المسألة الثانية قوله : " لماذا
الرجوع إلى التاريخ وإني أرى في الرجوع إلى التاريخ محاولة لإيقاظ الفتنة من
جديد " ( 1 ) .
فأقول : لماذا نعتبر الرجوع إلى التاريخ جريمة أو
إثما في ذلك أو ذنبا عظيما . وأقول إن في التاريخ حقائق دفينة قد حفظها لنا
وسجلها عبر عصور متراكمة وبعيدة ، فلولا التاريخ لما عرفنا العقيدة التي نسير
عليها ونستنير من خلالها ، ونستلهم منها وجودنا الفكري وسلوكنا البشري .
فالتاريخ في الحقيقة والواقع حارس رقيب لا يغفل ولا يغيب ، يراقب الخونة الذين
كانوا يبيعون ضمائرهم لولاة الباطل بأبخس الأثمان ، لقلب الحقائق رأسا على عقب
، ولإظهار الأضاليل الكاذبة ، إرضاء لنفوسهم الخبيثة وحكامهم الأخساء الأذلاء .
فصاحب العقيدة النقية الصحيحة لا يخاف من الرجوع إلى التاريخ،
لأنه يرى في التاريخ الصحيح المرآة العاكسة لعقيدته النقية
وأما المتزلزل العقيدة فالتاريخ يبين له الحق بواقعه ، ويدع
له الخيار في اتباعه أو تركه .
وأما المسلم القوي العقيدة فإن التاريخ يريه النعمة الوافرة
التي قد من
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) قال هذا في تاريخ 18 / 11 / 1995 في الرقة
. ( * )
|
|
|
الله تعالى بها عليه ، فأولده من أبوين مسلمين ، وكفاه صعوبة
مخالفة الآباء ، ويتمسك بدينه الحق المبين فلا تغريه بعد الزخارف بخدعها
البراقة ، فيفوز بسعادة الدارين الدنيا والآخرة .
في الواقع يجب أن نتمسك بالتاريخ بأسناننا ، وأظفارنا ، لأن التاريخ الصحيح هو
منجاة لنا ، فلولا التاريخ والتدوين لما عرفنا الصلاة ، ولا الصوم ولا أركان
الدين .
فالتاريخ معاد معنوي يعيد لك العصور التي سلفت وينشرها لأهل عصره ، ويرجع
آثارهم التي سلفت أمام أهل زمانه ، فتستفيد عقولهم من غررها ما تستضئ بنوره ،
وتنتعش نفوسهم مما تتنفسه من مسكه وعبيره .
فأقول : لولا التاريخ لجهلت الأنساب ، وماتت
الأمم بموت عظمائها ، وخفي على الأواخر أخبارهم وآثارهم ، وخسروا تلك الفوائد
التي اكتسبها الأوائل في حبهم واجتهادهم . وقد كان العرب مع جهلهم بالقلم وخطه
والكتاب وضبطه يصرفون إلى التاريخ جل اهتماماتهم .
فيجعلون له الحظ الوافر في مساعيهم بحفظ قلبها عن مكتوبه وتعتاض برقم صورها عن
رقم سطوره ، وكل ذلك عناية بحفظ أخبار أوائلها وأخذ العبر الحكيمة من أفعالهم
ومآثرهم السالفة ، وهل الإنسان إلا بما أسسه ذكره وبناه مجده بعد موته وفناء
جسمه ورسمه .
قال تعالى : ( ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر .
حكمة بالغة فما تغن النذر ) فالتاريخ ضالة الباحث والمفكر والعالم وطلبه
المتفنن ، وبغية الأديب وأمنية أهل الدين ومقصد الساسة والقول الفصل إنه مأرب
المجتمع البشري أجمع وهو التاريخ الصحيح والمحقق الذي لم يقصد به إلا ضبط
الحقائق على ما هي عليه .
فلذلك أقول لسماحة وفضيلة الدكتور علينا أن نشجع
الطلبة والباحثين إلى الغوص في أعماق التاريخ ليستخرجوا لنا ما فيه من درر
كامنة وأصداف ثمينة وحقائق ثابتة .
لماذا نخاف من الغوص بأعماق التاريخ ؟
لماذا نخاف من استخراج الحقائق الدفينة في طيات التاريخ ؟
لماذا ينتابنا الخوف والهلع عندما نجد حقيقة ثابتة أخرجها لنا
الباحثون والمؤرخون تخالف ما نحن عليه اليوم ؟
لماذا نخاف من الواقع ؟
أليس الله سبحانه وتعالى أوجدنا أبرياء أنقياء على الفطرة ،
لا يوجد أي شئ يؤثر في فطرتنا السليمة . فلنتأمل من أين جاءتنا تلك المؤثرات
حتى سيطرت على عقولنا وطبعت على قلوبنا .
في الحقيقة تسليم الإنسان للأشياء واستقبالها دون تفكر وتأمل وتدبر مذموم من
قبل الخالق ، والدليل قوله تعالى : ( أفلا يعقلون )
، ( أفلا يتدبرون ) ،
( أفلا يتفكرون ) وآيات كثيرة من هذا القبيل .
يخاطب الله الإنسان الذي خلقه في أحسن تقويم ، وميزه عن بقية الكائنات بالعقل
الذي يتفكر ويتدبر ، فلا يسلم بالأمور على عواهنها أو علاتها . فنفهم من قوله
تعالى : أنه علينا أن نبحث ونفكر ونمحص الحقائق ، ونتبعها ولو خالفت أهواءنا
وطبائعنا وعاداتنا وتقاليدنا ، التي ورثناها عبر عصور متراكمة أبا عن جد .
لماذا نجد الكثيرين في هذا العصر المتقدم يستهدفون محاربة فكرة الرجوع إلى
التاريخ ونبش الحقائق من بطون التاريخ ؟
لماذا يرون هذا العمل جريمة من وجهة نظرهم وكأنهم يرون البقاء
على التمزق الباطني ، حيث تتشوش الحقيقة وتغيب عن أذهان الناس أفضل من الإفصاح
عن قول الحق الذي من أجله نزل الوحي وتحركت قوافل الأنبياء والمرسلين .
وكأن مهمة الدين هو أن يأتي بالغموض ، وكأن الله عز وجل أراد
أن
يبلبل الحقائق ويقمعها بحكمة : " لا تبحث في التاريخ ، مثلما
بلبل لغة الإنسان في أسطورة بابل " ( 1 ) وليس ثمة شئ في ديننا إلا وله علاقة
بالتاريخ ، وما نملكه اليوم من عقائد وأحكام وثقافات إسلامية كلها جاءتنا عن
طريق الرواية ، فحري بنا أن يكون التاريخ عندنا هو أحد المصادر المهمة للبحث .
وبعضهم يرى فيقول : " لا
داعي للبحث عن هذه القضايا القديمة في التاريخ لأنها باعثة على الفتنة "
.
فأقول لتلك الفئة : هل البقاء
على التمزق الباطني وإخفاء ما نزل الوحي من أجله أفضل من الرجوع إلى هذه
القضايا القديمة . يا إلهي ما أشد ذلك غرابة ، فحقا هذا هو عين التخلف الفكري
والجنوح عن ركب الحضارة .
وأزيد فأقول : من القرآن يجب أن تتعلم الأمة قيمة
النظر في التاريخ ، لأن للتاريخ سننه وقوانينه التي تجري على كل البشر.
وكما قال العلامة محمد تقي المدرسي : إن فهم التاريخ ضرورة
لفهم الشريعة ( 2 ) وكما قال تعالى : ( كذلك نقص عليك من
أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا ) ( 3 ) .
فنجد أن القرآن أهم مصدر نمتلكه لتعريف الناس بماضي الأمم فمن الذي يعرفنا
بتاريخ أمتنا نحن . أليس هو القرآن والتاريخ المدونين من كل قمع أيديولوجي ومن
كل استبداد سياسي ؟ ! فالتاريخ الذي دون بيد الأمناء هو في الحقيقة غذاء وضياء
.
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) إدريس الحسيني : الانتقال الصعب في المذهب
والمعتقد .
( 2 ) محمد تقي المدرسي : " التاربخ الإسلامي
دروس وعبر " .
( 3 ) سورة طه : الآية 99 . ( * )
|
|
|
فالتاريخ حكيم يريك الذين أساؤوا وظلموا كيف انخفضوا وتسافلوا
، وكيف سجل لهم التاريخ العادل على صفحات سوداء نفوسا قذرة وأفعالا نكرة ، كلما
تذكرهم إنسان ذكرهم بالخزي واللعنة ، والتقبيح والمذمة .
ويريك الذين أحسنوا واتقوا كيف ارتفعوا وتساموا ، وسجل لهم التاريخ العادل على
صفحة بيضاء بأحرف من نور حياة لا تموت ووجودا لا يفقد .
فأقول فما العلم إلا بتاريخه ، وما الأمم إلا بماضيها ، ومن
لا ماضي له لا حاضر له ، ومن لا طفولة له لا شباب له ولا شخصية سوية له . يقول
أوغست كونت ( 1798 - 1857 ) " إن تاريخ العلم هو العلم نفسه " .
لذا فإن عزل الماضي عن الحاضر هو فصل لوحدة التاريخ ، ولا أحد يملك التاريخ حتى
يفصل بين أجزائه .
أما الماضي فليس معناه جملة الإنجازات المعبر عنها - بتراث
الأوائل - بكل ما يحمل في طياته من سلبيات وإيجابيات ، وإنما هو الطاقات أو
القيم المحركة الكامنة فيه ، التي خلقت أصالته ، والقادرة على عملية الخلق
الحضاري وتطويره باستمرار ،
وبعبارة أخرى ، إن الدعوة التي استلهمها من الماضي دعوة
للعودة إلى الينابيع الأولى التي حاكت هذا الماضي ، مع الاحتراز من الانحرافات
التي شهدها وكانت السبب في تقويضه .
وكما قال الدكتور مهدي فضل الله ( 1 ) : " بعض من أدعياء المعرفة يهزأ بماضينا
المجيد ، ليس ذلك فحسب ، إنما يمعن قدحا في من يحاول إحياءه . لهؤلاء يمكن
القول : كما إن الإنسان وحدة لا تتجزأ ، كذلك التاريخ والعلم والمجتمع والعقيدة
فالكل من الجزء والجزء من " ما صدق " الكل ومن خاصيته .
من هنا تكون عملية الجذب الدائم باستمرار بين الماضي والحاضر والمستقبل ، كما
هو بين الجوهر والعرض ، والعدل والعدالة والحق والحقيقة ، والوجود والموجود ،
والعلة والمعلول .
ومن هنا يتراءى لنا أن صرف النظر عن الماضي من المحال ، لأنه
صرف عن الزمان ، وصرف عن الذات ، والزمان
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) من وحي الحسين / الدكتور مهدي فضل
الله / ص 38 . ( * )
|
|
|