وقفة مع الدكتور البوطي - المستبصر : هشام آل قطيط ص 11 :

لماذا هذا الكتاب


ليس هذا الكتاب كتابا مذهبيا أود من ورائه خلق فجوة مذهبية بين طائفتين مسلمتين أو تعميق تلك الفجوة ونحن في عصر أشد الحاجة إلى لم شعث المسلمين ، وإلى الوحدة بين أبناء الأمة الإسلامية . وما أحرانا وما أحوجنا إلى تحطيم تلك الحواجز

التي ركزت بيننا بعد أن أعل الزمان عليها وشرب ، ولا ريب في أن الدعوة الإسلامية إنما قامت على عقيدة التوحيد ، وتوحيد العقيدة ، وتوحيد الكلمة ، وتوحيد الأنظمة والقواعد ، وتوحيد المجتمع ، وتوحيد الحكومة ، وتوحيد المقاصد .

فعقيدة التوحيد هي المبنى الوحيد لجميع الفضائل ، وهي الحجر الأساس للحرية واشتراك الجميع في الحقوق المدنية والإنسانية . فلا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود وكل الناس أمام الحق والشرع سواء والناس كلهم من آدم ،

وآدم من تراب قال الله تعالى : ( إنما المؤمنون إخوة ) وقال : ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) .

و ( المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا ) و ( مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) و " من أصبح ولا يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم ".

هكذا كان المسلمون في الماضي أمة واحدة ، وهكذا كان المسلمون الذين أخلصوا دينهم لله ، ولولا ما نجم فيهم من النفاق وحب الرياسة والحكومة ، والمنافرات التي وضعت بينهم في الإمارة لما كان اليوم على الأرض أمة غير مسلمة .
 

 ص 12

ولكن فعلت فيهم السياسة فعلها الفاتك ففرقت كلمتهم وأزالت وحدتهم ومجدهم . فصاروا خصوما متباعدين ، بعد أن كانوا إخوانا متحابين واشتغلوا بالحروب الداخلية عوضا عن دفع خصومهم وأعدائهم .


وأكثر هذه المفاسد إنما أتتنا من أرباب السياسات ورؤساء الحكومات الذين لم يكن لهم هم إلا الاستيلاء على عباد الله ليجعلوهم خولا ومال الله دولا فأثاروا الفتن ، وقلبوا الإسلام رأسا على عقب ، وضيعوا السنن والأحكام وعطلوا الحدود ، وأحيوا

البدع ، وقضوا بالجور والتهمة ، واستخدموا عبدة الدراهم والدنانير وأمروهم بوضع الأحاديث لتأييد سياساتهم وخسروا القرآن ، وحملوا ظواهر السنة وفق آرائهم ، ومنعوا الناس عن الرجوع إلى علماء أهل البيت ( عليهم السلام ) الذين جعلهم النبي

( صلى الله عليه وآله وسلم ) عدلا للقرآن ، وأمر بالتمسك بهم ( 1 ) فراجع بعين البصيرة والإنصاف كتب التاريخ والحديث حتى تعرف أثر ما فعلته السياسة الغاشمة في تلك الفظائع ولا تنس أيضا أثر سياسات خصوم الإسلام من المسيحيين واليهود وغيرهما في تأجيج نار الشحناء والبغضاء بين المسلمين .


وأقول : علينا بالتوحد وجمع الكلمة ، ورص الصفوف والتقارب إسلاميا وصدق الشاعر عندما قال :

تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرا * وإذا افترقن تكسرت آحادا

والعالمون منكم والعارفون بأهداف الإستعمار يعلمون كل العلم أن تجزئة الأمة الإسلامية أعظم وسيلة تمسك بها المستعمرون للاحتفاظ بسلطتهم .

فعلينا أن ندرك أبعاد المرحلة التي تعيشها في هذا العصر كإسلاميين بغض النظر إلى المذهبية أو الطائفية .
 

 

* هامش *

 
 

( 1 ) في الأحاديث الكثيرة كحديث الثقلين المتواتر وله طرق كثيرة في كتب الحديث مثل : صحيح مسلم ، ومسند أحمد ، والطيالسي ،
وسنن الترمذي ، والبيهقي والدارمي ، وأسد الغابة ، وكنز العمال ، ومشكل الآثار ، والجامع الصغير ، والصواعق ، وتهذيب الآثار ،

ومجمع الزوائد ، وحلية الأولياء ، وغيرها . وإليك لفظ الحديث في بعض طرقه : " إني تارك فيكم الثقلين إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي ، أحدهما أعظم من الآخر : كتاب الله وعترتي أهل بيتي " . ( * )

 

 

 ص 13

فيا أخي المسلم الغيور ما قيمة الوطن الذي افتعله الأجنبي لمصلحة نفسه وأي امتياز جوهري بين السوري واللبناني ، والأردني والسوداني ، واليماني والباكستاني ، والعربي والعجمي بعد أن كانوا مسلمين خاضعين لسلطان أحكام الإسلام ؟

وأي رابطة أوثق من رابطة الإسلام والأخوة الدينية ؟ كما جاء في الحديث الشريف :" المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته " . وقال تعالى : ( وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون ) ( 1 ) .


وقال عز من قائل : ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم ) ( 2 ) .

وأما السياسات التي عملت على تفريق المسلمين في القرون الأولى والوسطى فقد عفى عليها الزمان فمضت العصور التي استعبد الناس فيها جبابرة الأمويين والعباسيين ، ومضت الأزمان التي كان فيها تأليف الكتب وجوامع الحديث تحت مراقبة جواسيس الحكومة .


مضت العصور التي كان العلماء يعانون فيها من اضطهاد شديد ، والعمال والولاة يتقربون إلى الحلفاء والأمراء بقتل الأبرياء ونفيهم وتعذيبهم في السجون وقطع أيديهم وأرجلهم .

مضى الذين شجعوا العمل على التفرقة ، واختلاف الكلمة ، وإشعال الحروب الداخلية .

مضت السياسات التي سلبت عن أقطاب المسلمين حرياتهم كالنسائي الذي قتلوه شر قتلة .

مضى عهد الجبابرة والطواغيت الذين صرفوا بيوت أموال المسلمين في سبيل شهواتهم المادية ، واتخاذهم القينات والمعازف هواية لهم .

 

* هامش *

 
 

( 1 ) سورة المؤمنون : الآية 52 . ( 2 ) سورة آل عمران : الآية 105 . ( * )

 

 

 ص 14

مضت العصور التي سبوا فيها على المنابر أعظم شخصية ظهرت في الإسلام بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لا يريدون بسبه إلا سب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ( 1 ) .

مضت الأزمنة التي كان يرمي فيها بعض المسلمين بعضهم بالافتراء والبهتان وحتى الكفر والزندقة والإلحاد .

مضت العصور التي عاشت فيها كل فرقة وطائفة من المسلمين كأمة خاصة لا يهمها ما ينزل على غيرها من المصائب والشدائد .


نعم كل ذلك مضى لكني أقول لحضرة الأستاذ الدكتور البوطي لي وقفة عتاب ولوم مع جنابكم فهل تناسيت ما حصل من تقارب إسلامي بين الشيعة والسنة ، وهل تناسيت نص الفتوى التي أصدرها صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر في شأن جواز التعبد بمذهب الشيعة الإمامية وإليك نص الفتوى :


بسم الله الرحمن الرحيم نص الفتوى التي أصدرها السيد صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر . في شأن جواز التعبد بمذهب الشيعة الإمامية . قيل لفضيلته : إن بعض الناس يرى أنه يجب على المسلم لكي تقع

عباداته ومعاملاته على وجه صحيح أن يقلد أحد المذاهب الأربعة المعروفة وليس من بينها مذهب الشيعة الإمامية ولا الشيعة الزيدية ، فهل توافقون فضيلتكم على هذا الرأي على إطلاقه فتمنعون تقليد مذهب الشيعة الإمامية الاثنا عشرية مثلا :

فأجاب فضيلته : 1 - إن الإسلام لا يوجب على أحد من أتباعه مذهبا معينا بل نقول
 

  * هامش *  
 

( 1 ) أنظر إلى " رسائل الجاحظ " تحقيق الأستاذ السندولي ، طبع القاهرة ماذا عمل معاوية الذي أعلن سب الإمام أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) على المنابر ألف شهر ومسلم وغيره . إلخ . . . ( * )

 

 

 ص 15

إن لكل مسلم الحق أن يقلد بادئ ذي بدء أي مذهب من المذاهب المنقولة نقلا صحيحا والمدونة أحكامها في كتبها الخاصة ولمن قلد مذهبا من هذه المذاهب أن ينتقل إلى غيره - أي مذهب كان - ولا حرج عليه في شئ من ذلك .


 2 - إن مذهب الجعفرية المعروف بمذهب الشيعة الإمامية الاثنا عشرية مذهب يجوز التعبد به شرعا كسائر مذاهب أهل السنة . فينبغي للمسلمين أن يعرفوا ذلك ، وأن يتخلصوا من العصبية بغير الحق لمذاهب معينة ، فما كان دين الله وما كانت

شريعته بتابعة لمذهب أو مقصورة على مذهب ، فالكل مجتهدون مقبولون عند الله تعالى يجوز لمن ليس أهلا للنظر والاجتهاد تقليدهم والعمل بما يقررونه في فقههم ، ولا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات . السيد صاحب السماحة العلامة الجليل

الأستاذ محمد تقي القمي : السكرتير العام لجماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية : سلام عليكم ورحمته أما بعد فيسرني أن أبعث إلى سماحتكم بصورة موقع عليها بإمضائي من الفتوى التي أصدرتها في شأن جواز التعبد بمذهب الشيعة الإمامية

راجيا أن تحفظوها في سجلات دار التقريب بين المذاهب الإسلامية التي أسهمنا معكم في تأسيسها ووفقنا الله لتحقيق رسالتها والسلام عليكم ورحمة الله .


شيخ الجامع الأزهر وهل كانت التقية على حد قولك هي الحجر الأساس في عدم فهمنا واستيعابنا للأمور العقائدية التي بيننا وهل أنت أبصر من علماء الأزهر الشريف كالشيخ محمود شلتوت والشيخ عبد المجيد سليم ومحمد الفعام والشيخ عبد الرحمن

النجار والدكتور محمد عبد المنعم خفاجي عميد الجامعة الأزهرية في أسيوط ومحمد فريد وجدي من كبار المفكرين بمصر والشيخ محمد الغزالي كان في عصره مدير إدارة تفتيش المساجد بوزارة الأوقاف في مصر والدكتور أبو الوفا التفتازاني أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة القاهرة والشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف الأستاذ بكلية الشريعة
 

 ص 16

بجامعة الأزهر والشيخ أحمد حسن الباقوري وزير الأوقاف المصرية في عهد عبد الناصر كل هؤلاء الأقطاب لم يفهموا معنى التقية . هل هي الحاجز الوحيد التي يمنعنا من التقارب وتوحيد الصف الإسلامي ؟ لكني أختصر الكلام عن التقية لأني تحدثت عنها في آخر الكتاب .


وأقول : فالدافع الذي دفعني لأن أكتب هذا الكتاب ما سمعته من محاضرات للأخ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي المفكر الإسلامي والأستاذ المحاضر في كلية الشريعة جامعة دمشق .

هناك بعض المسائل قالها حضرة الدكتور وأثارها في الجامعة وفي الرقة وفي مؤتمر الغدير فجمعت قسما منها . . وأقول جل الذي لا يسهى ولا ينسى وأقول : ربما حضرة الدكتور كان ناسيا لبعض الحقائق أو غاب عن ذهنه بعض الأحداث التاريخية

أو بعض الحقائق التي وردت في الصحاح المعتبرة والتواريخ أيضا . فأحببت أن أكون مذكرا فقط لا كناقد أو راد أو مشهر أو محرج معاذ الله من ذلك


وفي نهاية المطاف أقول : إن هذا الكتاب عبارة عن مسائل وردت فأردت توضيحها وإزالة الغموض والتشويش التاريخي عنها قدر المستطاع ، وأغضيت عن كثير من الشواهد التاريخية ، واكتفيت بالقليل منها خشية الإطالة مرة وكراهة الغوص في

أغوار بعض الأحداث المؤلمة أكثر من القدر الكافي لبيان الحاجة مرة أخرى . معتمدا على ما يسعد به مثلكم من حظ في العقل والمعرفة والإنصاف وأستعرض لكم المسائل والمطالب في هذا الكتاب المتواضع . وهي : قول حضرة الدكتور :

 1 - نحن نتفق مع الشيعة في مأساة أهل البيت ( عليهم السلام ) .

 2 - لماذا الرجوع إلى التاريخ . . ؟

 3 - قوله : وإن هنالك فئة من المسلمين ( طبعا يقصد فئة الشيعة ) لا

 ص 17

تستطيع أن تعبر عن حبها لعلي إلا بانتقاص بقية أصحابه .

 4 - قوله : بأن هناك مظاهرة بارزة تثبت أحقية الخليفة أبي بكر بالخلافة من بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

 5 - قوله : بأن الصحابة اتفقوا على حديث نحن معاشر الأنبياء لا نورث .

 6 - قوله : كان المسلمون على مستوى الشورى الحقيقية .

 7 - قوله : بأن هناك وجهة نظر ، أفلا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي .

 8 - محاولة الدكتور صرف حديث الغدير عن محله بالتأويل .

 9 - قوله : هل أن خلافة علي منصوص عليها بصريح القرآن أو بصريح السنة ؟

 10 - قوله : علي أشجع الناس فلم ترك قتال المتقدمين عليه بالخلافة .

 11 - قوله : لو أن الإمام عليا ( رض ) اتخذ موقفا مستقلا في عهد من هذه العهود الثلاثة ( يقصد عهد الخليفة أبي بكر وعمر وعثمان ) لتركنا كل خط دون خطه .

 12 - قوله : نحن نروي من آل بيت رسول الله ومن صحابة رسول الله وليس أمامنا مقياس إلا العدالة وكل الصحابة عدول .

 13 - قوله : لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد .

 14 - قوله : في كتابه فقه السيرة النبوية الطبعة الأولى عام 1972 بأن حديث كتاب الله وسنتي رواه البخاري ومسلم .

 15 - قوله : لا سيما وتوجد عندهم التقية ربما إذا ألجئ أحدهم قال شئ نعم ما عاد تقدر تناقشه وإلا يظهر شئ ثاني ( 1 ) .
 

  * هامش *  
 

( 1 ) هذا الكلام منقول حرفيا من تسجيل صوتي تحتفظ به ( ولم أجر أي تعديل على كلام حضرة الدكتور ) . ( * )

 

 

 ص 18

 16 - قوله : الجريمة كل الجريمة هو أن نجد من ينزل بهذا المستوى الباسق ( أي الشورى الحقيقية حسبما قال الدكتور ) إلى حضيض بأكاذيبه وإجرامه القولي .

 17 - قوله : إنما هنالك دلائل تلمع هنا ودلائل تلمع هنا ، وجمعت هذا الدلائل وقورن بعضها ببعض وكانت الحصيلة لأبي بكر ( أي في مسألة الخلافة ) .


وأقول في نهاية المطاف : نحن نمد يد المصافحة لكل من يرغب في الدعوة إلى التقارب والوحدة الإسلامية ، والتآخي بين المسلمين . ذلك إذا كان ممن يتفهم مثل أعلام الأزهر الشريف ورجال الفكر في مصر العربية وغير مصر وهذه مفخرة

نفخر بها كما نفخر بغيرها من الفضائل وسنبقى هكذا في اليوم وفي الغد القريب والبعيد وسنمد يد المصافحة تأسيا بإمامنا الأول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) الذي مد يد المصافحة للخلفاء الذين سبقوه مع يقينه بأن الخلافة حق من حقوقه .

والله ندعو لذلك ونطلب من الله أن يجعل دعوتنا صادقة للإخوة الإسلامية والوحدة التي نحن بأمس الحاجة إليها . المذنب الراجي رحمة ربه وشفاعة رسوله هشام عبد الله آل قطيط - دمشق - الحوزة الزينبية - 26 / 11 / 56


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب