إعداد الأمة وتهيئتها لتولي علي ( عليه السلام ) الخلافة

- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 115 : -

المبحث الثاني : إعداد الأمة وتهيئتها لتولي علي ( عليه السلام ) الخلافة


لقد بدأت علمية إعدا الامة وتربيتها لقبول واستقبال خلافة علي ( عليه السلام ) ، وقيادته للمسيرة الاسلامية بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، منذ وقت مبكر ، فعندها أمر النبي الاكرم بالانذار والتبليغ كما في قوله تعالى : ( فاصدع بما تؤمر واعرض عن المشركين ) ( 34 )
 

قال الطبري : وكان قبل ذلك في السنين الثلاث من مبعثه الى أن أمر باظهار الدعاء إلى الله ، مستسرا مخفيا أمره ( صلى الله عليه وآله ) ، وأنزل عليه : ( وانذر عشيرتك الاقربين ) ( 35 )


ثم أخرج الطبري رواية عن عبد الله بن عباس عن علي بن أبي طالب ، قال : ( لما نزلت هذه الاية على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ( وانذر عشيرتك الاقربين ) دعاني رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فقال لي يا علي إن الله أمرني
 

 

* ( هامش ) *
( 34 ) الحجر / 94 . ( 35 ) الشعراء / 214 . ( * )

 

 

- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 116 : -

أن أنذر عشيرتي الاقربين ، فضقت بذلك ذرعا ، وعرفت أني متى أباديهم بهذا الامر أرى منهم ما أكره فصمت عليه حتى جاءني جبريل ، فقال يا محمد إلا تفعل ما تؤمر به يعذبك ربك ، فاصنع لنا صاعا من طعام واجعل عليه رجل شاة ، وأملا لنا

عسل من لبن ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى اكلمهم وابلغهم ما امرت به ، ففعلت ما امرني به ثم دعوتهم له وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه ، فيهم أعمامه أبو طالب والحمزة والعباس وأبو لهب . . . ) وتكررت المحاولة فلما

أكلوا وشربوا قال الطبري : ( فتكلم رسول الله فقال : يا بني عبد المطلب إني والله ما اعلم شابا في العرب جاء قومه بافضل ما جئتكم به إني جئتكم بخير الدنيا والاخرة ، وقد امرني الله تعالى أن ادعوكم إليه فايكم يؤازرني على هذا الامر على أن

يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم . قال : فأحجم القوم عنها جميعا ، فقلت وأني لاحدثهم سنا ، وارمضهم عينا . . . أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه ، فاخذ برقبتي ثم قال : إن هذا اخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا قال - أي علي ( عليه السلام ) - فقام القوم يضحكون ، ويقولون لابي طالب قد امرك أن تسمع لابنك وتطيع . . . ) ( 36 ) .

ومن هذه الرواية يتضح لنا أن أول عملية لاعداد الذهنية من
 

 

* ( هامش ) *
( 36 ) تاريخ الطبري / ج 3 / ص 218 / 219 / المطبعة الحسينية بمصر / الطبعة الاولى راجع تفصيل الرواية واسانيدها في ما نزل من القرآن في علي / لابي نعيم / جمع الشيخ المحمودي / ص 155 .
وراجع تفسير الخازن / ج 3 ص 371 طبعة دار المعرفة / بيروت . ( * )

 

 

- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 117 : -

أجل قبول علي ، وصيا وخليفة ، قد تمت في الوسط الخاص ، ( عشيرة النبي المقربين ) وكان ذلك جنبا إلى جنب مع التبشير برسالته والاعلان عن نبوته وبعثته صلوات الله وسلامه عليه .


ثم اتخذت عملية إعدا الامة منحى آخر : فقد بدا القران يتنزل تباعا ، وبدأ علي يقاتل دونه مع رسول الله وبدأت الايات القرآنية تنزل أيضا في الاشادة بفضل علي ( عليه السلام ) وبفضائله ، لاجل نفس الهدف .


وقد أخرج ابن عساكر على ما نقله السيوطي : ( أنه ما نزل في احد من كتاب الله كما نزل في علي . . . ) ( 37 )


وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس أيضا ( أنه نزلت في علي ثلاثمائة آية ) ( 38 ) .


ونورد هنا بعض الايات التي ذكر غير واحد انها نزلت في علي ، وتدخل في هذا الاطار اي تؤشر حقيقة إعدا الامة وتربيتها في هذا الاتجاه :

 أ - جاء قوله تعالى : ( إن الذين امنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا ) ( 39 ) أخرج غير واحد من الحفاظ باسانيد مختلفة أنها نزلت في علي ، لان مامن مسلم إلا ولعلي في
 

 

* ( هامش ) *
( 37 ) تاريخ الخلفاء / ص 171 ، الصواعق المحرقة / لابن حجر / ص 127 .
( 38 )
المصدران السابقان .
( 39 )
مريم / 96 . ( * )

 

 

- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 118 : -

قلبه محبة . . . ) ( 40 ) .

فعن البراء بن عازب قال : ( قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لعلي بن أبي طالب يا علي قل اللهم اجعل لي عندك عهدا ، واجعل لي في صدور المؤمنين مودة . فأنزل الله : ( إن الذين امنوا . . . ) قال : نزلت في علي ( 41 ) .



 ب - قوله تعالى : ( هذان خصمان اختصموا في ربهم . . . ) ( 42 ) . عن علي ( عليه السلام ) قال : أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة ، قال قيس : وفيهم نزلت ( هذان خصمان اختصموا في ربهم . . . ) قال : ( هم الذين بارزوا يوم بدر علي وحمزة وعبيدة وشيبة بن ربيعة . . . ) ( 43 ) .



 ج‍ - قوله تعالى : ( ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال . . . ) ( 44 ) . روى غير واحد أن عبد الله ابن مسعود كان يقرأ هذه الاية هكذا : ( وكفى الله المؤمنين القتال ) بعلي بن ابي طالب ( 45 ) .
 

 

* ( هامش ) *
( 40 ) راجع ما نزل من القرآن في علي / لابي نعيم الاصبهاني / جمع الشيخ المحمودي / ص 130 وما بعدها .
( 41 )
شواهد التنزيل / الحسكاني / ج 1 / ص 360 / 361 ط 1 .
( 42 )
سورة الحج / آية 19 .
( 43 )
التاج الجامع للاصول / ج 4 / ص 181 وقال رواه الشيخان ( البخاري ومسلم ) كتاب التفسير .
( 44 )
الاحزاب / 25 .
( 45 )
ما نزل من القرآن في علي / لابي نعيم / تحقيق المحمودي / ص 172 . وراجع ( * )

 

 

- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 119 : -

 د - قوله تعالى ( يا ايها الذين امنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) ( 46 ) . ذكر غير واحد من الحفاظ والمحدثين عن ابن عباس قال : هو علي بن ابي طالب ( عليه السلام ) خاصة ( 47 ) .


 ه‍ - قوله تعالى : ( والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا ) ( 48 ) . وورد بعدة : طرق أنها نزلت في علي ، وذلك أن نفرا من المنافقين كانوا يؤذونه ويكذبون عليه ( 49 ) .


إن مما يؤكد أن هذه الايات قد جاءت ونزلت لبيان منزلة علي ( عليه السلام ) وعظمة شخصيته ، ودوره الكبير في حياة الرسالة والرسول ، وأن المؤمنين يلزمهم وعي هذه الحقائق والانقياد إليها ، مما يؤكد ذلك هو ما جاء من الاحاديث النبوية في تثبيت هذه المعاني .

فقد روي الصحابي سعد بن أبي وقاص قال : امرني معاوية أن
 

  * ( هامش ) *
ما نقله عن ميزان الاعتدال الذهبي / ج 2 / ص 380 ترجمة عياد بن يعقوب تحت الرقم 4149 .
( 46 ) التوبة / 119 .
( 47 )
ما نزل من القرآن في علي / لابي نعيم / ص 104 وراجع الهامش فقد نقل روايات باسانيد مختلفة
وراجع ايضا : الصواعق المحارقة / لابن حجر / ص 152 .
( 48 )
الاحزاب / 58 .
( 49 )
راجع تفسير الكشاف / ج 3 / ص 559 . ( * )
 

 

- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 120 : -

أسب أبا التراب ، فقلت : أما ما ذكرت ثلاثا قالهن له رسول الله فلن أسبه ، لان تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم ، قد خلفه رسول الله في بعض مغازيه فقال علي : يا رسول الله خلقتني مع النساء والصبيان ، فسمعت رسول الله

يقول : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لانبوة بعدي ( 50 ) وسمعته يقول يوم خيبر : لاعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ، قال : فتطاولنا لها ( 51 ) فقال : ادعو لي عليا فاتي به ارمد فبصق

في عينه ، ودفع الراية إليه ، ففتح الله عليه ، ولما نزلت هذه الاية : ( فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع ابناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ) ( 52 ) دعا رسول الله عليا

وفاطمة وحسنا وحسينا ، وقال : اللهم هؤلاء أهلي ( رواه مسلم ( 53 ) والترمذي ( 54 ) . إن هذه الرواية - علي طولها التي رواها سعد تؤكد امورا منها :

 أ - نزول آية المباهلة - وهي الاية المذكورد في نص الرواية - في
 

  * ( هامش ) *
( 50 ) حديث المنزلة سبق تخريجه ، راجع الجامع للاصول / ج 3 ص 3323 رواه الشيخان والترمذي .
( 51 )
راجع : الرواية عن أبي هريرة وفيها قال عمر : ما أحببت الامارة الا يومئذ فتساورت لها . . . ) التاج الجامع للاصول / ج 3 / ص 331 / رواه الشيخان . 0 52 ) آل عمران / 61 .
( 53 )
صحيح مسلم / ج 4 / ص 1873 .
( 54 )
صحيح الترمذي / ج 5 / ص 596 ، وراجع الصواعق المحرقة / لابن حجر / ص 143 .
وراجع الرواية في التاج الجامع للاصول / ج 3 / ص 333 . ( * )
 

 

- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 121 : -

علي وزوجته البتول وولديهما الحسن والحسين ( عليهم السلام ) .


 ب - تؤكد أن هؤلاء هم أهل البيت دون سواهم ( 55 ) . وبالتالي نفهم أنهم هم المقصودون في آية التطهير التي هي قوله تعالى : ( . . . إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) ( 56 ) وفي آية التطهير هذه يتبين لنا نزاهة علي وأمانته ، وسمو ذاته وطهارته ، بل عصمته .


ومن هنا يبدأ الاستحقاق لان يحتل علي مقام الخلافة والولاية وقيادة المسيرة ، قال الراغب الاصفهاني : ( لا يصلح لخلافة الله ولا يكمل لعبادته وعمرة أرضه إلا من كان طاهر النفس قد ازيل رجسها ونجسها ، فللنفس نجاسة كما إن للبدن نجاسة ،

لكن نجاسة البدن قد تدرك بالبصر ونجاسة النفس لا تدرك إلا بالبصيرة . . . وإنما لم يصلح لخلافة الله إلا من كان طاهر النفس لان الخلافة هي الاقتداء به تعالى على الطاقة البشرية ، ومن لم يكن طاهر القول والفعل فكل إناء بالذي فيه يرشح . . . ) ( 57 ) .

 

 

* ( هامش ) *
( 55 ) التاج الجامع للاصول / ج 4 / ص 207 قال روى الترمذي ومسلم عن عمر بن ام سلمة ربيب رسول الله : لما نزلت هذه الاية - التطهير - في بيت ام سلمة دعا رسول الله فاطمة وحسنا وحسينا وعليا ، فجللهم بكساء ثم قال : اللهم هؤلاء أهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا قالت ام سلمة ، وأنا معهم يا رسول الله . قال : أنت على مكانك ، وأنت علي خير .
( 56 )
الاحزاب / 33 .
( 57 )
الذريعة إلى مكارم الشريعة / ابن المفضل الراغب الاصفهاني / ص 29 مراجعة وتعليق طه عبد الرؤوف سعد / ط 1 / مكتبة الكليات الازهرية - القاهرة / 393 ه‍ ، وراجع استفادة ( * )

 

 

   

الصفحة التالية

   

 

 

الصفحة الرئيسية

 

فهرس الكتاب