا صالحا ولكن اجتهلته الحمية . فقال لسعد بن معاذ : كذبت

لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله . فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة : لعمر الله لنقتله فانك منافق تجادل عن المنافقين ، فثار الحيان الاوس والخزرج حتى هموا ان يقتتلوا ورسول الله " ص " قائم على المنبر ، فلم يزل رسول الله يخفضهم حتى سكتوا وسكت - الخبر ( 1 ) .


( قال عبد المحمود ) : أنظر رحمك الله نظر منصف في هذه الاحاديث المتفق على صحتها عندهم ، وفكر فيما بلغوا إليه من تقبيح ذكر الانصار كافة ، وما ذكروه عنهم وشهدوا به عليهم من سوء معاملتهم ومصاحبتهم لنبيهم في حال حياته بمحضره

وقلة احترامهم له وترك الموافقة في حالتى غضبه ورضاه ، ووقوفهم مع الحسد بنبيهم أو أغراض جاهلية وأحقاد دنيوية ، فكذلك يكون قد حضروا وحضر من حضر منهم يوم السقيفة بمثل هذه الاراء السقيمة والاغراض الذميمة ، واختلفوا فيمن يولونه منهم أو من غيرهم الامارة حتى حضر أبو بكر وعمر
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مسلم في صحيحه : 4 / 2133 - 2134 كتاب التوبة . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 387

وأبو عبيدة واغتنموا اختلاف الانصار ومن حضر السقيفة وتوسلوا الى مبايعة أبي بكر ، وبالله عليك هل ترى يستبعد من هؤلاء الانصار وأمثالهم ان يتركوا النص على علي بن ابى طالب عليه السلام بالخلافة حسدا له ولبني هاشم ويبايعوا أبا بكر

لاغراض دنيوية ، وانهم كانوا يطمعون من أبى بكر بما لا يرجون من على ابن أبى طالب عليه السلام من التماس الولايات والاموال منه بغير حقها .


وانظر رحمك الله كيف أحوجوا نبيهم الى ان قطع الخطبة ومنعوه مما كان قد شرع فيه من التالم من المنافق عبد الله بن أبى سلول ولم يتمكن من الانتصاف من رجل واحد ، حيث كان لهم أغراض فاسدة في منعه من ذلك واختلفوا عليه فاقتصر على الامساك ، فهلا كان حال على عليه السلام معهم وحالهم معه كما جرت الحال مع نبيهم في اختلافهم واختلالهم .


( ومن طريف ما يدل على أن الصحابة يختارون الدنيا على الله والرسول قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدى نجواكم صدقه " ( 1 ) ، وتقدم روايات الاربعة المذاهب بان هذه الاية لم يعمل بها غير على ابن أبى طالب

عليه السلام ، فانظر مضمون تلك الروايات ومضمون قوله تعالى " ءأشفقتم ان تقدموا بين يدى نجواكم صدقات " ( 2 ) وكيف لا يعلم بيقين من هذه الايات ان هؤلاء اختاروا طلب المال الحقير الفاني على ما أتاهم ويأتيهم من معرفة دينهم

وآخرتهم من المخاطبات معه صلوات الله عليه ، وكان قيمة دينهم وسعادة آخرتهم أقل من قيراط وأقل منه ان يصدقوا ويناجوا مع رسولهم ، فكيف يستبعد من هؤلاء الجماعة ان يخالفوا رسولهم بعد وفاته في طلب الملك العقيم والولايات وبلوغ الشهوات واللذات .

 

* ( هامش ) *
( 1 ) المجادلة . 12 . ( 2 ) المجادلة : 13 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 388

ثم انظر قوله تعالى " وتاب الله عليكم " فهو يكشف لك انه وقع منهم بالتأخر من المناجاة والبخل بالصدقات ما يقتضى الخيانات ويحتاج الى ان يتوبوا حتى يتوب الله عليهم ، وهذا واضح من ايثارهم الدنيا على الله والرسول المحسن إليهم ، ثم

ذكر الله تعالى انه تاب عليهم شفقتا بهم لا لانهم تابوا لان التوبة له طرفان طرف من الله تعالى ان يفتح باب قبول التوبة وطرف من العبد بان يتوب ألا ترى قوله تعالى انه قال في موضع آخر " ثم تاب عليهم ليتوبوا " .

وفي آية اخرى قوله تعالى " ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر فإذا عزمت فتوكل على الله ان الله يحب المتوكلين " ( 1 ) .

فانظر في قوله تعالى لنبيه أنهم أقسياء القلوب ان لو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا ، ألا تعلم ان مضمونه يقتضى عقلا ان الباعث لجمعهم واجتماعهم لم يكن الالين جناح النبي صلى الله عليه وآله ولطفه معهم ، لا لا طاعة حكم النبوة واطاعة حكم

رسالته وقوله تعالى " لانفضوا من حولك " يوضح لك هذا المعنى أنه لو كان فظا وغليظ القلب لم يصبروا على نبوته " ص " ولم يقيموا على حكم رسالته ، وقوله تعالى " فاعف عنهم " يكشف لك أنهم كانوا على صفات مهلكة وجنايات مفضحة

التي تحتاج الى العفو عنهم ، وقوله تعالى " واستغفر لهم " يؤكد ذلك الى نهاية الغاية . وقوله تعالى " وشاورهم في الامر " يدل على ضعف دينهم وأنهم كانوا مؤلفة يحتاجون الى تأليف قلوبهم ، وقوله تعالى " فإذا عزمت " حيث جعل المدار على

عزمه ولم يقل وإذا قالوا لك أو إذا عزموا كلها يدل بوضوح ان حالهم كان حال المؤلفة ، وكل واحد منها يشهد بضعف ايمانهم وسخافة رأيهم ، فكيف

 

* ( هامش ) *
( 1 ) آل عمران : 159 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 389

يليق باحد منهم ان يقتدي به أهل الفهم أو يعتمد الى حديثهم بعد هذا الايضاح والاعلام وخاصة أنهم يزعمون ان الذين شاورهم محمد " ص " كان أبو بكر وعمر منهم وكانوا في حكم الاسلام .


وقال الزمخشري في كتاب الكشاف في تفسير قوله تعالى " ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك " قال : لتفرقوا عنك حتى لا يبقى حولك أحد منهم ( 1 ) .


وقال الزمخشري في تفسير قوله تعالى " لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الامور " ( 2 ) روى عن ابن جريح انه قال : وقفوا لرسول الله " ص " على الثنية ليلة العقبة وهم اثنا عشر رجلا ليفتكوا به ( 3 ) .


وقال الزمخشري في تفسير قوله تعالى " وهموا بما لم ينالوا " ( 4 ) وهو الفتك برسول الله صلى الله عليه وآله وذلك عند مرجعه من تبوك ، تواثق خمسة عشر منهم على أن يدفعوه عن راحلته الى الوادي إذا تسنم العقبة بالليل ، فاخذ عمار بن

ياسر بخطام راحلته يقودها وحذيفة خلفها يسوقها ، فبينما هما كذلك إذ سمع حذيفة بوقع أخفاف الابل وبقعقعة السلاح فالتفت فإذا قوم متلثمون فقال : اليكم اليكم يا أعداء الله فهربوا ) ( 5 ) .


ومن ذلك ما رواه الحميدي أيضا في مسند أبى هريرة في الحديث الرابع والثمانين بعد المائة من أفراد مسلم ان النبي لما فتح مكة وقتل جماعة من

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الكشاف : 1 / 474 . ( 2 ) التوبة : 48 . ( 3 ) الكشاف : 2 / 194 . ( 4 ) التوبة : 74 . ( 5 ) الكشاف : 2 / 203 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 390

أهلها ، فجاء أبو سفيان فقال : يا رسول الله أبيدت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم فقال : من دخل دار أبى سفيان فهو آمن ومن ألقى السلاح فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن . فقالت الانصار بعضهم لبعض : أما الرجل فادركته رغبة في قومه ورافة بعشيرته ، وفي رواية اخرى : أما فقد أخذته رافة بعشيرته ورغبة في قريته ( 1 ) .


