فصل ( 2 ) كيف نفسر معنى الفلتة . . ؟
يتجلى لنا من خلال النص بأن معنى كلمة فلتة تعني زلة أو بغتة أو فجأة أي ما
نفهمه بأن بيعة الخليفة أبي بكر قد تمت فجأة ، أو بغتة أعني بدون تأمل وتدبر
وتمت عن غير مشورة ، فنستنتج من هذا معنى إن وضع في الميزان .
فيكشف لنا هذا المعنى قول الخليفة عمر ( رض )
" من بايع رجلا من غير مشورة المسلمين ، فلا يبايع هو ،
ولا الذي بايعه ثغرة أن يقتلا " .
أقول لحضرة الدكتور : إذا وقعت خلافة أبي بكر (
رض ) من غير مشورة المسلمين وتمت بغتة ، ما الذي يا ترى أخرت الخليفتين ( رض )
عن عموم حكم الخليفة عمر ( رض ) بقتلهما ، وخصه بغيرهما ؟
وكيف يستقيم هذا الحكم للخليفة عمر ( رض ) وقد صار هو الآخر
خليفة بتنصيص الخليفة أبي بكر ( رض ) عليه خاصة . دون مشورة المسلمين أجمعين ؟
وكل ما تقولونه في غيرهما نقوله نحن فيهما .
وأقول للدكتور البوطي : لو سلمت معك جدلا بأن
الخلافة قد تمت بالشورى الحقيقية كما تقول ، لكن هذا يتنافى بل ويتناقض مع قول
الخليفة عمر ( بأنها كانت فلتة ، وقد وقى الله المؤمنين
شرها ) ، فإذا خلافة عمر ( رض ) جاءت نتيجة تلك الفلتة فالذي أود أن
تعلمه بأن ما أحدثوه كان شرا بإقرارهم واعترافهم جميعا .
وإقرار أصحاب العقول على أنفسهم حجة ، ملزمون بها ، وأنت تعلم
أن الله تعالى لا يمدح الذين يوقعون الفتنة والشر في البلاد وبين العباد ، ولا
يثني عليهم أيا كانوا ، لأن الشر مذموم ومنهي عنه شرعا وعقلا ، وهو تعالى لا
يمدح على فعل
المحرم الذي نهى عنه ، وإنما يؤاخذ فاعله ويعاقبه عليه لا شك
بهذا ، فلا يمدحه ويثني عليه . ويؤكد لنا ذلك الدليل القاطع الذي يقطع الشك
باليقين وهو قول الخليفة عمر ( رض ) " فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه " وهذا ما
أكده وأثبته عليه ابن حجر الهيثمي في صواعقه في الشبهة السادسة من شبهاته ،
كغيره من مؤرخي أهل السنة وحفاظهم .
علي يرفض الحكم بسيرة الشيخين
ما قرأته في كتابك فقه السيرة النبوية ( 1 ) حضرة الدكتور بأن عبد الرحمن بن
عوف قد فرض باستلام الخلافة شرطا أساسيا على الإمام علي ( عليه السلام ) وهو
الحكم بكتاب الله ، وسنة نبيه ، وسيرة الشيخين أبي بكر وعمر ( رض ) ، فقبل
الإمام علي ( عليه السلام ) الشرط بحكم كتاب الله وسنة نبيه واجتهاده ، أي بذل
ما بوسعه في الاجتهاد .
لكنه رفض الحكم بسيرة الشيخين ، فقبل عثمان ذلك الشرط فآلت إليه الخلافة .
فأقول إن رفض باب مدينة علم رسول الله الحكم بسيرة الشيخين يضعنا أمام مؤشرات
كثيرة وعلامات استفهام . . ؟ ؟ حول سيرتهم وسنتهم التي جاؤوا بها وأنها ليست
بصحيحة على الإطلاق . . لأنه لو كانت صحيحة لقبل بالشرط خليفة رسول الله علي (
عليه السلام ) .
فهنا سؤال يطرح نفسه . هل كانت سيرة الشيخين
مخالفة لسيرة رسوله وسنته ، فرفضها الإمام علي ( عليه السلام ) . . ؟ أم أنها
موافقة لسيرة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) فقه السيرة النبوية : للدكتور
البوطي . ( * ) |
|
|
فإن قلت لي بالأول بطل قولك بأن خلافة الخلفاء شرعية ، وأن
الإمام بايع الخلفاء ، فكيف يبايع من كانت سيرته مخالفة لسيرة النبي ( صلى الله
عليه وآله وسلم ) ؟
وإن قلت بالثاني : فكيف جاز للإمام مخالفة سيرة الشيخين أبي بكر وعمر وسنتهم مع
أنها موافقة لسيرة رسول الأمة ؟ ومن هنا يتجلى لنا الحق والحق أحق أن يتبع .
آية الإكمال تتناقض مع الشورى
فأقول لحضرته: إن ما يقع عليه الشورى بين المؤمنين ، إما أن يكون من دين رسول
الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أو لا ؟ فإن كان من الناحية الدينية فأنت
تعلم بأن الله تعالى قد أكمل الدين على رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم )
فقال :
( اليوم أكملت لكم دينكم ، وأتممت
عليكم نعمتي ) ، فلا يحتاج إكمال الدين إلى شورى ممن لا يوحى إليهم ،
اللهم إلا إذا قال أحدهم بنزول الوحي على أهل السقيفة في عقدها بعد وفاة النبي
( صلى الله عليه وآله وسلم ) وانقطاع الوحي ، وهذا لا يقول به من كان من
الإسلام على شئ .
وإن لم يكن ما وقعت عليه الشورى من دين رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم )
فكل من اتبع طريقا لنفسه وسبيلا غير سبيل رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم
) ، فلا يستحقون المدح عليه ، لأن مشاقة لله تعالى ولرسوله ( صلى الله عليه
وآله وسلم ) ، ولا يكونون مجتهدين بذلك ، لقوله تعالى :
( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ، ويتبع غير
سبيل المؤمنين ، نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ) ( 1 ) .
وأنت تعلم أيها المسلم أن سبيل المؤمنين هو سبيل نبي الأمة ورسولها ( صلى الله
عليه وآله وسلم ) ، وسبيل النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) هو دينه الذي
أنزله الله تعالى عليه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كاملا غير منقوص ، ولم يكن
منه قطعا
ما حدث في السقيفة بعد وفاته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ،
وحينئذ يختص مدحهم والثناء عليهم في خصوص تطبيقهم ما أنزل الله تعالى على رسوله
( صلى الله عليه وآله وسلم ) تطبيقا كاملا لا على إدخالهم في دينه ( صلى الله
عليه وآله وسلم ) ما ليس داخلا فيه .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) سورة النساء : الآية 115 . ( * )
|
|
|