الموقف من الأنظمة العربية

بينما كان جماهير الناس في العالم العربي تغلي وتتفاعل مع المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان، بجميع انتماءاته السياسية من اليمين واليسار والوسط، وبينما كانت عواصم العالم الإسلامي وحواضره ومراكزه السياسية والاقتصادية والعلمية تعج بالمسيرات والتظاهرات تعبيراً عن تعاطفهم مع حزب الله، كنا نجد حكام العرب والمسلمين، الا القليل منهم، ينظرون إلى المقاومة نظرة فتور ومقت، ولم نسمع منهم كلمة تقييم وتقدير واحترام لكل هذه البسالة والشجاعة التي أعجبت جماهير العالم الإسلامي ودعتهم إلى الاصطفاف مع المقاومة وإعلان التضامن معهم.
لم نجد أثراً لكل هتافات التأييد والتضامن في دمشق، وبغداد، وطهران، وعمان، والبحرين، والجزائر، والكويت، والقاهرة، والدار البيضاء، وأنقرة، واسطانبول ... في مواقف الزعماء السياسيين للعالم الإسلامي والعالم العربي (عدا نفر محدود منهم).

وفي اجتماع وزراء خارجية العرب في بيروت لإسناد موقف لبنان، وإعلان التضامن (الإعلامي) مع لبنان، طلب أحد القادة اللبنانيين من وزراء خارجية العرب أن يسجلوا تحية إكبار وشكر لمواقف المقاومة الإسلامية الباسلة، فوجم الجميع ولم ينبس أحد منهم ببنت شفة.

وقد كان بإمكان حكام العرب خصوصاً وحكام المسلمين عموماً أن يصنعوا الشيء الكثير لدعم وإسناد أبطال حزب الله سياسياً واقتصادياً، ويمارسوا ضغطاً قوياً على مراكز القرار في الغرب، دون أن ينزلوا إلى ساحة القتال.

فلو أجمعت هذه الأنظمة على قرار بخصوص المجازر التي ارتكبتها إسرائيل في لبنان لأوقف مجلس الأمن هذه المجازر، ولم تتمكن أمريكا، ولا بريطانيا من وقف قرار مجلس الأمن بوقف النار، ولو أنهّم هدّدوهم بقطع النفط لاستجابت أمريكا للإرادة العربية، ولو أنهم علّقوا صدور النفط لمدة شهر فقط لإعلان التضامن مع المقاومة الإسلامية في لبنان وفلسطين لَلان الموقف الأمريكي، ولم تجرأ أمريكا على مخالفة الدول العربية أو الدول الإسلامية برُمَّتها.

وقد تتساءل وتقول: ليس الأمر كذلك، فقد أوفد وزراء خارجية العرب من بيروت وفداً إلى أمريكا يُعَبر عن إرادتهم جميعاً بوقف إطلاق النار طبقاً للنقاط السبعة التي أعلنها رئيس وزراء لبنان، وهو أقل ما يمكن أن يحقق مطالب لبنان في هذا الخراب والحريق والمجزرة الواسعة في لبنان فذهبوا إلى أمريكا يمثّلون الأنظمة العربية جميعاً فاءرجعتهم أمريكا إلى عواصم بلادهم بخفي حنين، وقد كانت خيبة (حنين) أقل من خيبة وفد وزراء خارجية العرب، فماذا تصنع الأنظمة العربية بعد هذه المبادرة والإقدام والعودة الفاشلة؟

أقول: إنهم ذهبوا إلى أمريكا بمشروع تقديم التماس إلى أمريكا وبريطانيا وأعضاء مجلس الأمن لوقف إطلاق النار، فنصحتهم أمريكا ألا يعودوا، وعادوا كما ذهبوا بغير نتيجة.

ولو أنهم كانوا قد ذهبوا إلى أمريكا بقرار عربي، لكانت أمريكا ترضخ لقرار وزراء خارجية العرب، ولا تجرأ على تجاوز الموقف والقرار العربي.

ولكن أمريكا تعلم جيداً، إن الأنظمة العربية لا تملك الجرأة على مخالفة القرار الأمريكي بموقف وقرار مخالف ... وإنما تطلب من أمريكا طلباً، وتلتمس منها التماساً، فتنصحهم أمريكا بان المسألة أكبر مما يظنون، وأن القضية أهم من ماء وجه الأنظمة العربية، فما عليهم الا أن يرجعوا إلى عواصمهم صابرين محتسبين.

نحن في هذه القضية (الموقف من الأنظمة العربية والإسلامية الصديقة لأمريكا) ... نقف تجاه قضية خطيرة وحساسة من أهم قضايا الأمة الإسلامية، تتطلب منا الدراسة والتفكير الكثير.

علاقة الأنظمة بدول الاستكبار العالمي:
وسوف أطرح هنا بعض النقاط في هذا المقال، على أمل أن ويولي كتابنا السياسيون قضية الموقف من (الأنظمة) المزيد من الاهتمام والتفكير... وهذه النقاط هي:
1- الفاصلة الشاسعة التي تفصل الأنظمة عن شعوب العالم الإسلامي عموماً والعرب خصوصاً، وذلك في الولاء والبراءة، والرفض والقبول، فما تُقدِم عليه الأنظمة تعارضه الشعوب، وما تعارضه الأنظمة تطالب به شعوبها، وعلى هذا النهج تتسع يوماً بعد يوم الفجوة والتقاطع والتخالف بين الأنظمة وشعوبها، حتى أن جماهير الناس يخرجون إلى الشوارع يطالبون الحكام بعدم الترشيح لدورة جديدة من الرئاسة، وكفاية الترشيح والرئاسة لئلا يتحول النظام الجمهوري إلى نظام ملكي وراثي يحمل كل سلبيات الأنظمة الملكية الوراثية.

ويعيش الحكام ومن يلفّ حولهم في ترف وبذخ يقلّ نظيره في أمثال بلادنا، بينما تعيش الشعوب في بؤس وفقر وحرمان.

ورغم وفرة المصادر الاقتصادية عندنا في المنطقة الإسلامية، وفي المنطقة العربية خصوصاً، فاننا نجد أن اقتصاد العالم الإسلامي اقتصاد (تبعي) غالباً، ومرتبط بعجلة الاقتصاد الاستكباري، وفاقد لحالة الأكتفاء الذاتي، وعلاقاتنا الاقتصادية الخارجية من سنخ التبعية، وليس من سنخ العلاقة الاقتصادية المتكافئة ... وهذه الحالة تنتج نتيجتين: أولاهما: التخلف الاقتصادي، والثانية: التبعية السياسية، فان التبعية السياسية لا تنفك عن التبعية الاقتصادية، وهي خطة اقتصادية، تخططها دول الاستكبار العالمي للإبقاء على حالة التبعية السياسية للعالم الإسلامي.

2- والسبب الأساس في هذه الفاصلة الشاسعة بين الأنظمة وشعوب العالم الإسلامي: إن هذه الأنظمة لم تتسلّم الحكم، أو لا تستمر في مواقع الحكم والقرار، إلا بدعم سياسي واقتصادي من قبل أنظمة الاستكبار العالمي في الغرب. وثمن هذا الدعم أن يبقى ولاء هذه الأنظمة لأنظمة الاستكبار العالمي وعملهم في صالح هذه الأنظمة الاستكبارية ... وهذه العلاقة الحميمة بالاستكبار يعزلهم عن شعوبهم وإراداتها وقرارها، ويجعلهم في صفّ المواجهة والمعارضة غالباً لشعوبهم.

وبطبيعة الحال، ان هذه العلاقة بالاستكبار وتطورها وتماسكها، ومردوداتها، ومضاعفاتها في علاقة الأنظمة بالاستكبار العالمي، ليس بهذا السرد الذي سردناه هنا، إنما تحدثنا عن الأسباب والنتائج فقط، واما العلاقة نفسها، على أي مستوى تكون من التبعية والعمالة، فهي تمر من خلال شبكة معقدة شديدة التعقيد من العلاقات الاقتصادية والسياسية، وعوامل الارتباط والتبعية ... وأخيراً العمالة.

والنتيجة التي نجدها دائماً في علاقة هذه الأنظمة بشعوبها إنها تحاول ان تطوّع شعوبها وبلادها لخدمة مصالح الاستكبار العالمي، وتتقبل كل الآثار والنتائج المترتبة على ذلك. وقد تدخل في اشتباكات مسلحة مع الناس للدفاع عن مصالح أنظمة الاستكبار، حتى كأنَّ هذه الأنظمة تمثّل مواقع الدفاع عن مصالح الاستكبار العالمي في بلادنا، وتحافظ على مواقع القيمومة الاستكبارية الاقتصادية والسياسية والعسكرية على العالم الإسلامي، وتتكفل للاستكبار بقاء هذه المنطقة من العالم تحت قيمومتها ووصايتها وتبعيتها ... في بعض الأحيان.
والحديث عن هذه النقطة ذو شجون.

الموقف والعلاج:
والآن نتساءل ما الموقف وما العلاج؟.
ان الإجابة عن هذه القضية لا يمكن طرحها في مثل هذه العجالة، وفي مقال بهذا الحجم، ولكن نحاول هنا أن نثير هذه المسألة فقط، للبحث والحوار في الأوساط المعنيّة بهذه المسألة من أُمتنا الإسلامية، فنقول: إن هذه الأنظمة ليست على حدّ واحد في خدمة مصالح الاستكبار العالمي وفي التبعية السياسية والاقتصادية لها.
والعلاج الصحيح لهذه المشكلة من ناحية حكام العرب العودة إلى أحضان الجمهور، وتبنّي مشاكلهم وقضاياهم، والدفاع عنهم، في مقابل إرادة أنظمة الاستكبار العالمي.

ولكن الأنظمة لا تسلك هذا المسلك، وتعتقد ان هذا المسلك السياسي يدخل علاقاتها مع الغرب في دائرة حرجة جداً، وفي مجازفات سياسية غير محمودة العواقب، تسبب لها مضايقات كثيرة في علاقاتها مع الغرب الاقتصادية والعسكرية والسياسية، وأمامها الأنموذج الإيراني في تعامله مع الغرب، وما تجنيه كل يوم من مضايقات ومشاكسات إعلامية وسياسية واقتصادية وعسكرية، وقد كانت الحرب التي فرضها صدّام على إيران بإيعاز من الغرب وبشكل خاص أمريكا واحدة من هذه المضايقات.

وهذه الأنظمة عندما تجرِدُ حساباتها ترى أن هذا الحل ليس في صالحها، وتؤثر بدل حل المشكلة الأساسية في علاقاتها مع شعوبها: أن تلتفّ على هذه القضية وتواجه شعوبها، بمشروعين آخرين احدهما إعلامي، والآخر: (أمني!!).

أما الإعلام فهو استخدام الإعلام الكاذب، على أوسع صعيد من قبل هذه الأنظمة لتحسين وجهها، وإخراج الباطل بثوب الحق، وإخراج الحق بثوب الباطل، وهذه هي الأداة الأولى لمواجهة هذه المشكلة، والتقليل من هذه الفاصلة التي تفصلها عن شعوبها.

والأداة الثانية، (الأمنية!!) فهي النار والحديد والقمع والبطش والفتك بمن تسمح له نفسه ان يعلن المعارضة لهذه الأنظمة.

وقد كان المثل (المنحطّ) لهذه السياسة من بين حكام العرب عموماً صدام حسين التكريتي الذي سوّد وجه التاريخ. وسيبقى المثل الأسوأ للظلم والبطش والفتك بالناس في تاريخ الاستبداد السياسي في العالم الإسلامي، وفي العالم كلّه.

وهذه هي الأداة الثانية السياسية للالتفاف على هذه القضية، يستخدمها الحكام استخداماً واسعاً، على قدر وسعهم في هذا الاستخدام.

ولا يمكن تخوين هؤلاء الحكام جميعاً، كما لا يصح تبرئتهم جميعاً من تهمة الخيانة لمصالح الأمة ... ففي هؤلاء الحكام من لا يريد الخيانة بشعبه وأرضه ووطنه، ولكنه يرى نفسه بين خيارات صعبة، أيسرها ان يؤثر خدمة مصالح الاستكبار العالمي على خدمة شعبه ووطنه، ومنهم من يرى انه قد دخل في هذا المدخل ليجتذب لوطنه وشعبه دعم القوى الكبرى، وإسنادها. وإذا سلك هذا المسلك لهذه الغاية، فلا بأس عليه ان يقيم مثل هذه العلاقات مع أنظمة الاستكبار، ولابد ان يلتزم بلوازم هذه العلاقات من حماية مصالح الاستكبار ... وهكذا ينجر إلى التقاطع مع شعبه لخدمة مصالح الاستكبار، ولا نريد أن ندخل في تخطئة هذا الاجتهاد السياسي أو ذاك ومناقشته ففي النتائج التي يصل إليها هؤلاء الحكام من التقاطع مع شعوبهم والولاء لدول الاستكبار العالمي عمداً، خير مناقشة ودليل على ما نقول.

ومن الحكام من يدخل في دائرة العمالة للأنظمة الاستكبارية في الغرب، وهو على بينة من أمره وعددهم ليس بقليل.

الرصد والمراقبة والنوعية:
وعلى كل حال لا بد من نشر الوعي السياسي والثقافة السياسية في أوساط الأمة، ولابد من رصد حركة هؤلاء الحكام وأخطاءهم وخياناتهم ومراقبتهم مراقبة دقيقة، ولابد من تعرية وفضح هذه الأنظمة وأخطاءها وخياناتها.

ولابد من عمل واسع في التوعية السياسية لإحباط مفعول الإعلام السياسي الكاذب الذي يستخدمه هؤلاء الحكام بشكل واسع لتغطية أخطائهم، واضطراراتهم السياسية، وخياناتهم.
ولابد من تعميق حالة المعارضة الشعبية وتوسعتها وتنشيط المعارضة.

كسر حاجز الخوف:
ولابد من إحباط مشروع الإرهاب والعنف الذي تستخدمه هذه الأنظمة لإسكات الناس، وخنق الحريات، وإرعاب الناس، وذلك بكسر حاجز الخوف، فإن حاجز الخوف يضاعف قوة الأجهزة الأمنية، التي تملكها الأنظمة، لإرعاب الناس وتخويفهم.

وعندما ينكسر حاجز الخوف عند الناس، وينزلون جميعاً إلى الشارع بالهتاف وإعلان المعارضة، تضعف الأجهزة الأمنية لهذه الحكومات من ملاحقة الجمهور الواسع الذي ينزل إلى الشارع ويعلن معارضته وسخطه من النظام.

المعارضة الايجابية:
ولابد من الاهتمام بتوجيه المعارضة بالاتجاه الايجابي، وليس بالاتجاه السلبي، فان الأنظمة الاستبدادية تسعدها المعارضة السلبية السياسية، فان المعارضة السلبية القائمة على (الرفض) فقط، تؤدي إلى تهميش دور المعارضة، وبالضرورة إلى بسط نفوذ الأنظمة.

وقد علمتنا التجارب الكثيرة في ساحة المعارضة أنّ المعارضة يجب الا تعتزل الساحة السياسية والمواقع الإدارية، ولا تقف خارج الحلبة لإعلان النقد والرفض والاعتراض فقط.

والمنهج الذي كنا نسلكه في عملنا السياسي أحياناً من مقاطعة الانتخابات والمواقع منهج يحتاج إلى تعديل كثير، اللهم الا ان تكون هناك مبررات واقعية لمشروع المقاطعة المطلقة، لها حكمها، ولسنا بصدد مناقشة هذه النقطة الآن.

وبعد، فإن منهج التعامل مع الأنظمة في العالم الإسلامي والعربي يحتاج إلى دراسة وتأمل وحوار كثير لنخرج في هذه المسألة الحسّاسة الخطيرة بمشروع سياسي متكامل رائد إن شاء الله. ولا يزيد هذا الحديث على ان يكون إثارة لهذه المسألة فقط.

 
 
 

 

 

الوعد الصادق دلالات ودروس الصفحة الرئيسية