عدم صلاحية الامم لاختيار الخليفة

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 393

عدم صلاحية الامم لاختيار الخليفة

ومن طرائف إمرهم أنهم يقولون أو يعتقدون ان نبيهم ترك الوصية ولم

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 394

يعين على من يقوم مقامه في أمته ، وان صلحاء الامة وخيارهم يختارون من يقوم مقام نبيهم بتعيينهم ، وما أدرى كيف استحسنوا لانفسهم ودينهم ذلك مع تضمنه كتابهم وأخبارهم من كون جماعة من الانبياء الذين ينظرون بنور النبوة وبصيرة

الرسالة والمكاشفة الالهية والمخالطة للملائكة ، ومع هذا كله فانهم اختاروا رجالا من قومهم بعد الاختبار والتجربة والصحبة ، فظهر ضرر لهم اختيارهم وان الصواب كان في خلاف اختيارهم .

فمنهم يعقوب عليه السلام اختار أولاده لحفظ ولده يوسف عليه السلام فظهر له ضرر اختياره . ومن ذلك موسى عليه السلام أختار قومه وهم ألوف سبعين رجلا لميقات ربه فلما حضروا معه قالوا : أرنا الله جهرة فاخذتهم الصاعقة ، وبلغ حالهم الى ان ظهر له أنهم سفهاء فقال موسى عليه السلام : أفتهلكنا بما فعل السفهاء منا .


ومن ذلك ان نبيهم اختار خالد بن الوليد ونفذه الى بنى جذيمة ليصلح أمرهم فقتلهم واسرهم ، وقتل فيهم باحقاد كانت بينه وبينهم في الجاهلية ، حتى بعث نبيهم على بن أبى طالب عليه السلام فاستدرك ما فعل خالد وأرضاهم ، وقال نبيهم : اللهم انى أبرئ مما فعل خالد .


وقد روى حديث خالد الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الثالث من افراد البخاري من مسند ابن عمر قال : بعث رسول الله " ص " خالد ابن الوليد الى بنى جذيمة ، فدعاهم الى الاسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا ، فجعلوا يقولون صبانا

صبانا ، فجعل خالد يقتل منهم وياسر ، ودفع الى كل رجل منا اسيره حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره ، فقلت والله لا اقتل أسيري ولا يقتل رجل من اصحابي أسيره ، حتى قدمنا على رسول الله " ص " فذكرناه له فرفع يديه فقال : اللهم انى ابرئ اليك مما صنع خالد
 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 395

مرتين .

( قال عبد المحمود ) : فلو كان خالد معذورا فيما اعتذر به من قتلهم لما قال نبيهم : اللهم انى أبرأ اليك مما صنع خالد ، ثم انظر الى اقدام خالد على مخالفة نبيهم في حياته وما ظهر منه ، وكان الصواب ترك ولاية خالد ومحبته عند من يقول بصحة الخبر المذكور .


ومن ذلك ما تقدمت روايتهم في صحاحهم ان نبيهم اختار أبا بكر ونفذه الى خيبر ، فرجع هاربا أو معتذرا وظهر ضرر اختياره له ، وفي رواية اخرى انه اختار ايضا عمر بعد انكسار أبى بكر ، فرجع أيضا ولم يفتح له .


ومن ذلك ما تقدمت روايتهم في تادية أبى بكر سورة البرائة عند من يقول ان انفاذ نبيهم أبا بكر بالايات من البرائة كان لحسن ظنه به ، وكيف رد الله اختياره وكشف ان الصواب في ترك انفاذه .


( قال عبد المحمود ) : فإذا كان الانبياء مع كمالهم وعصمتهم قد ظهر ضرر اختيارهم لكثير من الرجال ، فكيف تحصل الثقة باختيار بعض الصحابة ممن يمكن أن يكونوا وقت اختيارهم في باطن حالهم غير صالحين ولا مامونين ؟ ان تفضيل اختيار قوم غير مقطوع على عصمتهم عندهم من الصحابة على اختيار الانبياء المعصومين غلط هائل وتدبير آفل .


ومن طريف مناقضتهم في ذلك ما رواه الثعلبي وغيره في تفسير قوله تعالى " له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله " ( 1 ) فقال : ان عامر بن الطفيل جاء الى النبي " ص " فقال : ما لى ان أسلمت ؟ قال : لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم فقال : تجعل لي الامر من بعدك ؟ فقال : ليس ذلك الى انما ذلك الى الله عز وجل يجعله حيث يشاء .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) البخاري في صحيحه : 5 / 107 . ( 2 ) الرعد : 11 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 396

( قال عبد المحمود ) : فما أرى نبيهم قال لعامر بن الطفيل ان ذلك الى اختيار الامة ، فإذا كان الامر في تعيين من يكون قائما مقام نبيهم الى الله وحده يجعله حيث يشاء وان ذلك ليس الى غير الله ، فكيف انفردوا باختيارهم من يقوم مقامه ؟ وجعلوا لانفسهم ما لم يجعله الله لهم ولا لنبيهم ؟ ان ذلك من عجائب المناقضات .


[ ( قال عبد المحمود ) : واعلم أيضا أنى اعتبرت كتبهم في الزهد في ذكر ترك العصبية ، فرأيتهم موافقين مع الامامية في ان اختيار الامام من الله تعالى ، وان كانوا مخالفين لهم في العلة وهي اعتقادهم أنهم مجبورون .


فمن ذلك ما ذكره الغزالي في كتاب منهاج العابدين عند التفويض قال : وأما التفويض فتأمل فيه في أصلين ، أحدهما أنك تعلم ان الاختيار لا يصلح الا لمن كان عالما بالامور بجميع جهاتها ظاهرها وباطنها وحالها وعاقبتها ، والا فلا يامن أن يختار الفساد والهلاك على ما فيه الخير والصلاح .


ألا ترى أنك لو قلت لبدوي أو قروى أو راعى غنم أنقد لى هذه الدراهم وميز لى بين جيدها ورديها ، فانه لا يهتدى لذلك بيقين وكذا لو قلت لسوقي غير صراف فربما هو أيضا لم يهتد ، فلا تأمن الا ان تعرضه على صيرفي خبير بالذهب والفضة

وما فيهما من الخواص والاسرار ، والعلم المحيط بجميع الوجوه لا يصلح الا لله رب العالمين ، فلا يستحق أحد أن يكون له الخيرة والتدبير الا الله وحده لا شريك له .


فلذلك قال الله تعالى " وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة " ( 1 ) هذا لفظ الغزالي .

وهذا مذهب الامامية كثرهم اللة تعالى وبعض حجتهم في ان اختيار الائمة عليهم السلام راجع الى الله تعالى ، فكيف يحسن من هؤلاء الاربعة المذاهب

 

* ( هامش ) *
( 1 ) القصص : 68 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 397

المناقضة في المقالات ؟ والحال أنهم موافقون للامامية بمثل هذا القول الى هذا الحد ] .


 

 

الصفحة الرئيسية

 

صفحة الكتب

 

فهرس الكتاب