|
النبي لم يترك امته
بغير وصية |
|
|
في ان النبي " ص " لم يترك امته بغير وصية
ومن طرائف الامور التى أقدم عليها هؤلاء الاربعة
المذاهب وأمثالهم ،
وكابروا فيها المعقول والمنقول ، وناقضوا بها العادات ، وما قدموه من الروايات التى اجمعوا على صحتها ، وانهم مع قولهم ان نبيهم محمدا " ص " كان أعقل العقلاء وأفضل الانبياء ، وأنه كان شفيقا على امته ورحيما لاهل ملته ، وأنه ما كان يسافر عنهم حتى يجعل لهم من ينوبه فيهم وينظر في مصالحهم ، وانه كان إذا نفذ سرية أو جيشا يقول ان قتل أميركم فالامير فلان فان قتل فلان ففلان الاخر عوضه ، ورووا في ذلك أخبارا في صحاحهم .
وكل ذلك فعله نبيهم لئلا يقع بينهم اختلاف ولئلا ينشر أمرهم ، وان شفقته عليهم بلغت الى انه أمرهم الا يبيت أحد منهم ألا ووصيته تحت رأسه ، وانه من مات بغير وصية مات ميته جاهلية ، ورووا في ذلك أخبارا .
وروى الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الثاني والسبعين من المتفق عليه من مسند عائشة قال : كانت عائشة تحدث ان النبي " ص " قال بعد ما دخل بيتى واشتد وجعه : أهريقوا علي من سبع قرب لم تحل أو كيتهن لعلي ان أعهد الى الناس ، فاجلسناه في مخضب لحفصة زوجة النبي " ص " ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب حتى طفق يشير الينا ان قد فعلتن . قالت : ثم خرج الى الناس فصلى بهم وخطبهم .
ما جرت الحال عليه ، وجب أن يعتقدوا أنه أوصى وأنه لا يجوز وصفه أنه مات بغير وصية وقبل تعيين من يقوم مقامه سواء كان نبيا أو ملكا من الملوك ، فاننا ما عرفنا وما سمعنا أن نبيا قبله مات بغير وصية ، وما مات نبي الا بعد أن عين على من يقوم مقامه ، وكذلك الملوك إذا لم يحل بينهم وبين وصيتهم حائل ، فكيف أقدموا على تقبيح ذكر نبيهم ؟ ووصفوه بانه ترك ما شهد بوجوبه كافة الانبياء وأعقل العقلاء .
أورد عليهم حديث يتضمن أنه أوصى بهم وعين لهم عالى من يقوم مقامه أن يفرحوا بذلك الحديث لموافقته للعقول السليمة والاديان المستقيمة والعوائد الصحيحة ، ولا يبدئوا قائله وناقله بالبهتان ويقابلوا الحديث بالهجران .
من شريعته ، لان هذه الغزوات كانت قبل اكمال شريعتهم كما يذكرون وآثروا الحياة الفانية على الحياة الباقية وعلى الله وعلى نبيهم وهو يراهم عيانا ولم يستحيوا منه ولا من الله ولا من العار .
وأما مخالفة أصحابه له في الرخاء والامن فقد تضمن كتابهم ذلك فقال " وإذا راوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين " ( 1 ) فكانوا كما روى إذا سمعوا بوصول تجارة تركوا الصلاة معه والحياء منه وتركوا المراقبة لله الذي يذكرون أنه أمرهم بالصلاة معه ، ولم يلتفتوا الى حرمة ربهم ولا حرمة نبيهم ولا صلاتهم معه وباعوا ذلك كله بمشاهدة تجارة أو طمع في مكسب منها ، فكيف يستبعد من هؤلاء ان يخالفوه بعد وفاته في طلب الملك والخلافة والجاه والمال ، وقد انقطعت مشاهدته لهم وحياؤهم منه ، ان استبعاد مخالفتهم له من عجائب الامور وطرائف الدهور . ومن طرائف ما يدل على ان أكثر الصحابة لا يستبعد منهم مخالفة نبيهم بعد وفاته .
قريش المائة من الابل ، فقالوا : يغفر الله لرسوله يعطى قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم . وقال الحميدي في الحديث المذكور في حديث هاشم بن زيد عن أنس ان الانصار قال : إذا كانت الشدة فنحن ندعى وتعطى الغنائم غيرنا ، قال ابن شهاب عن أنس : فحدث ذلك رسول الله " ص " فعرفهم . وفي حديث ذكره : أنه فعل ذلك تالفا لمن أعطاه ، ثم يقول في رواية الزهري عن أنس ان النبي " ص " قال للانصار : انكم ستجدون بعدى أثره شديدة ، فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله على الحوض قال أنس : فلم يصبروا
ومن ذلك ما رواه في صحاحهم باتفاقهم
، وقد ذكر مسلم في صحيحه أيضا في المجلد الثالث من حديث عائشة في قصة رسول الله " ص " وهو على المنبر : يا معشر المسلمين من يعذرني
من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتى ، فوالله ما علمت الانصاري فقال : أنا أعذرك منه يا رسول الله ان كان من الاوس ضربنا عنقه ، وان كان من اخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك قالت : فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان رجلا صالحا ولكن اجتهلته الحمية . فقال لسعد بن معاذ : كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله . فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة : لعمر الله لنقتله فانك منافق تجادل عن المنافقين ، فثار الحيان الاوس والخزرج حتى هموا ان يقتتلوا ورسول الله " ص " قائم على المنبر ، فلم يزل رسول الله يخفضهم حتى سكتوا وسكت - الخبر ( 1 ) .
وقلة احترامهم له وترك الموافقة في حالتى غضبه ورضاه ،
ووقوفهم مع الحسد بنبيهم أو أغراض جاهلية وأحقاد دنيوية ، فكذلك يكون قد حضروا
وحضر من حضر منهم يوم السقيفة بمثل هذه الاراء السقيمة والاغراض الذميمة ،
واختلفوا فيمن يولونه منهم أو من غيرهم الامارة حتى حضر أبو بكر وعمر
وأبو عبيدة واغتنموا اختلاف الانصار ومن حضر السقيفة وتوسلوا الى مبايعة أبي بكر ، وبالله عليك هل ترى يستبعد من هؤلاء الانصار وأمثالهم ان يتركوا النص على علي بن ابى طالب عليه السلام بالخلافة حسدا له ولبني هاشم ويبايعوا أبا بكر لاغراض دنيوية ، وانهم كانوا يطمعون من أبى بكر بما لا يرجون من على ابن أبى طالب عليه السلام من التماس الولايات والاموال منه بغير حقها .
عليه السلام ، فانظر مضمون تلك الروايات ومضمون قوله تعالى " ءأشفقتم ان تقدموا بين يدى نجواكم صدقات " ( 2 ) وكيف لا يعلم بيقين من هذه الايات ان هؤلاء اختاروا طلب المال الحقير الفاني على ما أتاهم ويأتيهم من معرفة دينهم وآخرتهم من المخاطبات معه صلوات الله عليه ، وكان قيمة دينهم وسعادة آخرتهم أقل من قيراط وأقل منه ان يصدقوا ويناجوا مع رسولهم ، فكيف يستبعد من هؤلاء الجماعة ان يخالفوا رسولهم بعد وفاته في طلب الملك العقيم والولايات وبلوغ الشهوات واللذات .
ثم انظر قوله تعالى " وتاب الله عليكم " فهو يكشف لك انه وقع منهم بالتأخر من المناجاة والبخل بالصدقات ما يقتضى الخيانات ويحتاج الى ان يتوبوا حتى يتوب الله عليهم ، وهذا واضح من ايثارهم الدنيا على الله والرسول المحسن إليهم ، ثم ذكر الله تعالى انه تاب عليهم شفقتا بهم لا لانهم تابوا لان التوبة له طرفان طرف من الله تعالى ان يفتح باب قبول التوبة وطرف من العبد بان يتوب ألا ترى قوله تعالى انه قال في موضع آخر " ثم تاب عليهم ليتوبوا " . وفي آية اخرى قوله تعالى " ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر فإذا عزمت فتوكل على الله ان الله يحب المتوكلين " ( 1 ) . فانظر في قوله تعالى لنبيه أنهم أقسياء القلوب ان لو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا ، ألا تعلم ان مضمونه يقتضى عقلا ان الباعث لجمعهم واجتماعهم لم يكن الالين جناح النبي صلى الله عليه وآله ولطفه معهم ، لا لا طاعة حكم النبوة واطاعة حكم رسالته وقوله تعالى " لانفضوا من حولك " يوضح لك هذا المعنى أنه لو كان فظا وغليظ القلب لم يصبروا على نبوته " ص " ولم يقيموا على حكم رسالته ، وقوله تعالى " فاعف عنهم " يكشف لك أنهم كانوا على صفات مهلكة وجنايات مفضحة التي تحتاج الى العفو عنهم ، وقوله تعالى " واستغفر لهم " يؤكد ذلك الى نهاية الغاية . وقوله تعالى " وشاورهم في الامر " يدل على ضعف دينهم وأنهم كانوا مؤلفة يحتاجون الى تأليف قلوبهم ، وقوله تعالى " فإذا عزمت " حيث جعل المدار على عزمه ولم يقل وإذا قالوا لك أو إذا عزموا كلها يدل بوضوح ان حالهم كان حال المؤلفة ، وكل واحد منها يشهد بضعف ايمانهم وسخافة رأيهم ، فكيف
يليق باحد منهم ان يقتدي به أهل الفهم أو يعتمد الى حديثهم بعد هذا الايضاح والاعلام وخاصة أنهم يزعمون ان الذين شاورهم محمد " ص " كان أبو بكر وعمر منهم وكانوا في حكم الاسلام .
ياسر بخطام راحلته يقودها وحذيفة خلفها يسوقها ، فبينما هما كذلك إذ سمع حذيفة بوقع أخفاف الابل وبقعقعة السلاح فالتفت فإذا قوم متلثمون فقال : اليكم اليكم يا أعداء الله فهربوا ) ( 5 ) .
أهلها ، فجاء أبو سفيان فقال : يا رسول الله أبيدت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم فقال : من دخل دار أبى سفيان فهو آمن ومن ألقى السلاح فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن . فقالت الانصار بعضهم لبعض : أما الرجل فادركته رغبة في قومه ورافة بعشيرته ، وفي رواية اخرى : أما فقد أخذته رافة بعشيرته ورغبة في قريته ( 1 ) .
وفي رواية اخرى حديثو عهد بكفر ، وفي رواية حديثو عهد بشرك ، فاخاف أن تنكر قلوبهم ، لامرت بالبيت فهدم ، فادخلت فيه ما أخرج منه ، وألزقتها بالارض ، وجعلت لها بابين بابا شرقيا وبابا غربيا ، فبلغت به أساس ابراهيم ( 2 ) وقد ذكروا ان كتابهم يتضمن وصف جماعة من صحابة نبيهم قال فيهم " ومنهم من يلمزك في الصدقات فان أعطوا منها رضوا وان لم يعطوا منها إذا هم يسخطون " .
وكان نبيهم في تقية من قوم عائشة وهم من أعيان المهاجرين
والصحابة ، ويخاف من سوء سرائرهم في هدم الكعبة واصلاح بنائها ، وان جماعة من
صحابته يسخطهم المنع من الصدقات ويرضيهم وصول شئ منها
إليهم ، وهذا جميعه قد وقع منهم في حياة نبيهم ووقت المراقبة له والخوف منه والرجاء له ، فكيف يستبعد من هؤلاء ان يخالفوه بعد وفاته ؟ بل كيف يثق عاقل من هؤلاء أنهم يتركون أغراضهم الدنيوية وأحقادهم وحسدهم لاهل الفضائل وطلبهم الدنيا بعد نبيهم ، ما يستبعد ذلك مع معرفته بهذه الاسباب الا من لا يعد من ذوى الالباب .
نكون كما أمرنا الله فقال رسول الله ص " : تتنافسون ثم تتحاسدون ثم تتدابرون ثم تتباغضون ، وفى رواية ثم تنطلقون الى مساكن المهاجرين ، فتجعلون بعضهم على رقاب بعض ( 1 ) .
المسيب بن حزن بن أبى وهب من أفراد البخاري أن سعيد بن المسيب حدث ان جده حزنا قد قدم على النبي " ص " فقال : ما اسمك ؟ قال : اسمى حزن ابن أبى وهب . قال بل أنت سهل . قال : لست اغير أسما سمانيه أبى . وفي رواية اخرى من الحديث المذكور لا أغير أسما سمانيه أبى . قال المسيب : فما زالت فينا الحزونة بعد ( 2 ) .
( قال عبد المحمود ) : انظر كيف شهدوا على هذا الصحابي بالمخالفة لرسولهم فيما لا يدخل عليه به ضرر بل فيه منفعة ، ثم اعتبر بذلك كيف كان الاقدام من الصحابة على مخالفة نبيهم لا يضر فكيف لا يخالفونه في الخلافة والملك العقيم .
يجمعوا حطبا ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلا يؤم الناس ثم اخالف الى رجال يتخلفون عنها فاحرق عليهم بيوتهم ، والذى نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقا سمينا ما تأخر أن يشهد معنا العشاء ( 1 ) .
رايتنا مع رسول الله ليلة الاحزاب وأخذتنا ريح شديدة وقر ، فقال رسول الله : ألا رجل ياتيني بخبر القوم جعله الله معى يوم القيامة ؟ فسكتنا فلم يجبه منا أحد . ثم قال : ألا رجل ياتينا بخبر القوم جعله
الله معى يوم القيامة ؟ فسكتنا فلم يجبه منا أحد . فقال : قم يا حذيفة فاتنا بخبر القوم ، فلم أجد بدا إذ دعاني باسمى الا ان أقوم . فقال : اذهب فاتني بخبر القوم ولا تذعرهم علي ، فلما وليت من عنده جعلت كانما أمشى في حمام حتى أتيتهم فرايت أبا سفيان يصلي ظهره بالنار ، فوضعت سهما في كبد القوس فاردت أن أرمية فذكرت قول رسول الله " ص " ولا تذعرهم علي ولو رميته لاصبته ، فرجعت وأنا أمشى في مثل الحمام ، فلما أتيته فاخبرته بخبر القوم وفرغت ، قررت فالبسني رسول الله " ص " من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها ، فلم أزل نائما حتى أصبحت ، فلما أصبحت قال : فم يا نومان ( 1 ) .
من هؤلاء المخالفة لنبيهم بعد وفاته وقد جاهروه بالمخالفة في حياته ؟ وكيف يستبعد اهمال كثير من المسلمين لوصايا نبيهم وتركهم العمل باقواله والاقتداء بافعاله ؟ وقد اختلفوا غاية الاختلاف في فرائض كانت مشهورة في زمانه وكان يكررها عليهم كالاذان والوضوء وتفصيل الصلوات ، وغيرها من الفرائض
التى كانت تتكرر بينهم أكثر الاوقات ، فاضاعوها وفرطوا فيها حتى صار المعلوم
مجهولا والصحيح معلولا .
|
|