وقفة مع الجزائري - الشيخ : حسن عبدالله - ص4 -

الحلقة الأولى :

قال الجزائري : ( الحقيقة الأولى استغناء آل البيت عن القرآن الكريم بما عند آل البيت من الكتب الإلهية الأولى هي التوراة والإنجيل ! إن الذي يثبت هذه الحقيقة ويؤكدها ويلزمك أيها

الشيعي بها : هو ما جاء في كتاب الكافي ج 1 كتاب الحجة ص 207 ومن قول مؤلفه ( باب إن الأئمة عليهم السلام عندهم جميع الكتب التي نزلت من الله عز وجل وأنهم يعرفونها كلها

على اختلاف ألسنتها ) مستدلا على ذلك بحديثين يرفعهما إلى أبي عبد الله وأنه كان يقرأ الإنجيل والتوراة والزبور بالسريانية .

 

وقصد المؤلف من وراء هذا معروف وهو أن آل البيت وشيعتهم تبع لهم يمكنهم الاستغناء عن القرآن الكريم بما يعلمون من كتب الأولين .

وهذه خطوة عظيمة في فصل الشيعة عن الإسلام والمسلمين إذ ما من شك في أن من اعتقد الاستغناء عن القرآن الكريم بأي وجه من الوجوه فقد خرج من الإسلام وانسلخ من جماعة المسلمين أليس من الرغبة عن القرآن الذي يربط الأمة الإسلامية بعقائده وأحكامه وآدابه فيجعلها أمة واحدة ؟

أليس من الرغبة عنه دراسة الكتب المحرفة المنسوخة والعناية بها والعمل بما فيها ؟ !

وهل الرغبة عن القرآن لا تعد مروقا من الإسلام وكفرا ؟

وكيف تجوز قراءة تلك الكتب المنسوخة المحرفة والرسول صلى الله عليه وسلم يرى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وفي يده ورقه من التوراة فينتهره قائلا : ألم آتكم بها بيضاء نقيه ؟ !

إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرض لعمر مجرد النظر في تلك الورقة من التوراة فهل يعقل أن أحدا من آل البيت الطاهرين

- ص5 -

يجمع كل هذه الكتب القديمة ويقبل عليها يدرسها بألسنتها المختلفة ولماذا ؟ ! أ لحاجة إليها أم لأمر ما يريده منها ؟ !

اللهم إنه لاذا ولا ذاك وإنما هو افتراء المبطلين على آل بيت رسول الله رب العالمين من أجل القضاء على الإسلام والمسلمين .

وأخيرا فإن الذي ينبغي أن يعرفه كل شيعي هو أن اعتقاد الاستغناء عن القرآن الكريم كتاب الله الذي حفظه الله في صدور المسلمين وهو الآن بين أيديهم لم تنقص منه كلمة ولم تزد فيه أخرى ولا يمكن ذلك أبدا لأن الله تعهد بحفظه في قوله : ( إنا

نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) سورة الحجر الآية : 9 وهو كما نزل به جبريل الأمين علي سيد المرسلين وكما قرأه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأه عنه آلاف أصحابه وقرأه من بعدهم من ملايين المسلمين متواترا إلى يومنا هذا .

 

إن اعتقاد امرئ الاستغناء عنه أو عن بعضه بأي حال من الأحوال هو ردة عن الإسلام ومروق منه لا يبقيان لصاحبها نسبة إلى الإسلام ولا إلى المسلمين ) .

أقول : إن الحديثين اللذين أشار إليهما الجزائري وذكر أن الشيخ الكليني عليه الرحمة وقدس الله سره أوردهما في كتابه الكافي تحت العنوان المذكور هما كالتالي : -

الأول : ( علي بن إبراهيم عن أبيه عن الحسن بن إبراهيم عن يونس عن هشام بن الحكم في حديث برية أنه لما جاء معه إلى أبي عبد الله عليه السلام فلقي أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السلام فحكى له هشام الحكاية ، فلما فرغ قال أبو الحسن عليه

السلام لبرية : يا برية كيف علمك بكتابك ؟ قال : أنا به عالم ، ثم قال : كيف ثقتك بتأويله ؟ قال : ما أوثقني بعلمي فيه ، قال : فابتدأ أبو الحسن عليه السلام يقرأ الإنجيل ، فقال برية : إياك كنت أطلب منذ خمسين سنة أو مثلك ، قال : فآمن برية وحسن إيمانه ، وآمنت المرأة التي كانت معه
 

- ص6 -

فدخل هشام وبرية والمرأة على أبي عبد الله فحكى له هشام الكلام الذي جرى بين أبي الحسن موسى عليه السلام وبين برية فقال أبو عبد الله عليه السلام : { ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم } فقال برية : أنى لكم التوراة والإنجيل وكتب

الأنبياء ؟ قال : هي عندنا وراثة من عندهم نقرؤها كما قرؤوها ونقولها كما قالوا ، إن الله لا يجعل حجة في أرضه يسأل عن شئ فيقول لا أدري ) ( 1 ) .


الثاني : ( علي بن محمد ومحمد بن الحسن عن سهل بن زياد عن بكر بن صالح عن محمد بن سنان عن مفضل بن عمر قال : أتينا باب أبي عبد الله عليه السلام ونحن نريد الإذن عليه فسمعناه يتكلم بكلام ليس بالعربية فتوهمنا أنه بالسريانية ثم بكى فبكينا

لبكائه ثم خرج إلينا الغلام فأذن لنا فدخلنا عليه ، فقلت : أصلحك الله أتيناك نريد الإذن عليك فسمعناك تتكلم بكلام ليس بالعربية فتوهمنا أنه بالسريانية ثم بكيت فبكينا لبكائك فقال : نعم ذكرت الياس النبي وكان من عباد بني إسرائيل ، فقلت كما يقول في

سجوده ثم اندفع فيه بالسريانية فلا والله ما رأينا قسا ولا جاثليقا أفصح لهجة منه به ، ثم فسره لنا بالعربية ، فقال : كان يقول في سجوده : أتراك معذبي وقد أظمأت لك هواجري أتراك معذبي وقد عفرت لك في التراب وجهي ، أتراك معذبي وقد

اجتنبت لك المعاصي ، أتراك معذبي وقد سهرت لك ليلي قال : فأوحى الله إليه أن ارفع رأسك فإني غير معذبك ، قال : فقال : إن قلت : لا أعذبك ماذا ؟ ألست عبدك وأنت ربي ؟ قال : فأوحى الله إليه أن أرفع رأسك فإني غير معذبك إني إذا وعدت وعدا وفيت به ) . ( 2 )
 

  * هامش *  
 

( 1 ) الكافي 1 / 273 طباعة بيروت نشر دار التعارف للمطبوعات ضبط وتحقيق وتعليق الشيخ محمد جعفر شمس الدين .
( 2 ) الكافي 1 / 284 ، الطبعة المذكورة أعلاه . ( * )

 

 

- ص7 -

والحديث الأول ضعيف ، قال عنه الشيخ محمد باقر المجلسي عليه الرحمة في مرآة العقول : ( مجهول ) ( 1 ) .

ففي سنده الحسن ابن إبراهيم وهو مجهول الحال ، قال الشيخ المامقاني عنه في تنقيح المقال : ( وظاهره كونه إماميا إلا أنه مجهول ) ( 2 ) .


والحديث الثاني كذلك ضعيف السند ، قال عنه الشيخ المجلسي في مرآة العقول : ( الحديث الثاني ضعيف ) ( 3 ) .

ففي سند هذا الحديث أكثر من راو ضعيف فبكر بن صالح ضعيف قال عنه الشيخ النجاشي في رجاله : ( ضعيف ) وقال عنه ابن الغضائري : ( ضعيف جدا كثير التفرد بالغرائب ) وقال المامقاني في تنقيح المقال : ( ضعف بكر بن صالح الضبي

الرازي الراوي عن الكاظم عليه السلام مما لا ينبغي الريب فيه ، واشتراك غيره معه من دون تمييز صحيح يسقط كل رواية لبكر بن صالح عن الاعتبار ) ( 4 ) .

 

كما ضعفه غير هؤلاء أنظر ترجمته في ( نقد الرجال للسيد مصطفى التفريشي 1 / 292 ) . وأما محمد بن سنان فالمشهور بين العلماء أنه ضعيف فقد ضعفه النجاشي في رجاله وابن عقدة وابن الغضائري والشيخ الطوسي في رجاله والفهرست

وكثيرون غيرهم وقال السيد الخوئي عليه الرحمة في كتابه معجم رجال الحديث : ( تضعيف هؤلاء الأعلام يصدنا عن الاعتماد عليه والعمل برواياته ) ( 5 ) .


وقال العلامة الحلي في الخلاصة : ( والوجه عندي التوقف فيما يرويه ) ( 6 ) .
 

  * هامش *  
  ( 1 ) مرآة العقول : 3 / 24 .
( 2 ) تنقيح المقال : 1 / 265 .
( 3 ) مرآة العقول : 3 / 28 .
( 4 ) تنقيح المقال : 1 / 178 .
( 5 ) معجم رجال الحديث : 16 / 160 .
( 6 ) خلاصة الأقوال ص 394 . ( * )
 

 

- ص8 -

وأما سهل بن زياد ففيه قولان والمشهور بين علمائنا أنه ضعيف حيث اختار تضعيفه النجاشي وابن الغضائري والشيخ الطوسي في الفهرست والعلامة الحلي في الخلاصة وابن داود في رجاله وغيرهم وقال السيد الخوئي قدس سره في معجم رجال الحديث : ( وكيف كان فسهل بن زياد الآدمي ضعيف جزما ، أو لم تثبت وثاقته ) ( 1 ) .

 

فهذا حال هاتين الروايتين من حيث السند ، ولو أغضضنا النظر عن ضعف الروايتين سندا وأردنا مناقشتهما من حديث الدلالة ، فنسأل الجزائري في أي كلمة أو مقطع أو عبارة من

هاتين الروايتين يوجد ما يدل على قوله : ( أن آل البيت وشيعتهم تبع لهم يمكنهم الاستغناء عن القرآن الكريم بما يعلمون من كتب الأولين ) فهل يرشدنا هذا المفتري أو من يروج لباطله هذا

على عبارة أو لفظ في الروايتين يدل على ذلك ؟ ثم من أين علم أن قصد المؤلف " أي الشيخ الكليني " من وراء إيراده هاتين الروايتين هو ما ذكر ؟ هل أشار الشيخ الكليني إلى ذلك في

كتابه الكافي أو في غيره ؟ أم هو افتراء وبهتان عظيم عليه من هذا الدجال الذي يريد أن يستر الحقائق بأكاذيبه وتدجيله وتدليسه ؟ بلى إنه رجم بالغيب .

 

حاشا أئمة أهل البيت عليهم السلام أن يدعوا الاستغناء عن القرآن الكريم وحاشا الشيخ الكليني أن يعتقد بذلك أو يريده من وراء إيراده لهاتين الروايتين ، فالشيخ الكليني عليه الرحمة قد عقد بابا كاملا في كتابه الكافي سماه ( كتاب فضل القرآن ) ذكر فيه أكثر من مائة وعشرين حديثا موزعة على الأبواب
 

  * هامش *  
 

( 1 ) معجم رجال الحديث : 8 / 340 . ( * )

 

 

- ص9 -

التالية : -
( 1 ) باب فضل حامل القرآن .
( 2 ) باب من يتعلم القرآن بمشقة .
( 3 ) باب من حفظ القرآن ثم نسيه .
( 4 ) باب في قراءته .
( 5 ) باب البيوت التي يقرأ فيها القرآن .
( 6 ) باب ثواب قراءة القرآن .
( 7 ) باب قراءة القرآن في المصحف .
( 8 ) باب ترتيل القرآن بالصوت الحسن .
( 9 ) باب فيمن يظهر الغشية عند قراءة القرآن .
( 10 ) باب في كم يقرأ ويختم .
( 11 ) باب في أن القرآن يرفع كما أنزل .
( 12 ) باب فضل القرآن .

فليس في الحديث الأول ولا الثاني ما يدل على أن أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم استغنوا عن القرآن الكريم بكتب الأولين فأقصى ما يدل عليه الحديث الأول هو أن الأئمة من أهل البيت عليهم السلام عندهم هذه الكتب غير محرفة ولا مبدلة ورثوها عن سيد الأنبياء

- ص10 -

والمرسلين محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنهم يعرفونها ويقرؤونها على اختلاف ألسنتها وأن الإمام أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السلام قد قرأ من الإنجيل على برية ما جعله يعتنق الدين الإسلامي فلعله والله العالم أنه قرأ عليه ما يثبت صحة

نبوة ورسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونسخ شريعته لشريعة نبي الله عيسى عليه السلام الأمر الذي جعله يؤمن بالدين الإسلامي .


وغاية ما يدل عليه الحديث الثاني أن الإمام الصادق عليه السلام كان يدعو بدعاء للنبي إلياس عليه السلام باللغة السريانية ولم تتعرض هذه الرواية إلى ذكر أن هذا الدعاء مذكور في أحد الكتب السماوية وأن الإمام عليه السلام قرأه منه ، فلربما وصل

هذا الدعاء إليه من خلال آبائه عن طريق روايتهم ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فالدعاء بمثل هذا الدعاء وغيره من الأدعية التي دعا بها الأنبياء السالفين لا يدل على الرغبة عن القرآن الكريم وما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .


إن الجزائري اختار هذين الحديثين الضعيفين رغم عدم دلالتهما على شئ مما استنتجه منهما كما وضحنا أعلاه وكما هو ظاهر نصهما فزعم أنهما يدلان على أن أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم قد استغنوا عن القرآن الكريم بالكتب القديمة المحرفة وذلك

ليصل إلى هدف يريده وهو أن كل من اعتقد الاستغناء عن القرآن الكريم فهو خارج عن حضيرة المسلمين مرتد عن الإسلام كافر والشيعة يعتقدون ذلك فهم كذلك .


وهذا ما أشار إليه بقوله : ( وهذه خطوة عظيمة في فصل الشيعة عن الإسلام والمسلمين إذ ما من شك في أن من اعتقد الاستغناء عن القرآن الكريم بأي وجه من الوجوه فقد خرج من الإسلام وانسلخ من جماعة المسلمين أليس من الرغبة عن

القرآن الذي يربط الأمة الإسلامية بعقائده وأحكامه وآدابه فيجعلها أمة واحدة ؟ أليس من الرغبة عنه دراسة الكتب المحرفة المنسوخة والعناية بها

- ص11 -

والعمل بما فيها ؟ ! وهل الرغبة عن القرآن لا تعد مروقا من الإسلام وكفرا ؟ ) .


ولكن كما علمت أيها القارئ الكريم أن هذه النتيجة التي أرادها هذا الدجال الجزائري بناها على استنتاج خطأ من الروايتين المذكورتين أعلاه حيث حملهما من الدلالة ما لا يحتملانه ، بل غير خفي علينا أن هذا الرجل كان يعلم أن هاتين الروايتين لا

تدلان على شئ مما ذكره " ولذلك لم يذكر نص الروايتين في نصيحته " ولكنه فعل ذلك بغية النيل من أئمة أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم ومذهبهم لينتصر إلى باطله الذي هو عليه بطمس الحقائق من خلال المغالطات والكذب والتدليس .


