وقفة مع الدكتور البوطي - المستبصر : هشام آل قطيط ص 72 :

المسألة السابعة محاولته صرف حديث المنزلة عن مكانته قوله : وهناك طبعا وجهة نظر ، أفلا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ومحاولته صرف حديث المنزلة عن محله بالتأويل ( 1 ) .


فأقول للدكتور حديث المنزلة حديث رسول الأمة الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى تعتبره مجرد وجهة نظر فقط ؟ ! أنسيت قول رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لعلي ( عليه السلام ) : " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبي بعدي إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي " .


إنه من النصوص الصريحة الجلية على وجود النص بتعيين علي بن أبي طالب خليفة للأمة . وهذا ما يرويه أهل السنة وحملة الآثار وهي من أهم الأحاديث الصريحة التي تثبت الإمامة والخلافة لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) ونحن نذكر جملة ليرى

الدكتور البوطي وغيره من المعاندين الذين أسرتهم العصبية المذهبية ، أن وجود النص الصريح أمر قضت به الضرورة العقلية والشرعية الأخذ به وأن المنكر لوجوده كالمنكر للشمس في رابعة النهار .
 

  * هامش *  
 

( 1 ) محاضرة بتاريخ : 2 / 10 / 1995 جامعة دمشق . ( * )

 

 

 ص 73

آراء وأحاديث يقول الدكتور أحمد محمود صبحي في تعليقه على حديث المنزلة : " إن بعض علمائهم - أي الشيعة - كعبد الحسين شرف الدين العاملي ، يذكرون إضافة إلى متن الحديث غير مذكورة في النص السني أو حتى النص الذي بينه كثير

من علماء الشيعة أنفسهم وهو قول رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " إلا أنه لا نبي بعدي إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي " ولا شك إن هذه العبارة تجعل من الحديث نصا جليا في إمامة علي يحسم كل اختلاف ويضع حدا للتفسيرات

المتباينة التي استخلصتها الفرق من دلالة الحديث ، وينسب الموسوي العاملي هذه الإضافة إلى الحاكم في المستدرك والذهبي في الجزء الثالث من تلخيصه ص 143 . . . " ( 1 ) . هذا ما يقوله الدكتور أحمد صبحي ، فهو ينفي أولا وجود مثل هذه

الإضافة في كتب أهل السنة ، كما ينفي وجودها في النصوص الشيعية . مع أنه كان يلزم الدكتور وهو في صدد بحث هذه المسألة الخطيرة ، الرجوع إلى كتب أهل السنة أولا ليرى ما فيها ثم يعطي حكمه ثانيا خصوصا وقد عرف بوجود هذه

الإضافة ، ففي هذه الحالة . وقع له الشك في وجودها ، ودفع الشك واجب عقلا إذ يتعين على الدكتور بمقتضى المنطق العقلي البحث عن وجود هذه الإضافة ، ولكن مقتضى الصياغة التي سار عليها أكثر الباحثين ، هي عدم الإطلاع على مثل
 

  * هامش *  
 

( 1 ) أحمد محمود صبحي : نظرية الإمامة - ص 225 . ( * )

 

 

 ص 74

هذه الحقائق لئلا تصطدم با القاعدة الأساسية التي تبنى عليها العقيدة . والباحث هنا سوف يذكر العديد من الروايات التي ذكرها علماء أهل السنة وحفاظهم مع ذكر هذه الإضافة التي أنكرها الدكتور أحمد صبحي ، تأكيدا لوجود النص الصريح والجلي

على إمامة علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ناهيك لما تعرضت له النصوص الكثيرة التي أخفاها الأمويون والعباسيون ، ومع هذا فقد نقل لنا أمناء الحديث من علماء أهل السنة ما بقي منها وإليك نبذة منها :


أخرج الإمام أحمد في مسنده أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال لعلي : " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنك لست بنبي إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي . قال : وقال رسول الله : أنت وليي في كل مؤمن بعدي . . . قال : وقال : من كنت مولاه فإن مولاه علي . . . " ( 1 ) .


وقال له رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أنت ولي كل مؤمن بعدي ومؤمنة . . . " هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ( 2 ) . أي البخاري ومسلم .


يقول الحافظ الذهبي في تلخيصه : " . . . قال - أي ابن عباس - وخرج رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في غزوة تبوك فبكى علي ، فقال : ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس بعدي نبي إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي ، وقال له أنت ولي على كل مؤمن بعدي ومؤمنة . . . صحيح " ( 3 ) .


وأنت ترى أن الحافظ الذهبي قد حكم بصحة هذا الحديث ، ومن هنا يثبت النص الجلي على خلافة الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) .
 

* وأخرج الحافظ النسائي - وهو أحد أصحاب الصحاح الستة ، قال :

  * هامش *  
 

( 1 ) الإمام أحمد : المسند - ج 1 - ص 33 .
( 2 ) الحاكم النيسابوري : المستدرك على الصحيحين - ج 3 - ص 133 - 134 - دار المعرفة بيروت .
( 3 ) تلخيص الحافظ الذهبي على المستدرك - ج 3 - ص 133 - 134 . ( * )

 

 

 ص 75

" وخرج النبي - بالناس في غزوة تبوك ، قال : فقال له علي : أخرج معك ؟ فقال له نبي الله : لا ، فبكى علي ، فقال له : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنك لست بنبي ، إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي " قال : " وقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : أنت وليي في كل مؤمن بعدي " ( 1 ) .


وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في الإصابة : أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال لعلي في غزوة تبوك : " أنت مني بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنك لست بنبي أي لا ينبغي أن أن أذهب إلا وأنت خليفتي ، وقال له : أنت ولي كل مؤمن من بعدي " ( 2 ) .


وأخرج القندوزي الحنفي عن ابن عباس قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لعلي لما خرج إلى غزوة تبوك وخرج الناس معه دون علي فبكى : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي . إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي " ( 3 )


وأخرج المحب الطبري ( 4 ) وابن حجر الهيتمي ( 5 ) والخطيب البغدادي ( 6 ) ، والذهبي ( 7 ) عن الترمذي والحاكم عن عمران بن حصين ، أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال : " . . . ما تريدون من علي ثلاثا ، إن عليا مني وأنا منه وهو ولي كل مؤمن بعدي . . . وفي أخرى قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لبريدة . . . لا تقع في علي ، فإنه مني وأنا منه وهو وليكم بعدي " .


وأخرج الإمام أحمد بن حنبل مسندا عن أبي بردة قال : خرج علي مع النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . . . إلى قوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا النبوة وأنت خليفتي . . . " ( 8 ) .
 

 

* هامش *

 
 

( 1 ) الحافظ النسائي : الخصائص - ص 17 ، 18 .
( 2 ) ابن حجر العسقلاني : الإصابة - ج 4 - ص 568 .
( 3 ) القندوزي : ينابع المودة - ج 2 - ص 58 .
( 4 ) المحب الطبري : الرياض النضرة - ج 2 - ص 171 .
( 5 ) ابن حجر الهيثمي : الصواعق المحرقة - ص 124 .
( 6 ) الخطيب البغدادي : تاريخ بغداد - ج 4 - ص 339 .
( 7 ) الذهبي : ميزان الإعتدال - ج 1 - ص 104 .
( 8 ) سبط ابن الجوزي : تذكرة الخواص - ص 19 . والمسعودي : مروج الذهب - ج 2 - ص 437 . ( * )

 

 

 ص 76

وعن أنس بن مالك قال : قلنا لسلمان الفارسي ، سل رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من وصيه ؟ فسأل سلمان رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فقال : من كان وصي موسى بن عمران ؟ فقال : يوشع بن نون قال : إن وصيي ووارثي ومنجز وعدي علي بن أبي طالب . . . " ( 1 ) .


وعنه أيضا رفعه ، إن الله اصطفاني على الأنبياء ، فاختارني واختار لي وصيا ، واخترت ابن عمي وصيي ، يشد عضدي كما يشد عضد موسى بأخيه هارون ، وهو خليفتي ووزيري . . . وعن عمر بن الخطاب ( رض ) قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لما عقد المؤاخاة بين أصحابه قال : هذا علي أخي في الدنيا والآخرة ، وخليفتي في أهلي ووصيي في أمتي ووارث علمي وقاضي ديني . . . " ( 2 ) .


وعن عمران بن حصين عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال : " . . ما تريدون من علي ثلاثا ، إن عليا مني وأنا منه وهو ولي كل مؤمن بعدي ، . . . وفي رواية قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لبريدة : " . . . لا تقع في علي فإنه مني وأنا منه وهو وليكم بعدي " ( 3 )


وقد كتب عمرو بن العاص إلى معاوية بعدما استدعاه : " . . . . أما بعد فإني قرأت كتابك وفهمته ، فأما ما دعوتني إليه من خلع ربقة الإسلام من عنقي، والتهون معك في الضلالة ، وإعانتي إياك على الباطل ، واختراط السيف في وجه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وهو أخو رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ووليه ووصيه ووارثه وقاضي دينه . . . " ( 4 )


وقد ذكر الوصية ابن عباس في كلامه مع معاوية عندما بلغه موت الإمام الحسن بن علي ( عليه السلام ) في قوله : " . . . ولئن أصبنا به فلقد أصبنا

  * هامش *  
 

( 1 ) سبط ابن الجوزي : نفس المصدر - ص 43 - والمحب الطبري : والرياض النضرة - ج 2 ص 178 . - وأيضا ابن المغازلي ، الشافعي المناقب - ص 141 .
( 2 ) القندوزي الحنفي - ينابيع المودة ج 2 - ص 75 .
( 3 ) المحب الطبري - الرياض النضرة - ج 2 - ص 171 - وأيضا ابن المغازلي : المناقب - ص 152 وانظر العسقلاني : الإصابة - ج 4 - ص 569 - والمتقي الهندي - منتخب الكنز - ج 5 - ص 20 . سبط ابن الجوزي : تذكرة الخواص - ص 86 . ( * )

 

 

 ص 77

قبله بسيد المرسلين . . . ثم بعده بسيد الأوصياء " ( 1 ) .


وقول محمد بن أبي بكر في كتاب كتبه لمعاوية ذكر فيه الوصية لعلي : " . . . فكيف - يا لك الويل - تعدل نفسك بعلي وهو وارث رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ووصيه وأبو ولده . . . " ( 2 ) .


وقول الإمام الحسين بن علي : " . . . ألست ابن بنت نبيكم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وابن وصيه " ( 3 )


ولهذا جاء عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " لكل نبي وصي ووارث وإن عليا وصيي ووارثي " ( 4 ) .


ومن ذلك ما رواه ثابت بن معاذ الأنصاري من قول رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في علي : " إنه أخي ووزيري وخليفتي في أهل بيتي وخير من أخلف بعدي " ( 5 ) .


يقول الدكتور حسن إبراهيم حسن في تعليقه على حديث المنزلة : " ولهذا الحديث علاقة برحيل النبي إلى تبوك . . . وقد استخلف عليا على المدينة . . . فقال له النبي : إرجع يا أخي إلى مكانك : فإن المدينة لا تصلح إلا بك فأنت خليفتي في أهلي ودار هجرتي ، يعني المدينة ، وقومي . . . الحديث ولو أراد عليه أن يستخلف عليا ، فإنه لم يكن يرى من الصواب ذلك لمنافاته لروح العرب ، والديمقراطية " ( 6 ) .


فالصياغة التي اتبعها الدكتور حسن إبراهيم ، تجعل من الروح العربية هي الأساس في تحديد سلوكيات المسيرة الإسلامية ، حتى ولو كانت مخالفة لروح الإسلام . مع أن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) جاء بالإسلام الذي يخالف ما كانت عليه

الروح العربية من انحراف في القيم والسلوك وعبادة الأصنام ووأد البنات ، فالروح الإسلامية جاءت لتقتلع الروح العربية وتغير من سلوكياتها ، إذن فمتى
 

 

* هامش *

 
 

( 1 ) المسعودي - مروج الذهب - ج 3 - ص 8 .
( 2 ) نفس المصدر : ص 21 .
( 3 ) تاريخ الطبري : ج 5 - ص 424 .
( 4 ) الذهبي : ميزان الاعتدال - ج 3 - ص 273 -
وأيضا القندوزي الحنفي : في ينابيع المودة ج 2 ص 32 - والمحب الطبري : ذخائر العقبى - ص 71 .
( 5 ) ابن حجر العسقلاني : الإصابة : ج 1 ص 423 وأيضا ج 2 ص 609 .
( 6 ) حسن إبراهيم حسن : تاريخ الدولة الفاطمية ص 4 . ( * )

 

 

 ص 78

كان للعرب الكلمة عند النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ومتى وافقت مسيرة النبي الجهادية وكفاحه المستمر في تغيير الواقع لروح العرب - فالروح العربية التي يشير إليها الدكتور حسن إبراهيم هي التي حاربت الرسول ( صلى الله عليه وآله

وسلم ) وأخرجته من دياره وأذاقته ألوان العذاب ، لأنه سفه أحلامها ، وأعاب آلهتها ، ولم يلاحظ من كل ذلك هذه الروح التي لم تؤمن بالإسلام حتى فتح مكة .


أيخضع النبي للروح العربية المجافية ؟ ؟ ؟ فيه لروح الإسلام ويترك الأوامر الإلهية . لأن العرب لا يرضون بذلك . كما لم يرضوا بالرسول ولا برسالته . لأن رسالته كانت مخالفة لروح العرب .


وعلى ذلك فلا بد وأن نقول : أنه ليس من الصواب حينما بعث الله سبحانه رسله إلى الناس ، لأنهم يخالفون ما عليه الناس ، مع أن الدكتور حسن إبراهيم ، يعترف بأن خلافة المدينة لا تصلح إلا لعلي بنص من الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ،

فإذا كانت الخلافة في حياة النبي لا تصلح إلا لعلي ، فهذه الصلاحية مستمرة حتى بعد وفاته ، مع قطع النظر عن جميع النصوص الواردة في ذلك ، ولكن الله أراد شيئا والروح العربية والديمقراطية أرادت شيئا آخر .


هذه نبذة مما رواه أهل الحديث وعلماء السير من أهل السنة عن حديث المنزلة والوصية اقتصرنا على ذكر الإضافة التي ذكرها الدكتور أحمد صبحي ، ونفى وجودها في نصوص أهل السنة لتكون نصا صريحا كما يقول على خلافة الإمام علي ( عليه السلام ) .

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب