- الشيعة في مصر - صالح الورداني  ص 51 :

صلاح الدين تسامح مع الصليبيين وبطش بالمسلمين . .

 

- ص 53 -

إن التاريخ بحاجة إلى كتابة جديدة . وأحداثه في حاجة إلى أن يتم تجريدها من السياسة التي علقت بها . . وفي حاجة إلى أن يتم تجريدها من أهواء المؤرخين ونزعاتهم .


وشخصية صلاح الدين في حاجة إلى قراءة جديدة . كما أن هناك شخصيات تاريخية كثيرة في حاجة إلى إعادة قراءة . .

شخصيات غطت السياسة على مساوئها . وشخصيات غطى التعصب على منجزاتها . . وشخصيات غطت السيوف على انحرافاتها . .


وصلاح الدين هو واحد من أولئك الذين غطت السيوف على انحرافاتهم وحجبت عن أعيننا مساوئهم وغمرت بالدماء التي أسالتها جسد الحقيقة . . إن السيوف لم تشهر في كل حين

ابتغاء مرضاة الله . . وإن أكثر السيوف التي شهرت في الإسلام كانت في سبيل السياسة . والقليل منها شهر في سبيل الله . . والتاريخ يحدثنا عن قادة كبار بل وصحابة شهروا سيوفهم

وأبلوا بلاء حسنا من أجل الحصول على مغنم أو حكم ولاية كثيرة الخراج . . إننا في حاجة ماسة إلى التحرر من أوهام كثيرة حولها التاريخ إلى حقائق . في
 

- ص 54 -

حاجة إلى الوعي بأحداث عومتها السياسة وظللتها السيوف . . لقد قامت دول بالحق على حساب دول قامت بالباطل .


وقامت دول بالباطل على حساب دول قامت بالحق . . وبين قيام الدول وسقوطها تضيع حقائق وتبرز أباطيل وتموت عقائد وتحيا مذاهب ويذهب فقهاء ويأتي أدعياء . . ومع سقوط

الفاطميين وقيام الأيوبيين غابت حقائق وضاعت عقائد وارتفعت رايات وطويت رايات . . مع قيام الأيوبيين دخلت مصر مرحلة جديدة في ظل عقيدة جديدة ونظام حكم جديد فرض عليها

فرضا . . ومنذ ذلك الحين استبدلت عقيدة الشيعة بعقيدة السنة . . واستبدلت الأسرة الفاطمية بالأسرة الأيوبية . . واستبدل الجامع الأزهر بالمدارس الشافعية والمالكية والأشعرية . .


* إنقلاب صلاح الدين في مصر :

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو : هل تم ذلك في هدوء دون أي صعوبات . . ؟

لقد دخل صلاح الدين مصر في عام 564 ه‍ واستولى على الحكم فيها بعد وفاة العاضد عام 567 ه‍ وبين هاتين الفترتين كانت هناك مآس ودماء . .


يروي المقريزي : أرسل العاضد يستصرخ نور الدين محمود زنكي ويطالبه إنقاذ المسلمين من الفرنجة - بعد أن تحالف معهم شاور - فجهز أسد الدين شيركوه ومعه صلاح الدين عسكرا كثيرا وسيرهم إلى مصر .


ونزل شيركوه القاهرة - بعد قتل شاور - فخلع عليه العاضد وأكرمه وتقلد شيركوه وزارة العاضد وقام بالدولة شهرين وخمسة أيام ومات . . وفوض العاضد الوزارة لصلاح الدين يوسف بن أيوب فساس الأمور ودبر

- ص 55 -

لنفسه فبذل الأموال وأضعف العاضد باستنفاد ما عنده من المال . فلم يزل أمره في ازدياد وأمر العاضد في نقصان . وأقطع أصحابه البلاد . وأبعد أهل مصر وأضعفهم . واستبد بالأمور

ومنع العاضد من التصرف . حتى تبين للناس ما يريده من إزالة الدولة . وتتبع جند العاضد وأخذ دور الأمراء وإقصاعاتهم فوهبها لأصحابه . وبعث إلى أبيه وإخوته . وأهله فقدموا من

الشام عليه . . فلما كان في سنة ست وستين أبطل المكوس من ديار مصر . وهدم دار المعونة بمصر وعمرها مدرسة للشافعية . وأنشأ مدرسة أخرى للمالكية . وعزل قضاة مصر الشيعة

وقلد القضاء صدر الدين عبد الملك بن درباس الشافعي . وجعل إليه الحكم في إقليم مصر كله . وعزل سائر القضاة - في الأقاليم - واستناب قضاة شافعية . فتظاهر الناس من تلك السنة

بمذهب مالك والشافعي . واختفى مذهب الشيعة إلى أن نسي من مصر . ثم قبض على سائر من بقي من أمراء الدولة وأنزل أصحابه في دورهم في ليلة واحدة . فأصبح البلد من العويل

والبكاء ما يذهل . . وتحكم أصحابه في البلد بأيديهم وأخرج أقطاعات سائر المصريين لأصحابه . وقبض على القصور وسلمها إلى الطواش بهاء الدين قراقوش الأسدي وجعله

زمامها . وصار العاضد معتقلا تحت يده . وأبطل من الآذان حي على خير العمل . وأزال شعار الدولة وخطب لخليفة بغداد . . ( 1 )


هذه هي ملامح الإنقلاب الأيوبي في مصر . ذلك الإنقلاب الذي باركه الفقهاء والمؤرخون . لكونه أرحامهم من خصومهم الشيعة .

وإن كان لم يحقق شيئا للإسلام وإنما حقق النفوذ والتمكن لآل أيوب . . وهو من وجهة نظر هؤلاء الفقهاء والمؤرخون يعتبر هذا الإنقلاب نصرا للإسلام باعتبار أن مذهب أهل السنة

الذي يمثله صلاح الدين هو الإسلام الحق . أما مذهب الشيعة فهو مذهب الزنادقة الباطنية . . وقد عبر كثير من الفقهاء المؤرخين عن فرحتهم بسقوط دولة الفاطميين
 

- ص 56 -

وشاركوا العباسيين هذه الفرحة التاريخية بانهيار صرح الشيعة الذي أسهموا جميعا في هدمه ..


يروي ابن الأثير : كتب نور الدين إلى صلاح الدين يأمره بقطع الخطبة للعاضد وإقامة الخطبة للمستضئ العباسي . فامتنع صلاح الدين واعتذر بالخوف من قيام الديار المصرية عليهم

لميلهم إلى العلويين . وكان صلاح الدين يكره قطع الخطبة ويريد بقاءهم ( بني فاطمة ) خوفا من نور الدين فإنه كان يخاف أن يدخل إلى الديار المصرية يأخذها منه فكان يريد أن يكون

العاضد معه . حتى إن قصده نور الدين امتنع به وبأهل مصر عليه . فلما اعتذر لنور الدين بذلك لم يقبل عذره وألح عليه بقطع خطبته وألزمه إلزاما لا فسحة له في مخالفته . واتفق أن

مرض العاضد مرضا شديدا واستشار صلاح الدين أمراءه فاختلفوا وكان أن قام أحد الفقهاء ويلقب بالأمير العالم وصعد المنبر في يوم الجمعة الأولى من محرم قبل الخطيب ودعا

للمستضئ . فلم ينتطح فيه عنزان وكتب بذلك إلى سائر بلاد مصر ففعلوا . ولما مات العاضد جلس صلاح الدين للعزاء واستولى على القصر وما فيه . ووصلت البشارة إلى بغداد بذلك

فضربت البشائر بها عدة أيام وزينت بغداد وظهر من الفرح والجذل ما لا حد له . وسيرت الخلع من بغداد إلى نور الدين وصلاح الدين وللخطباء بالديار المصرية وأرسلت معها الرايات السود رايات العباسيين . . ( 2 )


ويروي ابن إياس عن أسباب موت العاضد قوله : فلما قطع الخطبة عن اسمه حصل له قهر عظيم وصار مع صلاح الدين كالمحجور عليه . ولا يتصرف في الأمور إلا بعد مشورة صلاح الدين . فما أطاق العاضد ذلك . فقيل إنه ابتلع فص ألماس فمات من يومه . . ( 3 )


والعجيب أن صلاح الدين وهو المتسبب الأول في موت العاضد - جلس للعزاء فيه ومشى في جنازته . . ( 4 )

 

 

من هم الشيعة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب