المشروع الأمريكي الجديد في الشرق الأوسط

الشرق الأوسط الجديد
لا اعلم إن كانت هذه الكلمة معروفة قبل تصريح (رايس) وزيرة الخارجية الأمريكية أبان الحرب القائمة بين حزب الله وإسرائيل أم لا؟
فقد جاءت (رايس) إلى لبنان لتطالب بإنهاء دور حزب الله في جنوب لبنان، وتجريده من السلاح، وتطبيع العلاقة اللبنانية الإسرائيلية، وتنفيذ قرار مجلس الأمن، بتجريد سلاح حزب الله، بناءً على تفسيرها هي لكلمة الـ (الميلشيا) الواردة في نص قرار مجلس الأمن، وتبشر في خطابها بـ (الشرق الأوسط الجديد).

وتستوقفنا هذه الكلمة وتدعونا إلى وقفة تأمل وتفكير.
إن المسألة تدخل في الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة وليست فلتة لسان.
إن المقصود بـ (الشرق الأوسط الجديد) واضح لمن يعرف كيف تفكر رايس ...
إنها تريد من هذه الكلمة: أن يبقى الاحتلال الإسرائيلي في المنطقة العربية الإسلامية على أراضي الجولان ومزارع شبعا والأراضي الفلسطينية ... ولا تبقى المقاومة.

وبين هذا الإيجاب والسلب نفهم ما تريده رايس من هذه الكلمة ولكي نفهم مصداقية (الشرق الأوسط الجديد)، بوضوح أكثر يجب ان نرجع بالذاكرة إلى المستجدّات السياسية التي حصلت في هذه المنطقة الحساسة خلال الـ 25 سنة الأخيرة.
لقد تعرضت المنطقة خلال هذه الفترة لعدّة هزات سياسية قوية، غيرت شيئاً كثيراً من الخارطة السياسية للشرق الأوسط.

وكان أولى هذه الهزات ما حدث قبل 25 سنة في إيران، لقد غيرت الثورة الإسلامية التي قادها الإمام الخميني (رحمه الله) الخارطة السياسية في الشرق الأوسط، وخرجت إيران بالكامل من قبضة النفوذ الأمريكي، وحدث ارتباك شديد في المشروع السياسي الأمريكي في المنطقة، واقتدحت الثورة الإسلامية شرارة الثورة في كل المنطقة، في العراق، وفلسطين، وأفغانستان، ولبنان...... ورغم كل المحاولات الأمريكية، لم تتمكن أمريكا من إستعادة إيران إلى حوزة نفوذها من جديد.

وكانت الشرارة الثانية في لبنان وقيام المقاومة الإسلامية اللبنانية لاستعادة الجنوب اللبناني من إسرائيل، وانتصار المقاومة أخيراً على إسرائيل، وانسحاب إسرائيل من الجنوب اللبناني.
وكانت الشرارة الثالثة في العراق، ولابد من تفصيل وإيضاح لهذه النقطة التالية.

قاعدة الهلال:
لقد كان النظام العراقي مرشحاً للسقوط ... ولم يُعد يشك من كان يتتبّع أحداث العراق قبل السقوط في حقيقتين:
الحقيقة الأولى: ان النظام التكريتي أصبح هشاً ضعيفاً في معرض السقوط، ولم يُعد بإمكان النظام الأمني الحديدي الذي أسّسه حزب البعث في العراق أن يقاوم سخط الجمهور وثورة الغضب في الشارع العراقي كثيراً ... وهذه هي الحقيقة الأولى.

والحقيقة الثانية: إن المعارضة الإسلامية هي أقوى البدائل المرشحة للقيام مقام النظام الذي أرهقته الحروب والمغامرات والحماقات التي ارتكبها صدام مرة بعد أخرى.

وكانت هاتان الحقيقتان لا تخفيان على غرف الرصد الأمريكية ... وكانت النتيجة واضحة لدى الأمريكان، إن سارت الأمور على طبيعتها، فسوف يسقط نظام صدام لا محالة، وسوف يحل الإسلاميون محل صدام ونظامه في الحكم في العراق، والإسلاميون - كما هو معروف - حالة سياسية مستعصية على النفوذ الأمريكي.

كل هذه الحقائق كانت تستقطب الاهتمام الأمريكي. فكان لابد من تغيير سريع لمجرى الأحداث ... والآلية الوحيدة التي تغيّر مجرى الأحداث، ويحوّل السلطة في العراق من صدام إلى الأمريكان، هي أن يقوم الأمريكان أنفسهم بإسقاط صدام، لتتحول السلطة من قبضة صدام إلى قبضة الأمريكان، مباشرة، من دون العبور بالشارع العراقي، فينتهي كل شيء، ويصبح الأمريكان وعملاؤهم البدائل الشرعية لنظام صدام ... وهذه خطة دقيقة محكمة، إن سارت الأمور على ما يرومه الأمريكان في تحويل مجرى الأحداث من البديل الإسلامي إلى البديل الأمريكي.

وعلى هذا الأساس تمّ سقوط نظام صدام على يد الأمريكان مباشرة، ووضع الأمريكان أيديهم على كل شيء.
غير أن الأمريكان لم يحسبوا حساباً لحضور الإسلاميين الواسع في العراق، وثقة الشارع العراقي بالمرجعية الدينية والإسلاميين، وثقة المرجعية الدينية في الإسلاميين أولاً، وقدرة الإسلاميين في العراق على التعاطي السياسي مع الأمريكان، وقدرتهم على المرونة السياسية في التعامل مع الأمريكان في سلامة من دينهم وكرامتهم واستقلالهم ثانياً.

وقد كانت هذه النقطة موضع نقاش كثير في صفوف الإسلاميين، فكان رأي أكثرهم أنّ حضور الإسلاميين في مواقع الحكم والقرار، وإن كان في دائرة النفوذ الأمريكي أفضل من الغياب ... وعلى هذا إستقر موقف الإسلاميين من الحكم في العراق، وكان رأي المرجعية الدينية في هذه المسألة إيجابية، وهو أمر أساسي في هذه المسألة.

والنتيجة التي حصلت من هذه وتلك: إن الإسلاميين سجلّوا حضوراً جيداً في مواقع القرار والحكم، وانتخبهم الناس، ووضعوا أمريكا أمام أمر واقع، وبدأوا يضغطون على أمريكا بالانسحاب من العراق ... وهكذا وجدت أمريكا نفسها في مقلب سياسي، لم تكن تحسب له حساباً من قبل.

صحيح أن القوات الأمريكية تجول في الشوارع والطرق بمدرعاتها، وتجوب سماء العراق بطائراتها العسكرية، ولكن الأحداث كانت تتفاعل بسرعة في الشارع العراقي، باتجاه رفض حضور الأجنبي وسيادته في العراق، والمطالبة بانسحابه، أو على الأقل بجدولة الأنسحاب في فترة قصيرة على الأقل، وحصلت مواجهات مسلّحة كثيرة في الشارع العراقي ضد الحضور الأمريكي، وكانت غرف الرصد الأمريكية بتجاربها الكثيرة في هذا الميدان تتوقع قيام مقاومة مسلحة ضد الحضور الأمريكي في العراق في وقت قريب.

مثلث العصيان:
وعلى هذا المنوال تتكامل الأطراف الثلاثة للعصيان السياسي للنفوذ الأمريكي في إيران والعراق ولبنان.
صحيح أن الجيوش الأمريكية لا تزال تجوب أرض العراق وسماءه، ولكن الأمريكان يعرفون جيداً إن هذه الحالة لن تدوم طويلاً، وأمريكا لا تستطيع أن تضحّي بأكثر مما ضحّت من أبنائها (2600 جندي أمريكي) إلى حين كتابة هذه السطور على الأقل و(المليارات من الدولارات) ... والشعب الأمريكي لا يتحمل تضحيات وخسائر أكثر من أبنائه وخزانته في العراق، وعليه فان الوضع السياسي في العراق ينذر الأمريكان بالشر، ويقرع أجراس الإنذار، ويعتبر الأمريكان العراق منذ اليوم ضمن (مثلث العصيان): (إيران والعراق ولبنان).

وهذا المثلث، هو الحالة التي نبّه الأمريكان إليها ملك الأردن عبد الله، وعبّر عنه بـ (الهلال الشيعي)، وانتقد فيها السياسة الأمريكية في المنطقة، وحذّر الأمريكان من مغبّة السماح للإسلاميين في العراق للوصول إلى مواقع الحكم والقرار في العراق ...وهو نفسه الحالة التي انتقدت فيها الخارجية السعودية الأمريكان على خططهم السياسية في العراق وفي المنطقة.
إن طرفي هذا الهلال المستعصي على الإرادة الأمريكية إيران ولبنان، وقاعدته المقعرة العراق.

ومشكلة (مثلث العصيان) أن الولاء في هذا المثلث ليس للأمريكان. وهذه نقطة خطيرة بالنسبة إلى الأمريكان في المنطقة.
وقد عبّر (حسني مبارك) عن هذه الحقيقة نفسها بطريقة أخرى، فقال - في المقابلة التي أجريت له - : ان العراقيين ولاؤهم لإيران ... وهو تعبير سياسي ذكي عن مسألة أخرى، وهي أن الأمريكان لا يحوزون على ولاء الحكام العراقيين الجدد بالضرورة، وأنّ مواقع النفوذ والقرار في العراق - في مرحلته الجديدة بعد صدّام - خرجت عن دائرة النفوذ الأمريكي، وهو تعبير ذكي ودقيق - كما قلت - يثير حساسيّة الدول العربية وحساسية الأمريكان، غير ان حسني مبارك لم يقدّر ان هذه الكلمة سوف تغضب العراقيين، أيّما غضب.

وعلى نحو الإجمال، هذا هو مثلث العصيان والرفض للإرادة الاستكبارية الأمريكية في الشرق الأوسط، وهو أمر يهم الأمريكان كثيراً ... ويدركونه جيداً.

وما انتبه إليه الملك عبد الله في الأردن والخارجية السعودية، وحسني مبارك في مصر لا تخفى على الأمريكان، غير أنه خفى على القيادات الأردنية والسعودية والمصرية أن أمريكا قبلت بهذا الحلّ في العراق مكرهة، ولم تجد أمامها خيارات أخرى لتختارها عليه، وان الإسلاميين في العراق وصلوا إلى مواقع الحكم والقرار من منطلق الأمر الواقع، وليس من منطلق الخيارات التي تختارها أمريكا للعراق، وليس من مصلحة أمريكا ان تلجأ إلى الأسلوب الصدامي في فرض إرادتها بالحديد والنار ... فإنها سوف تستعجل - في هذه الحالة - بالمقاومة المسلحة العراقية الشرسة، التي لا تطيقها أمريكا ... ويصدق على أمريكا في هذا الخيار أنها (مكرهة وليست بطلة).

ومهما يكن من أمر فقد حصل تغيير أساسي منذ 25 سنة في الخارطة السياسية للشرق الأوسط ... وهذا التغيير يجري على خلاف الاستراتيجية الأمريكية بالتأكيد ... ولابد من عمل جاد وتخطيط لإحباط (مثلث العصيان) في الشرق الأوسط، وهذا التخطيط هو الذي تشير إليه كونداليزارايس (حمّالة الحطب)، وزيرة الخارجية الأمريكية عندما وجدت أن الجيش الإسرائيلي، بكل تجهيزاته تلقى صفعات قوية من جانب حزب الله ... فأعلنت عن القرار الأمريكي في رسم خارطة الشرق الأوسط من جديد، وسمته بـ (الشرق الأوسط الجديد).
الآليات الأمريكية لإحباط مثلث العصيان:
فما هي الآليات الأمريكية الاستكبارية لإلغاء (مثلث العصيان) من الخارطة السياسية للشرق الأوسط.إن من يتتبع الأوضاع السياسية في المنطقة، والخطاب الأمريكي لا يشق عليه ان يعرف الآليات الأمريكية المفضلة لتذليل هذا المثلث وإلغائه في الشرق الأوسط.

لقد واجهت أمريكا وحلفاؤها إيران بالتهديد باستخدام القوة، واللجوء إلى مجلس الأمن لفرض حصار اقتصادي شديد على إيران، ان لم تستجب إيران، بتعطيل برنامجها النووي، وشفعت هذا التهديد بحزمة من المرّغبات الاقتصادية، كما يخدع الناس الأطفال بقطع الحلوى .. . وتلقّت أمريكا صلابة الموقف الإيراني في المضي قُدُماً في مشروعها النووي السلمي ... ولا يزال المشروع النووي الإيراني موضع صراع عنيف بين الجمهورية الإسلامية من جانب وأمريكا وحلفائها من جانب آخر.

ولا تزال أمريكا تهدد إيران باستخدام القوة العسكرية من ناحيتها أو من ناحية إسرائيل، بضرب المفاعل النووي الإيراني، وتحويل الملف الإيراني إلى مجلس الأمن لفرض الحصار الاقتصادي والجوي على إيران، إذا أصرت إيران على موقفها الصلب من تخصيب اليورانيوم ... وكان في حسبان أمريكا أن تذلل بهذا التهديد الموقف الإيراني، وتلجئها إلى تعطيل مشروعها النووي، ثم يتعقب هذا التنازل مراحل جديدة من التنازل، ويتم ترويض واحتواء الموقف الإيراني الصعب بهذه الصورة.

غير ان أحداً لا يستطيع ان يقدّر بصورة علمية نجاح الآلية الأمريكية في تذليل الموقف الإيراني الرافض لإيقاف مشروعه النووي ... هذه الآلية الأولى لتقرير الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة.
والآلية الثانية لتعطيل (العملية السياسية في العراق) هي الإرهاب.

والإرهاب الذي يجري في العراق حالة مبرمجة ومخططة لتعطيل العملية السياسية، وإعادة الناس الذين خرجوا إلى الشارع لتقرير مصيرهم السياسي إلى بيوتهم من جديد. وقوام هذا الإرهاب (التطرف الديني) و(حزب البعث) و(الأمريكان) وهذه هي الأضلاع الثلاثة لمثلث الإرهاب، وهي وأمريكا المحركة الرئيسية لحزب البعث والتطرّف الديني في ممارسة الإرهاب في العراق.

ولسنا بصدد شرح هذه النقطة، فان الأدلة على تورط الأمريكان في مسألة الإرهاب في العراق كثيرة، والإرهاب سيؤدي بالضرورة إلى تعطيل الخدمات التي تقدمها الحكومة للناس. وبذلك فان الأمريكان يلعبون بورقتين خطيرتين في هذا القمار السياسي، وهما الإرهاب وتعطيل أو تقليص الخدمات ... والأمريكان يوسعون كل يوم دائرة الإرهاب وتعطيل الخدمات الضرورية للناس، أكثر من ذي قبل، وبذلك يضعون الحكومة المنتخبة من قبل الناس، والمؤيدة من قبل المرجعية في وضع حرج شديد الحراجة، يُنُُذر بالفوضى والشغب، وهذا هو الذي يطلبه الأمريكان بالذات من الإرهاب وتعطيل الخدمات.

والفوضى الشعبية والشغب الذي يراهن عليه الأمريكان في الشارع العراقي هو الفرصة الذهبية التي يطلبها الأمريكان لإقامة حكومة جديدة تحت عنوان (الإنقاذ الوطني)، يتولى فيها عملاء أمريكا الحكم في العراق، وعندئذ يمنع الأمريكان مشاهد الإرهاب وحوادث التفجير في العراق، ويوفّرون الخدمات للناس بشكل يرضي الناس، وتعود الحياة إلى حالتها الطبيعية.
هذا هو التخطيط الأمريكي لإلغاء الحكومة التي انتخبها الناس وأيدتها المرجعية.

ولكن في تقديرنا نحن، وهذه قراءة من الداخل، أن الشعب العراقي لن يدخل في المشروع الأمريكي، ولن ينفد صبره وسط أعمال الإرهاب وضعف الخدمات.

ولن تملك الطبقة التي تعتمدها أمريكا في أعمال الشغب والفوضى في العراق هذه القدرة التي تمكّن أمريكا من إسقاط الحكومة واستبدالها بـ (حكومة الإنقاذ الوطني).

والآلية الثالثة التي تستخدمها أمريكا لتعطيل مثلث العصيان في الشرق الأوسط تجريد حزب الله في لبنان من سلاحه، وتبديله إلى مجموعة سياسية عاطلة عن السلاح، فتفقد دورها في مقاومة إسرائيل، وهو كل شيء في قيمة حزب الله، واستصدرت أمريكا قراراً من مجلس الأمن بتجريد الميليشيات من سلاحها، الا ان هذا القرار لم يقو على تجريد المقاومة الإسلامية من سلاحها ... وكان المشروع الأمريكي الآخر لتجريد سلاح حزب الله ان يتم ذلك على يد القوات الإسرائيلية مباشرة.

وقد رأينا كيف أحبط الله المشروع الأمريكي، وهزم الله الجيش الإسرائيلي هزيمة منكرة، على يد حزب الله.

هذه هي الآليات الأمريكية الاستكبارية للقضاء على مثلث العصيان في الشرق الأوسط، وترويض إيران والعراق ولبنان للإرادة الأمريكية.

وأمريكا تفرغ من إعادة رسم خارطة الشرق الأوسط الجديد على الأرض، وليس على الورق، يوم تحتوي بشكل كامل الموقف الإيراني والعراقي واللبناني، فهل تقوى على ذلك؟

اننا نشك في سلامة وعقلانية الخطة الأمريكية في الشرق الأوسط شكاً كثيراً، ونعتقد إن ملك الأردن كان على حق، عندما خاطب إسرائيل، بعد أن اعلنت إسرائيل الحرب على حزب الله، قائلاً: إنها بتعنتها وغطرستها أعطت فرصة ذهبية لظهور ظاهرة (حزب الله) في كل مكان، في عمان، والقاهرة، وبغداد، والجزائر، والدار البيضاء، واليمن ...وأن أمر حزب الله لم يَعد بعدُ هذه الحرب تقتصر على جنوب لبنان فقط، وسوف نشهد ولادة حزب الله في كل مكان.

 
 
 

 

 

الوعد الصادق دلالات ودروس الصفحة الرئيسية