زوجات النبي ( ص ) - سعيد أيوب  ص 25 : -

في ظلال الأوامر الإلهية لنساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم :


سار النبي بالدعوة في طريق الزهد وترك الزينة وندب نساءه إلى ذلك . قال تعالى ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا * يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا * يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ

- ص 26 -

الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) ( 1 ) .

قال صاحب تفسير الميزان : آيات راجعة إلى أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم تأمره أولا " : أن ينبئهن أن ليس لهن من الدنيا وزينتها إلا العفاف والكفاف إن اخترن زوجية النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم تخاطبهن ثانيا " : إنهن واقفات في موقف صعب على ما فيه من العلو والشرف ، فإن اتقين الله يؤتين أجرهن مرتين .

وإن أتين بفاحشة مبينة يضاعف لهن العذاب ضعفين ، ويأمرهن بالعفة ولزوم بيوتهن من غير تبرج ، والصلاة والزكاة وذكر ما يتلى في بيوتهن من الآيات والحكمة . ثم يعد مطلق الصالحين من الرجال والنساء وعدا بالمغفرة والأجر العظيم فقوله تعالى ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ ) إلى تمام الآيتين .

أمر من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يخيرهن بين أن يفارقنه ولهن ما يردن ، وبين أن يبقين عنده ولهن ما هن عليه من الوضع الموجود . وقد ردد أمرهن بين أن يردن الحياة الدنيا وزينتها ، وبين أن يردن الله ورسوله والدار الآخرة .

وهذا الترديد يدل : أن الجمع بين سعة العيش وصفائها بالتمتع مع الحياة وزينتها وزوجية النبي صلى الله عليه وآله وسلم والعيشة في بيته مما لا يجتمعان . ونتبين من الآيات أن ليس لزوجية النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حيث هي زوجية كرامة عند الله تعالى ، وإنما الكرامة المقارنة لزوجيته المقارنة للإحسان والتقوى .

ولذلك لما ذكر سبحانه ثانيا " علو منزلتهن ، قيده أيضا " بالتقوى فقال تعالى ( لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ ) وهذا كقوله في النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ( مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا ) . إلى ان قال عز وجل ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا )

  ( 1 ) سورة الأحزاب آيات 28 - 33 ( * ) .  
 

- ص 27 -

حيث مدحهم عامة بظاهر أعمالهم أولا " ، ثم قيد وعدهم الأجر العظيم بالإيمان والعمل الصالح ( 1 ) .

وقال ابن كثير لدى تفسيره الآية : هذا أمر من الله تبارك وتعالى لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم بأن يخير نساءه بين أن يفارقهن فيذهبن إلى غيره ممن يحصل لهن عنده الحياة الدنيا وزينتها ، وبين الصبر على ما عنده من ضيق الحال . ولهن عند الله تعالى في ذلك الثواب الجزيل ( 2 ) .

وقال في الميزان في قوله تعالى ( فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ) التمتيع إعطاؤهن عند التطليق ما لا يتمتعن به ، والتسريح هو التطليق ، والسراح الجميل : هو الطلاق من غير خصومة ومشاجرة بين الزوجين ( 3 ) .

وقوله تعالى ( يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ) الآية ، عدلي سبحانه عن مخاطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيهن ، إلى مخاطبتهن أنفسهن لتسجيل ما لهن من التكليف وزيادة التوكيد .

وقوله ( مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ) الفاحشة : الفعلة المبالغة في الشناعة والقبح وهي الكبيرة . كإيذاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والافتراء والغيبة وغير ذلك ، والمبينة : هي الظاهرة .

وقوله تعالى ( وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ ) الآية . القنوت : الخضوع ، وقيل : الطاعة ، وقيل : لزوم الطاعة مع الخضوع ، والاعتداد . التهيئة ، والرزق الكريم مصداقه الجنة . والمعنى : ومن يخضع منكن لله ورسوله . أو لزم طاعة الله ورسوله مع الخضوع ، ويعمل عملا " صالحا " نعطها أجرها مرتين . وهيأنا لها رزقا " كريما " وهى الجنة .

  ( 1 ) تفسير الميزان 306 / 16 .
( 2 ) تفسير ابن كثير 480 / 3 .
( 3 ) تفسير الميزان 306 / 16 ، ابن كثير 481 / 3 ( * ) .  
 

- ص 28 -

وقوله تعالى ( يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ) الآية . فالآية تنفي مساواتهن لسائر النساء إن اتقين ، وترفع منزلتهن على غيرهن . ثم تذكر أشياء من النهي والأمر ، متفرعة على كونهن لسن كسائر النساء كما يدل عليه قوله تعالى ( فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ ) وقوله ( وَقَرْنَ ) وقوله ( وَلَا تَبَرَّجْنَ ) الخ ، وهي خصال مشتركة بين نساء النبي صلى الله عليه وآله .

وسائر النساء ، فتصدير الكلام بقوله ( لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ ) ثم تفريع هذه التكاليف المشتركة عليه ، يفيد يؤكد هذه التكاليف عليهن . كأنه قيل : لستن كغيركن . فيجب عليكن أن تبالغن في امتثال هذه التكاليف ، وتحتطن في دين الله أكثر من سائر النساء ، وتؤيد بل تدل على تأكد تكاليفهن . مضاعفة جزائهن . خيرا " وشرا " ، كما دلت عليها الآية السابقة ، فإن مضاعفة الجزاء لا تنفك عن تأكد التكليف .

وقوله تعالى ( فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ) بعد ما بين علو منزلتهن ورفعة قدرهن لمكانهن من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وشرط في ذلك التقوى فبين أن فضيلتهن بالتقوى لا بالاتصال بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، نهاهم عن الخضوع في القول ، وهو ترقيق الكلام وتليينه مع الرجال ، بحيث يدعو إلى الريبة وتثير الشهوة ، فيطمع الذي في قلبه مرض . وهو فقدانه قوة الإيمان . التي تردعه عن الميل إلى الفحشاء .

وقوله تعالى ( وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا ) أي كلاما " معمولا " مستقيما " يعرفه الشرع والعرف الإسلامي . وهو القول الذي لا يشير بلحنه إلى أزيد من مدلوله . وقوله تعالى ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى )

- ص 29 -

إلى قوله ( وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) . قال المفسرون : أي الزمن بيوتكن فلا تخرجن لغير حاجة . لأن المرأة أقرب ما تكون بروحة ربها وهي في قعر بيتها ( 1 ) وقيل : ( قرن ) من قر يقر . إذا أثبت . وأصله : أقررن ، حذفت إحدى الرائين ، أو من قار . يقار : فإذا اجتمع ، كناية عن ثباتهن في بيوتهن ولزومهن لها ، والتبرج : الظهور للناس كظهور البروج لناظريها .
وقوله (
الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ) قيل : الجاهلية الأولى قبل البعثة ، فالمراد الجاهلية القديمة .

وقوله تعالى ( وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) أمر بامتثال الأوامر الدينية . وقد أفرد الصلاة والزكاة بالذكر من بينها ، لكونهما ركنين في العبادات والمعاملات ، ثم جمع الجميع في قوله تعالى ( وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) وطاعة الله هي امتثال تكاليفه الشرعية ، وطاعة رسوله فيما يأمر به وينهى بالولاية المجعولة له عند الله . كما قال تعالى ( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ) ( 2 ) .

  ( 1 ) تفسير ابن كثير 482 / 3 . ( 2 ) تفسير الميزان 309 / 16 . ( * )   
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب