المرجعية الفكرية والمرجعية القيادية

- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 83 : -

المبحث الثاني : المرجعية الفكرية والمرجعية القيادية

إن إمامة أهل البيت والامام علي التي تمثلها تلك الظاهرة الطبيعية تعبر عن مرجعيتين .

إحداهما المرجعية الفكرية والاخرى المرجعية في العمل القيادي والاجتماعي ، وكلتا المرجعتين كانتا تتمثلان في شخص النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وكان لابد في ضوء ما درسنا من ظروف أن يصمم الرسول الاعظم ( صلى الله عليه وآله )

الامتداد الصالح له لتحمل كلتا المرجعيتين ، لكي تقوم المرجعية الفكرية يمل‌ء الفراغات التي قد تواجهها ذهنية المسلمين ، وتقديم المفهوم المناسب ، ووجهة النظر الاسلامية فيما يستجد من قضايا الفكر والحياة وتفسير ما يشكل ويغمض من معطيات الكتاب الكريم ( 133 ) الذي يشكل المصدر
 

  * ( هامش ) *
( 133 ) راجع ما أثبتناه في الملحق آخر الكتاب حول هذه المسالة : مدى قدرة الامام علي ( ع ) ( * )
 

 

- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 84 : -

الاول للمرجعية الفكرية في الاسلام ولكي تقوم المرجعية القيادية الاجتماعية بمواصلة المسيرة ، وقيادة المسيرة الاسلامية في خطها الاجتماعي .

وقد جمعت كلتا المرجعيتين لأهل البيت ( عليهم السلام ) ، بحكم الظروف التي درسناها ، وجاءت النصوص النبوية الشريفة تؤكد ذلك باستمرار والمثال الرئيسي للنص النبوي على المرجعية الفكرية حديث الثقلين إذ قال رسول الله ( صلى الله عليه

وآله ) : إني أو شك أن ادعى فاجيب واني تارك فيكم الثقلين كتاب الله ، حبل ممدود من السماء الى الارض ، وعترتي أهل بيتي ، وأن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ، فانظرو كيف تخلفوني فيهما . . . ( 134 )

والمثال الرئيسي للنص النبوي على المرجعية في العمل القيادي الاجتماعي حديث الغدير حيث أخرج الطبراني بسند مجمع على صحته عن زيد بن ارقم قال : خطب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بغدير تحت شجرات فقال :
 

  * ( هامش ) *
واستيعابه لكتاب الله تعالى واحاطته بخاصه وعامه ، وبناسخه ومنسوخه وباحكامه وشرائعه وبظاهره وباطنه
وراجع مثلا : الاتقان / السيوطي / ج 4 / ص 234 .

( 134 ) المستدرك على الصحيحين / الحاكم النيسابوري ج 3 / ص 119 قال : صحح على شرط الشيخين ( الشهيد )
وقد أخرجه مسلم في صحيحه / ج 4 / ص 1874 ( الشهيد )
وراجع : صحيح الترمذي / ج 1 / ص 130 ( الشهيد ) .
السنن الكبرى
/ النسائي / ج 5 / ص 622 ( الشهيد ) .
مسند الامام أحمد بن حنبل
/ ج 4 / ص 217 ، ج 3 / ص 14 / ص 17 ( الشهيد )
وراجع أيضا : سنن الدارمي / ج 2 / ص 432 باب فضائل القرآن دار إحياء السنة النبوية . ( * )

 

 

- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 85 : -

أيها الناس يوشك أن ادعى فاجيب واني مسؤول وأنكم مسوولون فماذ أنتم قائلون ؟ قالوا نشهد أنك قد بلغت وجاهدت ، ونصحت فجزاك الله خيرا ، فقال : اليس تشهدون أن لا اله الا الله وأن محمدا عبده ورسوله وإن جنته حق ، وأن ناره حق

وأن الموت حق ، وأن البعث حق بعد الموت وأن الساعة آيتة لا ريب فيها ، وأن الله يبعث من في القبور ؟ فقالوا : بلي نشهد بذلك قال : اللهم اشهد . ثم قال : يا ايها الناس ، إن الله مولاي وانا مولى المؤمنين وانا اولى بهم من انفسهم ، فمن كنت مولاه ، فهذا مولاه يعني عليا - اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ( 135 ) .


وهكذا جسد هذان النصان النبويان الشريفان ، في عدد كبير من أمثالهما ، كلتا المرجعيتين في أهل البيت ( عليهم السلام ) وقد اخذ الاتجاه الاسلامي القائم على التعبد بنصوص النبي ( صلى الله عليه وآله ) بكلا النصين وآمن بكلتا المرجعيتين وهو اتجاه المسلمين

 

* ( هامش ) *
( 135 ) قال الشهيد الصدر في الهامش : وحديث الغدير مستفيض في كتب الحديث عند الشيعة والسنة معا ، وقد أحصي بعض المحققين عدد رواة الحديث من الصحابة فكانوا اكثر من مائة وعددهم من التابعين فكانوا اكثر من ثمانين تابعيا وعددهم من الحفاظ في القرن الثاني

الهجري فكانوا قرابة ستين شخصا من حفاظ الحديث ورجالاته لاحظ كتاب الغدير للعلامة الاميني ( الشهيد ) اورد العلامة الاميني في كتابه الغدير عدة احاديث عن زيد بن ارقم وبالفاظ مختلفة ويبدو ان السيد الشهيد قد جمع بين تلك المرويات واخرجها بهذا الشكل

راجع الغدير / ج 1 / ص 31 - 36 وراجع تخريج الحديث في الملحق تذكر منها : سنن ابن ماجة / ج 1 / المقدمة - الباب 11 .
ومسند الامام احمد بن حنبل / ج 4 / ص 281 ص 368 طبعة دار صادر . ( * )

 

 

- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 86 : -

المواطين لأهل البيت . ولئن كانت المرجعية القيادية الاجتماعية لكل إمام تعني ممارسته للسلطة خلال حياته ، فإن المرجعية الفكرية حقيقة ثابتة مطلقة لا تتقيد بزمان حياة الامام .

ومن هنا كان لها مدلولها العملي الحي في كل وقت ، فما دام المسلمون بحاجة الى فهم محدد للاسلام وتعرف على احكامه وحلاله وحرامه ومفاهيمه وقيمه ، فهم بحاجة الى المرجعية الفكرية المحددة ربانيا المتمثلة

اولا : في كتاب الله تعالى وثانيا : في سنة رسوله ( صلى الله عليه وآله ) والعترة المعصومة من أهل البيت التي لا تفترق ولن تفترق عن الكتاب كما نص الرسول ( 136 ) الاعظم ( صلى الله عليه وآله ) .


وأما الاتجاه الاخر في المسلمين الذي قام على الاجتهاد بدلا عن التعبد بالنص فقد قرر في البدء عند وفاة الرسول الاعظم
( صلى الله عليه وآله ) تسليم المرجعية القيادية التي تمارس السلطلة الى رجالات من المهاجرين وفقا لاعتبارات متغيرة ومتحركة ومرنة .


وعلى هذا الاساس تسلم أبو بكر السلطلة بعد وفاة النبي مباشرة على أساس ما تم من تشاور محدود في مجلس السقيفة ( 137 ) ثم تولى الخلافة عمر بنص محدد من ابي بكر ( 138 ) وخلفهما عثمان بنص غير محدد من عمر ( 139 ) ، وأدت المرونة بعد ثلث قرن من وفاة الرسول
 

 

* ( هامش ) *
( 136 ) حديث الثقلين المشهور - مر تخريجه .

( 137 ) راجع نصوص السقيفة / تاريخ الطبري / ج 2 / ص 234 .

( 138 ) راجع قصة استخلاف عمر / المصدر السابق .

( 139 ) راجع قصة الستة الشورى في استخلاف عثمان / تاريخ الطبري / ج 2 / ص 580 وراجع ( * )

 

 

- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 87 : -

القائد إلى تسلل أبناه الطلقاء ( 140 ) الذين حاربوا الاسلام بالامس الى مراكز السلطلة .

هذا فيما يتصل بالمرجعية القيادية التي تمارس السلطلة ، وأما بالنسبة الى المرجعية الفكرية فقد كان من الصعب إقرارها في أهل البيت ، بعد أن ادى الاجتهاد الى انتزاع المرجعية القيادية منهم ، لان إقرارها كان يعني خلق الظروف الموضوعية التي

تمكنهم من تسلم السلطة والجمع بين المرجعيتين كما أنه كان من الصعب أيضا من الناحية الاخرى ، الاعتراف بالمرجعية الفكرية لشخص الخليفة الذي يمارس السلطة فالاحساس المرجعية الفكرية تختلف عن متطلبات ممارسة السلطة فالاحساس

بجدارة الشخص لممارسة السلطة والتطبيق لا يعني بحال الشعور بامكانية نصبه إماما فكريا ومرجعا أعلى بعد القرآن والسنة النبوية لفهم النظرية لان هذه الامامة الفكرية تتطلب درجة عالية من الثقافة ، والاحاطة واستيعاب النظرية وكان من الواضح إن هذا لم يكن متوفرا في اي صحابي بمفرده ( 141 ) إذا قطع
 

  * ( هامش ) *
الخطبة الشقشقية للامام علي - الخطبة رقم 3 نهج البلاغه ضبط الدكتور صبحي الصالح / ص 48 وراجع شرحها لابن ابي الحديد / ج 1 / ص 151 وما بعدها / تحقيق أبو الفضل ابراهيم وراجع السقيفة والخلافة / عبد الفتاح عبد المقصود / ص 264 .

( 140 ) الطلقاء : وصف يطلق على من اسلم زمن الفتح في مكة ومنهم أبو سفيان وابنه معاوية ،
راجع : تاريخ الطبري / ج 2 / ص 161 . علما بانهما كانا من المؤلفة قلوبهم / راجع تاريخ الطبري / ج 2 / ص 175 .

( 141 ) لاحظ احتياجهم الى مرجعية الامام علي عليه السلام في موارد كثيرة وما صدر عنهم من عبارات تصرح بذلك .
راجع تاريخ الخلفاء / السيوطي / ص 171 هذا مع عدم رجوع ( * )

 

 

- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 88 : -

النظر عن أهل البيت ( عليهم السلام ) .

ولهذا ظل ميزان المرجعية الفكرية يتأرجح فترة من الزمن ، وظل الخلفاء في كثير من الحالات ، يتعاملون مع الامام علي على أساس إمامته الفكرية ، أو على اساس قريب من ذلك حتى قال الخليفة الثاني مرات عديدة : ( لولا علي لهلك عمر ،

ولا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو حسن ) ( 124 ) ولكن بمرور الزمن ، بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وتعود المسلمين تدريجيا على النظر الى اهل البيت ، والامام علي بوصفهم أشخاصا اعتياديين ومحكومين أمكن الاستغناء عن

مرجعيتهم الفكرية أساسا ، وإسنادها الى بديل معقول ، وهذا البديل ليس هو شخص الخليفة بل الصحابة ، وهكذا وضع بالتدريج مبدأ مرجعية الصحابة ، ككل ، بدلا عن مرجعية أهل البيت ، وهو بديل يستسيغه النظر بعد تجاوز المرجعية

المنصوصة لان هؤلاء هم الجيل الذي رافق النبي ( صلى الله عليه وآله ) وعاش حياته وتجربته ، ووعى حديثه وسنته ( 143 ) .
 

 

* ( هامش ) *
الامام علي ( عليه السلام ) الى اي واحد منهم في امور الشريعة واحكامها .

( 142 ) الطبقات الكبرى / ج 2 / ص 339 .

( 143 ) لاحظ اولا تقييم الشهيد الصدر للجيل الاول من الصحابة وهو تقييم ينم عن مدى الموضوعية التي تمسك بها الشهيد الصدر ( رضوان الله عليه ) في تناوله لتاريخ المسلمين ، ولدور الرعيل الاول .

وثانيا : إن جعل الصحابة بديلا عن أهل البيت ، لم يحظ بالقبول من كثير من أجلاء الصحابة كسلمان وعمار وأبي ذر والمقداد وغيرهم بل بقي هؤلاء على ولاتهم لاهل البيت ،

وثالثا : إنه وإن أصبحت سيرة الصحابة أو قول الصحابي امرا واقعا إلا أنه لم يتم ( * )

 

 

- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 89 : -

وبهذا فقد أهل البيت عمليا اميتازهم الرباني ، وأصبحوا يشكلون جزءا من المرجعية الفكرية بوصفهم صحابة وبحكم ما قدر أن عاشه الصحابة أنفسهم من اختلافات حادة ، وتناقضات شديدة ، بلغت ، في كثير من الاحيان الى مستوى القتال وهدر كل

فريق دم الفريق الاخر وكرامته ، وإتهامه بالانحراف والخيانة ( 144 ) وبحكم هذه الاختلافات والاتهامات بين صفوف الامامة الفكرية ، والمرجعية العقائدية نفسها ، نشأت ألوان من التناقض العقائدي والفكري ( 145 ) في جسم الامة الاسلامية

كانعكاسات لاوجه التناقضى في داخل تلك الامامة الفكرية التي قررها الاجتهاد
 

  * ( هامش ) *
التسليم بحجية اقوالهم وحسبك ان سيرة الشيخين عرضت على الامام علي ( عليه السلام ) يوم الشورى فلم يقبل بها ، وراجع المناقشة العلمية الشافية في الاصول العامة للفقه المقارن / العلامة محمد تقي الحكيم / ص 133 - 142 .

( 144 ) راجع اتهام الخليفة الثاني عمر بن الخطاب لخالد بن الوليد بانه قتل رجلا مسلما

( 145 ) راجع مناهج الاجتهاد / د . محمد سلام مدكور / حول نشوء الفرق والمذاهب الاسلامية الكلامية والفقهية والنزاعات الحاصلة بينهم . وراجع أيضا : الملل والنحل / الشهرستاني / ج 1 / ص 15 وما بعدها . ( * )

 


 

 

الصفحة الرئيسية

 

فهرس الكتاب