وقفة مع الدكتور البوطي - المستبصر : هشام آل قطيط ص 32 :

فصل ( 1 ) رأي الشيعة في الصحابة أوسط الآراء


ماذا قال العلامة شرف الدين ( قدس ) صاحب كتاب المراجعات في كتابه الرد على مسائل موسى جار الله ؟ قال : " إن من وقف على رأينا في الصحابة علم أنه أوسط الآراء إذ لم نفرط فيه تفريط الغلاة الذين كفروهم جميعا ، ولا أفرطنا إفراط الجمهور الذين وثقوهم أجمعين ، فإن الكاملية ومن كان في الغلو على شاكلتهم ، قالوا : بكفر الصحابة كافة ،

وقال أهل السنة : بعدالة كل فرد منهم ممن سمع النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ورآه من المسلمين مطلقا واحتجوا بحديث كل من دب أو درج منهم أجمعين " ( 1 ) .


وأما نحن الشيعة فإن الصحبة بمجردها وإن كانت عندنا فضيلة جليلة لكنها - بما هي ومن حيث هي - غير عاصمة ، فالصحابة كغيرهم من الرجال فيهم العدول ، وهم عظماؤهم وعلماؤهم ، وأولياء هؤلاء ، وفيهم البغاة وفيهم أهل الجرائم من المنافقين ، وفيهم مجهول الحال ، فنحن نحتج بعدولهم ونتولاهم في الدنيا والآخرة .


أما البغاة على الوصي وأخي النبي وسائر أهل الجرائم والعظائم ، كابن هند وابن النابغة وابن الزرقاء وابن عقبة وابن أرطأة وأمثالهم ، فلا كرامة لهم ولا وزن لحديثهم ، ومجهول الحال نتوقف فيه حتى نتبين أمره . هذا رأينا في جملة الحديث من الصحابة وغيرهم والكتاب والسنة بينا
 

  * هامش *  
 

( 1 ) شرف الدين : في الرد على مسائل موسى جار الله ص 14 . ( * )

 

 

 ص 33

ن هذا الرأي كما هو مفصل في مظانه من أصول الفقه ، لكن جمهور السنة بالغوا في تقديس كل من يسمونه صحابيا ، حتى خرجوا عن الاعتدال .


فاحتجوا بالغث منهم والسمين ، واقتدوا بكل مسلم سمع النبي أو رآه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) اقتداءا أعمى ، وأنكروا على من يخالفهم في هذا الغلو ، وخرجوا في الإنكار على كل حد من الحدود .


وما أشد إنكارهم علينا حين يروننا نرد حديث كثير من الصحابة ، مصرحين بجرمهم أو بكونهم مجهولي الحال ، عملا بالواجب الشرعي لتمحيص الحقائق الدينية .


والأسمى من رأينا هذا هو سورة التوبة وسورة المنافقون ، فهما يفصحان كل الفصاحة ويوضحان كل الوضوح ويبينان كل الإبانة عما ذهب إليه ، وتقودنا من حيث شفقته على ما سماهم الصحابة مندفعا ومتحمسا من موروثاته .


فنحن لا ننتقص من الصحابة بقدر ما هو موجود من حقائق في الصحاح والقرآن ، ومن الغريب جدا أن تتهم الشيعة بانتقاص الصحابة أو الطعن بهم ، ونحن نعلم بأن بذرة التشيع قد نشأت في مجتمع الصحابة ومن هذا المجتمع أبطال التشيع ، كأبي ذر

وسلمان وعمار والمقداد وخزيمة وأبي أيوب الأنصاري وغيرهم من الصحابة الأجلاء ، فهم الذين عرفوا بالولاء لعلي ( عليه السلام ) وناصروه في حربه من بغى عليه ، وهم خيار الصحابة .


قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ولكن نحسن صحبتهم ما أقاموا معنا " كما أن الصحبة تشمل من مردوا على النفاق ، والذين ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لرسول الله الأمور ، وأظهروا الغدر ، حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون .


وفيهم من كان يؤذي رسول الله وقد وصفهم بقوله : ( وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ) ( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ( 1 ) و ( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا ) ( 2 ) وفيهم المخادعون والذين يظهرون الإيمان

  * هامش *  
 

( 1 ) سورة التوبة : الآية 61 .

( 2 ) سورة الأحزاب : الآية 57 .( * )  

 

 ص 34

وقد وصفهم الله تعالى بقوله : ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ ) ( 1 ) .

وليت شعري ما هذه العصمة ، أكانت في حياة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أم بعده ؟ فإن كانت في حياته فما أكثر الشواهد على نفي ذلك .

أخرج البيهقي بسنده عن أبي عبد الله الأشعري عن أبي الدرداء قال : قلت يا رسول الله بلغني أنك تقول : ليرتدن أقوام بعد إيمانهم قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : أجل وليست منهم .

ومن الغريب أن البعض علل ذلك بأن المراد من هؤلاء المرتدين هم الذين قتلوا عثمان ، وأن أبا الدرداء مات قبل قتل عثمان ، وبهذا التوجيه يتوجه الطعن عن أكثر الصحابة فإنهم اشتركوا بقتل عثمان والمتخلفون عن ذلك عدد لا يتجاوز أصابع الكف .

وبمقتضى هذا التأويل يدخل في قائمة الحساب عدد كثير هو أضعاف ما في قائمة الشيعة من المؤاخذات ، ومن الشواهد على نفي العدالة في زمان النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .


والحق أن الصحبة بما هي فضيلة جليلة ، لكنها غير عاصمة ، فإن فيهم العدول والأولياء والصديقين وفيهم منافقون وهم علماء الأمة ، وحملة الحديث . كما أخبر قوله تعالى : ( وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ ) ( 2 ) . وفيهم من كان يؤذيه .
 

  * هامش *  
 

( 1 ) سورة البقرة : الآيتان 8 - 9 . ( 2 ) سورة التوبة : الآية 101 . ( * )

 

 

 ص 35

( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ( 1 )

فإلى الله نبرأ من هؤلاء وممن ( اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ) ( 2 )

والذين ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً * مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَـؤُلاء وَلاَ إِلَى هَـؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ) ( 3 ) .


والقرآن الكريم يعلن بصراحة عن وجود طائفة تستمع إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ولكن طبع الله على قلوبهم ، لأنهم اتبعوا الهوى ، فقال تعالى : ( وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ ) ( 4 ) .


كما أعلن تعالى لعن طائفة أخرى منهم ، وهم الذين في قلوبهم مرض والذين يفسدون في الأرض ويقطعون أرحامهم ( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ * أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) ( 5 ) .


أين ذهب أولئك بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؟

وقد جدعوه الغصص في حياته ، ودحرجوا الدباب ، فهل انقلبت حالهم بعد موته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من النفاق إلى الإيمان ؟ ومن الفساد إلى الصلاح ، ومن الشك إلى اليقين ، فأصبحوا في عداد ذوي العدالة من الصحابة الذين طبعت نفوسهم

على التقى والورع ، وعفة النفس والعلم ، والحلم ، والتضحية في سبيل الله وهم الذين وصفهم الله تعالى بقوله : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) ( 6 )

فنحن لا نرتاب في ديننا ، ولا نخالف قول الحق في تمييز منازل

 

* هامش *

 
 

( 1 ) سورة التوبة : الآية 61 .
( 2 ) سورة المجادلة : الآية 16 .
( 3 ) سورة النساء : الآية 142 و 143 .

( 4 ) سورة محمد : ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الآية 16 .
( 5 ) سورة محمد  : ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الآية 23 و24 .
( 6 ) سورة الحجرات : الآية 15 . ( * )

 

 

 ص 36

الصحابة ، أو نتحرى الانتقاص من منزلة الصادقين منهم ، بل نولي من اتصف بتلك الصفات التي ذكرها الله ورسوله ، كما لا نأتمن أهل الخيانة لله ورسوله .

ففي ذلك جناية على الدين ، وخيانة لأمانة الإسلام ، ولا نركن لمن ظلم منهم ولا نواد من حاد الله ورسوله ( 1 ) .

هذا هو قول الحق - والحق أحق أن يتبع .

  * هامش *  
 

( 1 ) سورة المجادلة : الآية 32 . ( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب