|
انتصار المقاومة
الإسلامية في لبنان على إسرائيل مسألة تستوقف
الإنسان كثيراً وتحتاج إلى توقف وتأمل.
ان حزب الله قوة
محدودة من حيث السلاح، والقوة، والعتاد، والإعلام،
والمال، وإسرائيل قوة كبيرة في المنطقة وفي
العالم، سياسياً وعسكرياً وتسليحياً وإعلامياً
ومالياً ودولياً.
وهذه (اللامعادلة)
بين القوتين تؤدي إلى الحكم بحتميّة انتصار
إسرائيل على حزب الله في هذه المعركة، بلا توقف
ولا تأمل، لو كان النصر العسكري يخضع للاعتبارات
العسكرية فقط.
وانطلاقاً من هذه
النقطة كانت أمريكا تؤجل يوماً بعد يوم قرار وقف
إطلاق النار في مجلس الأمن، لتحقق إسرائيل بعض
النصر العسكري الذي تتوقعه أمريكا لها في كل يوم،
بل في كل ساعة.
فكيف انتصر حزب
الله في هذه المعركة الضارية على إسرائيل، ولم
تستطع إسرائيل أن تحرز أي انتصار عسكري حقيقي خلال
33 يوماً في معركة شرسة دخلتها إسرائيل رغم كل (اللامعادلة)
العسكرية التي شرحتها آنفاً.
إننا يهمنا أن
نتوقف عند هذه النقطة، ونحلّلها فهي نقطة جديرة
بالتأمل في مواجهتنا وحروبنا المستقبلية لإسرائيل
وأمريكا.
إن (المقاومة الإسلامية) تركيب من عناصر ثلاثة،
هي:
1- الإيمان.
2- الوعي.
3- القـوة.
وهذه العناصر الثلاثة تفسّر هذا الانتصار الكبير
الذي أحرزه حزب الله على إسرائيل.
ولنتأمل هذه العناصر الثلاثة واحدة بعد أخرى.
1- الإيمان:
ان الإيمان بالله تعالى هو العنصر الأول في هذا
النصر.
والإيمان بالله معنى شامل واسع يتضمن الثقة بالله،
والتوكل على الله، والإخلاص لله، وابتغاء وجه الله
في السلم والحرب، والرضا بأمر الله، والحب لله
والسخط والغضب في الله، والصدق مع الله، وتقوى
الله في السراء والضراء ...
ولا شك أن الإيمان بهذا المعنى الشامل من أهم
عناصر النصر ... وقد نزل على المسلمين في معركة
(أحد) بعد الانتكاسة التي أصابتهم في تلك المعركة
هذه الآية الجليلة التي تَبْقى نبراساً لكل
الأجيال: (وَلاَ تَهِنُوا
وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن
كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) ... إنها لم تنزل في
نشوة انتصارات (بدر)، وإنما نزلت في مرارة انتكاسة
(أحد). تدعوهم إلى أن لا يضعفوا (ولا تهنوا)، ولا
يحزنوا لما أصابهم من الانتكاسة، فإنّهم (الأعلون)
و(المنتصرون) و(الغالبون) إن شاء الله، ما كانوا
مؤمنين.
في 67 م اصطفت
الأنظمة العربية صفّاً واحداً لمحاربة إسرائيل،
ولكن عيونهم كانت مشدودة إلى الجسر الجوي الذي يصل
بين (موسكو) و(القاهرة) ليرفدهم بما كان يعدهم
السوفييت من السلاح والعتاد، ولكن الله تعالى خيّب
ظنونهم في السوفييت وانتصرت إسرائيل، واحتلت خلال
ستة أيام (الجولان)، و(سيناء) و(القدس)،
و(الجليل)، و(حيفا)، و(يافا)، و(الضفة)، و(غزة)
... وعاد حكّام العرب بخفي حنين إلى قصورهم،
ليمارسوا فصلاً آخر من فصول الظلم والإفساد
والاستبداد بحق شعوبهم، والعمالة لأمريكا، التي
وقفت مع إسرائيل حتى النخاع، وأخيراً التفاوض
وتطبيع العلاقات مع إسرائيل وتبادل السفراء ورسائل
الحب والود.
ولو كانت عيون حكام
العرب يومئذ، بعين الله، لا بالسوفييت، لنصرهم
الله تعالى، ولكنهم نسوا الله تعالى فنساهم الله،
وأنساهم أنفسهم.
2- الوعي:
والعنصر الثاني من العناصر المكونة للمقاومة
الإسلامية الوعي الجهادي والحركي والسياسي. وهذا
الوعي من ثمرات الإيمان بالله، لا تنفك عنه.
وهذا الوعي تقتبسه من كتاب الله مباشرة (وَقَاتِلُوهُمْ
حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ
لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ
عَلَى الظَّالِمِينَ)، البقرة/193.
إن الاستكبار الكافر المتمثل اليوم في إسرائيل
مبعث فتنة واسعة، وحريق واسع من الفتن في العالم
الإسلامي ... وما دامت إسرائيل قائمة تدوم هذه
الفتنة، فلابد من ان يعمل المسلمون لإجتثاث هذه
الفتنة من الجذور، لئلا تكون هناك فتنة، وليكون
الدين والحاكمية لله تعالى.
يقول تعالى: (وَمَا
لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ
وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء
وَالْوِلْدَانِ)، النساء/ 75.
إن هذه المقاومة والقتال هو سبيل خلاص المستضعفين
من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا
الله.
إن إسرائيل اليوم
محرقة وفتنة في المنطقة، وعقبة في طريق إستقرار
المنطقة وسلامتها، وفي طريق توحيد الله وعبوديته،
وأداة أمريكا لاستضعاف المسلمين، وهي تختزل أكثر
مصائب المسلمين في الوقت الحاضر. ولا سبيل
للمسلمين للتخلّص من ذلك كله إلا بإزالة إسرائيل
من الخارطة السياسية بالكامل.
وما لم يتوصل
المسلمون إلى هذه الحقيقة السياسية الكبيرة فإن
المنطقة الإسلامية كلها تعاني من حالة عدم إستقرار
دائم، وسوف تمارس إسرائيل دوراً منظماً مدروساً في
تثبيت إقدام الاستكبار الأمريكي في المنطقة.
يقول أمير المؤمنين
(ع) لجنده يوم صفين حينما استولى جند الشام على
الفرات ومنعوا عسكر الإمام من الماء، يقول لهم
الإمام (ع) :( قد استطعموكم القتال، فأقروا على
مذلة، أو روّوا السيوف من الدماء تُرْووا الماء ).
يقول (ع) لهم: ليس أمامكم الا خيارين اثنين:
إما أن تُقرّوا بالمذلة أو ترووا السيوف من الدماء
فتُسقون الماء عندئذ.
ثم يقول (ع) لهم: (فالموت في حياتكم مقهورين،
والحياة في موتكم قاهرين).
الذي يستقبل الموت يقهر عدوه، لا محالة، والذي
يهرب من الموت، وتطيب له الحياة يعيش حياة ذليلة
البتة.
ان حياة العز والقوة في استقبال الموت، وحياة الذل
والهوان في الهروب من الموت.
فاختاروا لأنفسكم ما شئتم، أيّها الناس.
ويقول (ع) لهم: (ان اكرم الموت القتل).
ان الموت حقيقة حتمية لا مفر منه، ومهما يتقدم
الإنسان في حياته ساعة يقرب من الموت مثلها.
يقول (ع) : (ان
الموت طالب حثيث، لا يفوته المقيم ولا يُعْجزه
الهارب).
فإذا كان الأمر كذلك، وكان لابد من لقاء الموت على
كل حال، ولا سبيل للإنسان إلى التخلّص من الموت،
فلماذا يدفع الإنسان عن نفسه اكرم الموت، وهو
القتل في سبيل الله، ويموت كما تموت الدواب.
ويقول (ع) :
(رُدّوا الحجر من حيث جاء، فإن الشر لا يدفعه الا
الشر).
وهذه الكلمة هي جوهر الوعي السياسي والجهادي في
مواجهتنا الدائمة لإسرائيل.
فإن إسرائيل لا تزال تكيد بالمسلمين، وتمكر بهم،
وتتآمر عليهم، وتتفق مع كل قوى الشر والاستكبار في
العالم في إستضعاف المسلمين وفي النيل منهم.
فإذا تحفظ المسلمون أن يردوا هذا الشر بشرّ يكافؤه،
فلا يزال هذا الشر يصلهم من ناحية إسرائيل
والاستكبار العالمي.
ولا سبيل لهم إلى دفع هذا الشر الا بشر مثله وهذا
الوعي هو الوعي السياسي والجهادي والحركي الذي
خطته المقاومة الإسلامية لنفسها.
إن من الخطأ أن نلتمس من إسرائيل إطلاق سراح عشرة
آلاف من سجنائنا رجالاً ونساءً، وأطفالاً ومرضى
وأصحاء.
فان إسرائيل لا
تفهم لغة الحوار والرحمة والتفاهم، واللغة الوحيدة
التي تفهمها وتسمعها وتصغي لها، هي اللغة التي
خاطبهم بها حزب الله في لبنان وحماس وشباب
الانتفاظة في فلسطين، وهو لغة القوة والمقاومة.
وهذا هو الوعي السياسي والحركي الذي لابد منه في
هذا المقطع الحساس من تاريخنا المعاصر.
وهذا الوعي الحركي، من مكونات (المقاومة).
ولو أنّ المقاومة
كانت تنطلق من منطلقات حبّ العافية، وإيثار
السلامة، وحب الدنيا، والثقة بوعود الاستكبار
العالمي، والمساومة، والمداهنة، لاختلف الأمر، ولم
تكن المقاومة مقاومة، ولكان الاستكبار العالمي
يعمل على تدجين المقاومة، كما دجّن قبل ذلك
الأنظمة.
إنّ العطاء والحركة و(الموقف) من نتائج (الوعي)
والوعي من نتائج (الإيمان).
وهاتان معادلتان، لا سبيل للتشكيك فيهما.
3- القوة والتنظيم:
والعنصر الثالث القوة والتنظيم، ولا إرتياب في
أنهما من عوامل النصر، والنصر يحصل على أرض
المعركة، والقوة والتنظيم والتخطيط من عوامل
النجاح والتقدم على ارض المعركة.
وقد أمرنا الله
تعالى بإعداد القوة والسلاح للمعركة (وَأَعِدُّواْ
لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ).
وفائدة هذه القوة (الإرهاب)، ولكن إرهاب أعداء
الله وأعداء الناس (تُرْهِبُونَ
بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ). لا
إرهاب الأبرياء والمستضعفين من خلق الله.
ولابد من هذا
العنصر في تكوين (المقاومة) على كل حال وهذا لا
اختلاف فيه ... وإنما نختلف في تقييم (المقاومة)
وتحليل عوامل إنتصار المقاومة في المكونات الأخرى
للنصر، وهي (الإيمان) و(الوعي).
وهذا موضع الافتراق في التقييم والتحليل بيننا
وبين المدرسة المادية الاستكبارية الغربية.
إنهم يعتقدون أن
القوة على وجه الأرض هي كل شيء في تقرير نتيجة
المعركة .. فقد كانوا لا يشكون لحظة واحدة، إن
إسرائيل هي المنتصرة في هذه المعركة، فيعجبون كيف
تخرج إسرائيل من هذه المعركة (اللامتكافئة) مهزومة
مثخنة بالجراح لم تحقق شيئاً حقيقياً من النصر .
ونحن نعتقد أن
القوة لابد منها على وجه الأرض، وفي ميدان القتال،
والتنظيم والتخطيط لابد منه في ساحة المعركة، ولكن
القوة لا تختزل كل النصر، والمعادلة الحقيقية
قائمة بين النصر وكل عوامل النصر.
عوامل النصر ثلاثة
وليست واحدة، ولابد منها جميعاً، وهذه الثلاثة
بعضها يجبر بعضاً، وبهذه السُنة نصر الله تعالى
المؤمنين في بدر على عتاة قريش، يقول تعالى: (وَلَقَدْ
نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ)،
آل عمران/ 123.
وبهذه السُنة يقول تعالى: (كَم
مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً
بِإِذْنِ اللّهِ)، البقرة/ 249.
وبهذه السُنة يقول تعالى: (كَتَبَ
اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ
اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ)، المجادلة/ 21 .
هذه هي تركيبة المقاومة.
وهذه التركيبة تجعل من المقاومة حالة صعبة، لا
يمكن التغلب عليها، إلا بزوال احد أمرين: أما
بزوال العدوان، واو بزوال الوعي الحركي والسياسي
لدى الناس.
وما دام العدوان
باقياً في حياة الناس وعلى مشارف بلدهم، أو في
داخل بلدهم، فإن المقاومة قائمة في حياة الناس، لا
محالة، ما لم يغب الوعي السياسي والجهادي عن حياة
الناس.
فإذا كان العدوان قائماً، وكان الوعي قائماً في
حياة الناس، فلا محالة تبقى المقاومة.
إن المقاومة تختلف عن الجيوش النظامية.
إن الجيوش النظامية تنتكس، وتنهزم، وتنكسر في
جبهات القتال، ولا هزيمة ولا انتكاسة في المقاومة،
إذا سقط عشرة حل محلهم عشرون، وإذا سقط عشرون حل
محلهم أربعون، وهكذا تتنامى وتتوسع المقاومة.
ولا تفقد المقاومة
السلاح، حيثما تكون، فان المقاومة تجد السلاح الذي
تحارب به العدوان، وإذا صدقت المقاومة في ساحة
القتال، أمطرت السماء عليهم سلاحاً، ولن تمطر
السماء سلاحاً، ولكن الله تعالى لن يمنع السلاح عن
قوم يريدون أنْ يقاتلوا أعداءهم، ويزيلوا العدوان
عن أرضهم وكرامتهم، إذا صحّت
نيتهم في ذلك.
وسلام الله على الإمام الصادق (ع) كان يقول: (لن
يعجز جسد عما قويت عليه النيّة)، وبنفس الملاك
نقول: لن تفقد أمة تريد ان تقاتل عدوها، وتزيل
العدوان عن أرضها وكرامتها، السلاح الذي تقاتل به.
ان أمريكا واهمة،
حيث تتصور ان بالإمكان تجريد (حزب الله) من سلاحه،
وبالتالي إسقاط حزب الله وتحويله إلى حركة سياسية
إعلامية على صفحات الجرائد.
فلن تنتهي المقاومة
الإسلامية في لبنان وفي فلسطين ما دامت إسرائيل
قائمة بالعدوان والبطش والإرهاب، وما دام القرآن
يمد المسلمين بالوعي والبصيرة.
(أُذِنَ لِلَّذِينَ
يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ
اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ)،الحج/
39.
لقد كانت أيدينا على قلوبنا في الأسابيع الخمسة من
المواجهة بين حزب الله وإسرائيل في جنوب لبنان،
وكنا نخشى أن تنفذ صواريخ حزب الله فيبين الضعف
العسكري في جهة حزب الله ... فإن حزب الله مقاومة
محدودة، وليس دولة كبيرة، ومخزونها من السلاح
والعتاد والمال محدود لا محالة، ولكن حزب الله كان
يمطر فلسطين المحتلة بالصواريخ في كل يوم، 200
صاروخاً و 150 صاروخاً من غير أن يحسب حساباً
لمخزونه من الصواريخ، واستمر هذا الوابل من
الصواريخ على سماء فلسطين المحتلة إلى آخر يوم من
أيام المعركة، توقف القتال بعده بقرار من مجلس
الأمن، ولم ينفذ بعد مخزونه من الصواريخ، ولو كان
القتال يمتد بين حزب الله وإسرائيل شهوراً أُخر،
لعرفنا كيف يمدّ الله حزب الله بالسلاح والعتاد،
والمؤن، والمال، وإن إسرائيل لا تستطيع بمحاصرة
لبنان جوّاً وبرّاً وبحراً، وبتخريب الجسور
والجادات والاتصالات أن تمنع رحمة الله والمدد
الإلهي من حزب الله.
(يَقُولُونَ
لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ
حَتَّى يَنفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ
الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ)،
المنافقون/ 7 .
إن تجريد حزب الله في لبنان، وتجريد حماس في
فلسطين من السلاح، من الوهم الذي تورّط فيه
الأمريكان لأنهم يقيسون المقاومة بمقاييس الجيوش
النظامية في بلادهم.
وقد أثبتت الأسابيع الخمسة من قتال المقاومة
لإسرائيل خطأ أمريكا في مقاييسها ومعاييرها.
ولست أذكر الآن من
هو بالتحديد القائد العسكري الإسرائيلي الذي قال
عن حزب الله أن اكبر جيوش العالم يعجز عن هزيمة
حزب الله ... الا انني أعلم أن هذا القائد العسكري
الإسرائيلي عرف في ساحة القتال الضاري لحزب الله،
ما لم يعرفه (بوش) في تنظيراته وخطاباته،
والدراسات التي يقدمها له مستشاروه. |