المبحث الثاني :
إعداد الأمة وتهيئتها لتولي علي ( عليه السلام ) الخلافة
لقد بدأت علمية إعدا الامة وتربيتها لقبول واستقبال خلافة علي ( عليه السلام )
، وقيادته للمسيرة الاسلامية بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، منذ وقت مبكر
، فعندها أمر النبي الاكرم بالانذار والتبليغ كما في قوله تعالى :
( فاصدع بما تؤمر واعرض عن
المشركين ) ( 34 )
قال الطبري : وكان قبل ذلك في
السنين الثلاث من مبعثه الى أن أمر باظهار الدعاء إلى الله ، مستسرا مخفيا أمره
( صلى الله عليه وآله ) ، وأنزل عليه : (
وانذر عشيرتك الاقربين ) ( 35 )
ثم أخرج الطبري رواية عن عبد الله بن عباس عن علي
بن أبي طالب ، قال : ( لما نزلت هذه الاية على رسول الله ( صلى الله عليه وآله
) (
وانذر عشيرتك الاقربين
) دعاني رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فقال لي يا علي إن الله
أمرني
| |
* ( هامش ) *
( 34 ) الحجر / 94 . ( 35 )
الشعراء / 214 . ( * ) |
|
|
- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 116 : - |
أن أنذر عشيرتي الاقربين ، فضقت بذلك ذرعا ، وعرفت أني متى
أباديهم بهذا الامر أرى منهم ما أكره فصمت عليه حتى جاءني جبريل ، فقال يا محمد
إلا تفعل ما تؤمر به يعذبك ربك ، فاصنع لنا صاعا من طعام واجعل عليه رجل شاة ،
وأملا لنا
عسل من لبن ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى اكلمهم وابلغهم ما
امرت به ، ففعلت ما امرني به ثم دعوتهم له وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا
أو ينقصونه ، فيهم أعمامه أبو طالب والحمزة والعباس وأبو لهب . . . ) وتكررت
المحاولة فلما
أكلوا وشربوا
قال الطبري :
( فتكلم رسول الله فقال : يا بني عبد المطلب إني
والله ما اعلم شابا في العرب جاء قومه بافضل ما جئتكم به إني جئتكم بخير الدنيا
والاخرة ، وقد امرني الله تعالى أن ادعوكم إليه فايكم يؤازرني على هذا الامر
على أن
يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم . قال : فأحجم القوم عنها جميعا
، فقلت وأني لاحدثهم سنا ، وارمضهم عينا . . . أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه
، فاخذ برقبتي ثم قال : إن هذا اخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا قال
- أي علي ( عليه السلام ) - فقام القوم يضحكون ، ويقولون لابي طالب قد امرك أن
تسمع لابنك وتطيع . . .
)
( 36 ) .
ومن هذه الرواية يتضح لنا أن أول عملية لاعداد الذهنية من
| |
* ( هامش ) *
( 36 )
تاريخ الطبري / ج 3 / ص 218 / 219 / المطبعة
الحسينية بمصر / الطبعة الاولى راجع تفصيل الرواية واسانيدها في ما نزل من
القرآن في علي / لابي نعيم / جمع الشيخ المحمودي / ص 155 .
وراجع تفسير الخازن / ج 3 ص 371 طبعة دار
المعرفة / بيروت . ( * ) |
|
|
- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 117 : - |
أجل قبول علي ، وصيا وخليفة ، قد تمت في الوسط الخاص ، (
عشيرة النبي المقربين ) وكان ذلك جنبا إلى جنب مع التبشير برسالته والاعلان عن
نبوته وبعثته صلوات الله وسلامه عليه .
ثم اتخذت عملية إعدا الامة منحى آخر : فقد بدا القران يتنزل تباعا ، وبدأ علي
يقاتل دونه مع رسول الله وبدأت الايات القرآنية تنزل أيضا في الاشادة بفضل علي
( عليه السلام ) وبفضائله ، لاجل نفس الهدف .
وقد أخرج ابن عساكر على ما نقله السيوطي : (
أنه ما نزل في احد من كتاب الله كما نزل في علي . . . )
( 37 )
وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس أيضا (
أنه نزلت في علي ثلاثمائة آية )
( 38 ) .
ونورد هنا بعض الايات التي ذكر غير واحد انها نزلت في علي ، وتدخل في هذا
الاطار اي تؤشر حقيقة إعدا الامة وتربيتها في هذا الاتجاه :
أ - جاء قوله تعالى :
( إن الذين امنوا وعملوا
الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا ) ( 39 )
أخرج غير واحد من الحفاظ باسانيد مختلفة أنها نزلت في علي ، لان مامن مسلم إلا
ولعلي في
| |
* ( هامش ) *
( 37 )
تاريخ الخلفاء
/ ص 171 ، الصواعق المحرقة / لابن حجر
/ ص 127 .
( 38 ) المصدران السابقان .
( 39 ) مريم / 96 . ( * ) |
|
|
- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 118 : - |
قلبه محبة . . . )
( 40 ) .
فعن البراء بن عازب قال : ( قال رسول الله ( صلى الله عليه
وآله ) لعلي بن أبي طالب يا علي قل اللهم اجعل لي عندك عهدا ، واجعل لي في صدور
المؤمنين مودة . فأنزل الله :
( إن الذين امنوا
. . . ) قال : نزلت في علي
( 41 ) .
ب - قوله تعالى :
( هذان خصمان اختصموا في
ربهم . . . ) ( 42 ) . عن علي ( عليه
السلام ) قال : أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة ، قال قيس
: وفيهم نزلت
( هذان خصمان اختصموا في
ربهم . . . ) قال : ( هم الذين بارزوا يوم
بدر علي وحمزة وعبيدة وشيبة بن ربيعة . . . )
( 43 ) .
ج - قوله تعالى :
( ورد الله الذين كفروا
بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال
. . . ) ( 44 ) . روى غير واحد أن عبد الله ابن مسعود كان يقرأ هذه
الاية هكذا :
( وكفى الله المؤمنين
القتال ) بعلي بن ابي طالب
( 45 ) .
| |
* ( هامش ) *
( 40 ) راجع
ما نزل من القرآن في علي / لابي نعيم الاصبهاني /
جمع الشيخ المحمودي / ص 130 وما بعدها .
( 41 ) شواهد التنزيل / الحسكاني / ج
1 / ص 360 / 361 ط 1 .
( 42 ) سورة الحج / آية 19 .
( 43 ) التاج الجامع للاصول / ج 4 / ص
181 وقال رواه الشيخان ( البخاري ومسلم ) كتاب التفسير .
( 44 ) الاحزاب / 25 .
( 45 ) ما نزل من القرآن في علي /
لابي نعيم / تحقيق المحمودي / ص 172 . وراجع ( * ) |
|
|
- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 119 : - |
د - قوله تعالى
( يا ايها الذين امنوا
اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) ( 46 ) .
ذكر غير واحد من الحفاظ والمحدثين عن ابن عباس قال : هو علي بن ابي طالب ( عليه
السلام ) خاصة
( 47 ) .
ه - قوله تعالى :
( والذين يؤذون المؤمنين
والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا
) ( 48 ) . وورد بعدة : طرق أنها نزلت في علي ،
وذلك أن نفرا من المنافقين كانوا يؤذونه ويكذبون عليه
( 49 ) .
إن مما يؤكد أن هذه الايات قد جاءت ونزلت لبيان منزلة علي ( عليه السلام )
وعظمة شخصيته ، ودوره الكبير في حياة الرسالة والرسول ، وأن المؤمنين يلزمهم
وعي هذه الحقائق والانقياد إليها ، مما يؤكد ذلك هو ما جاء من الاحاديث النبوية
في تثبيت هذه المعاني .
فقد روي الصحابي سعد بن أبي
وقاص قال : امرني معاوية أن
| |
* ( هامش ) *
ما نقله عن ميزان الاعتدال الذهبي / ج 2 / ص
380 ترجمة عياد بن يعقوب تحت الرقم 4149 .
( 46 ) التوبة
/ 119 .
( 47 ) ما نزل من القرآن في علي /
لابي نعيم / ص 104 وراجع الهامش فقد نقل روايات باسانيد مختلفة
وراجع ايضا :
الصواعق المحارقة / لابن حجر / ص 152 .
( 48 ) الاحزاب / 58 .
( 49 ) راجع تفسير الكشاف
/ ج 3 / ص 559 . ( * ) |
|
|
- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 120 : - |
أسب أبا التراب ، فقلت : أما ما ذكرت ثلاثا قالهن له رسول
الله فلن أسبه ، لان تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم ، قد خلفه رسول
الله في بعض مغازيه فقال علي : يا رسول الله خلقتني مع النساء والصبيان ، فسمعت
رسول الله
يقول : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة
هارون من موسى إلا أنه لانبوة بعدي
( 50 ) وسمعته يقول يوم خيبر :
لاعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله
، قال : فتطاولنا لها
( 51 ) فقال : ادعو لي عليا فاتي به ارمد فبصق
في عينه ، ودفع الراية إليه ، ففتح الله عليه ، ولما نزلت هذه
الاية :
( فمن حاجك فيه من بعد ما
جاءك من العلم فقل تعالوا ندع ابناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا
وانفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين )
( 52 ) دعا رسول الله عليا
وفاطمة وحسنا وحسينا ، وقال : اللهم هؤلاء أهلي ( رواه مسلم
( 53 ) والترمذي
( 54 ) . إن هذه الرواية - علي طولها التي رواها
سعد تؤكد امورا منها :
أ - نزول آية المباهلة - وهي
الاية المذكورد في نص الرواية - في
| |
* ( هامش ) *
( 50 ) حديث المنزلة سبق تخريجه ،
راجع
الجامع للاصول / ج 3 ص 3323 رواه الشيخان
والترمذي .
( 51 ) راجع : الرواية عن أبي هريرة وفيها قال عمر : ما أحببت
الامارة الا يومئذ فتساورت لها . . . )
التاج الجامع للاصول / ج 3 / ص 331 / رواه
الشيخان . 0 52 ) آل عمران / 61 .
( 53 ) صحيح مسلم / ج 4 / ص 1873 .
( 54 ) صحيح الترمذي / ج 5 / ص 596 ،
وراجع
الصواعق المحرقة / لابن حجر / ص 143 .
وراجع الرواية في
التاج الجامع للاصول
/ ج 3 / ص 333 . ( * ) |
|
|
- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 121 : - |
علي وزوجته البتول وولديهما الحسن والحسين ( عليهم السلام ) .
ب - تؤكد أن هؤلاء هم أهل البيت دون سواهم
( 55 ) . وبالتالي نفهم أنهم هم المقصودون في آية
التطهير التي هي قوله تعالى :
( . . . إنما يريد الله
ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا )
( 56 ) وفي آية التطهير هذه يتبين لنا نزاهة علي
وأمانته ، وسمو ذاته وطهارته ، بل عصمته .
ومن هنا يبدأ الاستحقاق لان يحتل علي مقام الخلافة والولاية وقيادة المسيرة ،
قال الراغب الاصفهاني : ( لا يصلح لخلافة الله ولا يكمل لعبادته وعمرة أرضه إلا
من كان طاهر النفس قد ازيل رجسها ونجسها ، فللنفس نجاسة كما إن للبدن نجاسة ،
لكن نجاسة البدن قد تدرك بالبصر ونجاسة النفس لا تدرك إلا
بالبصيرة . . . وإنما لم يصلح لخلافة الله إلا من كان طاهر النفس لان الخلافة
هي الاقتداء به تعالى على الطاقة البشرية ، ومن لم يكن طاهر القول والفعل فكل
إناء بالذي فيه يرشح . . . ) ( 57 ) .
| |
* ( هامش ) *
( 55 )
التاج الجامع للاصول / ج 4 / ص 207 قال روى
الترمذي ومسلم عن عمر بن ام سلمة ربيب رسول الله :
لما نزلت هذه الاية - التطهير - في بيت ام سلمة دعا
رسول الله فاطمة وحسنا وحسينا وعليا ، فجللهم بكساء ثم قال : اللهم هؤلاء أهل
بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا قالت ام سلمة ، وأنا معهم يا رسول الله .
قال : أنت على مكانك ، وأنت علي خير .
( 56 ) الاحزاب / 33 .
( 57 ) الذريعة إلى مكارم الشريعة /
ابن المفضل الراغب الاصفهاني / ص 29 مراجعة وتعليق طه عبد الرؤوف سعد / ط 1 /
مكتبة الكليات الازهرية - القاهرة / 393 ه ، وراجع استفادة ( * ) |
|