ومن ذلك ما رواه الحميدي أيضا في مسند عائشة الحديث التاسع عشر من المتفق عليه من عدة طرق قالت : ان النبي " ص " قال لها : يا عائشة لو لا ان قومك حديثو عهد بجاهلية .

وفي رواية اخرى حديثو عهد بكفر ، وفي رواية حديثو عهد بشرك ، فاخاف أن تنكر قلوبهم ، لامرت بالبيت فهدم ، فادخلت فيه ما أخرج منه ، وألزقتها بالارض ، وجعلت لها بابين بابا شرقيا وبابا غربيا ، فبلغت به أساس ابراهيم ( 2 ) وقد ذكروا

ان كتابهم يتضمن وصف جماعة من صحابة نبيهم قال فيهم " ومنهم من يلمزك في الصدقات فان أعطوا منها رضوا وان لم يعطوا منها إذا هم يسخطون " .


( قال عبد المحمود ) : فإذا كانت الانصار كلهم أو اكثرهم وهم من أعيان الصحابة يجاهرون في الشك بنبيهم وسوء الظن به لاجل قسمة غنيمة هوازن ، ويمنعونه من التالم من المنافق عبد الله بن ابى سلول ، ويتهمونه في العفو عن بعض قريش ،

وكان نبيهم في تقية من قوم عائشة وهم من أعيان المهاجرين والصحابة ، ويخاف من سوء سرائرهم في هدم الكعبة واصلاح بنائها ، وان جماعة من صحابته يسخطهم المنع من الصدقات ويرضيهم وصول شئ منها
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) رواه مسلم في صحيحه : 3 / 1406 و 1408 كتاب الجهاد . ( 2 ) رواه مسلم في صحيحه : 2 / 968 - 973 كتاب الحج . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 391

إليهم ، وهذا جميعه قد وقع منهم في حياة نبيهم ووقت المراقبة له والخوف منه والرجاء له ، فكيف يستبعد من هؤلاء ان يخالفوه بعد وفاته ؟ بل كيف يثق عاقل من هؤلاء أنهم يتركون أغراضهم الدنيوية وأحقادهم وحسدهم لاهل الفضائل وطلبهم الدنيا بعد نبيهم ، ما يستبعد ذلك مع معرفته بهذه الاسباب الا من لا يعد من ذوى الالباب .


ومن ذلك ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند عبد الله بن عمرو بن العاص في الحديث الحادى عشر من أفراد مسلم قال : ان النبي " ص " قال : إذا فتحت عليكم خزائن فارس والروم أي قوم أنتم ؟ قال عبد الرحمن بن عوف :

نكون كما أمرنا الله فقال رسول الله ص " : تتنافسون ثم تتحاسدون ثم تتدابرون ثم تتباغضون ، وفى رواية ثم تنطلقون الى مساكن المهاجرين ، فتجعلون بعضهم على رقاب بعض ( 1 ) .


( قال عبد المحمود ) : انظر رحمك الله الى ما قد شهدوا به من ذم نبيهم لاصحابه ، فكيف يستبعد من قوم يكونون بهذه الصفات ان يخالفوا نبيهم في الحياة وبعد الوفاة . ومن ذلك ما رواه الحميدى أيضا في الجمع بين الصحيحين في مسند

المسيب بن حزن بن أبى وهب من أفراد البخاري أن سعيد بن المسيب حدث ان جده حزنا قد قدم على النبي " ص " فقال : ما اسمك ؟ قال : اسمى حزن ابن أبى وهب . قال بل أنت سهل . قال : لست اغير أسما سمانيه أبى .

وفي رواية اخرى من الحديث المذكور لا أغير أسما سمانيه أبى . قال المسيب : فما زالت فينا الحزونة بعد ( 2 ) .

 

* ( هامش ) *
( 1 ) رواه مسلم في صحيحه : 4 / 2274 كتاب الزهد . ( 2 ) البخاري في صحيحه : 7 / 117 وفيه " أباه " بدل جده . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 392

( قال عبد المحمود ) : انظر كيف شهدوا على هذا الصحابي بالمخالفة لرسولهم فيما لا يدخل عليه به ضرر بل فيه منفعة ، ثم اعتبر بذلك كيف كان الاقدام من الصحابة على مخالفة نبيهم لا يضر فكيف لا يخالفونه في الخلافة والملك العقيم .


ومن ذلك ما رواه الحميدي أيضا في كتابه المذكور في الحديث الرابع بعد المائتين من المتفق عليه من مسند أبى هريرة من حديث مالك عن أبى الزياد عن الاعرج عن أبى هريرة ان رسول الله " ص " قال : والذى نفسي بيده لقد هممت أن آمر أن

يجمعوا حطبا ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلا يؤم الناس ثم اخالف الى رجال يتخلفون عنها فاحرق عليهم بيوتهم ، والذى نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقا سمينا ما تأخر أن يشهد معنا العشاء ( 1 ) .


( قال عبد المحمود ) : انظر الى ما في هذا الحديث من بلوغ ذم نبيهم لجماعة من أصحابه الى هذه الغاية ، ثم تعجب من مخالفتهم له في هذا الامر اليسير من الصلاة معه جماعة حتى بلغ الغضب من الله ومنه الى هذا الحد ، فكيف يستبعد من هؤلاء المخالفة بعد الوفاة .


ومن ذلك ما رواه الحميدي أيضا في الجمع بين الصحيحين في مسند حذيفة بن اليمان في الحديث السادس عشر عن يزيد بن زيد قال : كنا حذيفة فقال رجل : لو أدركت رسول الله " ص " قاتلت معه وأبليت . فقال حذيفة : أنت كنت تفعل ذلك ؟ لقد

رايتنا مع رسول الله ليلة الاحزاب وأخذتنا ريح شديدة وقر ، فقال رسول الله : ألا رجل ياتيني بخبر القوم جعله الله معى يوم القيامة ؟ فسكتنا فلم يجبه منا أحد . ثم قال : ألا رجل ياتينا بخبر القوم جعله

 

* ( هامش ) *
( 1 ) رواه مسلم في صحيحه : 1 / 451 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 393

الله معى يوم القيامة ؟ فسكتنا فلم يجبه منا أحد . فقال : قم يا حذيفة فاتنا بخبر القوم ، فلم أجد بدا إذ دعاني باسمى الا ان أقوم . فقال : اذهب فاتني بخبر القوم ولا تذعرهم علي ، فلما وليت من عنده جعلت كانما أمشى في حمام حتى أتيتهم فرايت أبا

سفيان يصلي ظهره بالنار ، فوضعت سهما في كبد القوس فاردت أن أرمية فذكرت قول رسول الله " ص " ولا تذعرهم علي ولو رميته لاصبته ، فرجعت وأنا أمشى في مثل الحمام ، فلما أتيته فاخبرته بخبر القوم وفرغت ، قررت فالبسني رسول الله " ص " من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها ، فلم أزل نائما حتى أصبحت ، فلما أصبحت قال : فم يا نومان ( 1 ) .


( قال عبد المحمود ) : فهذه شهادة البخاري ومسلم في صحاحهما وشهادة من صدقهما على الصحابة بالخذلان والاعراض وقلة القبول منه وترك الحياء وترك المراقبة لله ، وايثارهم الحياة الفانية على الله ورسوله والجهاد في سبيله فكيف يستبعد

من هؤلاء المخالفة لنبيهم بعد وفاته وقد جاهروه بالمخالفة في حياته ؟ وكيف يستبعد اهمال كثير من المسلمين لوصايا نبيهم وتركهم العمل باقواله والاقتداء بافعاله ؟ وقد اختلفوا غاية الاختلاف في فرائض كانت مشهورة في زمانه وكان يكررها

عليهم كالاذان والوضوء وتفصيل الصلوات ، وغيرها من الفرائض التى كانت تتكرر بينهم أكثر الاوقات ، فاضاعوها وفرطوا فيها حتى صار المعلوم مجهولا والصحيح معلولا .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) رواه مسلم في صحيحه : 3 / 1414 كتاب الجهاد . ( * )

 


 

 

الصفحة الرئيسية

 

صفحة الكتب

 

فهرس الكتاب