وقفة مع الدكتور البوطي - المستبصر : هشام آل قطيط ص 51 :

 تجويزكم للصلاة خلف البر والفاجر ( 3 ) ثم إنكم متفقون على أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أرشدكم إلى الصلاة خلف كل

 

  * هامش *  
  ( 3 ) رواه البيهقي في السنن 4 / 19 من مرسل مكحول عن أبي هريرة ، الفتح الكبير : 2 / 190 وهذا ما أخذته من كتاب العقيدة الطحاوية المسماة " بيان أهل السنة والجماعة " للإمام أبي جعفر الطحاوي ، قدم له الشيخ محمد صالح قرقور ص 108 ط دار الفكر 1992 الطبعة الثانية . ( * )  

 

 ص 52

بر وفاجر ، وخلف كل من قال لا إله إلا الله ، ويقول صديق بن حسن ابن علي القنوجي البخاري في أواخر ص 78 من كتابه ( الروضة الندية في شرح الدرر البهية ) في باب صلاة الجماعة من النسخة المطبوعة سنة 1296 هجرية بالمطبعة

المصرية ببولاق ( وتصح بعد المنقول لأنه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قد صلى بعد أبي بكر وبل غيره من الصحابة كما في الصحيح ولا دليل يدل على أنه يكون الإمام أفضل - إلى أن قال - والأصل أن الصلاة - عبادة تصح تأديتها خلف كل مصل

إذا قام بأركانها وأذكارها على وجه لا تخرج به الصلاة عن الصورة المجزئة ، وإن كان الإمام غير متجنب للمعاصي ، ولا متورع عن كثير مما يتورع عنه غيره ولهذا أن الشارع أنما اعتبر حسن القراءة والعلم والسن ولم يعتبر الورع والعدالة إلى

أن قال في منع المنة وكان ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يقول : " صلوا خلف كل بر وفاجر ، وكانت الصحابة يصلون خلف الحجاج ، وقد أحصي الذين قتلهم من الصحابة والتابعين فبلغوا مائة وعشرين ألفا ) . فإذا كانت الصلاة تجوز عندكم خلف كل

فاسق وفاجر والاقتداء بكل ظالم وعاص بإجماع أئمة أهل السنة نصا ، وفتوى ، وعملا ، وكانت صلاة الخليفة أبي بكر ( رض ) بالمسلمين دليلا على خلافة الرسالة ، وإمامة الأمة ، كان ذلك دليلا أيضا على إمامة هؤلاء جميعا ولكان كلهم خلفاء

النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من بعده ، وكأن قوله تعالى : ( ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ) باطلا لا معنى له ، وليس له في الوجود صورة ، وهذا باطل بالضرورة من الدين والعقل ، وذلك مثله باطل .


وفي نهاية المطاف أنصح كل من أراد الكشف عن الأمور المتباينة والمتضادة في هذا الحديث ، وأراد البحث عن الأدلة الواضحة على عدم صدور هذا الحديث من النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والذي أكد هذا الاختلاف في الحديث ( 1 ) فليراجع ما قاله الحافظ ابن حجر وأكده .
 

  * هامش *  
  ( 1 ) فراجع الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه ( فتح الباري في شرح صحيح البخاري ) في أواخر ص 106 وما بعدها من جزئه الثاني في باب ( حد المريض أن يشهد الجماعة ) فراجعوا ذلك وفقكم الله لتعلموا ثمة صحة ما ذكرنا . ( * )  

 

 ص 53

الحديث الثالث : عن عائشة رضي الله عنها وعن أبيها قالت : دخل علي رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في اليوم الذي بدئ فيه ، فقال : " ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابا " ثم قال : " يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر " .

قائلا لم يكتب الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) خوفا من أن تكون الخلافة وراثة فتنقلب ملكا عضوضا وتابع قوله : إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أعلن هذا الكلام ولم ينفذه . . ! !


فأقول : إن هذا الحديث موضوع ، وضع مقابل الحديث المشهور في البخاري الذي يقول ائتوني بدواة وكتف أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعدي ولما واجه القوم رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بتلك الكلمة القارصة والعبارة الجارحة .

خاصة وهو في آخر أيامه من الدنيا رأى ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن من الحكمة والمصلحة أن يعدل عن كتابته حفاظا على الدين وقياما بما أوجبه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من تقديمهم الأهم على المهم لأنه ( صلى الله عليه وآله وسلم )

نظر إلى صدور الشك منهم فعلم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن ذلك الكتاب لا يرفعه ولن يرفعه أبدا كما أن عدوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عن كتابته لم يكن بعدم الفائدة فيه بعد تلك المعارضة وموافقة جمهور الصحابة لقائله . فحسب ، بل لأنه

( صلى الله عليه وآله وسلم ) لو لم يعتن بقولهم ، وكتبه ، لقالوا فيما قلنا ( كتبه وهو يهجر ) أو مغلوب للوجع فهو يتكلم بكلام المرضى المحمومين الذي هو الهذيان والهذر .


وحينئذ تكون خلافة علي وبنيه الطاهرين من البيت النبوي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الثابتة بالنصوص القولية القطعية موضعا للشك وموردا للطعن ، بل لا يبقى أثر لكتابة ذلك الكتاب سوى توسعة شقة الخلاف ، واللغط بينهم على حد قول ابن

عباس بل لا يؤمن من وقوع الفتنة من بعده في أنه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) هل هجر ( والعياذ بالله ) فيما كتب أو لم يهجر ؟ كما تنازعوا وأكثروا من الاختلاف واللغط بحضرته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وفي آخر أيام حياته ( صلى الله

عليه وآله وسلم ) فلم يتسن له ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يومئذ أكثر من أن يقول : " قوموا عني فلا ينبغي عند نبي تنازع " بل لو أصر ، على كتابته لأصروا على قولهم هجر . وأكثروا في إشاعته ونشره ، ولتوسع أتباعهم وأنصارهم في إثبات

هجره ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فسطروا الأساطير وملأوا الطوامير ردا منهم على ذلك الكتاب ، وإسقاطا منهم له من الحساب وعن درجة الاعتبار لذلك
 

 ص 54

كله اقتضت حكمته البالغة أن يعدل عن كتابته ، ليس خوفا من أن تكون الخلافة وراثة فتنقلب ملكا عضوضا كما زعم حضرة الدكتور البوطي .


وقال أيضا حضرته : إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أعلن هذا الكلام ولم ينفذه . . ! !

أقول : إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أراد أن يكتب وقوله في الحديث : ( لن تضلوا بعدي ) دليل على وجوب الأخذ بهذا الكتاب الذي سيكتبه لهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، لكن القوم أعرضوا ، ونسبوا إليه المرض والهذيان والوجع فأعرض عن ذلك .

والسبب الرئيس لإعراض النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . فيذهب الدين من أصله ، لا سيما وهو المعارض ويعلم كل العلم أن عليا ( عليه السلام ) وأشياعه خاضعون لمدلول ذلك الكتاب وأنه يستهدف به أجر الخلافة ، وأنه ( صلى الله عليه

وآله وسلم ) يريد أن يجعلها في علي والأئمة الأحد عشر من أبنانه الطاهرين بنص ذلك الكتاب ، تأكيدا لنصه عليهم يوم الغدير ، وفي حديث الثقلين ، والنجوم ، والسفينة وغيرها من الأدلة المتقدم ذكرها سواء عندهم أكتبه أم لم يكتبه .

وإن قول رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في هذا الأمر : " دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه " ورأيت ما قالوا به من ذلك القول الخشن بلا تدبر ولا روية . هذا وهو لا يزال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حيا بين ظهرانيهم ، فكيف يكون حالهم من الاختلاف والتنازع بعد وفاته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . . ؟


لذا رأى ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن من حسن تدبيره ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لهم ورعايته لشؤونهم أن يضرب الصفح عن ذلك الكتاب ، خوفا من وقوع الفتنة ، وحفظا لكيان الدين ، وصيانة لدماء المسلمين ، واحتياطا على نصوصه في خلافة علي وبنيه ( عليه السلام ) من بعده ، لئلا تصبح غرضا لنبال الشك ، وهدفا لسهام الطعن والتشكيك من المعارضين .


* وإن قلت لي حضرة الدكتور البوطي كما قال غيركم : إنه أراد بالكتاب أن يكتب الخلافة لأبي بكر كما زعمت في قولك : ويعهد بأمر الإمامة إليه لما نسي أو تناسى الراوي الوصية الثالثة ، ولا منعه القوم من
 

 ص 55

الكتابة ، ولما أسرعوا إلى السقيفة لعقد البيعة له ( صلى الله عليه وآله وسلم ) تنفيذا لما تعاقدوا عليه من قبل على أن يكون هذا الأمر فيهم لا في أهل بيت نبيهم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .


ولكن سبق النص على علي ( عليه السلام ) يوم ( الغدير ) الذي كان على مرأى منهم ومسمع ، كان من الأدلة الواضحة عندهم ، وليعلم الدكتور وكل من أراد التشكيك بأنه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عندما طلب منهم الدواة والكتف حتى يكتب

لهم أراد لهم تجديد العهد والوصية لعلي وبنيه الطاهرين ، ويؤكد عليهم الحجة ففهموا ذلك ، وأبوا عليه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) تحقيقه ، فقالوا فيه تلك الكلمة الكزة ، ولأن الذي يضرهم كما قلنا إنما هو كتابة الخلافة لعلي وبنيه ( عليه السلام ) دون غيره ، ويؤكد لك ذلك ويثبته ويقطع أمامك الشك باليقين .


ما سجله ابن أبي الحديد المعتزلي في ( شرح نهج البلاغة ) ( 1 ) عن أحمد بن أبي طاهر المعروف بابن أبي طيفور وكان في العقد الثاني من الهجرة النبوية وهو صاحب ( تاريخ بغداد ) ( 2 ) عن ابن عباس أنه قال في حديث طويل جرى بينه وبين

الخليفة عمر بن الخطاب ( رض ) . " قال عمر ( رض ) في بعض ما أجاب به ابن عباس ما ملخصه : ( إني لما علمت أن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أراد في مرضه أن يكتب لعلي ( عليه السلام ) بالخلافة ويعهد بها إليه ، فمنعته من ذلك ، لعلمي بأن العرب تنتقض عليه لبغضها له ) " .


