بر وفاجر ، وخلف كل من قال لا إله إلا الله ، ويقول صديق بن
حسن ابن علي القنوجي البخاري في أواخر ص 78 من كتابه ( الروضة الندية في شرح
الدرر البهية ) في باب صلاة الجماعة من النسخة المطبوعة سنة 1296 هجرية
بالمطبعة
المصرية ببولاق ( وتصح بعد المنقول لأنه ( صلى الله عليه وآله
وسلم ) قد صلى بعد أبي بكر وبل غيره من الصحابة كما في الصحيح ولا دليل يدل على
أنه يكون الإمام أفضل - إلى أن قال - والأصل أن الصلاة - عبادة تصح تأديتها خلف
كل مصل
إذا قام بأركانها وأذكارها على وجه لا تخرج به الصلاة عن
الصورة المجزئة ، وإن كان الإمام غير متجنب للمعاصي ، ولا متورع عن كثير مما
يتورع عنه غيره ولهذا أن الشارع أنما اعتبر حسن القراءة والعلم والسن ولم يعتبر
الورع والعدالة إلى
أن قال في منع المنة وكان ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يقول :
" صلوا خلف كل بر وفاجر ، وكانت الصحابة يصلون خلف الحجاج ، وقد أحصي الذين
قتلهم من الصحابة والتابعين فبلغوا مائة وعشرين ألفا ) . فإذا كانت الصلاة تجوز
عندكم خلف كل
فاسق وفاجر والاقتداء بكل ظالم وعاص بإجماع أئمة أهل السنة
نصا ، وفتوى ، وعملا ، وكانت صلاة الخليفة أبي بكر ( رض ) بالمسلمين دليلا على
خلافة الرسالة ، وإمامة الأمة ، كان ذلك دليلا أيضا على إمامة هؤلاء جميعا
ولكان كلهم خلفاء
النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من بعده ، وكأن قوله تعالى
: ( ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار )
باطلا لا معنى له ، وليس له في الوجود صورة ، وهذا باطل بالضرورة من الدين
والعقل ، وذلك مثله باطل .
وفي نهاية المطاف أنصح كل من أراد الكشف عن الأمور المتباينة والمتضادة في هذا
الحديث ، وأراد البحث عن الأدلة الواضحة على عدم صدور هذا الحديث من النبي (
صلى الله عليه وآله وسلم ) والذي أكد هذا الاختلاف في الحديث ( 1 ) فليراجع ما
قاله الحافظ ابن حجر وأكده .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) فراجع الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه (
فتح الباري في شرح صحيح البخاري ) في
أواخر ص 106 وما بعدها من جزئه الثاني في باب ( حد المريض أن يشهد
الجماعة ) فراجعوا ذلك وفقكم الله لتعلموا ثمة صحة ما ذكرنا . ( * )
|
|
|
الحديث الثالث : عن عائشة رضي
الله عنها وعن أبيها قالت : دخل علي رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في
اليوم الذي بدئ فيه ، فقال : " ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابا "
ثم قال : " يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر " .
قائلا لم يكتب الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) خوفا من أن
تكون الخلافة وراثة فتنقلب ملكا عضوضا وتابع قوله : إن رسول الله ( صلى الله
عليه وآله وسلم ) أعلن هذا الكلام ولم ينفذه . . ! !
فأقول : إن هذا الحديث موضوع ، وضع مقابل الحديث
المشهور في البخاري الذي يقول ائتوني بدواة وكتف أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعدي
ولما واجه القوم رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بتلك الكلمة القارصة
والعبارة الجارحة .
خاصة وهو في آخر أيامه من الدنيا رأى ( صلى الله عليه وآله
وسلم ) أن من الحكمة والمصلحة أن يعدل عن كتابته حفاظا على الدين وقياما بما
أوجبه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من تقديمهم الأهم على المهم لأنه ( صلى الله
عليه وآله وسلم )
نظر إلى صدور الشك منهم فعلم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن
ذلك الكتاب لا يرفعه ولن يرفعه أبدا كما أن عدوله ( صلى الله عليه وآله وسلم )
عن كتابته لم يكن بعدم الفائدة فيه بعد تلك المعارضة وموافقة جمهور الصحابة
لقائله . فحسب ، بل لأنه
( صلى الله عليه وآله وسلم ) لو لم يعتن بقولهم ، وكتبه ،
لقالوا فيما قلنا ( كتبه وهو يهجر ) أو مغلوب للوجع فهو يتكلم بكلام المرضى
المحمومين الذي هو الهذيان والهذر .
وحينئذ تكون خلافة علي وبنيه الطاهرين من البيت النبوي ( صلى الله عليه وآله
وسلم ) الثابتة بالنصوص القولية القطعية موضعا للشك وموردا للطعن ، بل لا يبقى
أثر لكتابة ذلك الكتاب سوى توسعة شقة الخلاف ، واللغط بينهم على حد قول ابن
عباس بل لا يؤمن من وقوع الفتنة من بعده في أنه ( صلى الله
عليه وآله وسلم ) هل هجر ( والعياذ بالله ) فيما كتب أو لم يهجر ؟ كما تنازعوا
وأكثروا من الاختلاف واللغط بحضرته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وفي آخر أيام
حياته ( صلى الله
عليه وآله وسلم ) فلم يتسن له ( صلى الله عليه وآله وسلم )
يومئذ أكثر من أن يقول : " قوموا عني فلا ينبغي عند نبي تنازع " بل لو أصر ،
على كتابته لأصروا على قولهم هجر . وأكثروا في إشاعته ونشره ، ولتوسع أتباعهم
وأنصارهم في إثبات
هجره ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فسطروا الأساطير وملأوا
الطوامير ردا منهم على ذلك الكتاب ، وإسقاطا منهم له من الحساب وعن درجة
الاعتبار لذلك
كله اقتضت حكمته البالغة أن يعدل عن كتابته ، ليس خوفا من أن
تكون الخلافة وراثة فتنقلب ملكا عضوضا كما زعم حضرة الدكتور البوطي .
وقال أيضا حضرته : إن رسول الله ( صلى الله عليه
وآله وسلم ) أعلن هذا الكلام ولم ينفذه . . ! !
أقول : إن رسول الله ( صلى الله
عليه وآله وسلم ) أراد أن يكتب وقوله في الحديث : ( لن تضلوا بعدي ) دليل على
وجوب الأخذ بهذا الكتاب الذي سيكتبه لهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم )
، لكن القوم أعرضوا ، ونسبوا إليه المرض والهذيان والوجع فأعرض عن ذلك .
والسبب الرئيس لإعراض النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .
فيذهب الدين من أصله ، لا سيما وهو المعارض ويعلم كل العلم أن عليا ( عليه
السلام ) وأشياعه خاضعون لمدلول ذلك الكتاب وأنه يستهدف به أجر الخلافة ، وأنه
( صلى الله عليه
وآله وسلم ) يريد أن يجعلها في علي والأئمة الأحد عشر من
أبنانه الطاهرين بنص ذلك الكتاب ، تأكيدا لنصه عليهم يوم الغدير ، وفي حديث
الثقلين ، والنجوم ، والسفينة وغيرها من الأدلة المتقدم ذكرها سواء عندهم أكتبه
أم لم يكتبه .
وإن قول رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في هذا الأمر
: " دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه " ورأيت ما قالوا به من ذلك القول
الخشن بلا تدبر ولا روية . هذا وهو لا يزال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حيا
بين ظهرانيهم ، فكيف يكون حالهم من الاختلاف والتنازع بعد وفاته ( صلى الله
عليه وآله وسلم ) . . ؟
لذا رأى ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن من حسن تدبيره ( صلى الله عليه وآله
وسلم ) لهم ورعايته لشؤونهم أن يضرب الصفح عن ذلك الكتاب ، خوفا من وقوع الفتنة
، وحفظا لكيان الدين ، وصيانة لدماء المسلمين ، واحتياطا على نصوصه في خلافة
علي وبنيه ( عليه السلام ) من بعده ، لئلا تصبح غرضا لنبال الشك ، وهدفا لسهام
الطعن والتشكيك من المعارضين .
* وإن قلت لي حضرة الدكتور البوطي كما قال غيركم : إنه أراد بالكتاب أن يكتب
الخلافة لأبي بكر كما زعمت في قولك : ويعهد بأمر الإمامة إليه لما نسي أو تناسى
الراوي الوصية الثالثة ، ولا منعه القوم من
الكتابة ، ولما أسرعوا إلى السقيفة لعقد البيعة له ( صلى الله
عليه وآله وسلم ) تنفيذا لما تعاقدوا عليه من قبل على أن يكون هذا الأمر فيهم
لا في أهل بيت نبيهم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .
ولكن سبق النص على علي ( عليه السلام ) يوم ( الغدير ) الذي كان على مرأى منهم
ومسمع ، كان من الأدلة الواضحة عندهم ، وليعلم الدكتور وكل من أراد التشكيك
بأنه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عندما طلب منهم الدواة والكتف حتى يكتب
لهم أراد لهم تجديد العهد والوصية لعلي وبنيه الطاهرين ،
ويؤكد عليهم الحجة ففهموا ذلك ، وأبوا عليه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) تحقيقه
، فقالوا فيه تلك الكلمة الكزة ، ولأن الذي يضرهم كما قلنا إنما هو كتابة
الخلافة لعلي وبنيه ( عليه السلام ) دون غيره ، ويؤكد لك ذلك ويثبته ويقطع
أمامك الشك باليقين .
ما سجله ابن أبي الحديد المعتزلي في ( شرح نهج البلاغة ) ( 1 ) عن أحمد بن أبي
طاهر المعروف بابن أبي طيفور وكان في العقد الثاني من الهجرة النبوية وهو صاحب
( تاريخ بغداد ) ( 2 ) عن ابن عباس أنه قال في حديث طويل جرى بينه وبين
الخليفة عمر بن الخطاب ( رض ) . " قال عمر ( رض ) في بعض ما
أجاب به ابن عباس ما ملخصه : ( إني لما علمت أن النبي ( صلى الله عليه وآله
وسلم ) أراد في مرضه أن يكتب لعلي ( عليه السلام ) بالخلافة ويعهد بها إليه ،
فمنعته من ذلك ، لعلمي بأن العرب تنتقض عليه لبغضها له ) " .
وهو يرشدكم إلى أنهم كانوا يعلمون مسبقا بالنص عليه ( عليه السلام ) ولكنهم
يرون أن مصلحة الأمة وانتقاض العرب ، وعدم رغبتهم في اجتماع النبوة والإمامة في
أهل بيت النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، كل ذلك يقتضي منع النبي ( صلى
الله عليه وآله وسلم ) والحيلولة بينه ( صلى الله عليه وآله
وسلم ) وبين ما أوحى الله تعالى به إليه ، من وجوب طاعتهم المطلقة لعلي ( عليه
السلام ) من بعده ، وتنصيصه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على علي تم بالخلافة
عليه ( عليه السلام ) ، وهذا واضح لا سبيل إلى إنكاره .
وحتى أكشف لكم زيف ما تحدث به حضرة الدكتور البوطي .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد :
ج 3 ص 97 .
( 2 ) تاريخ بغداد : ج 4 ص 211 . ( * )
|
|
|
فتعال معي أخي القارئ الكريم إلى هذه المحاورة التي دارت بين
عمر بن الخطاب وحبر الأمة عبد الله بن عباس ، فهذه المحاورة تكشف عما كان يريده
رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من كتابة الكتاب ، كما وردت في تاريخ
الطبري ،
وابن الأثير وغيرهما من كتب من علماء أهل ألسنة : "
قال عمر بن الخطاب لابن عباس : يا بن عباس ،
أتدري ما منع قومكم منهم بعد محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؟ فكرهت أن
أجيبه ،
فقلت : إن لم أكن أدري فإن أمير
المؤمنين يدريني ،
فقال عمر : كرهوا أن يجمعوا لكم
النبوة والخلافة فتبجحوا على قومكم بجحا بجحا ، فاختارت قريش لأنفسها فأصابت
ووفقت
فقلت : يا أمير المؤمنين إن
تأذن لي في الكلام وتمط عني الغضب تكلمت ،
قال : تكلم ،
قلت : أما قولك يا أمير
المؤمنين : اختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت ، فلو أن قريشا اختارت لأنفسها
حيث اختار الله لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود ، وأما قولك : إنهم
أبوا أن تكون لنا النبوة والخلافة ، فإن الله عز وجل وصف قوما بالكراهة ، فقال
: ( ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم )
.
فقال عمر : هيهات والله يا بن
عباس ، قد كانت تبلغني عنك أشياء كنت أكره أن أقرك عليها فتزيل منزلتك مني " (
1 ) .
ولهذا يقول الدكتور طه حسين : " ولكن المسلمين لم يختاروه ، خوف قريش أن تستقر
الخلافة في بني هاشم إن صارت إلى أحد منهم . . . " ( 2 ) .
ولهذا يقول عمر بن الخطاب : " . . . لقد كان - أي النبي - يربع في أمره وقتا ما
، ولقد أراد في مرضه أن يصرح باسمه فمنعته من ذلك إشفاقا وحيطة على الإسلام .
لا ورب هذه البنية لا تجتمع عليه قريش أبدا . ولو وليها لانتفضت عليه العرب في
أقطارها فعلم رسول الله أنني علمت ما في نفسه فأمسك " ( 3 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) تاريخ الطبري : ج 4 ص 223 -
الكامل لابن الأثير : ج 3 ص 34 . ( 2 )
طه حسين : الفتنة الكبرى - عثمان - ص 153
- 152 - 1976 . ( 3 ) محمد جواد شري : أمير
المؤمنين - ص 162 - 163 - نقلا عن نهج
البلاغة لابن أبي الحديد وتاريخ الطبري
. ( * )
|
|
|