وأما حول قوله : ( وكيف تجوز قراءة تلك الكتب المنسوخة المحرفة والرسول صلى الله عليه وسلم يرى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وفي يده ورقة من التوراة فينتهره قائلا : ألم آتكم بها بيضاء نقيه ؟ ! إذا كان الرسول صلى الله عليه

وسلم لم يرض لعمر مجرد النظر في تلك الورقة من التوراة فهل يعقل أن أحدا من آل البيت الطاهرين يجمع كل هذه الكتب القديمة ويقبل عليها يدرسها بألسنتها المختلفة ولماذا ؟ ! أ لحاجة إليها أم لأمر ما يريده منها ؟ ! ) .


أقول : ما هو دليل الجزائري على عدم جواز قراءة الكتب المنسوخة والمحرفة ؟ إن العلماء يفتون بجواز اقتناء الإنجيل والتوراة حتى هذه المحرفة بل حتى كتب الضلال لنقضها والاحتجاج بها على من يعتقد بها والاحتجاج بالتوراة والإنجيل على

اليهود والنصارى جائز لا إشكال فيه حيث روى البخاري في صحيحه ، عن عبد الله بن عمر : ( أن اليهود جاءوا إلى النبي صلى الله عليه { وآله } وسلم برجل منهم وامرأة قد زنيا ، فقال لهم : كيف تفعلون بمن زنى منكم ؟ قالوا : نحممهما ونضربهما ، فقال : لا تجدون في التوراة الرجم ؟
 

- ص12 -

فقالوا : لا نجد فيها شيئا ، فقال لهم عبد الله بن سلام : كذبتم ، فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين . فوضع مدراسها الذي يدرسها منهم كفه على آية الرجم ، فقال : ما هذه ؟ فلما رأوا ذلك قالوا : هي آية الرجم ، فأمر بهما فرجما قريبا من حيث موضع الجنائز عند المسجد ، فرأيت صاحبها يجنأ عليها يقيها الحجارة ) ( 1 ) .

 

فلعل اقتناء أهل البيت عليهم السلام لهذه الكتب كان لأجل هذه الغاية ، فلا يستخرجون شيئا منها إلا وقت الحاجة إليه ، كما صنع الإمام عليه السلام مع برية ، وأما ما نقله عن نهي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لعمر عندما رأى في يده ورقة من

التوراة فعلى فرض صحة ذلك فلعل ذلك قبل استقرار الأحكام والقواعد الدينية يقول ابن حجر العسقلاني في كتابه فتح الباري في شرح صحيح البخاري في شرح الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو قوله : ( بلغوا عني ولو آية ،

وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ) يقول : ( أي لا ضيق عليكم في الحديث عنهم ، لأنه كان قد تقدم منه صلى الله عليه { وآله } وسلم الزجر عن الأخذ عنهم والنظر في كتبهم ، ثم حصل التوسع في

ذلك ، وكأن النهي قد وقع قبل استقرار الأحكام الإسلامية والقواعد الدينية خشية الفتنة ، ثم لما زال المحذور وقع الإذن في ذلك في سماع الأخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار ) ( 2 ) .

 

كما نجد في بعض الروايات الواردة من طرق أهل السنة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أمر بعض أصحابه بتعلم السريانية والعبرية حتى يقرأ له كتبهم ويكتب إليهم بلغتهم وهذا مما يدل على جواز قراءة تلك الكتب بلغاتها ، ففي كتاب جامع الأصول جاء فيه : ( خ د ت ) " وهو إشارة إلى أن الحديث رواه البخاري وأبو داود
 

  * هامش *  
 

( 1 ) صحيح البخاري : 6 / 46 .
( 2 ) فتح الباري في شرح صحيح البخاري : 6 / 388 . ( * )

 

 

- ص13 -

والترمذي " أن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : أمرني رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم فتعلمت كتاب يهود . وفي رواية بالسريانية . وقال : إني والله ما آمن يهود على كتابي ، فما مر بي نصف شهر حتى تعلمته وحذقته فكنت أكتب له إليهم وأقرأ له كتبهم . ( 1 )


( وليس غريبا أن يقرأ الأئمة عليهم السلام التوراة والإنجيل بلغاتها ، فقد كانت هذه اللغات معروفة عند الناس، وعند المتعلمين والمهتمين بشؤون الأديان في العصور الأولى من بداية الدعوة الإسلامية ، وحري بالأئمة عليهم السلام أن يعرفوها بلغاتها ،

لأنهم علماء هذه الأمة والدعاة إلى دين الله وهم الهداة والقادة إلى صراط الله المستقيم وإلى دين جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ) .


ولمزيد من الدحض لأقوال الجزائري نورد هنا مجموعة من الروايات الواردة في كتب ومصنفات الشيعة الإمامية الإثنى عشرية عن الأئمة المعصومين الطاهرين من أهل البيت عليهم السلام والتي يظهر منها مدى اهتمامهم عليهم السلام بالقرآن الكريم وحثهم شيعتهم وأتباعهم بالإهتمام به وتعلمه وقراءته وتدراسه والعمل بما فيه من تعاليم وتشريع .


فقد روى الشيخ الصدوق عليه الرحمة في كتابه عيون أخبار الرضا عليه السلام عن محمد بن موسى الرازي عن أبيه قال : ( ذكر الرضا عليه السلام يوما القرآن فعظم الحجة فيه والآية المعجزة في نظمه ، فقال : هو حبل الله المتين ، وعروته الوثقى

، وطريقته المثلى ، المؤدي إلى الجنة ، والمنجي من النار ، لا يخلق من الأزمنة ، ولا يغث على الألسنة ، لأنه لم يجعل لزمان دون زمان ، بل جعل دليل
 

  * هامش *  
 

( 1 ) جامع الأصول : 8 / 30 الحديث رقم ( 5864 ) . ( * )

 

 

- ص14 -

البرهان ، وحجة على كل إنسان ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ) ( 1 ) .
 

وروى الشيخ الصدوق عليه الرحمة في كتابه ثواب الأعمال والأمالي ، بسنده عن الصادق عليه السلام قال : ( الحافظ للقرآن ، العامل به مع السفرة الكرام البررة ) ( 2 ) .


وروى الشيخ الطوسي في أماليه بسنده عن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( خياركم من تعلم القرآن وعلمه ) ( 3 ) .


وروى الشيخ الصدوق عليه الرحمة في كتابه ثواب الأعمال عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال : ( إن الذي يعالج القرآن ليحفظه بمشقة منه ، وقلة حفظ له أجران ) ( 4 ) .


وروى الصدوق عليه الرحمة أيضا في كتابه ثواب الأعمال بسنده عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال : ( من قرأ القرآن وهو شاب مؤمن اختلط القرآن بلحمه ودمه ، جعله الله مع السفرة الكرام البررة ، وكان القرآن حجيجا عنه يوم القيامة

ويقول : يا رب كل عامل قد أصاب أجر عمله غير عاملي ، فبلغ به كريم عطاياك ، فيكسوه الله عز وجل حلتين من حلل الجنة ويوضع على رأسه تاج الكرامة ، ثم يقال له : هل أرضيناك فيه ؟ فيقول القرآن : يا رب قد كنت أرغب له فيما هو أفضل من هذا . قال : فيعطى الأمن بيمينه ، والخلد بيساره ، ثم يدخل الجنة فيقال له : إقرأ آية واصعد درجة ، ثم
 

  * هامش *  
 

( 1 ) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 130 .
( 2 ) ثواب الأعمال ص 92 ، أمالي الشيخ الصدوق ص 36 .
( 3 ) أمالي الشيخ الطوسي ج 1 ص 367 .
( 4 ) ثواب الأعمال ص 92 . ( * )

 

 

- ص15 -

يقال له : بلغنا به وأرضيناك فيه ؟ فيقول : اللهم نعم . قال : ومن قرأ كثيرا وتعاهد من شدة حفظه أعطاه الله أجر هذا مرتين ) ( 1 ) .


وروى الشيخ الصدوق قدس الله سره في كتابه الأمالي عن الإمام الباقر عن أبيه عن جده عليهم السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( من قرأ عشر آيات في ليلة لم يكتب من الغافلين ، ومن قرأ خمسين آية كتب من الذاكرين ،

ومن قرأ مائة آية كتب من القانتين ، ومن قرأ مائتي آية كتب من الخاشعين ، ومن قرأ ثلاثمائة آية كتب من الفائزين ، ومن قرأ خمسمائة آية كتب من المجتهدين ، ومن قرأ ألف آية كتب له قنطار ، والقنطار خمسون ألف مثقال ذهب ، والمثقال أربعة وعشرون قيراطا أصغرها مثل جبل أحد وأكبرها بين السماء والأرض ) ( 2 ) .


وروى الشيخ الصدوق طيب الله ثراه في أماليه بسنده عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال : ( عليكم بمكارم الأخلاق ، فإن الله عز وجل يحبها ، وإياكم ومذام الأفعال ، فإن الله عز وجل يبغضها ، وعليكم بتلاوة القرآن فإن درجات الجنة على عداد

آيات القرآن ، فإذا كان يوم القيامة يقال لقارئ القرآن : اقرأ وارق فكلما قرأ آية رقا درجة ، وعليكم بحسن الخلق فإنه يبلغ بصاحبه درجة الصائم القائم ، وعليكم بحسن الجوار ، فإن الله عز وجل أمر بذلك ، وعليكم بالسواك ، فإنها مطهرة ، وسنة حسنة ، وعليكم بفرائض الله فأدوها وعليكم بمحارم الله فاجتنبوها ) ( 3 ) .


وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام : ( عليكم

  * هامش *  
 

( 1 ) ثواب الأعمال ص 91 .
( 2 ) الأمالي للشيخ الصدوق ص 36 .
( 3 ) الأمالي للشيخ الصدوق ص 216 . ( * )

 

 

- ص16 -

بكتاب الله فإنه الحبل المتين والنور المبين ، والشفاء النافع ، والرأي الناقع ، والعصمة للمتمسك والنجاة للمتعلق لا يعوج فيقوم ، ولا يزيغ فيستعتب ، ولا تخلقه كثرة الرد ، وولوج السمع ، من قال به صدق ، ومن عمل به سبق ) ( 1 ) .


وقال عليه السلام أيضا : ( . . . ثم أنزل عليه الكتاب نورا لا تطفأ مصابيحه وسراجا لا يخبو توقده ، وبحرا لا يدرك قعره ، ومنهاجا لا يضل نهجه ، وشعاعا لا يظلم ضوؤه ، وفرقانا لا يخمد برهانه ، وتبيانا لا تهدم أركانه ، وشفاء لا تخشى أسقامه،

وعزا لا تهزم أنصاره ، وحقا لا تخذل أعوانه ، فهو معدن الإيمان وبحبوحته ، وينابيع العلم وبحوره ، ورياض العدل وغدرانه ، وأثافي الإسلام وبنيانه ، وأودية الحق وغيطانه ، وبحر لا ينزفه المستنزفون ، وعين لا ينضبها الماتحون ،

ومناهل لا يغيضها الواردون ، ومنازل لا يضل نهجها المسافرون ، وأعلام لا يعمى عنها السائرون ، وآكام لا يجوز عنها القاصدون ، جعله الله ريا لعطش العلماء ، وربيعا لقلوب الفقهاء ، ومحاج لطرق الصلحاء ، ودواء ليس بعده داء ،

ونورا ليس معه ظلمة ، وحبلا وثيقا عروته ، ومعقلا منيعا ذروته ، وعزا لمن تولاه ، وسلما لمن دخله ، وهدى لمن ائتم به ، وعذرا لمن انتحله ، وبرهانا لمن تكلم به ، وشاهدا لمن خاصم به ، وفلجا لمن حاج به ، وحاملا لمن حمله ، ومطية لمن أعمله ، وآية لمن توسم ، وجنة لمن استلأم ، وعلما لمن وعى وحديثا لمن روى ، وحكما لمن قضى . . . ) ( 2 ) .


وقال أمير المؤمنين عليه السلام : ( . . . واعلموا أن هذا القرآن هو الناصح الذي لا يغش ، والهادي الذي لا يضل ، والمحدث الذي لا

  * هامش *  
 

( 1 ) نهج البلاغة الرقم 154 من الخطب .
( 2 ) نهج البلاغة الرقم 196 من الخطب . ( * )

 

 

- ص17 -

يكذب ، وما جالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان : زيادة في هدى أو نقصان من عمى . واعلموا أنه ليس على أحد بعد القرآن من فاقة ، ولا لأحد قبل القرآن من غنى ، فاستشفوه من أدوائكم واستعينوا به على لأوائكم ، فإن فيه شفاء من

أكبر الداء ، وهو الكفر والنفاق والغي والضلال ، فاسألوا الله به ، وتوجهوا إليه بحبه ، ولا تسألوا به خلقه ، إنه ما توجه العباد إلى الله بمثله . واعلموا أنه شافع مشفع ، وقائل مصدق ، وإنه من شفع له القرآن يوم القيامة شفع ، ومن محل به

القرآن يوم القيامة صدق عليه ، فإنه ينادي مناد يوم القيامة : ألا إن كل حارث مبتلى في حرثه وعاقبة عمله ، غير حرثة القرآن ، فكونوا من حرثته وأتباعه ، واستدلوه على ربكم ، واستنصحوه على أنفسكم ، واتهموا عليه آراءكم ، واستغشوا فيه

أهواءكم . . . . إلى أن قال عليه الصلاة والسلام . . . . وإن الله سبحانه لم يعط أحدا بمثل هذا القرآن فإنه حبل الله المتين ، وسببه الأمين ، وفيه ربيع القلب ، وينابيع العلم ، وما للقلب جلاء غيره ، مع أنه قد ذهب المتذكرون ، وبقي الناسون والمتناسون . . . . . الخ ) ( 1 ) .


فيا أيها الجزائري هذه هي منزلة ومكانة كتاب الله عز وجل ودستوره عند أئمة الشيعة عليهم السلام ، وعند شيعتهم الذي هم تبعا لأئمتهم يقدسون القرآن الكريم ويتعاهدونه بالتعلم والحفظ والقراءة ، والدرس ، يتلونه آناء الليل والنهار ، ويسعون للعمل بتعاليمه وتشريعات الله وأحكامه الواردة فيه ، فهل من يصدر منه هذا

  * هامش *  
 

( 1 ) نهج البلاغة الرقم 174 من الخطب . ( * )

 

 

- ص18 -

الكلام في حق هذا الكتاب يكون مستغن عنه بغيره ؟ ! ! ! .

نعم لقد سولت لك نفسك أمرا ، فرميت أئمة أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم بهذه الفرية العظيمة ، إن الشيعة تروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله المتواتر عنه : ( إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده أبدا ، كتاب الله وعترتي أهل

بيتي وأن اللطيف الخبير أنبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ) ، فيرى الشيعة واستنادا إلى هذا الحديث الشريف أن رفض التمسك بالقرآن الكريم والاستغناء عنه ضلالة ما بعدها ضلالة ، وأن من يريد النجاة والهدى والسعادة والوصول إلى

مرضاة الله عز وجل ونيل النعيم الدائم الخالد في الآخر فما عليه سوى التمسك بكتاب الله عز وجل والعمل بما جاء فيه وكذلك التمسك بعترة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهم الأئمة المعصومون من أهل البيت عليهم السلام .


 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب