نشأة الشيعة

- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 71 : -

الفصل الثاني نشأة الشيعة
المبحث الاول
* نشوء اتجاهين رئيسين في حياة النبي ( ص )
المبحث الثاني * المرجعية الفكرية والمرجعية القيادية
المبحث الثالث * التشيع الروحي والتشيع السياسي
 

- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 73 : -

تمهيد عرفنا كيف ولد ( التشيع ) ، وأما كيف ولد " الشيعة " ونشأ الانقسام على أساس ذلك في الأمة الاسلامية ، فهذا ما سنجيب عنه الان : إننا إذا تتبعنا المرحلة الاولى من حياة الامة الاسلامية ، في عصر النبي ( صلى الله عليه وآله ) نجد أن

اتجاهين رئيسين ومختلفين قد رافقا نشوء الامة وبداية التجربة الاسلامية منذ السنوات الاولى وكانا يعيشان معا داخل إطار الامة الوليدة التي أنشأها الرسول القائد ( صلى الله عليه وآله ) .


وقد ادى هذا الاختلاف بين الاتجاهين إلى انقسام عقائدي عقيب وفاة الرسول مباشرة ، شطر الامة الاسلامية الى شطرين ، قدر لاحدهما أن يحكم فاستطاع أن يمتد ويستوعب أكثرية المسلمين ، بينما أقصي الشطر الاخر عن الحكم ، وقدر له أن يمارس وجوده ، كأقلية معارضة ، ضمن الاطار الاسلامي العام ، وكانت هذه الاقلية هي ( الشيعة ) .

( وهاهنا ثلاثة مباحث ) .
 

- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 75 : -

المبحث الاول نشوء اتجاهين رئيسين في حياة النبي ( ص ) إن الاتجاهين الرئسين اللذين رافقا نشوء الامة الاسلامية في حياة النبي ( صلى الله عليه وآله ) منذ البدء هما :

أولا : الاتجاه الذي يؤمن بالتعبد بالدين وتحكيمه والتسليم المطلق للنص الديني في كل جوانب الحياة ( 120 ) .
 

وثانيا : الاتجاه الذي لا يرى أن بالدين يتطلب منه التعبد إلا في نطاق خاص من العبادات والغيبيات ، ويؤمن بإمكانية الاجتهاد وجواز التصرف على أساسه بالتغيير والتعديل في النص الديني وفقا للمصالح في غير ذلك النطاق من مجالات الحياة (121)
 

 

* ( هامش ) *
( 120 ) هذا هو اتجاه مدرسة أهل البيت عليهم السلام واتجاه التشيع .

( 121 ) هذا هو اتجاه المدرسة الاخرى من المذاهب السنية . = ( * )

 

 

- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 76 : -

وبالرغم من أن الصحابة ، بوضفهم الطليعة المؤمنة والمستنيرة ، كانوا أفضل وأصلح بذرة لنشوء أمة رسالية ، حتى أن تاريخ الانسان لم يشهد جيلا عقائديا أروع وأنبل وأطهر من الجيل الذي أنشأه الرسول القائد ( ص ) .


وبالرغم من ذلك نجد من الضروري التسليم بوجود اتجاه واسع ، منذ كان النبي حيا ، يميل إلى تقديم الاجتهاد في تقدير المصلحة ، واستتناجها من الظروف ، على التعبد بحرفية النص الديني ، وقد تحمل الرسول ( صلى الله عليه وآله ) المرارة

في كثير من الحالات بسبب هذا الاتجاه حتى وهو على فراش الموت في ساعاته الاخيرة على ما يأتي ( 122 ) ، كما كان هناك اتجاه آخر يؤمن بتحكيم الدين والتسليم له والتعبد بكل نصوصه في جميع جوانب الحياة .


وقد يكون من عوامل انتشار الاتجاه الاجتهادي في صفوف المسلمين انه يتفق مع ميل الانسان بطبيعته الى التصرف وفقا لمصلحة يدركها وبقدرها ، بدلا عن التصرف وفقا لقرار لا يفهم مغزاه .
 

 

* ( هامش ) *
راجع للتفصيل : معالم المدرستين / العلامة السيد مرتضى العسكري .
وراجع أيضا : مناهج الاجتهاد - الدكتور محمد سلام مدكور / مطبوعات جامعة الكويت .

( 122 ) راجع صحيح البخاري / ج 8 / ص 161 كتاب الاعتصام . لاحظ المواقف التي لم يتعبدوا فيها بالنص . ما حدث في عدم إنفاذ سرية اسامة ، واعتراضهم وما حدث عند ارادة كتب الكتاب عندما قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) ( هلموا اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعدي . . . ) ولاحظ الموقف من صلح الحديبية .

راجع كتب التواريخ والرواية فيما ذكرنا . والمناقشة والتفصيل : المراجعات / السيد العلامة عبد الحسين شرف الدين . مؤسسة دار الكتاب اسلامي تحقيق وتعليق حسين الراضي - تقديم الدكتور حامد حفني والشيخ محمد فكري أبو النصر . ( * )

 

 

- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 77 : -

وقد قدر لهذا الاتجاه ممثلون جريئون من كبار الصحابة من قبيل عمر بن الخطاب الذي ناقش الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، واجتهد في مواضع عديدة ، خلافا للنص ايمانا منه بجواز ذلك ما دام يرى أنه لم يخطي المصلحة في اجتهاده .

وبهذا الصدد يمكننا ان نلاحظ ، موقفه من صلح الحديبية واحتجاجه على هذا الصلح ) ( 123 ) ، وموقفه من الاذان وتصرفه فيه باسقاط ( حي على خير العمل ) ( 124 ) وموقفه من النبي حين شرع متعة الحج ( 125 ) الى غير ذلك من مواقفه

 

 

* ( هامش ) *
( 123 ) راجع السيرة النبوية / لابن هشام / القسم الثاني / ص 316 / 317 ، تحقيق مصطفى السقا وآخرين دار الكنوز الادبية بيروت . وراجع أيضا : تاريخ الطبري / ج 2 / ص 122 .

( 124 ) راجع شرح التجريد / القوشجي / آخر مبحث الامامة قال : كانت همم اولى الامر منصرفة الى نشر الدعوة الاسلامية وفتح المشارق والمغارب وفتح الممالك لا يكون الا بتشويق الجند الى التورط في سبيله بالمهالك ، بحيث يشربون في قلوبهم الجهاد ، حتى

يعتقدون أنه خير عمل يرجونه ، يوم المعاد . ولذا ترجح في نظر هم إسقاط هذا الفصل يعني حي على خير العمل - في الاذان - تقديما لتك المصلحة على التعبد بما جاء به الشرع الاقدس ، فقال الخليفة الثاني على المنبر : ثلاث كن على عهد رسول الله ، وأنا أنهى عنهن ، وأحرمهن ، وأعاقب عليهن ، متعة النساء ومتعة الحج ، وحي على خير العمل .

( 125 ) التاج الجامع للاصول في احاديث الرسول / الشيخ منصور على ناصف من علماء الازهر الشريف / ج 2 / ص 124 - كتاب الحج - عن ابي حمزه الضبعي قال : تمتعت فنهاني ناس عن ذلك فسالت ابن عباس ، فأمرني بها ثم انطلقت الى البيت فتمت فأتاني آت في

منامي فقال : عمرة متقبلة وحج مبرور قال : فاتيت ابن عباس فاخبرته بما رايت فقال : الله اكبر الله اكبر سنة ابي القاسم ( صلى الله عليه وآله ) ورواه مسلم والبخاري . . .

وعن عمران بن حصين قال : نزلت آية المتعة في كتاب الله ففعلناه مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ولم يحرمها قرآن ، ولم ينه عنها حتى ورواه الشيخان قال الشيخ ناصف في الهامش ( * )

 

 

- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 78 : -

الاجتهادية ( 126 ) .

وقد انعكس كلا الاتجاهين في مجلس الرسول ( صلى الله عليه وآله ) في آخر يوم من أيام حياته فقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال : لما حضر رسول الله الوفاة وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب ، قال النبي ( صلى الله

عليه وآله ) هلم اكتب الكم كتابا لن تضلوا بعده . فقال عمر : إن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله . فاختلف أهل البيت فاختصموا ، منهم من يقول ، قربوا يكتب لكم النبي كتابا لن تضلوا بعده ،

ومنهم من يقول ما قال عمر ، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي قال لهم : قوموا ( 127 ) .


وهذه الواقعة وحدها كافية للتدليل على عمق الاتجاهين ، ومدى التناقض والصراع بينهما . ويمكن أن نضيف إليها - لتصوير عمق الاتجاه الاجتهادي وروسوخه - ما حصل من نزاع وخلاف بين الصحابة حول تأمير اسامة ابن زيد على الجيش بالرغم من النص النبوي الصريح على ذلك ، حتى خرج الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وهو مريض - فخطب الناس وقال :
 

  * ( هامش ) *
( اشتهر النهي عن المتعة عن عمر وعثمان ومعاوية .

( 126 ) راجع تفاصيل اوفي / النص والاجتهاد / العلامة عبد الحسين شرف الدين / ص 169 / 243 .

( 127 ) راجع صحيح البخاري / كتاب العلم / ج 1 / ص 37 ، طبعة دار الفكر - بيروت / 1981
وراجع : الطبقات الكبرى / لابن سعد / ج 2 / ص 242 . ( * )

 

 

- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 79 : -

( يا أيها الناس من مقالة بغلتني عن بعضكم في تأمير اسامة ، ولئن طعنتم في تأميري اسامة لقد طعنتهم في تأمير أبيه من قبل ، وأيم الله إن كان لخليقا بالامارة ، وإن ابنه من لخليق بها ) ( 128 ) .


وهذان الاتجاهان اللذان بدا الصراع بينهما في حياة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، قد انعكسا على موقف المسلمين من إطروحة زعامة الامام للدعوة بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) .


فالممثلون للاتجاه التعبدي وجدوا في النص النبوي على هذه الاطروحة سببا بقبولها ، دون توقف أو تعديل .

وأما الاتجاه الاجتهادي فقد رأى أنه بامكانه أن يتحرر من الصيغة المطروحة من قبل النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، إذا ادى اجتهاده الى صيغة اخرى أكثر انسجاما - في تصوره - مع الظروف .


وهكذا ترى أن الشيعة ولدوا منذ وفاة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) مباشرة متمثلين في المسلمين الذين خضعوا عمليا لاطروحة زعامة الامام وقيادته التي فرض النبي الابتداء بتنفيذها من حين وفاته مباشرة ، وقد تجسد الاتجاه الشيعي ، منذ

اللحظة الاولى في إنكار ما اتجهت إليه السقيفة من تجميد لاطروحة زعامة الامام علي ، واسناد السلطة الى غيره .

ذكر الطبرسي في الاحتجاج عن أبان بن تغلب قال : ( قلت
 

  * ( هامش ) *
( 128 ) راجع الطبقات الكبرى / لابن سعد / ج 2 / ص 248 ،
وراجع أيضا الكامل في التاريخ / لابن الاثير / ج 2 / ص 318 / 319 . ( * )
 

 

- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 80 : -

لجعفر بن محمد الصادق : جعلت فداك ، هل كان أحد في أصحاب رسول الله أنكر على أبي بكر فعله ؟ قال : نعم كان الذي أنكر عليه اثنا عشر رجلا ، فمن المهاجرين : خالد بن سعيد : ابن أبي العاص ، وسلمان الفارسي ، وأبور ذر الغفاري ،

والمقداد بن الاسود وعمار بن ياسر ، وبريدة الاسلمي ، ومن الانصار : أبو الهيثم بن التيهان ، وعثمان ابن حنيف وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين ، وأبي بن كعب ، وأبو أيوب الانصاري ) ( 129 ) .


وقد تقول : إذا كان الاتجاه الشيعي يمثل التعبد بالنص ، والاتجاه الاخر المقابل له يمثل الاجتهاد ، فهذا يعني أن الشيعة يرفضون الاجتهاد ولا يسمحون لانفسهم به ، مع انا نجد أن الشيعة يمارسون عملية الاجتهاد في الشريعة دائما !
 

والجواب : إن الاجتهاد الذي يمارسه الشيعة ويرونه جائزا بل واجبا ، وجوبا كفائيا ، هو الاجتهاد في استنباط الحكم الشرعي من النص الشرعي ، لا الاجتهاد في النص الشرعي لرأي يراه المجتهد أو لمصلحة يخمنها ( 130 ) ، فإن هذا غير جائز ، والاتجاه الشيعي يرفض أي
 

  * ( هامش ) *
( 129 ) الاحتجاج / الطبرسي / ج 1 / ص 75 نشر مؤسسة الاعلمي - بيروت / 1983 ( الشهيد )
وراجع : تاريخ اليعقوبي / ج 2 / ص 103 .

( 130 ) راجع : المعالم الجديدة للاصول / الشهيد الصدر ( رض ) ص 23 وما بعدها ففيه تفصيل واف لتطور دلالة الاجتهاد وأنه كان مما يتحرج منه إذ كان يراه به ( المبدأ الفقهي الذي ( * )

 

 

- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 81 : -

ممارسة للاجتهاد بهذا المعين ، ونحن حينما نتحدث عن قيام اتجاهين منذ صدر الاسلام :

أحدهما : اتجاه التعبد بالنص ، والاخر : اتجاه الاجتهاد ونعني بالاجتهاد هنا ، الاجتهاد في رفض النص أو قبوله .


وقيام هذين الاتجاهين شئ طبيعي في ظل كل رسالة تغييرية شاملة تحاول تغيير الواقع الفاسد من الجذور فانها تتخذ درجات مختلفة من التأثير حسب حجم الرواسب المسبقة ومدى انصهار الفرد بقيم الرسالة الجديدة ودرجة ولائه لها .


وهكذا نعرف أن الاتجاه الذي يمثل التعبد بالنص يمثل الدرجة العليا من الانصهار بالرسالة والتسليم الكامل لها ، وهو لا يرفض الاجتهاد ضمن إطار النص ، وبذل الجهد في استخراج الحكم الشرعي منه ( 131 ) ومن المهم أن نشير - في هذا الصدد أيضا - الى أن التعبد 
 

 

* ( هامش ) *
يتخذ من التفكير الشخصي مصدرا من مصادر الحكم وقد دخلت الحملة ضد هذا المبدأ الفقهي دور التصنيف في عصر الائمة ايضا والرواد الذين حملوا آثارها . . . )

فالاجتهاد هنا إذا اعتبر دليلا من ادلة الفقيه ومصدرا من مصادر يستدل به إذا لم يتوفر عنده النص ، هذا النوع من الاجتهاد ، وهو ما نادت به مدارس كثيرة في الفقه السني كمدرسة ابي حنيفة ، مرفوض

وقد قال الطوسي : ( اما القياس والاجتهاد عندنا فليسا بدليلين بل محظور في الشريعة استعمالهما ولكن عندما تطور مفهوم الاجتهاد وصار يعني عملية استنباط الحكم من النص اي صار يرادف عملية الاستنباط اصبح مقبولا ومعمولا به وراجع أقسام الاجتهاد وأنواعه ، ونطاقة : الاصول العامة للفقة المقارن / العلامة محمد تقي الحكيم / ص 561 وما بعدها .

( 131 ) راجع : : الاصول العامة للفقة المقارن / محمد تقي الحكيم / ص 563 . ( * )

 

 

- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 82 : -

بالنص لا يعني الجمود والتصلب الذي يتعارض مع متطلبات التطور وعوامل التجديد المختلفة في حياة الانسان ، فإن التعبد بالنص معناه - كما عرفنا - التعبد بالدين ، والاخذ به كاملا ، دون تبعيض ، وهذا الدين نفسه يحمل في أحشائه كل عناصر

المرونة والقدرة على مسايرة الزمن واستيعابه ، بكل ما يحمل من ألوان التجديد والتطور ، فالتعبد به وبنصه تعبد بكل تلك العناصر ، وبكل ما فيها من قدرة على الخلق والابداع والتجديد . ( 132 )


هذه خطوط عامة في تفسير التشيع ، بوصفه ظاهرة طبيعية في إطار الدعوة الاسلامية ، وتفسير ظهور الشيعة كاستجابة لتلك الظاهرد الطبيعية .
 

 

* ( هامش ) *
( 132 ) راجع : المعالم الجديدة للاصول / ص 40 . ( * )

 


 

 

الصفحة الرئيسية

 

فهرس الكتاب