وقفة مع الدكتور البوطي - المستبصر : هشام آل قطيط ص 66 :

فصل ( 2 ) كيف نفسر معنى الفلتة . . ؟


يتجلى لنا من خلال النص بأن معنى كلمة فلتة تعني زلة أو بغتة أو فجأة أي ما نفهمه بأن بيعة الخليفة أبي بكر قد تمت فجأة ، أو بغتة أعني بدون تأمل وتدبر وتمت عن غير مشورة ، فنستنتج من هذا معنى إن وضع في الميزان .

فيكشف لنا هذا المعنى قول الخليفة عمر ( رض ) " من بايع رجلا من غير مشورة المسلمين ، فلا يبايع هو ، ولا الذي بايعه ثغرة أن يقتلا " .


أقول لحضرة الدكتور : إذا وقعت خلافة أبي بكر ( رض ) من غير مشورة المسلمين وتمت بغتة ، ما الذي يا ترى أخرت الخليفتين ( رض ) عن عموم حكم الخليفة عمر ( رض ) بقتلهما ، وخصه بغيرهما ؟

وكيف يستقيم هذا الحكم للخليفة عمر ( رض ) وقد صار هو الآخر خليفة بتنصيص الخليفة أبي بكر ( رض ) عليه خاصة . دون مشورة المسلمين أجمعين ؟ وكل ما تقولونه في غيرهما نقوله نحن فيهما .


وأقول للدكتور البوطي : لو سلمت معك جدلا بأن الخلافة قد تمت بالشورى الحقيقية كما تقول ، لكن هذا يتنافى بل ويتناقض مع قول الخليفة عمر ( بأنها كانت فلتة ، وقد وقى الله المؤمنين شرها ) ، فإذا خلافة عمر ( رض ) جاءت نتيجة تلك الفلتة فالذي أود أن تعلمه بأن ما أحدثوه كان شرا بإقرارهم واعترافهم جميعا .
 

 ص 67

وإقرار أصحاب العقول على أنفسهم حجة ، ملزمون بها ، وأنت تعلم أن الله تعالى لا يمدح الذين يوقعون الفتنة والشر في البلاد وبين العباد ، ولا يثني عليهم أيا كانوا ، لأن الشر مذموم ومنهي عنه شرعا وعقلا ، وهو تعالى لا يمدح على فعل

المحرم الذي نهى عنه ، وإنما يؤاخذ فاعله ويعاقبه عليه لا شك بهذا ، فلا يمدحه ويثني عليه . ويؤكد لنا ذلك الدليل القاطع الذي يقطع الشك باليقين وهو قول الخليفة عمر ( رض ) " فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه " وهذا ما أكده وأثبته عليه ابن حجر الهيثمي في صواعقه في الشبهة السادسة من شبهاته ، كغيره من مؤرخي أهل السنة وحفاظهم .

 

 ص 68

علي يرفض الحكم بسيرة الشيخين


ما قرأته في كتابك فقه السيرة النبوية ( 1 ) حضرة الدكتور بأن عبد الرحمن بن عوف قد فرض باستلام الخلافة شرطا أساسيا على الإمام علي ( عليه السلام ) وهو الحكم بكتاب الله ، وسنة نبيه ، وسيرة الشيخين أبي بكر وعمر ( رض ) ، فقبل الإمام علي ( عليه السلام ) الشرط بحكم كتاب الله وسنة نبيه واجتهاده ، أي بذل ما بوسعه في الاجتهاد .


لكنه رفض الحكم بسيرة الشيخين ، فقبل عثمان ذلك الشرط فآلت إليه الخلافة .


فأقول إن رفض باب مدينة علم رسول الله الحكم بسيرة الشيخين يضعنا أمام مؤشرات كثيرة وعلامات استفهام . . ؟ ؟ حول سيرتهم وسنتهم التي جاؤوا بها وأنها ليست بصحيحة على الإطلاق . . لأنه لو كانت صحيحة لقبل بالشرط خليفة رسول الله علي ( عليه السلام ) .


فهنا سؤال يطرح نفسه . هل كانت سيرة الشيخين مخالفة لسيرة رسوله وسنته ، فرفضها الإمام علي ( عليه السلام ) . . ؟ أم أنها موافقة لسيرة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .
 

  * هامش *  
 

( 1 ) فقه السيرة النبوية : للدكتور البوطي . ( * )

 

 

 ص 69

فإن قلت لي بالأول بطل قولك بأن خلافة الخلفاء شرعية ، وأن الإمام بايع الخلفاء ، فكيف يبايع من كانت سيرته مخالفة لسيرة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؟


وإن قلت بالثاني : فكيف جاز للإمام مخالفة سيرة الشيخين أبي بكر وعمر وسنتهم مع أنها موافقة لسيرة رسول الأمة ؟ ومن هنا يتجلى لنا الحق والحق أحق أن يتبع .
 

 ص 70

آية الإكمال تتناقض مع الشورى


فأقول لحضرته: إن ما يقع عليه الشورى بين المؤمنين ، إما أن يكون من دين رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أو لا ؟ فإن كان من الناحية الدينية فأنت تعلم بأن الله تعالى قد أكمل الدين على رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فقال :

( اليوم أكملت لكم دينكم ، وأتممت عليكم نعمتي ) ، فلا يحتاج إكمال الدين إلى شورى ممن لا يوحى إليهم ، اللهم إلا إذا قال أحدهم بنزول الوحي على أهل السقيفة في عقدها بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وانقطاع الوحي ، وهذا لا يقول به من كان من الإسلام على شئ .


وإن لم يكن ما وقعت عليه الشورى من دين رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فكل من اتبع طريقا لنفسه وسبيلا غير سبيل رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فلا يستحقون المدح عليه ، لأن مشاقة لله تعالى ولرسوله ( صلى الله عليه

وآله وسلم ) ، ولا يكونون مجتهدين بذلك ، لقوله تعالى : ( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ، ويتبع غير سبيل المؤمنين ، نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ) ( 1 ) .


وأنت تعلم أيها المسلم أن سبيل المؤمنين هو سبيل نبي الأمة ورسولها ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وسبيل النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) هو دينه الذي أنزله الله تعالى عليه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كاملا غير منقوص ، ولم يكن منه قطعا

ما حدث في السقيفة بعد وفاته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وحينئذ يختص مدحهم والثناء عليهم في خصوص تطبيقهم ما أنزل الله تعالى على رسوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) تطبيقا كاملا لا على إدخالهم في دينه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ما ليس داخلا فيه .
 

 

* هامش *

 
 

( 1 ) سورة النساء : الآية 115 . ( * )

 

 

 ص 71

وفي نهاية المطاف : أقول : أين الشورى التي بلغت أرقى مستوياتها من وجهة نظر الدكتور ؟ ! والله لقد صدق الشاعر عندما قال :

فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم * فكيف بهذا والمشيرون غيب
وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم * فغيرك أولى بالنبي وأقرب


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب