مخالفة عمر للنبى ولابي بكر

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 480

مخالفة عمر للنبى " ص " ولابي بكر في جعله الخلافة شورى بين ستة


ومن طرائف الامور ان عمر خليفتهم لما حضرته الوفاة يترك تدبير الله ورسوله على ما زعمت الاربعة المذاهب من ان اختيار الخلفاء الى الامة ، ويترك تدبير أبى بكر في نصبه بالخلافة ويختار هو ستة أنفس للخلافة ويقول ان رسول الله " ص " مات وهو عنهم راض ثم يذم كل واحد منهم بسبب من الاسباب ، وقد ذكر ذلك أصحاب التواريخ والعلما .


ومع ذلك كله فانه يلتفت الى ما يشهد به من مدحهم وذمهم في مجلس واحد حتى يقول ان مضت ثلاثة أيام ولم يبايعوا واحدا منهم فاضربوا أعناقهم جميعا ، فتارة يشهد لهم بالجنة ، وتارة يشهد أن الله عنهم راض ، وتارة يعدلهم ذنوبا أو عيوبا ، وما

تفكر في انه إذا كان الله ورسوله راضيين عن عبد فلا يكون ذلك العبد مذموما ، وتارة يزيد عمر على ذمهم ويعرض عن شهادتهم بتزكيتهم ويامر باستباحة دمائهم وقتلهم ان تأخرت البيعة ثلاثة أيام . ولا ريب أنه قد كان يجوز في العقل أن يحدث بعد وفاته من الاعذار الصحيحة ما يقتضى جواز تأخير البيعة لاحدهم الى بعد ثلاثة أيام ، بل كان

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 481

يمكن ان يحدث من الحوادث ما يصير تأخير البيعة واجبا لا جائزا ، فكيف جاز منه الاقدام على اطلاق الامر بقتلهم ؟ وهم كانوا من أعيان الصحابة عند اكثر المسلمين ، ما هذا الا الاستخفاف بالدين .


وذكر ابراهيم بن محمد الثقفي في الجزء الثالث من كتاب المعرفة بروايته عن رجال الاربعة المذاهب قد وحا كثيرة وطعونا عظيمة في الخمسة الذين ضمهم عمر الى على بن أبى طالب عليه السلام في الشورى وكلها قدوح في دين هؤلاء الخمسة وفى أنسابهم ، فلينظر كل من شك في ذلك الى الكتاب المذكور .


ومن طرائف مناقضتهم في كثير من أفعالهم واقوالهم ما ذكره الحميدى في كتاب الجمع بين الصحيحين في الحديث الرابع من المتفق عليه من مسند عمربن الخطاب عن ابن عمر من رواية سالم عنه قال : دخلت على حفصة ونوساتها تتنظف فقالت :

أعلمت ان أباك غير مستخلف ؟ قال : قلت : ما كان ليفعل . قالت : انه فاعل . قال : فحلفت ان أكلمه في ذلك ، فسكت حتى غدوت ولم أكلمه قال : فكنت كانما أحمل بيمينى حبلا ، حتى رجعت فدخلت عليه فسألني عن حال الناس وأنا أخبره ، قال :

ثم قلت له : أنى سمعت الناس يقولون مقالة فاليت أن أقولها لك ، زعموا أنك غير مستخلف وأنه لو كان لك راعى ابل أو راعى غنم ثم جاءك وتركها رايت ان قد ضيع فرعاية الناس أشد قال : فوافقه قولى فوضع راسه ساعة ثم رفعه الى فقال :

ان الله عز وجل يحفظ دينه وأني لئن لا استخلف ، فان رسول الله " ص " لم يستخلف ، وان استخلف فان أبا بكر قد استخلف قال : فو الله ما هو الا ذكر أن رسول الله " ص " وأبا بكر فعلمت أنه لم يكن ليعدل برسول الله أحدا وأنه غير مستخلف ( 1 ) .

 

* ( هامش ) *
( 1 ) رواه مسلم في صحيحه : 3 / 1455 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 482

( قال عبد المحمود ) : انظر رحمك الله في هذا الحديث الصحيح عندهم ففيه عدة طرائف . فمن طرائفه اقرار عبد الله بن عمر وشهادته ان العقول تقتضي ان المتولي لامور إذا تركهم بغير وصية الى من يقوم مقامه يكون قد ضيعهم ، وقد شهدوا على رسولهم أنه قبض ولم يستخلف وضيع امور الناس ، وفى ذلك ما فيه .


ومن طرائفه شهادته على أبيه ان هذا القول وافقه واستصلحه ثم عدل عنه .

ومن طرائفه قول عمر ان الله يحفظ دينه وما في هذا القول من المغالطة ، أتراه يريد ان الله يحفظ دينه وان لم يكن للناس راع وسائس أم لا بد من راع وسائس ، فان كان يحفظ دينه من غير راع وسائس فقد ذم أبا بكر حيث نص عليه وذم نفسه حيث عين ستة أنفس ، فان كان لا بد من سائس فقد عابوا على نبيهم إذا كان قد ترك الامة بغير راع وسائس كما زعموا .

ومن طرائفه قوله ما يستخلف ، وليت شعرى كيف يكون الاستخلاف ؟ فان عمر وان كان قد خالف تدبير رسولهم وتدبير أبا بكر فانه أيضا استخلف وأوصى وعين الخلافة في ستة نفر ويقلد الامر حيا وميتا وزاد على ذلك أنه عرض الاسلام للفتنة .

ومن طرائفه التنبيه على ان الشورى كانت سبب الاختلاف بين المسلمين وافتراقهم ، والشاهد على ذلك ما ذكره جماعة من أهل التواريخ والعلماء ،

وذكره ابن عبدربه في كتاب العقد في المجلد الرابع عند ذكره ان معاوية سال ابن حصين فقال له معاوية : أخبرني ما الذى شتت أمر المسلمين وجماعتهم وفرق ملاهم وخالف بينهم ؟ فقال : نعم قتل الناس عثمان قال : ما صنعت شيئا قال : فمسير على اليك وقتاله اياك قال : ما صنعت شيئا قال : ما عندي غير هذا
 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 483

يا أمير المؤمنين قال : فانا أخبرك انه لم يشتت بين المسلمين ولا فرق أهوائهم الا الشورى التى جعلها عمر في ستة نفر . ثم فسر معاوية ذلك في آخر الحديث فقال ما هذا لفظه : فلم يكن من الستة رجل الا رجاها لنفسه ورجاها لقومه ، وتطلعت الى ذلك نفسه ، ولو ان عمر استخلف عليهم كما استخلف أبو بكر ما كان في ذلك اختلاف ( 1 ) .


( قال عبد المحمود ) : فاراهم قد شهدوا ان عمر كان سبب المنع لنبيهم من الصحيفه التى أراد أن يكتبها لهم عند وفاته حتى لا يضلوا بعده أبدا وكان عمر سبب ضلال من ضل منهم لما تقدم شرحه ، وقد شهدوا عليه الان ان ما عمله في الشورى كان سبب افتراق المسلمين واختلافهم فقد صار أصل الضلال وفرعه في الاسلام من عمر على ما شهد به علماؤهم .


ومن طرائف مناقضاتهم أنهم رووا السقيفة مع المهاجرين والانصار ان الائمة من قريش ، وقد روى الحميدى في كتاب الجمع بين الصحيحين في الحديث السادس في مسند عمر بن الخطاب ان أبا بكر قال ذلك اليوم : ولن يعرف العرب هذا الامر الا لهذا الحى من قريش .


ثم رووا في كتبهم ان عمر يترك هذه الموافقة لابي بكر يوم السقيفة ، وقال يوم الشورى لما ذكر أصحاب الشورى وذم كل واحد بشئ يكرهه وقال : لو كان سالم مولى ابى حذيفة حيا ما تخالجتنى فيه الشكوك ، ومن المعلوم بلا خلاف ان سالما ما

كان من قريش ، فكيف هذه المناقضة في الاحوال والاختلاف في الافعال ؟ وقد ذكر النظام في كتاب الفتيا حديث المناقضة في ذلك .


ومن طرائف ما رايت في كتب المسلمين وقد ذكره عالم من علمائهم يقال قطب الدين الراوندي في كتاب منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة قال : ان
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) العقد الفريد : 2 / 203 ط مصر . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 484

عمر لما نص على ستة أنفس استصلحهم للخلافة بعده فقال : ان اختلفوا فالحق في القوم الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف ، فقال العباس لعلي بن أبي طالب عليه السلام : ذهب الامر منا لان عبد الرحمن كانت بينه وبين عثمان مصاهرة وأمور

توجب انه لا يختار عليه أحدا فقال علي عليه السلام للعباس : أنا أعلم ذلك ولكن أدخل معهم في الشورى لان عمر قد استصلحني الان للامة وكان من قبل يقول ان رسول الله " ص " قال النبوة والامامة لا يجتمعان في بيت واحد وانى لادخل

معهم في ذلك ليظهر انه كذب نفسه لما راى أولا ، وذكر مقالة العباس مع علي عليه السلام وجوابه أحمد بن أبي طاهر الكاتب .


ومن طريف مناقضاتهم العجيبة ومباهتاتهم الغريبة أنهم قد ذكروا عن خليفتهم عمر ما قد تقدم ذكر بعضه من الحوادث المخالفة لشريعة نبيهم ولتدبير العقلاء ومع ذلك كله فان جماعة كثيرة من المسلمين يسمونه بعمر الفاروق ، ويصفونه بذلك على رؤوس الاشهاد والمنابر ، ويعنون انه فاروق بين الحق والباطل ولا يستحيون من هذا التناقض الهائل .


ومن طريف المناقضة منهم في ذلك انهم لا ينحصرون هذا الاسم في نبيهم الذي اتفقوا على أنه فاروق عند جميع المسلمين ، أو في علي بن أبي طالب عليه السلام وقد تقدم رواياتهم بانه فاروق بين المؤمنين والمنافقين وبين أمور كثيرة في أمر الدنيا والاخرة ، وتواتر أخبارهم يشهد ان عليا عليه السلام فاروق بين الحق والباطل ببيانه ولسانه وسيفه وسنانه .
 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

صفحة الكتب

 

فهرس الكتاب