وهو يرشدكم إلى أنهم كانوا يعلمون مسبقا بالنص عليه ( عليه السلام ) ولكنهم يرون أن مصلحة الأمة وانتقاض العرب ، وعدم رغبتهم في اجتماع النبوة والإمامة في أهل بيت النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، كل ذلك يقتضي منع النبي ( صلى

الله عليه وآله وسلم ) والحيلولة بينه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وبين ما أوحى الله تعالى به إليه ، من وجوب طاعتهم المطلقة لعلي ( عليه السلام ) من بعده ، وتنصيصه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على علي تم بالخلافة عليه ( عليه السلام ) ، وهذا واضح لا سبيل إلى إنكاره .


وحتى أكشف لكم زيف ما تحدث به حضرة الدكتور البوطي .
 

 

* هامش *

 
 

( 1 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 3 ص 97 .
( 2 ) تاريخ بغداد : ج 4 ص 211 . ( * )

 

 

 ص 56

فتعال معي أخي القارئ الكريم إلى هذه المحاورة التي دارت بين عمر بن الخطاب وحبر الأمة عبد الله بن عباس ، فهذه المحاورة تكشف عما كان يريده رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من كتابة الكتاب ، كما وردت في تاريخ الطبري ،

وابن الأثير وغيرهما من كتب من علماء أهل ألسنة : " قال عمر بن الخطاب لابن عباس : يا بن عباس ، أتدري ما منع قومكم منهم بعد محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؟ فكرهت أن أجيبه ،

فقلت : إن لم أكن أدري فإن أمير المؤمنين يدريني ،

فقال عمر : كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة فتبجحوا على قومكم بجحا بجحا ، فاختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت

فقلت : يا أمير المؤمنين إن تأذن لي في الكلام وتمط عني الغضب تكلمت ،

قال : تكلم ،

قلت : أما قولك يا أمير المؤمنين : اختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت ، فلو أن قريشا اختارت لأنفسها حيث اختار الله لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود ، وأما قولك : إنهم أبوا أن تكون لنا النبوة والخلافة ، فإن الله عز وجل وصف قوما بالكراهة ، فقال : ( ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم ) .

فقال عمر : هيهات والله يا بن عباس ، قد كانت تبلغني عنك أشياء كنت أكره أن أقرك عليها فتزيل منزلتك مني " ( 1 ) .


ولهذا يقول الدكتور طه حسين : " ولكن المسلمين لم يختاروه ، خوف قريش أن تستقر الخلافة في بني هاشم إن صارت إلى أحد منهم . . . " ( 2 ) .


ولهذا يقول عمر بن الخطاب : " . . . لقد كان - أي النبي - يربع في أمره وقتا ما ، ولقد أراد في مرضه أن يصرح باسمه فمنعته من ذلك إشفاقا وحيطة على الإسلام . لا ورب هذه البنية لا تجتمع عليه قريش أبدا . ولو وليها لانتفضت عليه العرب في أقطارها فعلم رسول الله أنني علمت ما في نفسه فأمسك " ( 3 ) .
 

  * هامش *  
 

( 1 ) تاريخ الطبري : ج 4 ص 223 - الكامل لابن الأثير : ج 3 ص 34 . ( 2 ) طه حسين : الفتنة الكبرى - عثمان - ص 153 - 152 - 1976 . ( 3 ) محمد جواد شري : أمير المؤمنين - ص 162 - 163 - نقلا عن نهج البلاغة لابن أبي الحديد وتاريخ الطبري . ( * )

 

 

 ص 57

وأما قول عمر بن الخطاب : أن قريشا لا تجتمع على علي ، فقد يكون صحيحا ، لماذا ؟ لكن ما الضرر في ذلك ؟ إن قريشا لم تجتمع على النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) نفسه ، بل اجتمعت ضده وحاربته إحدى وعشرين سنة ، ولم تدخل في

الإسلام إلا بعد أن هزمها ، فهل كان من اللازم إلغاء النبوة ، لأن قريشا كانت تقف ضدها ؟ وإذا كان هذا هو أمر قريش من النبي نفسه ، فكيف يسوغ أن تعتبر موافقتها على أمر كلامه على صلاحه ومعارضتها دليلا على خطأه ؟

إن من العجب أن قريشا التي حاربت النبوة والإسلام منذ ولادته ، واستمرت في حربها لهما حتى أثخنتها الجراح أصبحت هي التي تقرر مصير الأمة الإسلامية ، وأصبح تأييدها يرجح كفة أي مرشح للقيادة حتى ولو كان ضد من أراد الوحي وضد من أراد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .


ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم وقوله تعالى : ( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا " ( 1 ) .

 

 

* هامش *

 
 

* ( هامش ) * ( 1 ) سورة النساء : الآية 115 . ( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب