زوجات النبي ( ص ) - سعيد أيوب  ص 8 : -

تأملات في حكمة تشريع الزواج من أربع نساء :

من السنن الجارية في غالب الأمم القديمة اتخاذ الزوجات المتعددة . فهذا التعدد كان سنة جارية في الهند والصين والفرس ومصر . وكان الروم واليونان ربما يضيفون إلى الزوجة الواحدة في البيت خدنا يصاحبونها . ومما لا شك فيه إن بعض الأمم كاليهود والعرب كان الرجل منهم ربما تزوج العشرة والعشرين وأزيد .

ولقد ذكرت التوراة الحاضرة إن سليمان الملك تزوج مئات من النساء من قبائل وشعوب كثيرة . موآبية وعمونية وادومية وصيدونية وحيثيه ومصرية إلى غير ذلك ( 1 ) ولقد جرت سنة إتخاذ الزوجات في الأمم القديمة لحاجة رب البيت إلى الجمع وكثرة الأعضاء ، وكان يقصد بهذه الرغبة في التكاثر . أن يهون له أمر الدفاع الذي هو من لوازم عيشته . وليكون ذلك وسيلة يتوسل بها إلى الترؤس والسؤدد في قومه . فبقدر التكاثر في البنين والتكاثر في الأقرباء بالمصاهرة يكون القرب بين بسط اليد والترؤس والسؤدد .

وعندما بعث النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم وجاء بالدين الفطري . قام الإسلام بتنظيم جميع نواحي الحياة الإنسانية . ولما كان المجتمع العائلي : الذي هو نفس الحياة الزوجية قاعدة للمجتمع .

فإن الإسلام نظر إلى علاقة الرجل بالمرأة ووضع أمر الازدواج موضعه الطبيعي . فأحل النكاح وحرم الزنا والسفاح . وأقام الإسلام نظاما " للتربية يقوم على الرأفة والرحمة والعفة والحياء والتواضع ، وبالجملة : نظم الإسلام الحياة من القاعدة إلى جميع نواحي الحياة الإنسانية . وجعل جميع

  ( 1 ) سفر الملوك الأول 11 / 1 - 8 ( * ) .  
 

- ص 9 -

الحياة ذات أدب ، وبسط الإسلام على معارفه رداء التوحيد لأن التوحيد هو العامل الوحيد الذي يحرس الأخلاق الفاضلة ويحفظها في ثباتها ودوامها ، وما تهددت الإنسانية بالسقوط والانهدام إلا بابتعادها عن التربية الحقة .

فهذا الابتعاد أبطل فضيلة التقوى وأرسى قواعد القسوة والشدة . ولازم ذلك ابتعاد العلوم المفيدة واقتراب النواقص التي تحيط أعمال الناس ومساعيهم لنيل الراحة والحياة السعيدة ، ومما لا شك فيه إن المعارف الحقة والعلوم المفيدة التي تسوق الإنسان إلى صراط الله المستقيم . لا تكون في متناول البشر إلا عندما تصلح أخلاقه . ولا تصلح الأخلاق إلا بالتربية التي يقوم عمودها الفقري على التوحيد .

ولما كان تعدد الزوجات سنة جارية على إمتداد المسيرة البشرية . فإن الإسلام شرع التعدد وجعل له ضوابط وشروط . والإسلام لم يشرع تعدد الزوجات على نحو الإيجاب والفرض على كل رجل . وإنما نظر في طبيعة الأفراد وما ربما يعرضهم من العوارض الحادثة ، فالتعدد له أسبابه وتشريعه حفظا " لمصلحة المجتمع الإنساني .

ولقد اعتنى الدين في تهذيبه للأخلاق أن لا تختزن الشهوة في الرجل أو المرأة لأن ذلك يدعو إلى التعدي إلى الفجور والفحشاء . فوضع الإسلام الضوابط التي معها يرتفع هذا الحرمان ومنها الصوم أو الزواج .

ونظرا " لأن المرأة الواحدة ربما اعتذرت فيما يقرب من ثلث أوقات المعاشرة والمصاحبة . كأيام العادة وبعض أيام الحمل والوضع والرضاع ونحو ذلك . رفع الإسلام الحاجة الغريزية بالتعدد وفقا " لشروطه . ولم يقصد من وراء التعدد رفع الحاجة الغريزية فحسب . وإنما اعتمدت الشريعة في مقاصدها تكثير نسل المسلمين وعمارة الأرض بيد مجتمع مسلم . عمارة صالحة ترفع الشرك والفساد .

وكما ذكرنا إن التعدد لم يشرع على نحو الإيجاب والفرض على كل 

- ص 10 -

رجل . وإنما تقوم قاعدته على العدل . فالإسلام إستقصى مفاسد التكثير ومحاذيره وأحصاها . وعلى هذه الخلفية أباح التعدد حفظا " لمصلحة المجتمع الإنساني . وقيد التعدد بما يرتفع معه جميع هذه المفاسد وهو وثوق الرجل بأنه سيقسط بينهن ويعدل . فمن وثق من نفسه بذلك ووفق له . فهو الذي أباح له الدين تعدد الزوجات .

قال صاحب تفسير الميزان : إن الإسلام شرع الازدواج بواحدة . وأنفذ التكثير إلى أربع . بشرط التمكن من القسط بينهن مع إصلاح جميع المحاذير المتوجهة إلى التعدد ، وشرط الإسلام على من يريد من الرجال التعدد أن يقيم العدل في معاشرتهن بالمعروف وفي القسم والفراش . وفرض لهن نفقتهن ثم نفقة أولادهن ، ولا يتيسر الإنفاق على أربع نسوة مثلا " ومن يلدنه من الأولاد مع شريطة العدل في المعاشرة وغير ذلك . لا يتيسر ذلك إلا لبعض أولى الطول والسعة من الناس لا لجميعهم ، أما هؤلاء الذين لا عناية لهم بسعادة أنفسهم وأهليهم وأولادهم . ولا كرامة عندهم إلا ترضية بطونهم وفروجهم . ولا مفهوم للمرأة عندهم إلا أنها مخلوقة في سبيل شهوة الرجل ولذته .

فلا شأن للإسلام فيهم . إن الإسلام جاء بمعارف أصلية وأخلاقية وقوانين عملية متناسبة الأطراف مرتبطة الأجزاء . ولما أن كانت الحياة الزوجية هي قاعدة المجتمع ، ولما كانت هذه الحياة ربما تتعرض لبعض العوارض ، ولما كان الإسلام يقصد من وراء تكثير النسل عمارة الأرض بين مجتمع مسلم عمارة صالحة .

فإن الإسلام حدد لكل داء دواؤه . لأن فساد بعض الأجزاء يوجب تسرب الفساد إلى الجميع . فالتعدد دواء لداء معين . ولا يكون صحيا " إلا إذا قام على العدل والقسط وتدثر بدثار الأخلاق الفاضلة والأدب ، وانطلق إلى هدف الإسلام وغايته

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب