وقفة مع الدكتور البوطي - المستبصر : هشام آل قطيط ص 60 :

المسألة السادسة قوله : كان المسلمون على مستوى الشورى الحقيقية ( 1 ) ؟


فأقول لحضرة الدكتور : دعنا نستعرض الأحداث التاريخية للشورى الحقيقية التي بلغت أرقى مستوياتها من وجهة نظرك . . ! ودعنا نستعرض كيف تمت هذه الشورى . . ؟

كلنا نعلم أن الخليفة عمر فكر في طريقة ابتكار مسألة الشورى المخالفة لصاحبه أبي بكر ( رض ) الذي تم أمره من غير شورى ، فقال قولته المشهورة : إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله المؤمنين شرها ومن عاد إليها فاقتلوه ( 2 ) ،

فحاول الخليفة الثاني بأن لا تكون بيعته فلتة ، مثلما كانت بيعة صاحبه فلتة ، فابتكر هذه المسألة ( أعني الشورى ) للتغطية على مواقفه السابقة مع صاحبه ، والدفاع عنه في كل المواقف حتى آلت إليه الخلافة وهذا ما يذكرني بقول علي ( عليه السلام ) عندما أخرجوه قهرا من بيته إلى سقيفة بني ساعدة ،

فقال عمر لعلي ( عليه السلام ) : بايع أبا بكر - إنك لست متروكا حتى تبايع .

فقال له علي : احلب يا عمر حلبا لك شطره ، أشدد له اليوم أمره لترد عليك غدا . . وحقا ما قال الإمام ( عليه السلام ) لقد تحقق وفاز عمر بالخلافة بتعيين من صاحبه .
 

  * هامش *  
 

( 1 ) المحاضرة بتاريخ 2 / 15 / 1995 .
( 2 ) صحيح البخاري ج 8 ص 540 كتاب الحجازيين من أهل الكفر . ( * )

 

 

 ص 61

فأقول : لماذا الخليفة أبي بكر ( رض ) قد عين خليفة من بعده ، ونص عليه كتابة حيث أن الكاتب هو عثمان بخط يده ، فكل هذه المؤشرات دليل حرص الخليفة الأول على التعيين ، ودليل حرصه على مصالح الأمة الإسلامية ، لا يريد أن يترك الأمة من بعده هملا . . ؟

فالخليفة الأول كان همه أكثر من هم رسول الله على الأمة . . ؟

أو لم يفكر رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كما كان يفكر أبو بكر . . ؟

حقا إن هذا الأمر لعجيب ! ويحتاج منا أن ندقق ونبذل الجهد للوصول إلى كشف الحقائق التي تنطلي على كثيرين من أبناء الأمة الإسلامية الذين يتخبطون في غياهب الظلمات ، فكانوا ضحية إعلام تاريخي قد سقط وانتهى . . . فآن الأوان أن

نستيقظ من هذا السبات العميق ، ونتخلى عن رواسب الماضي ، ونحطم تلك الحواجز المصطنعة التي وضعها بنو أمية ، لتضليل طائفة من المسلمين تحمل أفكارا وهمية لا حجة فيها ولا سند .


كيف تمت هذه الشورى . . ؟ عندما استولى الخليفة الثاني ( رض ) على الخلافة . . . وتربع على عرشها فترة من الزمن فقد جاءت الأقدار بطعن الخليفة عمر فمرض . . فقيل له وهو في مرضه : ماذا تستخلف من بعدك . . ؟

فقال : لو كان أبو عبيدة بن الجراح حيا لاستخلفته ، فإن سألني ربي قلت : نبيك يقول : إنه أمين هذه الأمة . ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا لاستخلفته ( 1 ) .


أقول : بالله عليكم ما دام الخليفة عمر قد عين ونص على الخليفة من بعده ، فأين نحن من مسألة الشورى التي ننادي بها . . حتى ملأت هتافاتنا كل بيت فأصبحت حديث الساعة .

لو أن الخليفة لم يقل هذا . . . فلربما اقتنعنا بمسألة الشورى . ولكن علاوة على ذلك . . قال : ادعوا له ستا .
 

  * هامش *  
 

( 1 ) العقد الفريد : لابن عبد ربه 5 / 275 أوردناه ملخصا . ( * )

 

 

 ص 62

فاجتمع الستة وهم : 1 - عثمان بن عفان . 2 - علي بن أبي طالب . 3 - عبد الرحمن بن عوف .
 4 - سعد بن أبي وقاص . 5 - الزبير بن العوام . 6 - طلحة بن عبيد الله .

فقال عبد الرحمن بن عوف : اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم ، أي : ليبايع كل واحد فيكم واحدا آخر فجعل كل من الثلاثة أمرهم إلى الثلاثة الباقين . كالتالي :

 1 - الزبير بن العوام إلى 4 - علي بن أبي طالب

 2 - طلحة بن عبد الله إلى 5 - عثمان بن عفان

 3 - سعد بن أبي وقاص إلى 6 - عبد الرحمن بن عوف

فاجتمع في الأمر عليا ، وعثمان ، وعبد الرحمن .

فأمسك عبد الرحمن بيد علي وعثمان ، وتبرأ هو من الأمر . فقال : يا علي لعل هؤلاء سيعرفون لك قرابتك من النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وصهرك وما أنالك الله من الفقه والعلم ، فإن وليت هذا الأمر فاتق الله فيه .

ثم قال لعثمان : يا عثمان ، لعل هؤلاء القوم يعرفون لك صهرك من رسول الله وسنك فإن وليت هذا الأمر فاتق الله فيه ولا تحمل آل أبي معيط على رقاب الناس . ثم قال : ادعوا لي صهيبا . فدعي ، فقال : صل بالناس ثلاثا ، وليخل هؤلاء النفر في

بيت ، فإذا اجتمعوا على رجل منهم ، فمن خالفهم فاضربوا رأسه . فلما خرجوا من عند عمر قال : إن ولوها الأجلح ( 1 ) سلك بهم الطريق .

 

* هامش *

 
 

( 1 ) الأجلح : من انحسر شعره من جانبي رأسه . ( * )

 

 

 ص 63

" لله درهم إن ولوها الأصيلع كيف يحملهم على الحق وإن كان السيف على عنقه " ( 1 ) .


وروى البلاذري في أنساب الأشراف أن عمر قال : ( إن رجالا يقولون إن بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها ، وإن بيعة عمر كانت عن غير مشورة والأمر بعدي شورى ، فإذا اجتمع رأي أربعة فليتبع الاثنان الأربعة ، وإن اجتمع رأي ثلاثة وثلاثة فاتبعوا رأي عبد الرحمن بن عوف فاسمعوا وأطيعوا وإن صفق عبد الرحمن بإحدى يديه على الأخرى فاتبعوه ) ( 2 ) .


وروى البلاذري في ج 5 / 19 من كتابه أنساب الأشراف : ( إن عليا شكا إلى عمه العباس ما سمع من قول عمر : كونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف ، وقال : والله لقد ذهب الأمر منا ، فقال العباس : وكيف قلت ذلك يا ابن أخي ؟

فقال : إن سعدا لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن بن عوف . وعبد الرحمن نظير عثمان وصهره فأحدهما لا يخالف صاحبه لا محالة . وإن كان الزبير وطلحة معي فلن أنجح بذلك إذ كان ابن عوف في الثلاثة الآخرين .


وقال ابن الكلبي : عبد الرحمن بن عوف زوج أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ، وأمها أروى بنت كريز ، وأروى أم عثمان فلذلك قال صهره ( 3 ) .


فأقول بعد كل هذا العرض التاريخي للأحداث . فأين تلك الشورى الحقيقية ؟ وأين هي أدلتها . . والله لقد صدق معاوية عندما قال ( ولقد شق عمر عصا الأمة . . . آخر حياته كما شقها - يوم السقيفة . . .
 

 

* هامش *

 
 

( 1 ) راجع طبقات ابن سعد ج 3 ص 257 ، الإستيعاب لابن عبد البر ومنتخب الكنز ص 529
والرياض النضرة ج 2 ص 72 وأخرجه النسائي أيضا .
( 2 ) أنساب الأشراف للبلاذري : ص 5 / 15 .
( 3 ) أنساب الأشراف للبلاذري : ج 5 / 19 ، والعقد الفريد لابن عبد ربه : ج 3 / 75 . ( * )

 

 

 ص 64

وقد اجتمعت كل الأدلة على بطلان هذه الشورى . فقد زعم الدكتور أن الشورى حقيقية وبلغت أرقى مستوياتها بين المسلمين كافة . هذا أولا . وبعضهم قال بالنص القرآني الذي يقول : ( وأمرهم شورى بينهم ) أو : ( وشاورهم في الأمر ) .

وهناك رأي آخر مزعوم بما هو اتفاق الأمة . . وهناك رأي آخر يقول العقل هو الدليل .


فأقول : ما هو النص القرآني الصريح الذي تستندون إليه في هذه الشورى ؟

إن قلتم لي : ( وأمرهم شورى بينهم ) [ الشورى : 38 ] . أو : ( وشاورهم في الأمر ) [ آل عمران : 159 ] .

فأقول : إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان يستشير أصحابه في الأمور المهمة .

وثانيا مسألة الشورى ، أو التشاور بين القوم هو صحيح وارد لكن أين يرد وأين وجه الشورى في تلك الأمور . . ؟ في الأمور التي لم يرد فيها نص من الله ومن رسوله يمكننا التشاور بها ، لكن في الأمور التي ورد فيها نص قراني صريح أو

نص نبوي . . فلا لقوله تعالى في كتابه العزيز : ( ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا ) ( 1 )


ونلاحظ من خلال آيتي الشورى : إن أمر الشورى أو المشاورة كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يقصد الملاينة معهم والرحمة بهم ، ولم يكن أمرا بالعمل برأيهم بل قال تعالى له : فإذا عزمت
 

 

* هامش *

 
 

( 1 ) سورة الأحزاب : الآية 35 . ( * )

 

 

 ص 65

فتوكل أي إعمل برأيك يا رسول الله . فخاطبه تعالى : ( فبما رحمة من الله لنت لهم ، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر ، فإذا عزمت فتوكل على الله ) ( 1 ) .

فأقول : كيف غاب عن ذهن الدكتور البوطي ولم يتنبه إلى أن ما قاموا به من عقد البيعة لم يكن ناتجا عن الشورى التي تحدثت بها . فهذا الإمام البخاري يحدثنا في صحيحه ( 2 ) . إن السابق إليها والمحرك الكبير فيها الخليفة عمر بن الخطاب ( رض )

قال على المنبر على مرأى من الصحابة ومسمع " إنما كانت بيعة أبي بكر فلته وتمت ، ولكن الله وقى شرها - إلى أن قال - من بايع منكم رجلا من غير مشورة من المسلمين ، فلا يبايع هو ، ولا الذي بايعه ثغرة أن يقتلا - إلى قوله - إلا أن الأنصار خالفوا ، واجتمعوا بأسرهم ، في سقيفة بني ساعدة ، وخالف عنا علي والزبير ومن معهما " .

 

 

* هامش *

 
 

( 1 ) سورة آل عمران : الآية 139 - 155 .
( 2 ) صحيح البخاري : ج 4 ص 119 ( باب رجم الحبلى من الزنى إذا أحصنت ) . ( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب