- الشيعة في مصر - صالح الورداني  ص 85 :

أعيان الشيعة في مصر لا زالوا يلقوا بظلالهم على الحاضر . .
 

- ص 87 -

في مصر الكثير من أعيان الشيعة الذين لا تزال آثارهم باقية حتى اليوم ومشاهدهم معروفة ومحل إقبال مسلمي مصر .


فعلى الرغم من حملات التشويه والتعتيم التي لاقتها حركة التشيع في مصر وحملات البطش والكيد والتنكيل التي لا حقت أنصارها فيها من قبل الحكومات السنية المتعصبة بداية من الدولة

الأموية وحتى الدولة العثمانية - على الرغم من ذلك بقت الرموز الشيعية بارزة وضاءة تعلن أمام الجميع أن للشيعة جذورها القوية والعميقة في هذا البلد .


ولقد كانت فترة الحكم الفاطمي التي بدأت بعد سقوط الأخشيديين هي فترة ازدهار النشاط الشيعي في مصر والذي كان قد طوق وضرب من قبل الحكومات التي سبقت الفاطميين .

وقد تم التعتيم على هذه الفترة من قبل الحكم الأيوبي الذي ورث حكم مصر بعد سقوط الفاطميين ومن قبل المماليك والعثمانيين من بعد ذلك حيث تم تحويل مصر من دولة شيعية

حكومة وشعبا إلى دولة سنية بالحديد والنار وإن كانت بقيت عقيدة آل البيت وحبهم وموالاتهم باقية في نفوس الجماهير . . ( 1 )


وليس ما يجري أمامنا في ذكرى مولد السيدة زينب ومولد الحسين ومولد السيدة نفيسة إلا دليلا على كون هذه الرموز لا تزال تعيش في وجدان وقلوب المصريين .


كما أن حركة التصوف المنتشرة في مصر والتي لها وجودها البارز في الشارع العصري إنما تستمد وجودها ونفوذها من هذه الرموز وبرفع شعار آل البيت . .

- ص 88 -

إن أعيان الشيعة في مصر لا زالوا يلقون بظلالهم على الحاضر ولا تزال آثارهم ويصماتهم واضحة على هوية الإسلام بمصر. . ومن أبرز أعيان الشيعة في سوى السيدة زينب والحسين

والسيدة نفيسة . مالك الأشتر ومحمد بن أبي بكر . وطلائع بن زريك ( الملك الصالح ) والأمير بدر الجمالي والأفضل أمير الجيوش والقاضي النعماني والأمير المختار المعروف

المسبحي وسوف تتناول كل شخصية من هذه الشخصيات في هذا الفصل حسب الترتيب التاريخي . .


مالك الأشتر :

هو مالك الأشتر النخعي أو مالك بن الحارث النخعي الساعد الأيمن للإمام علي (عليه السلام) وسيفه البتار .

خاض مع الإمام معاركة التي خاضها في مواجهة أهل القبلة من الصحابة والخوارج وأهل الشام . وكانت له مكانة خاصة عند الإمام الذي كان يعتبره من أتباعه المخلصين الذين يوالونه

بقلوبهم وسيوفهم . . وقد أسهم مالك في وقعة الجمل كما أسهم في الثورة على عثمان وقاد المعارك ضد معاوية في وقعة صفين وكاد أن يحقق النصر ويدحر جيوش الشام لولا حيلة ابن العاص برفع المصاحف . . ( 2 )


ويعرف عن مالك شدته في الحق وتعصبه للإمام علي ومن مظاهر هذه الشدة أنه كان يهدد المترددين والمتوقفين عن بيعة الإمام ويجبرهم على بيعته كما كان من المعارضين لوقف القتال

في صفين واختاره الإمام حكما بينه وبين معاوية إلا أن الخوارج رفضوا هذا الاختيار لخوفهم من أن يتسبب الأشتر في تفجر الصراع من جديد يعد أن توقف بسبب طلب التحكيم . . ( 3 )


وأثناء الصراع بين الإمام ومعاوية كانت أبصار الإمام تتجه نحو مصر التي بدأ يحرك فيها معاوية أنصاره بدعم من عمرو بن العاص الذي كان قد اتفق مع معاوية على أن يعطيه ولاية

مصر مقابل الوقوف إلى جواره ضد الإمام . . وكان الإمام قد عزل عمرو بن العاص عن ولاية مصر وأقام مكانه محمد بن أبي بكر . .

- ص 89 -

إلا أن الواضح من سير الأحداث أن محمد بن أبي بكر لم تكن لديه القدرة التي تعينه على مواجهة مثيري الفتن والمتآمرين لحساب معاوية . . وهنا قرر الإمام أن يرسل مالك إلي مصر لحسم الصراع الدائر هناك وتسلم زمام القيادة من محمد بن أبي بكر . . ( 4 )


وقد أحدث هذا القرار هزة كبيرة لمعاوية وابن العاص اللذان كانا يخشيان مالك أشد الخشية واضعين في حسابهم الآثار المترتبة على وصوله إلى مصر وتسلمه زمام القيادة فيها . خاصة أن الإمام قد سلمه ميثاقا وعهدا يستعين به في حكم مصر . . ( 5 )


لقد كان معاوية يدرك تماما أن وصول مالك إلى مصر يعني ضياعها وخروجها عن دائرة نفوذه فمن ثم سعى ابن العاص إلى تحريضه للعمل على الحيلولة دون وصول مالك لعصر . .

ولم يكن هناك من حل معاوية وابن العاص سوى التخلص من مالك فكان أن حرض معاوية رجل من أهل الخراج بمصر الذي لقى الأشتر وهو في طريقه لعصر واستضافه وسقاه عسلا مسموما مات بعده . . ( 6 )


وكان حزن الإمام عليه شديدا وكانت فرحة معاوية أشد وقد قال مقولته الشهيرة عند سماعه خبر وفاته : إن الله جندا من العسل . . ( 7 )


وكان مالك الأشتر من بين عصبة المؤمن الذين قاموا بتغسيل وتكفين ودفن أبي ذر الغفاري حين مات في الصحراء وحيدا بعد أن نفاه عثمان . . ( 8 )


محمد بن أبي بكر :

هو ربيب الإمام علي الذي تزوج بأمه بعد وفاة أبي بكر . . وكان مولده في حجة الوداع وأمه هي أسماء بنت عميس الخثعمية . . وقد شارك محمد بن أبي بكر في وقعة صفين مع الإمام ولازمه ونهل من عمله وخبرته وكان له بمثابة التابع الأمين . .
 

- ص 90 -

وفي أثناء الصراع بين معاوية والإمام بعد مصرع عثمان وقعت في مصر عدة انتفاضات كان المحرك الأساسي لها أنصار عثمان من أهالي قرية خربتا والذين استثمر هم معاوية في إثارة

القلاقل في مصر ضد ولاة الإمام علي . . وأصدر الإمام قرارا بعزل قيس بن سعد بن عبادة وإليه على مصر ودفع بمحمد ابن أبي بكر ليحل محله . . وتسلم ابن أبي بكر الأمر من قيس

الذي أوصاه قبل رحيله من مصر بأن يعمل على كسب أهل خربتا إلى صفه وأن يكايد بهم معاوية وابن العاص ( إنك إن كايدتهم بغير ذلك تهلك . . ) . . ( 9 )


يروي السيوطي : ولم يزل محمد بن أبي بكر بمصر قائم الأمر مهيبا بالديار المصرية حتى كانت وقعة صفين . ولما بلغ أهل مصر خبر معاوية ومن معه من أهل الشام على قتال أهل

العراق وصاروا إلى التحكيم . فطمع أهل مصر في محمد بن أبي بكر واجترؤا عليه وبارزوه بالعداوة . والمقصود بأهل مصر هنا هم أهل خربتا وأنصار عثمان .

فلما ولى عليها الأشتر النخعي عظم ذلك على معاوية لأنه كان يطمع في انتزاعها من ابن أبي بكر وعلم أن الأشتر سيمنعها منه لحزمه وشجاعته . وكان أن قتل الأشتر بالسم .
 

واستمر ابن أبي بكر على الديار المصرية . وكان ضعف جأشه مع ما فيها من الخلاف عليه من العثمانية الذين ببلدة خربتا وكانوا قد استفحل أمرهم .


وعين معاوية عمرو بن العاص لنيابة مصر ففرح بها وتحالفت خربتا مع عمرو . وحاصر أهل الشام ابن أبي بكر وقبض عليه وقتل عام 38 ه‍ . . ( 10 )


وفي رواية ابن تغري : كان معاوية يهاب مصر لأجل الشيعة وقصد معاوية أن يستعين بأخذ مصر على حرب علي .

وسير الجيوش بقيادة ابن العاص الذي أرسل لابن أبي بكر يطلب منه الاستسلام والخروج من مصر . إلا أن محمد بن أبي بكر رفض الاستسلام ونشبت معركة هزم فيها جند محمد وأخذ

أسيرا وأعدم حرقا في جيفة حمار ميت . وقيل أنه قطعت رأسه وأرسلت لمعاوية بدمشق وطيف به وهو أول رأس طيف به في الإسلام . . ( 11 )
 

- ص 91 -

ويبدو أن الفتن والمؤامرات كانت أكبر من محمد ابن أبي بكر والامكانيات المتاحة له في مصر . وقد حرص كثير من المؤرخين على إظهار ابن أبي بكر بمظهر الرجل العاجز والمستبد عديم الرأي والحنكة وكأن هذا طعنا غير مباشر للإمام علي الذي اختاره لهذه المهمة . .


إلا أن الحقيقة هي أن التواجد الشيعي في مصر بتلك الفترة لم يكن من القوة بحيث يمكنه الصمود أمام جيوش أمام جيوش الشام . خاصة أن معظم أهل خصر وقتئذ لم يكن يعنيهم هذا الصراع في شئ حيث إنهم كانوا على ملتهم ولم يكونوا قد دخلوا الإسلام بعد . .
 

 

من هم الشيعة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب