منع عمر النبي عند وفاته ان يكتب كتابا لا يضل بعده امته ابدا

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 431

منع عمر النبي " ص " عند وفاته ان يكتب كتابا لا يضل بعده امته ابدا


ومن أعظم طرائف المسلمين أنهم شهدوا جميعا ان نبيهم أراد عند وفاته أن يكتب لهم كتابا لا يضلون بعده أبدا ، وان عمر بن الخطاب كان سبب منعه من ذلك وسبب ضلال من ضل من أمته وسبب اختلافهم وسفك الدماء بينهم وتلف الاموال واختلاف

الشريعة وهلاك اثنين وسبعين فرقة من أصل فرق الاسلام وسبب خلود من يخلد في النار منهم ، ومع هذا كله فان أكثرهم أطاع عمر ابن الخطاب الذي قد شهدوا عليه بهذه الاحوال في الخلافة وعظموه ، وكفروا بعد ذلك من يطعن فيه وهم من

جملة الطاعنين ، وضللوا من يذمه وهم من جملة الذامين ، وتبرأوا ممن يقبح ذكره وهم من جملة المقبحين .


فمن الرواية في ذلك ما ذكره محمد بن علي المازندراني في كتاب أسباب نزول القرآن في تفسير قوله تعالى " كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت " ( 1 ) فقال في مسند أحمد بن حنبل عن جابر الانصاري ان النبي " ص " دعى عند موته
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) البقرة : 180 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 432

بصحيفة ليكتب فيها كتابا لا يضلون بعده قال : فخالف عمر حتى رفضها ( 1 ) .


ورووا عن سعيد بن جبير وعن عكرمة وعن سفيان بن عيينة وعن عمرو ابن دينار وعن الحكم بن أبان ثم روى أحمد بن حنبل عن سعيد بن جبير وعكرمة وعن ابن عباس الحديث وذكر فيه ان عمر بن الخطاب قال للنبي " ص " انه يهجر ( 2 ) .


فمن روايتهم في ذلك ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الرابع من المتفق عليه في صحته من مسند عبد الله بن عباس قال : لما احتضر النبي " ص " وفى بيته رجال فيهم عمر بن الخطاب فقال النبي " ص " : هلموا اكتب لكم لن تضلوا بعده أبدا فقال عمر بن الخطاب : ان النبي " ص " قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبكم كتاب ربكم ( 3 ) .


وفي رواية ابن عمر من غير كتاب الحميدى قال عمر : ان الرجل ليهجر وفي كتاب الحميدى قالوا ما شانه هجر . وفي المجلد الثاني من صحيح مسلم فقال : ان رسول الله " ص " يهجر ( 4 ) . فقال أهل اللغة في تفسيرها : ان معنى قوله هجر أي هذى .


قال الجوهرى في كتاب الصحاح في اللغة في باب الراء فصل الهاء ، الهجر : الهذيان ، وقال ألم تر الى المريض إذا هجر قال غير الحق ( 5 ) .


قال الحميدى : فاختلف الحاضرون عند النبي " ص " فبعضهم يقول : القول ما قاله النبي فقربوا إليه كتابا يكتب لكم ، ومنهم من يقول : القول ما قاله عمر
 

 

* ( هامش ) *
( 1 - 2 ) احمد بن حنبل في مسند : 3 / 346 .
( 3 - 4 )
مسلم في صحيحه : 3 / 1257 - 1259 كتاب الوصية ، والبخاري في صحيحه : 5 / 127 .
( 5 )
الصحاح : 2 / 851 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 433

فلما اكثروا اللغط والاختلاط قال النبي " ص " : قوموا عني فلا ينبغى عندي التنازع ، فكان ابن عباس يبكى حتى تبل
دموعه الحصى ويقول : يوم الخميس وما يوم الخميس ! قال راوي الحديث فقلت : يابن عباس وما يوم الخميس ؟ فذكر

عبد الله بن عباس يوم منع رسول الله " ص " من ذلك الكتاب ، وكان ابن عباس يقول : الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله " ص " وبين كتابه ( 1 ) .


( قال عبد المحمود ) مؤلف هذا الكتاب : لقد صدق ابن عباس عند كل عاقل مسلم ، والله لو لبس المسلمون السواد وأقاموا الماتم وبلغوا غاية الاحزان كان ذلك يسيرا لما أدخل عمر عليهم من المصيبات وأوقعهم فيه من الهلاك والضلال والشبهات .

وليت شعرى اي اختلال في هذا كلام نبيهم محمد " ص " حتى يقول عمر انه يهجر أو قد غلب عليه المرض ،
أهكذا يجب ان يكون أدب الامم مع الانبياء ؟
أو هكذا يجب ان يكون أدب الرعية مع الملوك ؟
وأي ذنب كان لنبيهم عندهم ؟
وأي تقصير قصر في حقهم ؟
حتى يواجهه عمر عند وفاته ويجبهه في وجهه ويقول انه يهذى ، وأين هذا مما تضمنه كتابهم " يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض ان تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون " ( 2 ) ما هذا

الا بئس الامتثال من عمر لامر ربه ، فلقد رفع صوته وجهر له أقبح مما يجهر بعضهم لبعض . ومن أعجب ذلك أنهم ذكروا أن كتابهم يتضمن وصف نبيهم بقوله " وما ينطق عن الهوى * ان هو الا وحي يوحى " ( 3 ) وخاصة مثل هذا الكتاب الذى

 

* ( هامش ) *
( 1 ) رواه مسلم في صحيحه : 3 / 1259 ، والبحار : 8 / 274 ط كمپانى ، والبخاري في صحيحه : 1 / 37 .
( 2 )
الحجرات : 2 .
( 3 )
النجم : 3 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 434

أرادان يكتبه لهم أنهم لا يضلون بعده أبدا ، فان هذا لا يمكن ان يكون الا بوحى ، وان كان هذا بوحى أفما يكون عمر قد نسب الهجر الى ربه ، سوءة له من هذا الهجر ( 1 ) القبيح والكفر الصريح وسوءة لمن هان عنده هذا .


ومن طريف هذا الحديث أن عمر لما قدح في عقل نبيهم وشهد عليه أنه يهذى يقول بعد ذلك حسبنا كتاب ربنا ، وهذا القول من عمر يدل على انه عرف ان كلام نبيهم ما كان هذيانا ولا مختلا وأنما ادعى عمر ان كتاب الله يغنى عن الكتاب الذى أراد نبيهم ان يكتب لهم ، كان عمر في ذلك يزعم أنه أعرف من ربهم ونبيهم في تدبير أمته وحفظ شريعته .


( قال عبد المحمود ) : وهب أنهم شكوا في حال نبيهم وظنوا أنه طلب الكتابة لهم على سبيل الاختلال ، فليتهم أذنوا لنبيهم بالكتاب فان كتب ما يليق بالصواب عملوا به وان كتب شيئا مختلا كما ذكر عمر ستروه كما جرت عادة المشفقين مع من

يوالونه ويعظمونه ، وما كان يجوز ان يتركوا نبيهم يتوفى وهذه الامنية في نفسه لم يبلغها منهم وهو آخر العهد بهم ووقت الحاجة الى رضاه عنهم .


ومن طريف ذلك ان عمر يقول مثل هذا الكلام ويسمعه الحاضرون منه وينقلونه الى المتأخرين عنه ، ويشهد لسان الحال والمقال أنه سبب كل ما تجدد في الامة من الاختلاف والضلال والاختلاط ، ومع هذا فلا ينسب عمر الى انه يرد على نبيهم

ولا انه أخطا ولا يذم ولا يعتب ، بل يتفق له في تلك الحال باولى ما يقال من أن القول ما قاله عمر ، ويتفق له الان من يعذره ويتغافل عن عظيم جنايته ويتقرب الى الله بحبه وولايته ، ان هذا من أعظم ما بلغ إليه أهل الجهالة وأطم ما نقل عن ذوى الضلالة .

( قال عبد المحمود ) : وإذا كان قول خليفتهم عمر في نبيهم وهذا قول جماعة
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) في المخطوط : التجاهر بالقبيح . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 435

من صحابته فيه ، فاعذروا أهل الذمة وغيرهم فيما يقولون عنكم . ومن طريف ما في هذا الحديث المذكور وأسراره أنه يشهد أن الطعن في قول نبيهم والرد عليه والقدح فيه انما كان من عمر وحده ، وأنه هو ابتدا به ، بدليل قوله فقال قوم : القول ما

قاله النبي " ص " وقال قوم : القول ما قاله عمر ، فما أطرف هذه الغفلة من القوم الذين قالوا القول ما قاله عمر ، ان هذا مما يبكى الاولياء ويضحك الاعداء .


ويؤكد صحة ذلك وأن عمر كان سبب منع نبيهم من الكتاب ما رواه الحميدي في كتاب الجمع بين الصحيحين ايضا في الحديث السادس والتسعين من أفراد مسلم من مسند جابر بن عبد الله قال : فدعا رسول الله " ص " بصحيفة عند موته ، فاراد أن يكتب لهم كتابا لا يضلون بعده ، فكثر اللغط وتكلم عمر فرفضها رسول الله صلى الله عليه وآله .


وذكر ابن اثير في تاريخه عن ابن عباس أنه قال : يوم الخميس وما يوم الخميس ، وجرى دموعه على خده وقال : اشتد برسول الله وجعه قال : ائتوني بالكتف والدواة اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا ، فكثر اللغط . قال : فتكلم عمر وترك

رسول الله " ص " وقال : لا تنازعوا عند النبي فانه لا ينبغى التنازع عند النبي . قالوا : النبي يقول الحق ، فذهبوا يعيدون عليه فقال : دعوني فالذي انا فيه خير مما تدعوني إليه ( 1 )
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) رواه احمد بن حنبل في مسنده : 1 / 222 ، وابن سعد في طبقاته : 2 / 36 . ( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

صفحة الكتب

 

فهرس الكتاب