وقفة مع الدكتور البوطي - المستبصر : هشام آل قطيط ص 176 :

المسألة السابعة عشرة قوله : الجريمة كل الجريمة هو أن نجد من ينزل بهذا المستوى الباسق ، الباسق إلى الحضيض بأكاذيبه وإجرامه القولي .

قال الدكتور البوطي في محاضرته ( 1 ) : الجريمة كل الجريمة هو أن نجد من ينزل بهذا المستوى الباسق الباسق إلى حضيض بأكاذيبه وإجرامه القولي . طيب . بعد هذا القول : فكر الشيعة لمع في داخل سقيفة بني ساعدة ، لكن ما كان اسمهم

شيعة طبعا اسمهم ناس إن وجدوا وقالوا : ليكن سيدنا علي خليفة للرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وطبعا في وجهة نظر ، " ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " لما هاجر النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم )

وتركه في بيته وكلفه أن يعطي الأمانات للناس وأيضا " راية خيبر " عندما قال : سأعطي الراية لرجل يحبه الله ورسوله في طبعا وجهة نظر ولها أدلة ، والذين قالوا أبا بكر أيضا لهم وجهة نظر ولهم أدلة . هذه أدلة ذكرت من منطلق أن أناسا مذهبهم

مذهب أهل البيت وأناس مذهبهم ليس مع أهل آل البيت هذه ما كانت موجودة أبدا . وإنما هنالك دلائل تلمع هنا ودلائل تلمع هنا وجمعت هذه الدلائل وقورن بعضها ببعض وكانت الحصيلة لأبي بكر " أي في الخلافة " .
 

  * هامش *  
 

( 1 ) محاضرة ألقيت في جامعة دمشق بتاريخ 31 / 2 / 1995 . ( * )

 

 

 ص 177

أقول : إن المتأمل لنص كلام حضرة الدكتور في هذه المحاضرة وفي سياق حديثه عن عقيدة الإمامية ، ولمخالفة الشيعة في عقيدتهم لعقيدة أهل السنة والجماعة والذي ما سل سيف عبر التاريخ أشد من سيف الحديث عن مسألة الخلافة والإمامة ومن هو أحق بها ، وكل يجر النار إلى قرصه .


لكني لا أرى الخوض في هذه المسائل الخلافية والبحث عن الحقيقة فيها والمحاورة والموضوعية والانفتاح الفكري الهادف والنقد البناء جريمة على حد زعم الدكتور .


وقاله : ( الجريمة كل الجريمة هو أن نجد من ينزل بهذا المستوى الباسق الباسق " مكررا كلمة الباسق للتأكيد على قوله " إلى حضيض بأكاذيبه وإجرامه القولي .

إنا لنستشف من كلام حضرة الدكتور شيئا من التعصب المقيت بالمحاورة والمناقشة في محاضرته ومن خلال كلماته وألفاظه فعندما نتحاور في مسألة عقائدية يجب أن نتحاور بقلب مفتوح لا يحمل الحقد حتى نستطيع أن نتوقف على الحقائق ونبثها ما دام هدفنا جميعا إقامة الحق القائم على الدليل والبرهان .


وإنا لنجد فكر الشيعة الإمامية لم يلمع فقط داخل السقيفة على حد قول الدكتور لكني سأستعرض نماذج من الآراء في ذلك ، وأترك ما أريد توضيحه وتبيانه في آخر الصفحات .


متى بدأ التشيع ؟

أولا : رأي يرى أنهم تكونوا بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام ، وممن يذهب لهذا ابن خلدون : فقد قال : إن الشيعة ظهرت لما توفي الرسول وكان أهل البيت يرون أنفسهم أحق بالأمر وأن الخلافة لرجالهم دون سواهم من قريش ولما كان جماعة من الصحابة يتشيعون لعلي ويرون استحقاقه على غيره ولما عدل به إلى سواه تأففوا من ذلك ( 1 ) إلخ . . .
 

  * هامش *  
 

( 1 ) تاريخ ابن خلدون : ج 3 ص 364 . ( * )

 

 

 ص 178

ثانيا : الدكتور حسن إبراهيم فقد قال : ولا غرو فقد اختلف المسلمون أثر وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فيمن يولونه الخلافة وانتهى الأمر بتولية أبي بكر وأدى ذلك إلى انقسام الأمة العربية إلى فريقين سنية وشيعية ( 1 ) .


ثالثا : الدكتور أحمد أمين فقد قال : وكانت البذرة الأولى للشيعة الجماعة الذين رأوا بعد وفاة النبي أن أهل بيته أولى الناس أن يخلفوه ( 2 ) .

رابعا : المستشرق جولد تسهير قال : إن التشيع نشأ بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وبالضبط بعد حادثة السقيفة ( 3 ) .

خامسا : اليعقوبي قال : ويعد جماعة من المتخلفين عن بيعة أبي بكر هم النواة الأولى للتشيع ومن أشهرهم سلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري والمقداد بن الأسود والعباس بن عبد المطلب ( 4 ) .


وتعقيبا على ذكر المتخلفين كما أتى بذكرهم الدكتور الشيخ الوائلي في كتابه هوية التشيع ( 5 ) . إن المتخلفين عن بيعة الخليفة أبي بكر قال الدكتور أحمد محمود صبحي : إن بواعث هؤلاء مختلفة في التخلف فلا يستدل منها على أنهم كلهم من الشيعة . وقد يكون ما قاله صحيحا غير أن المتخلفين الذين ذكرهم المؤرخون أكدت كتب التراجم على أنهم شيعة ( 6 ) .


سادسا : الرأي الذي يذهب إلى أن التشيع نشأ أيام عثمان ومن الذاهبين لذلك : جماعة من المؤرخين والباحثين منهم : ابن حزم وجماعة آخرون ذكرهم بالتفصيل يحيى بن هاشم فرغل في كتابه ( 7 ) وقد استند إلى مبررات شرحها .

  * هامش *  
 

( 1 ) تاريخ الإسلام : ج 1 ص 371 .
( 2 ) فجر الإسلام : ص 266 .
( 3 ) العقيدة والشريعة : ص 174 .
( 4 ) تاريخ اليعقوبي : ج 2 ص 104 .
( 5 ) هوية التشيع للدكتور الوائلي : ص 24 .
( 6 ) نظرية الإمامة : ص 33 .
( 7 ) عوامل من أهداف نشأة علم الكلام : ج 1 ص 105 . ( * )

 

 

 ص 179

سابعا : الرأي الذي يذهب إلى تكون الشيعة أيام خلافة الإمام علي ( عليه السلام ) ومن الذاهبين إلى هذا الرأي النوبختي في كتابه فرق الشيعة ( 1 ) وابن النديم في الفهرست حيث حدده بفترة واقعة البصرة وما سبقها من مقدمات كان لها الأثر المباشر في تبلور فرقة الشيعة وتكوينها ( 2 ) .


ثامنا : الرأي الذي يذهب إلى أن ظهور التشيع كان بعد واقعة الطف على اختلاف في الكيفية بين الذاهبين لهذا الرأي حيث يرى بعضهم أن بوارد التشيع التي سبقت واقعة الطف لم تصل إلى حد تكوين مذهب متميز له طابعه وخواصه وإنما حدث ذلك بعد واقعة الطف بينما بينما يذهب ( 3 ) .


ولكن بعد واقعة الطف أخذ طابعا سياسيا وعمق جذوره في النفوس وتحددت أبعاده إلى كثير من المضامين ، وكثير من المستشرقين يذهبون لهذا الرأي وأغلب المحدثين من الكتاب .


يقول الدكتور كامل مصطفى إن استقلال الاصطلاح الدال على التشيع إنما كان بعد مقتل الحسين ( عليه السلام ) حيث أصبح التشيع كيانا مميزا له طابعه الخاص .


في حين يذهب الدكتور عبد العزيز الدوري إلى أن التشيع تميز سياسيا ابتداء من مقتل أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) ويتضمن ذلك فترة قتل الحسين ( عليه السلام ) حيث يعتبرها امتدادا للفترة السابقة ( 4 ) .


وإلى هذا الرأي يذهب المستشرق بروكلمان في تاريخ الشعوب الإسلامية حيث يقول : والحق أن ميتة الشهداء الذي ماتها الحسين ولم يكن لها أي أثر سياسي هذا على زعمه - قد عملت في التطور الديني للشيعة حزب علي الذي أصبح بعد ملتقى جميع النزاعات المناوئة للعرب - وهو زعم باطل - واليوم لا يزال ضريح الحسين ( عليه السلام ) في كربلاء أقدس حجة عند الشيعة وبخاصة الفرس الذين ما فتئوا يعتبرون الثواء الأخير في جواره
 

  * هامش *  
 

( 1 ) فرق الشيعة : ص 16 .
( 2 ) الفهرست لابن النديم ص 175 .
( 3 ) الصلة بين التصوف والتشيع : ص 23 .
( 4 ) مقدمة في تاريخ صدر الإسلام : ص 72 . ( * )

 

 

 ص 180

غاية ما يطمعون فيه ( 1 ) . إن رأي بروكلمان كما يذكر لنا الدكتور الوائلي في كتابه ( 2 ) لا يصمد أمام المناقشة ، كونه يرى أن لا أثر سياسي للواقعة أي واقعة الطف فهو من قبيل إنكار البديهيات وإنما يقصر أثر الواقعة على تعميق المذهب دينيا فقط وقد شايع بركلمان في هذا الرأي جماعة آخرون ذكرهم يحيى فرغل مفصلا في كتابه ( 3 ) .


وأقول : إن هذه الآراء الثمانية في نشأة التشيع لا تصمد أمام المناقشة والدليل لأن هذه الآراء أومض فيها التشيع نتيجة احتكاكه بمؤثر من المؤثرات في تلك الفترة التي أرخت بها تلك الآراء ظهور التشيع فظنوه ولد آنذاك بينما التشيع موجود بكيانه الكامل

منذ الصدر الأول وقد آن الأوان لأعرض لحضرة الدكتور البوطي رأي جمهور الشيعة وخاصة المحققين منهم ، الأدلة على تكون التشيع أيام النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ويعد النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) واضع حجر الأساس للتشيع .
 

رأي الشيعة وغيرهم من المحققين من المذاهب الأخرى حيث ذهب هؤلاء إلى أن التشيع ولد أيام النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأن النبي نفسه هو الذي غرسه في النفوس عن طريق الأحاديث التي وردت على لسان النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وكشفت عما لعلي ( عليه السلام ) من مكانة في مواقع متعددة رواها إضافة إلى أن الشيعة ثقاة أهل السنة والجماعة .


منها : ما رواه السيوطي عن ابن عساكر عند تفسير الآيتين السادسة والسابعة من سورة البينة بسنده عن جابر بن عبد الله قال : كنا عند النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فأقبل علي ( عليه السلام ) فقال النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة ، فنزل قوله تعالى : ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية )
 

  * هامش *  
 

( 1 ) تاريخ الشعوب الإسلامية لبروكلمان : ص 128 .
( 2 ) هوية التشيع : ص 26 .
( 3 ) عوامل وأهداف نشأة علم الكلام : ج 1 ص 106 . ( * )

 

 

 ص 181

وأخرج ابن عدي عن ابن عباس قال لما نزل قوله تعالى : ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية ) قال النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لعلي ( عليه السلام ) : هم أنت وشيعتك .


* وأخرج ابن مردويه عن علي ( عليه السلام ) قال : قال لي رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ألم تسمع قوله تعالى : ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) إلخ هم أنت وشيعتك وموعدي وموعدكم الحوض إذا جاءت الأمم للحساب تدعون غرا محجلين ( 1 ) .


ومن هنا ذهب أبو حاتم الرازي إلى أن أول اسم لمذهب ظهر في الإسلام هو مذهب الشيعة وكان هذا لقب أربعة من الصحابة هم : أبو ذر الغفاري ، عمار بن ياسر ، المقداد بن الأسود ، وسلمان الفارسي . وبعد صفين أشهر موالي علي ( عليه السلام ) بهذا اللقب ( 2 ) .


والأدلة التي يعتمد عليها الشيعة بخلافة وإمامة علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) أدلة كثيرة ومحكمة بينما الأدلة التي يعتمد عليها إخواننا أهل السنة والجماعة في خلافة أبي بكر كما زعم الدكتور البوطي وبينها . كحديث الصلاة ، وحديث كتابة الكتاب ، وحديث الخلة ، فقد ناقشتها في بداية الكتاب وأنها موضوعة ولا تصمد أمام الدليل والبرهان .


وأما الأدلة التي يعتمد عليها الشيعة بالنسبة لنشوء التشيع فبينا أن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) هو الذي وضع اللبنة الأولى للتشيع ونشأته .


وهناك عدة مواقف نستعرض منها نماذج ليرى حضرة الدكتور :

الموقف الأول : عندما نزل قوله تعالى : ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) ( 3 ) قال المؤرخون : إن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) دعا عليا ( عليه السلام ) وأمره أن يصنع طعاما ويدعو آل عبد المطلب
 

  * هامش *  
 

( 1 ) الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي : ج 6 ص 376 .
( 2 ) روضات الجنات للخونساري : ص 88 .
( 3 ) سورة الشعراء : الآية 214 . ( * )

 

 

 ص 182

وعددهم يومئذ أربعون رجلا وبعد أن أكلوا وشربوا من لبن أعد لهم قام النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وقال : يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم شابا من العرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم به إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة وقد أمرني الله

أن أدعوكم إليه فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم فأحجم القوم عنهما جميعا - يقول علي - وقلت وإني لأحدثهم سنا وأرمصهم عينا وأعظمهم بطنا وأحمشهم ساقا : أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه فأخذ برقبتي

ثم قال : إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا ، فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع ( 1 ) .


الموقف الثاني : يقول أبو رافع القبطي مولى رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : دخلت على النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وهو يوحى إليه فرأيت حية فنمت بينها وبين النبي لئلا يصل إليه أذى منها حتى انتهى عنه الوحي فأمرني بقتلها

وسمعته يقول : الحمد لله الذي أكمل لعلي منته وهنيئا لعلي بتفضيل الله إياه . . . بعد أن قرأ قوله تعالى : ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ) ( 2 ) وقد أجمع أعلام أهل السنة والشيعة على

نزول هذه الآية في علي ( عليه السلام ) ومنهم السيوطي في الدر المنثور عند تفسير الآية المذكورة ، وكذلك الرازي في مفاتيح الغيب والبيضاوي في تفسيره والزمخشري في كشافه . والثعلبي في تفسيره والطبرسي في مجمع البيان وغيرهم من أعلام المفسرين والمحدثين .


الموقف الثالث : موقف النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يوم غدير خم وذلك عند نزول الآية : ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله

  * هامش *  
 

( 1 ) تاريخ الطبري : ج 2 ص 216 ، تاريخ الكامل لابن الأثير : ج 2 ص 28 .
( 2 ) سورة المائدة : الآية 55 . ( * )

 

 

 ص 183

يعصمك من الناس ) ( 1 ) وعندما أوقف النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الركب وصنعوا له منبرا من أحداج الإبل خطب عليهم خطبته المعروفة ثم أخذ بيد علي وقال : ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا : بلى ، فكررها ثلاثا ثم قال : " من

كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله " فلقيه الخليفة الثاني فقال : بخ بخ لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة .


وقد ذكر الفخر الرازي في تفسيره سبب نزول هذه الآية عشرة وجوه ومنها أنها نزلت في علي ( عليه السلام ) ثم عقب بعد ذلك بقوله : وهو قول ابن عباس والبراء بن عازب ومحمد بن علي - يريد الباقر ( 2 ) إن حديث الغدير أخرجه جماعة من حفاظ أهل السنة وقد رواه ابن حجر في صواعقه عن ثلاثين صحابيا ونص على أن طرقه صحيحة وبعضها حسن ( 3 ) .
 

 

 

* هامش *

 
 

( 1 ) سورة المائدة : الآية 69 .
( 2 ) تفسير الرازي : ج 3 ص 431 .
( 3 ) الصواعق المحرقة : الباب الثاني من الفصل التاسع .  ( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب