الحلقة الثانية
قال الجزائري : ( الحقيقة الثانية ، اعتقاد أن القرآن الكريم
لم يجمعه ولم يحفظه أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلا علي والأئمة من
آل البيت . هذا الاعتقاد أثبته صاحب كتاب الكافي ( ج 1 كتاب الحجة ص 26 ) جازما
به مستدلا عليه
بقوله : عن جابر قال سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول : ما
ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله إلا كذاب وما جمعه وحفظه كما نزل إلا علي
بن أبي طالب والأئمة من بعده والآن فعلم أيها الشيعي هداني الله وإياك إلى الحق
وصراطه المستقيم
أن اعتقادا كهذا وهو عدم وجود من جمع القرآن وحفظه من
المسلمين إلا الأئمة من آل البيت وشيعتهم وكفى بذلك فسادا وباطلا وشرا والعياذ
بالله تعالى . وإليك بيان ذلك . تكذيب كل من ادعى حفظ كتاب الله وجمعه في صدره
أو في مصحفه
كعثمان وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ، وعبد الله بن مسعود وغيرهم
من مئات أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتكذيبهم يقتضي فجورهم وإسقاط
عدالتهم ، وهذا ما لا يقوله أهل البيت الطاهرون ، وإنما يقوله أعداء الإسلام
وخصوم
المسلمين للفتنة والتفريق . ضلال عامة المسلمين ما عدا شيعة
آل البيت وذلك أن من عمل ببعض القرآن دون البعض لا شك في كفره وضلاله لأنه لم
يعبد الله تعالى بكل ما شرع ، إذ من المحتمل أن يكون بعض القرآن الذي لم يحصل
عليه المسلمون مشتملا على العقائد والعبادات والآداب والأحكام .
هذا الاعتقاد لازمه تكذيب الله في قوله : { إنا نحن نزلنا
الذكر وإنا له لحافظون } وتكذيب الله تعالى كفر ، وأي كفر ؟ هل يجوز لأهل البيت
أن يستأثروا بكتاب الله تعالى وحدهم دون المسلمين إلا من شاءوا من شيعتهم ؟ !
أليس هذا احتكار لرحمة
الله ، واغتصابا لها يتنزه عنه آل البيت ؟ اللهم إنا لنعلم أن
آل بيت رسولك براء من هذا الكذب ، فالعن اللهم من كذب عليهم وافترى . لازم هذا
الاعتقاد أن طائفة الشيعة هم وحدهم أهل الحق والقائمون عليه لأنهم هم الذين
بأيديهم كتاب الله كاملا غير
منقوص فهم يعبدون الله بكل ما شرع وأما من عداهم من المسلمين
فهم ضالون لحرمانهم من كثير من كتاب الله تعالى وهدايته فيه . يا أيها الشيعي
إن مثل هذا الهراء يتنزه عنه الرجل العاقل فضلا عمن ينسب إلى الإسلام والمسلمين
إنه ما مات رسول
الله صلى الله عليه وسلم حتى أكمل الله تعالى نزول كتابه وأتم
بيانه وحفظه المسلمون في صدورهم وسطورهم وانتشر فيهم وعمهم وحفظه الخاص والعام
ولم يكن آل البيت في شأن القرآن وجمعه وحفظه إلا كسائر المسلمين وسواء بسواء
فكيف يقال
إنه لم يجمع القرآن ولم يحفظه أحد إلا آل البيت ومن ادعى ذلك
فهو كاذب ؟ أرأيت لو قيل لهذا القائل : أرنا هذا القرآن الذي خص به آل البيت
شيعتهم أرنا منه صورة أو صورا يتحداه في ذلك فما يكون موقفه ؟ سبحانك اللهم هذا
بهتان عظيم .
أقول : لقد تصرف الجزائري في الرواية
التي استشهد بها على كلامه والتي نقلها من كتاب الكافي فحرفها مما أدى
تحريفه لها إلى تغيير كبير في معنى الرواية ، فنص الرواية في كتاب
الكافي هو : ( محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن ابن
محبوب عن عمرو بن أبي المقدام عن جابر قال : سمعت أبا جعفر
عليه السلام يقول : ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذاب
وما جمعه وحفظه كما أنزله الله تعالى إلا علي بن أبي طالب عليه السلام والأئمة
من بعده عليهم السلام ) ( 1 ) .
ومن خلال المقارنة بين النص الذي ذكره
الجزائري والنص الأصلي المذكور في الكافي نجد أنه قد حذف عبارة
( كما أنزل ) الواقعة في العبارة التالية : (
جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذاب ) فكتب هذه العبارة هكذا : ( جمع القرآن كله
إلا كذاب )
كما أنه أيضا أبدل عبارة ( كما أنزله الله تعالى ) الواقعة في قول الإمام
التالي : ( وما جمعه وحفظه كما أنزله الله تعالى إلا علي ابن أبي طالب عليه
السلام والأئمة من بعده عليهم السلام ) أبدلها بعبارة ( كما نزل ) وإن كانت
العبارة الثانية التي أبدلها
لم تغير من معنى الحديث شيئا فإن حذفه لعبارة (
كما أنزل ) غير معنى الحديث كثيرا ، وهو بهذا قد غش
القاري الكريم ودلس وكذب عليه بتزييفه للحقائق وتبديله لها ، والله
سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم : { فنجعل لعنة الله
على الكاذبين }
ثانيا : إن المراد بجمع القرآن الكريم وحفظه كما
أنزله الله سبحانه وتعالى هو جمعه مرتبا حسب النزول ، السابق نزولا قبل اللاحق
، والمكي قبل المدني ، والمنسوخ قبل الناسخ وهكذا كما يحتمل كبيرا أن المراد به
إضافة إلى ذلك العلم بتفسيره
حسب تفسير الوحي له للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فمما لا شك
ولا إشكال فيه أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قد تفرد بكتابة
القرآن الكريم وجمعه على التنزيل وحسب تسلسل السور والآيات من حيث النزول . نقل
عن ابن سيرين أنه قال : ( إن عليا كتب في مصحفه الناسخ
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) الكافي 1 / 284 نشر دار التعارف
للمطبوعات ضبط وتصحيح وتعليق محمد جعفر شمس الدين . ( * )
|
|
|
والمنسوخ )
وعنه : ( تطلبت ذلك الكتاب ، وكتبت فيه إلى المدينة فلم أقدر
عليه ) ( 2 ) .
وعنه أيضا أنه قال : ( فبلغني أنه " علي " كتبه على تنزيله ،
ولو أصيب الكتاب لوجد فيه علم كثير ) ( 2 ) .
وعن ابن جزي قال : ( لو وجد مصحفه عليه السلام لكان فيه علم
كثير ) ( 3 ) .
ونقل الزركشي الشافعي في كتابه البرهان في علوم القرآن 1 /
259 قال : ( وقال القاضي أبو بكر الطيب ، فإن قيل ، قد اختلف السلف في ترتيب
القرآن ، فمنهم من كتب في المصحف السور على تاريخ نزولها ، وقدم المكي على
المدني ومنهم من جعل أوله : ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ) وهو أول مصحف علي إلى
آخر كلامه ) .
إن هذا القول يدل على تفرد الإمام علي
بن أبي طالب عليه السلام بكتابة القرآن وجمعه وفق تسلسل نزول السور
والآي ، وهو مصداق لما جاء في حديث الكافي عن الإمام الباقر عليه السلام . وقد
كان صلوات الله وسلامه عليه أعلم وأعرف الأمة " بعد النبي صلى الله عليه وآله
وسلم " بكتاب الله وتفسيره ومعارفه
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) الإتقان في علوم القرآن ج 1 ص 58 .
( 2 ) الاستيعاب المطبوع بهامش الإصابة 2
/ 253 .
( 3 ) التمهيد في علوم القرآن 1 / 226 عن
التسهيل لعلوم التنزيل 1 / 4 . ( * )
|
|
|
وأحكامه ففي طبقات ابن سعد الكبرى ، يروي بسنده عن سليمان
الأحمسي عن أبيه قال : ( قال علي : والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيما نزلت
وأين نزلت وعلى من نزلت إن ربي وهب لي قلبا عقولا ولسانا طلقا ) ( 1 ) .
كما أخرجه أيضا أبو نعيم الأصفهاني في حلية الأولياء ( 2 ) .
ويروي ابن سعد أيضا في نفس المصدر بسنده عن أبي الطفيل قال : ( قال علي : سلوني
عن كتاب الله فإنه ليس من آية إلا وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار في سهل أم في
جبل ) .
وقد أخرج ابن عساكر في كتابه تاريخ دمشق وأبو نعيم الأصفهاني
في حلية الأولياء عن عبد الله قال : ( إن القرآن أنزل على سبعة أحرف ما منها
حرف إلا له ظهر وبطن ، وإن علي بن أبي طالب عنده منه علم الظاهر والباطن ) ( 3
) .
وورد من طرق الشيعة عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال : ( ما
نزلت على رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " آية من القرآن إلا أقرأنيها ،
وأملاها علي ، فكتبتها بخطي وعلمني تأويلها وتفسيرها وناسخها ومنسوخها الخ ) (
4 ) .
وفي كتاب بحار الأنوار للعلامة المجلسي عليه الرحمة ( 5 ) نقلا عن كتاب مناقب
آل أبي طالب لابن شهرآشوب عن أمير المؤمنين
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) الطبقات الكبرى 2 / 101 .
( 2 ) حلية الأولياء 1 / 68 .
( 3 ) ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق 3
/ 32 ، حلية الأولياء 1 / 65 .
( 4 ) أنظر المصادر التالية : ( بصائر الدرجات
ص 198 كمال الدين 1 / 284
البحار 89 / 41 التمهيد في علوم القرآن
1 / 57 ) .
( 5 ) بحار الأنوار ج 89 ص 52 . ( * )
|
|
|
علي بن أبي طالب عليه السلام قال : ( لو ثنيت لي الوسادة ،
لأخرجت لهم مصحفا ، كتبته وأملاه علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ) .
وقد ورث بقية الأئمة عليهم السلام واحدا تلو الآخر علم جدهم أمير المؤمنين علي
بن أبي طالب عليه السلام بالقرآن الكريم وتفسيره الذي هو بدوره أخذه عن رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم كما أنهم ورثوا المصحف المذكور " أي الذي جمعه
أمير المؤمنين عليه السلام والذي لا يختلف عن القرآن الموجود
والمتداول في أيدي المسلمين بشئ إلا من حيث الترتيب ، وما به من تفسير للآيات
حسب الوارد في تفسيرها من طرق الوحي " وهو الآن موجود عند الإمام الحجة المنتظر
عجل الله تعالى فرجه الشريف .
وعليه فإن الإمام الباقر عليه السلام لا يدعي أنه لا يوجد أحد جمع آيات كتاب
الله سبحانه وتعالى كاملة أو أنه لم يحفظ آياته أحد من الأمة كما فهم الجزائري
" بفهمه السقيم " بل يريد الإمام عليه السلام من قوله هذا أنه لم يجمع القرآن
ويحفظه
بالكيفية التي ذكرناها سابقا أحد من الأمة سوى أمير المؤمنين
علي بن أبي طالب والأئمة المعصومين عليهم السلام من ولده وأنهم الأعلم بتفسيره
ومعرفة أحكامه ومعارفه حسب الواقع دون غيرهم وذلك لما عندهم من تفسير للقرآن
الكريم حسب ما
أخبر به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أمير المؤمنين عليه
السلام وكتبه عنه وانتقل ذلك إليهم . وبهذا تكون جميع اللوازم التي ساقها
الجزائري والتي رتبها على فهمه السقيم لقول الإمام الباقر عليه السلام ساقطة
ولا مكان لها .