في وصف على بن ابى طالب عليه السلام وعجيب آيات الله فيه

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 507

في وصف على بن ابى طالب عليه السلام وعجيب آيات الله فيه


ومن طرائف ما رووه في وصف علي بن ابى طالب عليه السلام ومدحه غير ما قدمناه عنهم ما ذكره صاحب كتاب نهاية الطلب الحنبلي المقدم ذكره بطريق رواية مخالفى أهل البيت باسناده الى أبى عبد الله محمد بن ابى نصير ابن عبد الله

الحميدى ، قال أخبرنا أبو طالب محمد بن أحمد سهل النحوي المعروف بابن بشران الواسطي بقراءتي عليه ، قال حدثنى
على بن منصور الاخباري الحلبي ، قال حدثنا على بن محمد الشمشاطى ، قال حدثنا محمد بن عثمان أبى شيبة ، قال حدثنا

هاشم بن محمد الهلالي ، قال حدثنا أبو عامر الاسدي ، قال حدثنا موسى بن عبد الملك بن عمير ، عن أبيه ، عن ربعى بن حراش قال : سال معاوية عبد الله بن عباس فقال : ما تقول في علي بن ابى طالب فقال " صلوات الله على أبى الحسن ،

كان والله علم الهدى وكهف التقى ومحل الحجى وبحر الندى وطود النهى علما للورى ونورا في الظلم الدجى وداعيا الى المحجة العظمى ومتمسكا بالعروة الوثقى وساميا الى الغاية القصوى وعالما بما في الصحف الاولى وعاملا بطاعة الملك

الاعلى وعارفا بالتأويل والذكرى ومتعلقا باسباب الهدى وحائدا عن طرقات الردى وساميا الى المجد والعلى وقائما بالدين والتقوى وسيد من تقمص وارتدى بعد النبي المصطفى وأفضل من صام وصلى وأفضل من ضحك وبكى وصاحب القبلتين ،

فهل يساويه مخلوق يكون أو كان كان والله للاسد قاتلا ولهم في الحرب حائلا على مبغضيه لعنة الله ولعنة العباد الى يوم
التناد .

( قال عبد المحمود ) : هذا لفظ الحديث المذكور ، وهذا مدح ابن عباس
 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 508

الذي هو من أعيان القرابة والصحابة لعلي بن أبى طالب عليه السلام بعد وفاة نبيهم وبعد وفاة علي وبعد انقطاع الوحي وبعد انقطاع الخوف والرجاء منه في الدنيا بمحضر أعداء له من العباد وعلى رؤوس الاشهاد ، فاين هذا من وصف المتقدمين عليه لو لا عمى القلوب وظهور العناد والفساد .


وروى أيضا هذا الحديث أبو بكر بن مردويه وهو من أعيان علمائهم . وروى أيضا ابن مردويه عن ضرار وعن الاعمش نحو حديث ابن عباس في مدح على بن ابى طالب عليه السلام أو أبلغ من ذلك .


ومن عجيب آيات الله تعالى في علي بن أبى طالب عليه السلام ما ذكره الرضي الموسوي محمد بن الحسين في خطبة نهج البلاغة فقال ما هذا لفظه : ومن عجائبه " ع " التي انفرد بها وأمن المشاركة فيها ان كلامه الوارد في الزهد والمواعظ

والتذكير والزواجر ، إذا تأمله المتأمل وفكر فيه المتفكر ، وخلع من قلبه انه كلام مثله ممن عظم قدره ونفذ أمره وأحاط بالرقاب ملكه ، لم يعترضه الشك في انه كلام من لا حظ له في غير الزهادة ولا شغل له بغير العبادة ، قد قبع في كسر

بيت أو انقطع الى سفح جبل ، لا يسمع الا حسه ولا يرى الا نفسه ، ولا يكاد يوقن بانه كلام من ينغمس في الحرب مصلتا سيفه ، فيقط الرقاب ويجدل الابطال ويعود به ينطف دما ويقطر مهجا ، وهو مع تلك الحال زاهد الزهاد وبدل الابدال ،

وهذه من فضائله العجيبة وخصائصه اللطيفة ، التى جمع بها بين الاضداد وألف بين الاشتات ، وكثيرا ما أذاكر الاخوان بها واستخرج عجبهم منها ، وهى موضع للعبرة بها والفكرة فيها ( 1 ) . هذا آخر لفظ الكلام السيد الرضى في المعنى .

( قال عبد المحمود ) : ومن عجيب آيات الله جل جلاله في مولانا على بن

 

* ( هامش ) *
( 1 ) نهج البلاغة : 35 ط صبحى صالح . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 509

ابى طالب عليه السلام ومعجزات رسول الله " ص " ان أصحاب التواريخ وجماعة من علماء الاسلام ذكروا ان علي بن ابى طالب عليه السلام قال على رؤوس الاشهاد بمحضر الاعداء والحساد : سلوني قبل أن تفقدوني فوالله لا تسألوني عن شئ فيما بينكم وبين الساعة الا أخبرتكم به .


وقد تقدم في قريب من الكراس الثاني من هذا الكتاب حديث أبى بكر بن مردويه المخالف لاهل البيت تصديق ذلك ، وتقدم أيضا من رواية أحمد بن حنبل وصحيح مسلم وغيره .


وذكر أيضا صاحب نهج البلاغة في أواخر الجزء الاول منه في جملة خطبة خطبها علي بن أبى طالب عليه السلام ما هذا لفظه : والله لو شئت أن أخبرت كل رجل منكم بمخرجه ومولجه وجميع شانه لفعلت ، ولكن أخاف ان تكفروا برسول الله "

ص " ألا واني مفضيه الى الخاصة ممن يؤمن ذلك منه . والذى بعثه بالحق واصطفاه على الخلق ما أنطق الا بالحق صادقا ، ولقد عهد الي ذلك كله ويهلك من هلك وينجو من ينجو ، وما آل هذا الامر وما ابقى شيئا يمر على راسي الا اقرعه في

اذنى وافضى بها الي . ايها الناس انى والله ما احثكم على طاعة الا وأسبقكم عليها ، ولا أنهاكم عن معصية الا واتناهى قبلكم عنها . هذا آخر الخطبة المذكورة .


وفي ذلك عدة عجائب : ( منها ) ان هذا مقام لا يبلغه ولا ادعاه أحد من القرابة والصحابة قبله ولا بعده ، بل ما تحققنا مثله عن نبى سابق ولا وصي لاحق ، وأقصى ما عرفناه عن أحد من الانبياء والاولياء في نحو ما علمه على بن ابي طالب عليه السلام من الاشياء قول عيسى عليه السلام " وانبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم " ( 1 ) .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) آل عمران : 49 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 510

وما وصل الينا من عيسى عليه السلام مثل عموم قول علي ، وهذه حجة على اهل المشارق والمغارب ، وهذه منقبة لعلي بن ابي طالب عليه السلام باهرة ومعجزة للرسول قاهرة .


ومن عجائبه في هذا القول المذكور انه قال ذلك على رؤس الاشهاد وبمحضر الاعداء والحساد ، فكأنه تحدى به من سمعه ومن سيبلغه من العباد وجعله حجة لله ولرسوله الى يوم المعاد .


ومن عجائب هذا القول ان علي بن أبى طالب عليه السلام كان مع علمه بتفصيل الاحوال ، يسير في الناس بالمقال والفعال سيرة لا يعتقد من يراه انه عارف ببواطن تلك الاعمال والافعال والاقوال ، وقد عرف العقلاء ان كل من عرف واطلع على

يتجدد من حركة من حركات نفسه أو حركات من يصحبه أو يطلع على اسرار الناس فانه يظهر على وجهه وفعله اثر علمه بذلك قبل سماعه من غيره وعلي عليه السلام مع علمه بذلك يكون كمن لا يعلم ، وما هذا الا من الايات الباهرات والجمع بين المشكلات .


ومن عجائب علي بن ابي طالب عليه السلام انه بمقتضى علمه المشار إليه قد علم أيضا ما يتجدد من معاوية وما يجري الحال عليه في حروبه له وبقاء معاوية بعده واستقامة الامر لمعاوية بعده ، ومع هذا فكان إذا شاهده الناظرون في حروبه مع

معاوية واقدامه وتهجمه وحثه على الجهاد واهتمامه بالاصدار والايراد لا يشك الناظر إليه ان علي بن ابي طالب عليه السلام يعتقد انه يغلب معاوية وياخذ الامارة وينزع الملك عنه .


وقد عرف اولوا الالباب انه متى عرف احدهم انه إذا خاصم عدوا أو حارب انسانا غلبه العدو أو كان العاقبة لخصمه انه يضعف جنانه ويذل لسانه ولا تساعده همته ولا تعاضده شجاعته ، وان نهض مع ذلك الى عدوه وخصمه فبقلب مسلم للعطب والذلة وحركات تشهد عليه بالضعف عمن قصد إليه ، وعلى بن ابي طالب
 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 511

عليه السلام كان على ما يشهد به تواريخ العلماء من سائر أرباب المذاهب إذا كان في حروبه لا يظهر عليه الا انه يقهر معاوية ويكون هو في غاية الظافرية والغالبية وهذا جمع منه صلوات الله عليه بين الاضداد وخلاف سجايا من هو دونه من العباد .


ومن عجائب ذلك انه كان قد صار بحيث لا يتصرف في ذاته ولا في صفاته وحركاته وسكناته لارادته بل بحسب ارادة ربه ومولاه الذى يعلمه كانه يراه ، وهذه آية باهرة وسر عظيم لمن عرف معناه .


ومن عجيب تصديق ما قلناه ما رايت من جوابه عليه السلام لما سئل عن شئ من الامور المتجددة له ، وهو أن محمد بن
علي الرازي ذكر في كتاب الشفاء والجلاء في أوائل النصف الثاني من الكتاب فقال ما هذا لفظه : أخبرنا أحمد بن ادريس ،

عن أحمد بن محمد بن عيسى الاشعري ، عن علي بن بلال عمن ذكره ، عن عبد الله بن أبي رافع ، عن أبيه قال : لما أحضرني أمير المؤمنين عليه السلام وقد وجه أبا موسى الاشعري فقال له : احكم بكتاب الله ولا تجاوزه ، فلما أدبر قال :

كانى به وقد خدع . قلت : يا أمير المؤمنين فلم توجهه وأنت تعلم أنه مخدوع ؟ فقال : يا بني لو عمل الله في خلقه بعلمه ما احتج عليهم بالرسل هذا آخر الحديث المذكور .


أفلا ترى علمه بالاحوال وكمال جوابه عند السؤال وقوله لو عمل الله في خلقه بعلمه ما احتج عليهم بالرسل ولم يقل لو
عملت أنا بعلمي ، يريد انني أتصرف في نفسي وغيري بالله وفى الله ومن الله ولله ، وان قد جعل ارادته ارادة الله وكراهيته

كراهية الله ، وهو أكمل مقام العبد في الادب مع الله ، فهل تجد في أمة محمد " ص " أحدا يقاربه أو يقارنه في الكمال . ومن عجيب شريف آيات الله تعالى في علي بن أبي طالب عليه السلام انك
 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 512

إذا اعتبرت القرآن والصحيح من الاخبار وجدت الانبياء بل وجدت اولى العزم من الرسل المتقدمين على نبوة محمد " ص " ، قد عاتب الله جل جلاله بعضهم على مخالفة في مندوب أو قد أهملوا في بعض الاداب ، وبعضهم قد صرح مع الله تعالى

بالخطاب وأظهر الخوف من بعض الاسباب أو طلب النصرة من الناس باللسان أو الجنان أو اعتزل عن الكفار ولم يقف في مقام المجاهرة والشدة عليهم في بعض الاوان ، وان كانوا عليهم السلام منزهين عن خلل ذلك وكدره بكثرة صفوة واصطفاء

وزائل عنهم عتابه بكمال مقامهم في الصفاء لله والوفاء ، وكانت الاوامر والخطاب من الله جل جلاله إليهم بغير واسطة أصلا أو بغير واسطة من البشر . وعلي بن أبي طالب عليه السلام ما ثبت عنه مدة صحبته لمحمد " ص " رسول الله شئ يقارب

ما جرى لادم عليه السلام في الاكل من الشجرة والخروج من الجنة والتوبة والندم ، ولا شئ يقارب ما جرى لنوح عليه السلام لما اعتذر عن طلبه لتخليص ولده من الغرق ، وقال " انى مغلوب فانتصر " ( 1 ) ولا اعتزل الى الكفار بمفارقة

محمد " ص " كما اعتزل ابراهيم النبي عليه السلام في قول الله تعالى عنه " واعتزلكم وما تدعون من دون الله " ( 2 ) ولا قال نحو ما قال " رب أرني كيف تحيى الموتى قال أولم تؤمن قال بلي ولكن ليطمئن قلبي " ( 3 ) بل قال : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا .
 

ولا جرى له نحو ما جرى لموسى عليه السلام لما أمره الله تعالى بالتوجه الى

 

* ( هامش ) *
( 1 ) القمر : 10 . ( 2 ) مريم : 48 . ( 3 ) البقرة : 260 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 513

فرعون " قال رب اني قتلت منهم نفسا فاخاف أن يقتلون " ( 1 ) ونحو قوله " فارسل الى هارون ولهم علي ذنب فاخاف أن يقتلون " ( 2 ) بل كان علي بن أبى طالب عليه السلام يفدى للنبى محمد " ص " بمهجته كما تقدم شرحه أوائل هذا الكتاب

لما بات على فراشه وفى غيره من حروبه ، ولا يتوقف ولا يتعذر عن شئ من أوامره له في واجب أمره ومندوبه ، ولا يتعرض لمكروهه ومحظوره وعتابه وكان يتبعه ومعه في سائر أسبابه .

ولا جرى لعلي بن أبي طالب عليه السلام نحو قول عيسى عليه السلام " فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري الى الله قال الحواريون نحن أنصار الله " ( 3 ) فان عيسى عليه السلام لما أحس منهم الكفر طلب النصرة ، وعلي بن أبي طالب

عليه السلام تيقن الكفر من قريش ومن أعداء محمد " ص " وجاهروه به وبات على فراشه كما تقدم وصفه وفداه بمهجته ورمى نفسه في كتائبهم عند الحروب وبذلها لعلام الغيوب وفرح كلما دخل عليه وباشره من الكروب ، ولم يطلب منه نصرة

ولا استعفى ولا استعان بغير الله من سائر بريته مدة حياة محمد " ص " وفي كل وقت يريد منه الانفراد والاجتهاد وقاه بمهجته ، مع انهم رووا كما قدمناه ان عيسى بن مريم يصلي مؤتما بصلاة المهدى عليه السلام ، ومن المعلوم ان علي بن

أبي طالب عليه السلام أفضل من المهدى عليه السلام الذى هو امام لعيسى عليه السلام . وقد تقدمت الاخبار من صحاح الاربعة المذاهب باوصاف علي بن أبي طالب عليه السلام ، وأقروا بالعجز عن حصر ما جمع له من المناقب ، ومما بلغ إليه
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) القصص : 33 . ( 2 ) الشعراء : 14 . ( 3 ) آل عمران : 52 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 514

الخطيب صاحب تاريخ بغداد وهو من أعيان المخالفين لاهل البيت عليهم السلام روايته في التاريخ المشار إليه ما هذا لفظه : عن لؤلؤ بن عبد الله القيصري يرفعه عن النبي " ص " انه قال : لمبارزة علي بن أبى طالب عليه السلام لعمرو ابن عبدود يوم الخندق أفضل من أعمال أمتى الى يوم القيامة .


فهل كان يقتضي عقل عاقل أو فضل فاضل أن يقدم على علي بن أبى طالب عليه السلام من لا يقارنه ولم يقاربه في شئ من تلك المواهب والمراتب والمناصب والمناقب ، وقد أريتك حاله على التحقيق مع أولى العزم من الرسل عدا محمد " ص "

وهم القدوة في كمال التوفيق ، فما ظنك بحاله مع من ليس من أولى العزم من الانبياء ، وما ظنك بحاله مع الاولياء ، ولست أقول انه أفضل من أولى العزم على التفصيل بل اقول ان فضيلتهم عليه يحتاج الى تعسف وتاويل .


وقد تقدم بعض الروايات بان علي بن ابى طالب عليه السلام نفس محمد " ص " وهو أشرف أهل النبوات والرسالات في قوله تعالى " فقل تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم " ( 1 ) .


فاختر لنفسك أيها الخائف على نفسه من الهلاك ، واحذر من يوم لا تقدر فيه على الاستدراك ، وانظر أيما أسلم لك ، واحفظ لنفسك ودينك ويقينك ان تكون مقتديا ومؤتما بعلي بن ابى طالب عليه السلام الذى هو نفس رسول الله أو بمن عرفت حاله

ممن تقدم عليه في الخلافة ، أو قد عدل عنه وحصل في المخالفة . وقد كشف الله لك بهذا الكتاب ما قد ذكره عنهم اولياؤهم من المصائب وسقوط المنازل والمراتب ، وهذا من أطراف طرائف الذين رووا أو شهدوا لعلي بن ابى طالب عليه السلام بالمناقب التى فضل بها على سائر الصحابة ثم قدموا عليه غيره .

 

* ( هامش ) *
( 1 ) آل عمران : 61 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 515

وقد ذكر محمد بن عمر الرازي المعروف بابن خطيب الري وهو من أعظم علماء الاشعرية صاحب التصانيف الكثيرة طرفا منها أيضا ، يقول في الكتاب الذي صنفه وجعله دستورا لولده وسماه كتاب الاربعين في الفصل الخامس من المسالة التاسعة

والثلاثين في بيان أفضل الصحابة بعد رسول الله " ص " ويورد عشرين حجة في أن علي بن ابى طالب افضل الصحابة بعد رسول الله ، يقول في الحجة الثالثة منها ما هذا لفظه : ان عليا كان أعلم الصحابة والاعلم أفضل ، وانما قلنا ان عليا كان اعلم الصحابة للاجمال والتفصيل .


أما الاجمال فهو أنه لا نزاع ان عليا كان في أصل الخلقة في غاية الذكاء والفطنة والاستعداد للعلم وكان محمد " ص "
أفضل العقلاء وأعلم العلماء وكان علي في غاية الحرص في طلب العلم وكان محمد صلوات الله عليه وآله في غاية

الحرص في تربية علي وفى أرشاده الى اكتساب الفضائل ، ثم ان عليا عليه السلام نشا من أول صغره في حجر محمد
" ص " وفي كبره صار ختنا له وكان يدخل عليه في كل الاوقات ، ومن المعلوم أن التلميذ إذا كان في غاية الذكاء و

الحرص على النقل وكان الاستاذ في غاية الفضل وفي غاية الحرص على التعليم ، ثم اتفق لمثل هذا التلميذ أن يتصل بخدمة هذا الاستاذ من زمان الصغر وكان ذلك الاتصال بخدمته حاصلا في كل الاوقات فانه يبلغ التلميذ في العلم مبلغا عظيما .

وهذا بيان أجمالي ان عليا كان أعلم الصحابة ، وأما أبو بكر فانه اتصل بخدمته صلى الله عليه وآله وسلم في زمان الكبر ، وأيضا ما كان يصل الى خدمته في اليوم والليلة الا زمانا يسيرا ، أما علي فانه اتصل بخدمته في زمان الصغر وقد قيل :

العلم في الصغر كالنقش في الحجر والعلم في الكبر كالنقش في المدر ، فثبت بما ذكرنا ان عليا كان أعلم من أبى بكر .

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 516

وأما الفصيل فيدل على ذلك وجوه :

( الاول ) قوله عليه السلام " أقضاكم علي " ، والقضاء يحتاج الى جميع العلوم ، فلما رجحه على الكل في القضاء لزم انه رجحه عليهم في جميع العلوم ، وأما سائر الصحابة فقد رجح كل واحد منهم على غيره في علم واحد كقوله أفرضكم زيد بن ثابت وأقراكم ابي .

( الثاني ) ان أكثر المفسرين سلموا أن قوله تعالى " وتعيها اذن واعية " نزل في حق علي بن ابى طالب عليه السلام ، وتخصيصه بزيادة الفهم يدل على اختصاصه بمزيد العلم .

( الثالث ) روي ان عمر أمر برجم امراة ولدت لستة أشهر فنبهه علي عليه السلام بقوله تعالى " وحمله وفصاله ثلاثون شهرا " مع قوله تعالى " والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين " على ان أقل مدة الحمل ستة أشهر فقال عمر : لو لا علي لهلك عمر ،


وروى ان امراة أقرت بالزناء وكانت حاملا فامر عمر برجمها فقال : ان كان لك سلطان عليها فما سلطانك على ما في بطنها ، فترك عمر رجمها وقال : لو لا علي لهلك عمر . فان قيل لعل عمر أمر برجمها من غير تفحص عن

حالها فظن أنها ليست بحامل فلما نبهه علي ترك رجمها قلنا : هذا يقتضي أن عمر ما كان يحتاط في سفك الدماء وهذا اشر من الاول .


وروي أيضا ان عمر قال يوما على المنبر : ألا تغالوا في مهور النساء فمن غالى في مهر امراة جعلته في بيت المال ، فقامت عجوز وقالت : يا أمير المؤمنين أتمنع عنا ما جعله الله لنا ، قال الله تعالى " وان أردتم استبدال زوج مكان زوج


وآتيتم احداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا واثما مبينا " فقال عمر : كل الناس أفقه من عمر حتى المخدرات في البيوت ، فهذه الوقائع وقعت لغير

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 517

علي ومثلها لم يتفق لعلى عليه السلام .

( الرابع ) نقل عن علي عليه السلام أنه قال : والله لو كسرت لى الوسادة ثم جلست عليها لقضيت بين أهل التوراة بتوراتهم وبين أهل الانجيل بانجيلهم وبين أهل الزبور بزبورهم وبين أهل الفرقان بفرقانهم ، والله ما من آية نزلت في بحر ولا بر ولا

سهل ولا جبل ولا سماء ولا أرض ولا نهار الا وأنا أعلم فيمن نزلت وفي أي شئ نزلت . طعن أبو هاشم وقال : التوراة منسوخة فكيف يجوز الحكم بها ؟

الجواب عنه من وجوه :

الاول - لعل المراد شرح كمال علمه بتلك الاحكام المنسوخة على التفصيل وبالاحكام الناسخة الواردة في القرآن .

والثانى - لعل المراد ان قضاة اليهود والنصارى متمكنون من الحكم والقضاء على وفق أديانهم بعد بذل الجزية فكان المراد أنه لو جاز للمسلم ذلك لكان هو قادرا عليه .

والثالث - لعل المراد ان يستخرج من التوراة والانجيل نصوصا دالة على نبوة محمد " ص " وكان ذلك أقوى في التمسك بها على اليهود والنصارى .


( الخامس ) أنا نتفحص عن أحوال العلوم وأعظمها علم الاصول وقد جاء في خطب أمير المؤمنين على بن ابى طالب عليه السلام من أسرار التوحيد والعدل والنبوة والقضاء والقدر وأحوال المعاد ما لم يات في كلام سائر الصحابة .


وأيضا فجميع فرق المتكلمين ينتهى آخر نسبهم في هذا العلم إليه ، أما المعتزلة فهم ينسبون أنفسهم إليه ، وأما الاشعرية فكلهم منتسبون الى الاشعري وهو كان تلميذا لابي على الجبائى المعتزلي وهو منتسب الى أمير المؤمنين ، وأما الشيعة فانتسابهم إليه ظاهر ، وأما الخوارج فهم مع غاية بعدهم منتسبون
 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 518

الى أكابرهم واولئك الاكابر كانوا تلامذة علي بن ابى طالب عليه السلام ، فثبت ان جمهور المتكلمين من فرق الاسلام كلهم تلامذة على بن أبى طالب وأفضل فرق الامة الاصوليون وكان هذا منصبا عظيما في الفضل .

ومنها علم التفسير وابن عباس كان رئيس المفسرين وهو كان تلميذ علي بن ابى طالب ، ومنها علم الفقه وكان في الدرجة العالية ولهذا قال عليه السلام : أقضاكم علي وقال على بن أبى طالب : لو كسرت لي الوسادة لحكمت لاهل التوراة بتوراتهم على ما نقلناه ،


ومنها علم الفصاحة ومعلوم ان واحدا من الفصحاء الذين بعده لم يدركوا درجته ولا القليل من درجته ، ومنها علم النحو ومعلوم انه انما ظهر منه وهو الذى أرشد أبا الاسود الدؤلى إليه ،

ومنها علم تصفية الباطن ومعلوم ان نسب جميع الصوفية ينتهى إليه ،

ومنها علم الشجاعة وممارسة الاسلحة ومعلوم ان نسبة هذه العلوم ينتهى إليه ، فثبت بما ذكرنا انه عليه السلام كان استاذ العالمين بعد محمد " ص " في جميع الخصال المرضية والمقامات الحميدة الشريفة ، وإذا ثبت انه كان أعلم الخلق بعد

رسول الله " ص " وجب ان يكون أفضل الخلق بعده لقوله تعالى " قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون " وقوله تعالى " يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات " .


ثم ذكر الرازي المقدم ذكره في آخر الفصل المذكور ما هذا لفظه ومعناه : ( الحجة العشرون ) اعلم ان الفضائل اما نفسانية واما بدنية واما خارجية ، اما الفضائل النفسانية : فهى محصورة في نوعين العلمية والعملية ، أما العلمية : فقد دللنا على ان

علم علي كان أكثر من علم سائر الصحابة ومما يقوى ذلك ما روي ان عليا عليه السلام قال : علمني رسول الله " ص " ألف باب من العلم فانفتح لي من كل باب ألف باب .


وأما الفضائل النفسانية فاقسام : منها العفة والزهد وقد كان في الصحابة جمع

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 519

من الزهاد كابى ذر وسلمان وأبى الدرداء وكلهم كانوا فيه تلامذة على عليه السلام ومنها الشجاعة وقد كان في الصحابة جماعة شجعان كابى دجانة وخالد بن الوليد وكانت شجاعته أكثر نفعا من شجاعة الكل ، ألا ترى ان النبي " ص " قال يوم

الاحزاب : لضربة علي خير من عبادة الثقلين ، وقال علي عليه السلام : والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسمانية لكن بقوة
الهية ، ومنها السخاوة وقد كان في الصحابة جمع من الاسخياء وقد بلغ أخلاصه في سخاوته الى ان أعطى ثلاثة أقراص

فانزل الله تعالى في حقه " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا " ومنها حسن الخلق وقد كان مع غاية شجاعته وبسالته حسن الخلق جدا وقد بلغ فيه الى حيث نسبه أعداؤه الى الدعابة ، ومنها البعد عن الدنيا وظاهر أنه كان مع انفتاح

أبواب الدنيا عليه لم يظهر التنعم والتلذذ ، وكان مع غاية شجاعته إذا شرع في صلاة التهجد وشرح في الدعوات والتضرعات الى الله تعالى بلغ مبلغا لا يوازيه أحد ممن جاء بعده من الزهاد ، ولما ضربه ابن ملجم قال : فزت ورب الكعبة .


وأما الفضائل البدنية : فمنها القوة والشدة وكان فيهما عظيم الدرجة حتى قيل انه كان يقطع الهام قطع الاقلام ، ومنها النسب العالي ومعلوم ان أشرف الانساب هو القرب من رسول الله " ص " وهو كان أقرب الناس في النسب الى رسول الله " ص

" ، وأما العباس فانه وان كان عم رسول الله الا ان العباس كان أخا لعبد الله والد رسول الله من الاب لا من الام ، وأما أبو طالب فانه كان أخا لعبد الله والد رسول الله من الاب والام ، وأيضا فان عليا عليه السلام كان هاشميا من الاب والام لانه

على بن أبى طالب بن عبد المطلب بن هاشم ، وأيضا ام علي بن ابى طالب فاطمة بنت أسد بن هاشم ، ومنها المصاهرة ولم يكن لاحد من الخلق مصاهرة مثل ما كانت له ، وأما عثمان فهو وان شاركه في كونه صهر

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 520

للرسول " ص " الا ان أشرف اولاد الرسول هي فاطمة ولذلك قال عليه السلام : سيدة نساء العالمين أربع وعد منهن فاطمة ، ولم يحصل مثل هذا الشرف للبنتين اللتين هما زوجتا عثمان ، ومنها أنه لم يكن لاحد من الصحابة أولاد يشاركون اولاده

في الفضيلة كالحسن والحسين وهما سيدا شباب أهل الجنة ولداه ، ثم انظر الى اولاد الحسن مثل الحسن المثنى والمثلث و
عبد الله بن المثنى والنفس الزكية ، والى اولاد الحسين مثل زين العابدين والباقر والصادق والكاظم والرضا فان هؤلاء لاكابر

يقر بفضيلتهم وعلو درجتهم كل مسلم ، ومما يدل على علو شانهم ان أفضل المشايخ واعلاهم درجة أبو يزيد البسطامى وكان سقاء في دار جعفر الصادق وأما معروف الكرخي فانه أسلم على يدي على بن موسى الرضا وكان بواب داره وبقي على

هذه الحالة الى آخر عمره ، ومعلوم ان امثال هذه الاولاد لم يتفق لاحد من الصحابة ، ولو أخذنا في الشرح والاطناب لطال الكلام ( 1 ) .


( قال عبد المحمود ) : فهذا آخر كلام الرازي ، وقد روى في هذا الكتاب من الفضائل لعلي بن أبى طالب عليه السلام والمناقب والخصائص الجليلة ما قد تقدم شرح بعضها عنهم من كتبهم ، وانه أسبقهم ايمانا وأعظمهم جهادا وأفضلهم علما

وأرجحهم زهدا وأقربهم الى رسول الله " ص " نسبا واكثرهم به امتزاجا وآخرهم به عهدا وأفضلهم في كل فضيلة ، ومع ذلك فان أكثرهم استحسنوا لانفسهم ودينهم ان يقدموا عليه الثلاثة الخلفاء الذين قد ذكروا عنهم وشهدوا عليهم انه وقع منهم ما قد تقدم ذكر بعضه .


والعجب ايضا أن يحصل لمعاوية من المسلمين من يسعده على محاربة علي

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الاربعين : 465 - 468 ومن 474 - 476 . قال في آخره : فهذا مجموع دلائل من قال بتفضيل أمير المؤمنين على بن ابى طالب عليه السلام . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 521

عليه السلام المشهود له عندهم بتلك الفضائل وان ينازعه معاويه في الخلافة ان هذا من أعجب الامور الهائلة .

ومن طرائف ما رأيت في شرح حال علي بن أبى طالب عليه السلام ما رواه صدر الائمة عندهم موفق بن احمد المكى ثم الخوارزمي أخطب خطباء خوارزم فيما صنفه من المناقب قال : أنباني مهذب الائمة أبو المظفر عبد الملك بن علي ابن محمد

الهمداني اجازة ، أخبرني محمد بن الحسين بن على البزاز ، أخبرني أبو منصور محمد بن علي بن علي بن عبد العزيز ، اخبرني هلال بن محمد بن جعفر ، حدثنى أبو بكر محمد بن عمرو الحافظ ، حدثنى أبو الحسن علي بن موسى الخزاز من

كتابه ، حدثنى الحسن بن علي الهاشمي ، حدثنى اسماعيل بن ابان ، حدثنى أبو مريم ، عن ثويرة بن أبى فاختة ، عن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال : قال أبي : دفع النبي " ص " الراية يوم خيبر الى علي بن أبى طالب عليه السلام ، ففتح الله

تعالى على يده ، وأوقفه يوم غدير خم فاعلم انه مولى كل مؤمن ومؤمنة ، وقال له : أنت مني وأنا منك ، وقال له : تقاتل على التأويل كما قاتلت على التنزيل ، وقال له : أنت منى بمنزلة هارون من موسى ، وقال له : انا سلم لمن سالمت وحرب

لمن حاربت ، وقال له : أنت تبين لهم ما يشتبه عليهم من بعدي ، وقال له : أنت العروة الوثقى التى لا انفصام لها ، وقال
له : أنت امام كل مؤمن ومؤمنة وولي كل مؤمن ومؤمنة بعدى ، وقال له : أنت الذى أنزل الله فيك " وأذان من الله ورسوله

الى الناس يوم الحج الاكبر " ، وقال له : أنت الاخذ بسنتى والذاب عن ملتى ، وقال له : انا أول من تنشق الارض عنه
وأنت معى ، وقال له : انا عند الحوض وأنت معى . والحديث طويل الى أن قال : وقال له : ان الله اوحى الي أن أقوم بفضلك فقمت به في الناس وبلغتهم ما أمرنى الله بتبليغه ، وقال له : اتق الضغائن التى

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 522

لك في صدور من لا يظهرها الا بعد موتى اولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون . ثم بكى " ص " فقيل مما بكاؤك يا رسول
الله ؟ فقال : اخبرني جبرئيل عليه السلام انهم يظلمونه ويمنعونه حقه ويقاتلونه ويقتلون ولده ويظلمونهم بعده ، واخبرني

جبرئيل عن الله عز وجل أن ذلك الظلم يزول إذا قام قائمهم وعلت كلمتهم واجتمعت الامة على محبتهم وكان الشانئ لهم قليلا والكاره لهم ذليلا وكثر المادح لهم ، وذلك حين تغير البلاد وضعف العباد والياس من الفرج فعند ذلك يظهر القائم فيهم قال

النبي " ص " : اسمه كاسمى واسم أبيه كاسم أبى هو من ولد ابنتى فاطمة يظهر الله الحق بهم ويخمد الباطل باسيافهم ويتبعهم الناس راغبا إليهم وخائفا منهم . قال : وسكن البكاء عن رسول الله " ص " فقال : معاشر الناس أبشروا بالفرج فان وعد الله

لا يخلف وقضاؤه لا يرد وهو الحكيم الخبير ، وان فتح الله قريب ، اللهم انهم أهلى فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، اللهم اكلاهم وارعهم وكن لهم وانصرهم واعزهم ولا تذلهم واخلفني فيهم انك على ما تشاء قدير ( 1 )
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الخوارزمي في المناقب : 24 . ( * )

 

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

صفحة الكتب

 

فهرس الكتاب