|
وقفة مع الدكتور البوطي
- المستبصر : هشام آل قطيط ص 77 :
|
مناقشة حديث المنزلة
علينا أن ندخل في هذا الحديث بعمق ، بعد أن بينا سند الحديث في صحاح أهل السنة
- حتى يتجلى لسماحة الشيخ الدكتور الحق والصراط المستقيم .
فأقول له من خلال ما نفهمه في هذا النص
: من تتبع سيرة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يجده يصور عليا
وهارون كالفرقدين في السماء ، والعينين في الوجه لا يمتاز أحدهما في أمته عن
الآخر بشئ ما .
ألا ترى أن الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أبى أن تكون
أسماء بني علي ( عليه السلام ) إلا
كأسماء بني هارون فسماهم حسنا وحسينا ومحسنا وقال : " إنما
سميتهم بأسماء ولد هارون شبر وشبير ومشبر ( 1 ) أراد بهذا تأكيد المشابهة بين
الهارونين وتعميم الشبه بينهما في جميع المنازل وساتر الشؤون وأما عموم هذه
المنازل فثابت في
نص الحديث ، وذلك لما تقرر في أصول الفريقين من أن اسم الجنس
المنكر المضاف إلى المعرفة يفيد العموم وكلمة منزلة نكرة مضافة إلى هارون
المعرفة ، فهي تفيد الشمول والعموم لجميع تلك المنازل التي تقدم ذكرها ويؤكد
هذا ويقرره الاستثناء فإنه لا يكون إلا من العموم هذا
أولا .
وثانيا : إن حديث المنزلة قد اشتمل على مستثنى
منه ففيه عموم وخصوص ، ولو صح ما ادعاه لزمه أن يقول ببطلان العموم والخصوص معا
في الحديث ، ونسبة اللغو إلى النبي ، وذلك لأن كل عربي وغير عربي إذا درس لغة
العرب ، يفهم من
القول المشتمل على مستثنى ومستثنى منه أنه يريد العموم ، وأن
الحكم فيه على الاستيعاب دون المستثنى ، فالمستنثى يوجب خروجه من ذلك الحكم
الوارد على المستثنى منه وهذا هو المفهوم من ذلك عند أهل اللسان بلا كلام .
ولهذه الغاية نفسها قد اتخذ عليا أخاه وآثره بذلك على من سواه تحقيقا لعموم
الشبه بين منازل الهارونين من أخويهما ، وحرصا على أن يكون ثمة من فارق بينهما
وحتى آخى بين أصحابه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مرتين كما سمعت ، وأنتم
تعرفون
الحسن والحسين لكن محسنا هذا غريب في أذهان أعلام السنة ،
فإنه أسقط بسبب ضربة قنفذ الحبشي لسيدة نساء العالمين ( الزهراء ) عليها أزكى
السلام ، بأمر من عمر بن الخطاب ، وتوفيت وهي تشكو من كسر ضلع لها - وسقطها
التي أجهض قبل أوانه .
وهناك وجه شبه آخر بين وصي خاتم الأنبياء ووصي النبي موسى ( عليه السلام ) .
فإن يوشع بن نون كان مع موسى في جبل سيناء ولم يعبد العجل ،
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) مسند أحمد : ج 2 ص 155 .
الفتح الكبير : للبناني ج 2 ص 161
مجمع الزوائد . ج 8 ص 52 .
الصواعق المحرقة لابن حجر : ص 190 ط المحمدية .
تذكرة الخواص - الجوزي الحنفي - ص 193 .
( * )
|
|
|
وأمر الله نبيه موسى أن يعينه وصيا من بعده لئلا تكون جماعة
الرب كالغنم بلا راع .
وكان الإمام علي مع النبي في غار حراء ولم يعبد صنما قط ،
وأمر الله نبيه في رجوعه من حجة الوداع أن يعينه أمام الحجيج قائدا للأمة من
بعده ولا يترك أمته هملا ، وقد صرح بذلك رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم )
في غدير خم ،
وعينه وليا للعهد من بعده ، وصدق رسول الله ( صلى الله عليه
وآله وسلم ) حيث قال : " ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل
بالنعل . . . " ( 1 )
وأما ما جاء من ذلك في شعر الصحابة فلا يمكن أن يحصى وإنما نذكر منه ما يتم به
الفرض ، وهو أن النص والوصية لعلي بن أبي طالب بذرها وأوجدها نفس صاحب الشريعة
( صلى الله عليه وآله وسلم ) بأمر من الله .
والغريب أن الدكتور محمد عمارة الذي يرى أن التشيع نشأ في زمن الإمام الصادق ،
لأن القول بالوصية ينتهي إليه وإلى أبيه الباقر ، يروي لنا هذا الشعر الذي قاله
أحد الصحابة وهو الأشعث بن قيس ، ويذكر فيه الوصية ( 2 ) :
أتانا الرسول رسول الوصي * علي المهذب
من هاشم
وزيد البني وذو صهره * وخير البرية والعالم
ويقول علي بن أبي طالب في ذيل كتاب كتبه إلى معاوية ( 3 ) :
علي ولي الحميد المجيد * وصي النبي من
العالمينا
ويقول أبو الأسود الدؤلي ( 4 ) :
أحب محمدا حبا شديدا * وعباسا وحمزة
والوصيا
ويقول أبو الهيثم بن التيهان وكان بدريا ( 5 ) :
إن الوصي إمامنا وولينا * برح الخفاء
وباحت الأسرار
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) خمسون ومائة صحابي مختلق : للمرتضى
العسكري - المجلد : ص 269 - 289 .
( 2 ) محمد عمارة : الإسلام وفلسفة الحكم
- ص 4 .
( 3 ) سبط ابن الجوزي : تذكرة الخواص - ص
85 .
( 4 ) ابن الأنباري : نزهة الأولياء - ص
7 - وأيضا القفطي : أبناه الرواة - ج 1 - ص 17 .
المراجعات - عبد الحسين شرف الدين - ص 269 - 302 . ( * )
|
|
|
وقال خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين ، وهو بدري :
يا وصي النبي قد أجلت الحرب * الأعادي
وسارت الأظفان
إلى كثير من الأشعار التي قيلت في ذكر الوصية والنص على خلافة
علي ، ومن هذا يظهر فساد ما ذهب إليه الدكتور حسن إبراهيم في قوله : " نشر ابن
سبأ بعد ذلك مذهب الوصاية الذي أخذه عن اليهودية دينه القديم بمعنى أن عليا وصي
محمد . . . " ( 1 )
وهذا بعينه قول الشيخ محمد أبو زهرة : " أخذ - ابن سبأ - وأن عليا وصي محمد
وأنه خير الأوصياء كما أن محمدا خير الأنبياء . . . " ( 2 ) .
ومما قدمناه من النصوص الواردة في كتب أهل السنة ، يظهر فساد ما يقوله ابن
خلدون وغيره في قوله : " بل يجب عليه تعيين الإمام لهم . . . وأن عليا ( عليه
السلام ) هو الذي عينه صلوات الله وسلامه عليه بنصوص ينقلونها ويأولونها على
مقتضى مذهبهم لا يعرفها جهابذة السنة ولا نقلة الشريعة . . . " ( 3 ) .
فابن خلدون هنا يحاول أن ينكر الوصية بإنكاره للروايات ، وقوله إن علماء السنة
ونقلة الشريعة لم ينقلوا مثل هذه الروايات ، وإنما هي من وضع الشيعة ، فنقول
لابن خلدون وغيره من دكاترة العصر . . .
أليس الإمام أحمد ابن حنبل من نقلة الشريعة . . . ؟
والإمام مسلم من نقلة الشريعة . . . ؟
والحافظ النسائي أحد أصحاب الصحاح من نقلة الشريعة ومن جهابذة
علماء أهل السنة ؟
والحاكم النيسابوري والحافظ الذهبي والبيهقي والمتقي الهندي ،
وابن المغازلي الشافعي ، والمحب الطبري والحافظ ابن حجر العسقلاني وغير هؤلاء ،
أليسوا من جهابذة علماء أهل السنة ونقلة الحديث منهم للذين نفى ابن خلدون
وجودهم إما جهلا منه
أو تجاهلا وعنادا للحق ؟ وإن التسليم والاعتراف بمثل هذه
الروايات يهدم أساسا من أسس ابن خلدون العقائدي ، ولهذا حاول أن ينكر مثل هذه
الأحاديث في كتب أهل
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) حسن إبراهيم حسن : تاريخ الدولة الفاطمية
- ص 2 .
( 2 ) محمد أبو زهرة : أبو حنيفة - ص 127 . ص 113
الفرقة السبئية .
( 3 ) ابن خلدون : المقدمة - ص 194 . ( *
)
|
|
|
السنة وسوف يأتي المزيد منها مما خرجه الحفاظ من جهابذة السنة
ونقلة الشريعة منهم .
حديث المنزلة والشبه بين منزلة الهارونين وبعد
هذا العرض التاريخي للروايات لإثبات تواتر هذا الحديث من مصادر أهل السنة ومن
أهم الصحاح عندهم . . . فهذا إلمام البخاري يحدثنا في صحيحه ( 1 ) ومسلم في
صحيحه ( 2 ) . . . عن النبي ( عليه السلام ) " أنت مني بمنزلة هارون من موسى
إلا أنه لا نبي بعدي " هذا بالنسبة للحديث .
وأما أدلتنا من القرآن الكريم يقول تعالى وما
بعدها حكاية عن كليمه موسى رسول الله ( عليه السلام ) :
( رب اشرح لي صدري ، ويسر لي أمري ، وأحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي ، واجعل
لي وزيرا من أهلي ، هارون أخي ، أشدد به أزري ، وأشركه في أمري ) إلى
قوله تعالى : - ( قد أوتيت سؤلك يا موسى ) ( 3 )
.
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) صحيح البخاري ج 2 ص 197 في باب
مناقب علي بن أبي طالب .
( 2 ) صحيح مسلم ج 2 الباب نفسه .
( 3 ) سورة طه : الآية 25 - 32 . ومن
مصادر الدعاء : - شواهد التنزيل للحاكم
الحسكاني الحنفي ج 1 ص 179 ح 235 .
- تذكرة الخواص للسبط ابن الجوزي الحنفي
ص 15 . - نور الأبصار للشبلنجي ص 70 ط
السعيدية وص 71 ط العثمانية .
- الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص
108 . - الرياض النضرة ج 2 ص 214 ط 2 .
- مطالب السؤول لابن طلحة الشافعي ج 1 ص
87 ، فرائد السمطين ج 1 ص 192 ح 151 . (
* )
|
|
|
|