|
وقفة مع الدكتور البوطي
- المستبصر : هشام آل قطيط ص 110 :
|
فصل ( 4 )
سكوت الإمام عن حقه وعدم محاربة الخلفاء الثلاثة
فأقول للدكتور البوطي : بعد أن بينت لك الأدلة
القاطعة من القرآن والسنة النبوية على خلافة أمير المؤمنين ، لا بد لي وأن أوضح
لحضرتك سبب سكوت الإمام وعدم محاربة أو مقاتلة الخلفاء الذين تقدموا عليه .
فأقول : إن هذا السؤال الذي
تطرحه للطلبة في محاضرتك في جامعة دمشق ليس جديدا بطرحه ، وإنما هذا السؤال
المطروح من قبل حضرتكم أكل الزمان عليه وشرب .
لقد طرح هذا السؤال على الإمام ( عليه السلام )
منذ عصره فأول من سأل الإمام ( عليه السلام ) هذا السؤال هو الأشعث بن قيس حيث
إنه قال للإمام ( عليه السلام ) : ما منعك يا ابن أبي طالب حين بويع أخو بني
تيم وأخو بني عدي وأخو بني
أمية أن تقاتل وتضرب بسيفك ، وأنت لم تخطبنا مذ قدمت العراق
إلا قلت قبل أن تنزل عن المنبر ، والله إني لأولى الناس وما زلت مظلوما مذ قبض
رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فقال ( عليه السلام ) : يا ابن قيس لم
يمنعني من ذلك
الجبن ولا كراهية لقاء ربي ولكن منعني من ذلك أمر النبي ( صلى
الله عليه وآله وسلم ) وعهده إلي . أخبرني بما الأمة صانعة بعده ، فقال رسول
الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : يا علي ستغدر بك الأمة من بعدي . . . فقلت
يا رسول الله فما تعهد إلي إذا كان كذلك . . ؟ فقال : إن وجدت أعوانا فانبذ
إليهم وجاهدهم . وإن لم تجد أعوانا
فكف يدك واحقن دمك حتى تجد على إقامة الدين وكتاب الله وسنتي
أعوانا ( 1 ) .
وهذا الذي اتبعه علي ( عليه السلام ) بعد رسول الله ( صلى
الله عليه وآله وسلم ) كما بينا .
وفي رواية أخرى عن أبي عثمان النهدي عن علي ( عليه السلام ) قال : أخذ علي
يحدثنا إلى أن قال : جذبني رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وبكى فقلت :
يا رسول الله ما يبكيك . . ؟ قال : ضغائن في صدور قوم لن يبدوها لك إلا بعدي
فقلت : بسلامة من ديني ؟ قال نعم بسلامة من دينك ( 2 ) .
لاحظ أخي القارئ نفس السؤال يتكرر في عصر الإمام الرضا (
عليه السلام ) الإمام الثامن لأئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) فيسأل
نفس السؤال فيقال له : لم لم يجاهد علي أعداءه خمسا وعشرين سنة بعد رسول الله (
صلى الله عليه وآله وسلم ) ثم جاهد في أيام ولايته ؟
فأجابهم : لأنه اقتدى برسول
الله في تركه جهاد المشركين بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة وبالمدينة تسعة عشر
شهرا . وذلك لقلة أعوانه عليهم وكذلك ترك علي مجاهدة أعدائه لقلة أعوانه عليهم
" ومن هذا القبيل أدلة كثيرة . فحسبك في جوابه قوله ( عليه السلام ) فيما تضافر
عنه نقله أدلة كثيرة ( 3 ) .
وغيره من مؤرخي أهل السنة ، حيث يقول ( عليه السلام ) : " لولا حضور الحاضر ،
وقيام الحجة بوجود الناصر ، وما أخذ الله تعالى على أولياء الأمر ، أن لا
يقاروا على كظة ظالم ، أو سغب مظلوم ، لألقيت حبلها على غاربها ، ولسقيت آخرها
بكأس أولها . . . " .
وأنتم ترون أن قوله ( عليه السلام ) هذا صريح في أنه ( عليه السلام ) إنما ترك
جهاد المتقدمين عليه لعدم وجود الناصر وجاهد الناكثين ، والقاسطين ، والمارقين
لوجود الأنصار والدليل الآخر :
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) شرح الذهبي في البلاغة للتستري : ج
4 ص 519 .
( 2 ) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي : ج
13 ص 398 . ما نقله لنا ابن أبي الحديد المعتزلي في
شرح نهج البلاغة . ( * )
|
|
|
أنظر كتاب معاوية المشهور إلى أمير
المؤمنين ( عليه السلام ) قال : وأعهدك أمس تحمل قعيدة بيتك ليلا على
حمار . ويداك في يد ابنيك الحسن والحسين يوم بويع أبو بكر . فلم تدع من أهل بدر
والسوابق إلا دعوتهم إلى نفسك ومشيت إليهم بامرأتك وأدليت إليهم بابنيك . فلم
يجبك منهم إلا أربعة أو خمسة . ومهما نسيت فلا أنسى قولك لأبي سفيان لما حركك
وهيجك . لو وجدت أربعين ذوي عزم منهم لناهضت القوم ( 1 ) .
فإذا الإمام كان وحيدا فكيف يقاتل أمة لوحده .
وإليك ما ذكره ابن قتيبة . (
وحمل أمير المؤمنين الزهراء والحسنين ليلا مستنصرا بوجوه القوم فلم ينصروه ) (
2 ) .
وكم قال ( عليه السلام ) : فنظرت فإذا ليس لي معين إلا أهل
بيتي فضننت بهم عن الموت . وأغضيت على القذى وشربت على الشجى وصبرت على أخذ
الكظم وعلى أمر من طعم العلقم .
وقال أيضا : لا يعاب المرء بتأخير حقه . إنما يعاب من أخذ ما
ليس له .
لكن الإمام ترك جهاد المتقدمين عليه لقلة وجود الناصر فصبر
لكن الإمام أعطى الجواب القاطع لحضرة الدكتور وكل من يتسائل لم لم ينازع
علي ( عليه السلام ) الخلفاء الثلاثة ( رض ) كما نازع طلحة والزبير ومعاوية
وإليك أيها الدكتور قوله ( عليه السلام ) . " إن
لي بسبعة من الأنبياء أسوة :
الأول : نوح ( عليه السلام )
قال الله تعالى مخبرا عنه في سورة القمر ( 3 ) :
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) رواه نصر بن مزاحم في تاريخ صفين -
شرح النهج ج 1 ص 327 .
( 2 ) الإمامة والسياسة 130 والنهج
ج 3 ص 5 .
( 3 ) سورة القمر : الآية 10 . ( * )
|
|
|
فدعا ربه ( ربي أني مغلوب فانتصر )
فإن قلت لي حضرة الدكتور لم يكن مغلوبا فقد كذبت القرآن وإن
قلت لي كان مغلوبا كذلك فعلي ( عليه السلام ) أعذر .
الثاني : إبراهيم الخليل ( عليه
السلام ) حيث حكى الله تعالى عنه قوله : ( وأعتزلكم وما تدعون من دون الله ) (
1 )
فإن قلت لي اعتزلهم من غير مكروه ، فقد كفرت وإن قلت لي رأى
المكروه فاعتزلهم فعلي ( عليه السلام ) أعذر .
الثالث : ابن خالة إبراهيم نبي الله تعالى لوط (
عليه السلام ) إذ قال لقومه على ما حكاه الله تعالى : (
لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ) ( 2 )
فإن قلت لي كان له بهم قوة فقد كذبت القرآن وإن قلت إنه ما
كان له بهم قوة فعلي ( عليه السلام ) أعذر .
الرابع : نبي الله يوسف ( عليه السلام ) فقد حكى
الله تعالى عنه قوله : ( رب السجن أحب إلي مما يدعونني
إليه ) ( 3 ) .
فإن قلت لي إنه دعي إلى غير مكروه يسخط الله تعالى فقد كفرت ،
وإن قلت إنه دعي إلى ما يسخط الله فاختار السجن فعلي ( عليه السلام ) أعذر .
الخامس : كليم الله موسى بن عمران ( عليه السلام
) إذ يقول على ما ذكره الله تعالى عنه : ( ففررت منكم
لما خفتكم فوهب لي رب حكما وجعلني من المرسلين ) ( 4 )
فإن قلت لي إنه فر منهم من غير خوف فقد كذبت القرآن وإن قلت
فر منهم خوفا فعلي ( عليه السلام ) أعذر .
السادس : نبي الله هارون بن عمران ( عليه السلام
) إذ يقول على ما حكاه الله تعالى عنه : ( يا ابن أم إن
القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني ) ( 5 )
فإن قلت لي : إنهم ما استضعفوه فقد كذبت القرآن وإن قلت :
إنهم استضعفوه
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) سورة مريم : الآية 48 .
( 2 ) سورة هود : الآية 81 .
( 3 ) سورة يوسف : الآية 33 .
( 4 ) سورة الشعراء : الآية 21 .
( 5 ) سورة الأعراف : الآية 150 .
|
|
|
وأشرفوا على قتله فعلي ( عليه السلام ) أعذر .
السابع : محمد رسول الله ( صلى الله عليه وآله
وسلم ) حيث هرب إلى الغار
فإن قلت لي . إنه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) هرب من غير خوف
فقد كفرت وإن قلت لي : أخافوه وطلبوا دمه ، وحاولوا قتله فلم يسعه غير الهرب
فعلي ( عليه السلام ) أعذر .
فأقول لحضرة الدكتور عليك بالرجوع إلى التاريخ
لمعرفة كل الحقيقة وأؤكد لك إن من الأنبياء من قتل : (
أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون )
( 1 ) .
ويكفيكم مثالا على ذلك عيسى ابن مريم ( عليه السلام ) فأمر الإله إذا لم يقبله
الناس لا يفرضه الله والدليل على ذلك أمره بعدم الزنى :
( من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) ( 2 ) .
وأزيدكم على ذلك دليلا أقوى ، فالبيعة في الإسلام لا يفرضها الله ولا الرسول
ولا أي مسلم ، بدليل قوله تعالى : ( يا أيها النبي إذا
جاءك المؤمنات يبايعنك ) ( 3 ) . لا أن ترسل لهن ليبايعنك . وإنما يأتين
طوعا .
ودليل آخر : ( فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ) ( 4
) ولذلك لم يطلب الرسول بيعة منهم ، وإنما هم الذين بايعوه ، وعندما يصافح
أحدهم النبي فإنه يكتب على نفسه عهدا .
أما أن يقول لهم بايعوني بالقوة فذلك أمر لا يرضاه الله ولا رسوله .
فالرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أمر عليا بذلك بعد أن
علم ما تدبره قريش من إبعاد ابن عمه وخليفته عن الخلافة ، بحجة أنه صغير السن
وأن دماء قريش معلقة به ، وبحجة أنه محسود ، ومكروه وهذا ما أخرجه الطبري - أحد
علماء السنة
وليس من أقوال الشيعة - في ( الرياض النضرة ) قال : دعا
الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عليا وقال له : " يا علي إني أعلم ضغائن في
صدور قوم سوف يخرجونها لك من
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) سورة البقرة : الآية 87 . ( 2 )
سورة هود : الآية 29 . ( 3 ) سورة
الممتحنة : الآية 12 . سورة
الفتح : الآية 10 . ( * )
|
|
|
بعدي ، أنت كالبيت تؤتى ولا تأتي ، إن جاءوك وبايعوك فاقبل
منهم وإلا فاصبر حتى تلقاني مظلوما " لماذا . . ؟ لأن الله أخبر نبيه بالقرآن
بأن الأمة ستنقلب من بعده على عقبيها وسوف لن يثبت إلا القليل . وإذا ما قامت
ثورة ودعوة إلى السيف - والعياذ بالله - فسوف يرتد الجميع - وعندئذ فعلى
الإسلام السلام .
ماذا قال عباس محمود العقاد في كتابه ( 1 ) : " آمن علي بحقه في الخلافة ، ولكن
أراده معا يطلبه الناس ولا يسبقهم إلى طلبه " وقول العقاد هذا غير بعيد عن زهد
الإمام ( عليه السلام ) القائل : " إن خلافتكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز " . .
وقد وصف بعض العارفين إعراض الإمام عن الدنيا بقوله : " الدنيا أهون عليه من
الرماد في يوم عصفت به الريح ، والموت أهون عليه من شرب الماء على الظمأ " .
وقيل لمسلمة بن نميل : كيف ترك الناس عليا وله في كل خير ضرس قاطع ؟ فقال : لأن
ضوء عيونهم يقصر عن نوره . ماذا قال المقداد بن عمرو الكندي . ومن ذلك كلام
المقداد بن عمرو في مسجد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) جاثيا على
ركبتيه ، يتلهف تلهف من كأن الدنيا كانت له منهلا ! وهو يقول
: واعجبا لقريش ودفعهم هذا الأمر عن أهل بيت نبيهم ! وفيهم أول المؤمنين ، وابن
عم رسول الله ، أعلم الناس ، وأفقههم في دين الله ، وأعظمهم عناء في الإسلام ،
وأبصرهم في الطريق
، وأهداهم للصراط المستقيم . . ! ! والله لقد زووها عن الهادي
المهتدي ، الطاهر النقي ، وما أرادوا صلاحا للأمة ولا صوابا في المذهب ! ولكنهم
آثروا الدنيا على الآخرة ، فبعدا وسحقا للقوم الظالمين ( 2 ) .
وأما قول أبي ذر الغفاري : " أيتها الأمة المتحيرة بعد نبيها أما لو قدمتم ما
قدم الله وأخرتم ما أخر الله ، وأقررتم الولاية والوراثة في أهل بيت نبيكم ،
لأكلتم من فوق رؤوسكم ومن تحت أقدامكم ولما كان ولي الله ، ولا طاش سهم من
فرائض الله ، ولا اختلف اثنان في حكم الله إلا وجدتم
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) العقاد : فاطمة الزهراء : ص 56 ط
دار الهلال .
( 2 ) تاريخ اليعقوبي : ج 2 ص 163 . ( *
)
|
|
|
علم ذلك عندهم في كتاب الله وسنة نبيه . فأما إذا فعلتم ما
فعلتم ، فذوقوا وبال أمركم وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون " ( 1 ) .
وهذا ما قاله علي ( عليه السلام ) في خطبته الشقشقية وأكد
حقيقة الأمر بنفسه : " أما والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة . . . إلى أن يقول .
. . فارتأيت أن أصول بيد جذاء أو أصبر على طخية عمياء . . . فوجدت أن الصبر على
هاتا أحجى فصبرت . . . إلى آخر الخطبة " ، . . .
الصبر أولى من الخلافة والدليل
على ذلك عندما جاء أبو سفيان وقال له : لو شئت لملأتها عليك خيلا ورجالا ،
فأجابه علي ( عليه السلام ) إني أعرف ما في نفسك - فعلي بن أبي طالب يريد نصرة
الإسلام ، لا هزيمته وأبو سفيان كان يريدها حربا شعواء بين المسلمين لينتهي من
الكل . وأن الإمام بصبره وتأنيه ضرب رقما قياسيا بالحكمة .
فهنا يأتي سؤال يطرح نفسه لحل تساؤلات حضرة الدكتور
البوطي : أتعرف حضرة الدكتور عندما وصل الإمام إلى الخلافة بعد هذا
الصبر ماذا فعل ؟ أول شئ فعله أنه صعد إلى المنبر فقال : أشهد من حضر بيعتي يوم
الغدير إلا قام وشهد ، فقام
ستة عشر بدريا كلهم يشهدون أنهم سمعوا مبايعته من رسول الله (
صلى الله عليه وآله وسلم ) يوم الغدير . لماذا علي يثير هذه المشكلة بعد خمسة
وعشرين عاما ؟
بالتأكيد أراد أن يبين للأمة . أن الأمر خطير ولذلك سكت عنه وسكت هؤلاء الصحابة
معه ولم يذكروا ذلك . فالصبر على مقاتلة ومحاربة المسلمين هو واجب شرعي . لأن
عليا أول من يفكر لمصلحة الإسلام ولذلك قالها عدة مرات : " والله إن خلافتكم
هذه عندي كعفطة عنز أو كورقة تقضمها جرادة إلا أن أقيم حدا من حدود الله " .
وليس مشكلة علي هي الخلافة يا مسلمون .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) تاريخ اليعقوبي : ج 2 ص 171 ، وذكر
أول الخطبة ابن قتيبة في الإمامة والسياسة
في ( المعارف ) ص 146 . ( * ) |
|
|
|