يتبين لنا من ذلك أن القرآن الكريم بعد أن أشاد بفضل علي
وبفضائله ، ارتقى به إلى منزلة التزكية المطلقة ( التطهير ) ثم صعد به إلى
منزلة علي غاية من الاهمية إذ جعل نفس علي كنفس النبي محمد ( صلى الله عليه
وآله ) كما هو صريح آية المباهلة .
وتأسيسا على ذلك ، أكد النبي ( صلى الله عليه وآله ) مرارا
وكرارا قائلا : ( على مني وأنا من علي )
( 58 ) وعندما حاول بعض الناس الشكوى من علي بغية
التشويش على مقامه هذا ومنزلته ، قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : (
ما تريدون من علي . . . ؟ رددها ، ثم قال (
إن عليا مني وأنا منه ) ( 59 ) .
ومن أجل قطع الطريق أمام المتككين بهذه المنزلة الرفيعة التي أنزل الله تعالى
فيها عليا ، ولترسيخ وتأكيد ولايته وخلافته بعد النبي ، في كل ما يهم المسلمين
من أجل ذلك ، جاء قوله تعالى : (
إنما وليكم الله ورسوله والذين امنوا الذين يقيمون
الصلاة
ويوتون الزكاة وهم راكعون
) ( 60 ) فقد ذكر الزمخشري أن هذه الاية
المباركة نزلت في علي ( عليه السلام ) حين ساله سائل ، وهو راكع في صلاته فطرح
له خاتمه
( 61 ) .
ولإزالة الالتباس ، وقطعا لدابر اي تأويل في المراد بالولي
| |
* ( هامش ) *
العصمة من آية التطهير / الاصول العامة للفقة
المقارن / محمد تقي الحكيم / ص 174 .
( 58 ) التاج الجامع للاصول / ناصف /
ج 3 / ص 334 وراجع تاريخ الخلفاء / السيوطي / ص
169 .
( 59 ) صحيح الترمذي / ج 5 / ص 594 .
( 60 ) المائدة / 55 .
( 61 ) الكشاف
/ الزمخشري / ج 1 / ص 649 قال في الهامش في تخريج الحديث : رواه ابن ابي حاتم
من طريق سلمة بن كهيل : قال : تصدق علي بخاتمه وهو راكع فنزلت / اي الآية . ( *
) |
|
|
- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 123 : - |
وتشخيصه في مثل هذه الموارد صرح النبي ( صلى الله عليه وآله )
في أكثر من مناسبة قائلا : (
إن عليا مني ، وأنا منه ، وهو ولي كل مؤمن بعدي . . . )
( 62 )
ولتأكيد ولاية علي ، ودوره الهام بالنسبة إلى الرسالة الاسلامية قال رسول الله
( صلى الله عليه وآله ) : (
علي مني أنا من علي ولا يؤدي عني - أي بصفته نبيا
رسولا -
إلا أنا وعلي . . . )
( 63 )
ثم رسخ هذا المفهوم عمليا جهارا نهارا في قصة
تبليغ سورة براءة
، كما أخرج هذه الرواية
الامام احمد بن حنبل في مسنده عن أبي بكر الصديق
أنه قال : ( إن النبي بعثه ببراءة إلى أهل مكة ، فسار ثلاثا ثم قال لعلي :
الحقة ، فرد علي ابا بكر
وبلغها ، فلما قدم أبو بكر على رسول الله ( صلى الله عليه
وآله ) قال : يا رسول الله حدث في شئ قال : ما وجدت فيك إلا خيرا ، لكنني امرت
أن لا يبلغ إلا أنا أو رجل مني . . . ) ( 64 )
وفي الكشاف : روي أن ابا بكر لما كان ببعض الطريق
- أي لتبليغ سورة براءة - هبط جبرائيل ( عليه السلام ) ، فقال : يا محمد : لا
يبلغن رسالتك إلا رجل منك ، فارسل عليا . . . )
( 65 ) .
وأخيرا ختم القرآن الكريم هذا الموضوع الحيوي والمهم أي
| |
* ( هامش ) *
ولابن مردويه عن سفيان الثوري عن ابن سنان عن الضحاك عن ابن عباس مثله .
وراجع أيضا
أسباب النزول / الواحدي / ص 134 قال : نزلت
في علي .
( 62 ) صحيح الترمذي
/ السابق - باب فضائل الامام علي وراجع التاج الجامع
للاصول / ج 3 / ص 335 .
( 63 ) المصدر السابق .
( 64 ) مسند الامام
أحمد بن حنبل / ج 1 / ص 3 - طبعة دار صار وراجع :
تفسير الكشاف الزمخشري / ج 2 / ص 243 ، وراجع
الروايد أيضا في
صحيح الترمذي / ج 5 / ص 594 .
( 65 ) الكشاف / المصدر السابق . ( * ) |
|
|
- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 124 : - |
عملية الاعداد الفكري والتربوي في آخر ما نزل منه في
آية التبليغ
ثم في أية إكمال الدين بعد حديث الغدير المشهور ، وعنده لم يعد هناك عذر
لمعتذر .
وقصة الغدير - كما تناقلها الرواة مع بعض الاختلاف - هي كما
يأتي : لما رجع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من حجة الوداع ، نزل عليه
الوحي مشددا
( يا ايها الرسول بلغ ما
انزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله
يعصمك من الناس )
( 66 ) قحط الركب عند غدير خم ، وجمع الناس في منتصف النهار ، والحر
شديد ، وخطب فيهم قائلا ، كاني قد دعيت فأجبت وإني تركت فيكم الثقلين ، أحدهما
أكبر من الاخر ، كتاب الله وعترتي - وفي رواية مسلم
( 67
)
وأهل بيتي - فانظروا كيف تخلفوني فيهما ، فإنهما لن يفترقا
حتى يردا علي الحوض . . . ثم قال : إن الله مولاي ، وأنا مولى كل مؤمن ، ثم أخذ
بيد علي فقال : من كنت مولاه فهذا وليه - فهذا
مولاه
( 68 ) - اللهم وال من
والاه وعاد من عاداه ، واخذل من خذله ، وانصر من نصره
( 69 ) . . . وأدر
| |
* ( هامش ) *
( 66 )
المائدة
/ 67 ، قال الواحدي في أسباب النزول / ص 135 ، نزلت في غدير خم .
( 67
) صحيح مسلم / ج 4 / ص 1874 .
( 68 ) التاج الجامع
للاصول / ج 3 / ص 333 .
رواية عن زيد بن أرقم عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) وهي في
صحيح الترمذي أيضا / ج 5 / ص 591 .
( 69 ) مسند الامام
احمد بن حنبل / ج 4 / ص 281 ، 368 دار صادر
وراجع تفسير ابن كثير / ج 1 ص 22 .
وراجع سنن ابن ماجة / المقدمة / ج 1 / باب 11
وراجع تحقيقات وافية شافية في أسانيد الحديث الغدير / العلامة الاميني .
وراجع البداية والنهاية / لابن كثير أيضا
بعدد طرق / ج 7 / ص 360 / 361 . ( * ) |
|
|
- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 125 : - |
الحق معه حيثما دار . . .
( 70 ) وقد أعقب هذا الحدث الكبير نزول الوحي مرة
اخرى بقوله تعالى :
( . . . اليوم أكملت لكم
دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا
. . . ) ( 71 ) .
وقد ورد في بعض الروايات أن الرسول القائد ( صلى الله عليه وآله ) قال بعد نزول
هذه الاية في ذلك اليوم المشهود وهو يوم الثامن عشر من ذي الحجة
( 72 ) يوم الغدير قال : (
الله اكبر ، الحمد لله على اكمال الدين واتمام النعمة
ورضى الرب برسالتي وبالولاية لعلي بعدي )
( 73 ) .
وفي رواية لاحمد ( فلقيه عمر بن الخطاب - أي لقى عليا - بعد ذلك ، فقال له
هنيئا أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة . . . )
( 74 ) .
ومما يؤسف له حقا أن بعض الناس كان لا يرضيهم أن يعطى علي مثل هذه الامتيازات
والمقامات ، وكان بعض الناس يكثر لغطه واعتراضه عندما يخص الرسول القائد عليا
بذلك ، فيضطر الرسول الاكرام صلوات الله عليه وآله أن يذكرهم بأنه رسول رب
العالمين
| |
* ( هامش ) *
( 70 )
التاج الجامع للاصول / ج 3 / ص 337 . وراه
مستقلا : (
رحم الله عليا اللهم ادر الحق معه حيث دار . . .
) .
( 71 ) المائدة / 3 .
( 72 ) راجع
الاتقان / السيوطي / ج 1 / ص 75 في رواية
نزول الاية يوم الغدير وأنه يوم الثامن عشر من ذي الحجة .
وراجع
أسباب النزول / الواحدي / ص 135 .
( 73 ) مناقب أمير
المؤمنين / الحافظ محمد بن سلمان الكوفي القاضي / من أعلام القرن الثالث
/ تحقيق الشيخ المحمودي / ج 1 / ص 119 مجمع إحياء الثقافة الاسلامية / قم /
1412 ه .
( 74 ) مسند الامام
أحمد بن حنبل / ج 4 / ص 281 ، وقد أشهد علي جمعا من الناس ، فشهد له
ثلاثون أنهم سمعوا هذا الحديث من رسول الله ابن كثير /
البداية والنهاية / ج 7 / ص 360 . ( * ) |
|
|
- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 126 : - |
الذي يصدع بما يؤمر وأنه :
( وما ينطق عن الهوي
* إن هو إلا وحي يوحي
) ( 75 ) .
ومن الشواهد على ذلك ما رواه الترمذي وحسنه ، عن جابر ابن عبد
الله قال : ( دعا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عليا يوم الطائف فانتجاه -
أي كلمة سرا - فقال الناس : لقد طال نجواه مع ابن عمه ، فقال الرسول :
ما انتجيته ولكن الله انتجاه . . . )
( 76 ) .
وعن ميمون عن زيد بن ارقم قال : ( كان لنفر من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه
وآله ) أبواب شارعة في المسجد قال : فقال رسول الله يوما سدوا هذه الابواب إلا
باب علي قال : فتكلم في ذلك الناس ، قال ، فقام رسول الله فحمد الله وأثنى عليه
، ثم قال :
أما بعد فإني امرت بسد هذه الابواب ، إلا باب على ، وقال
فيه قائلكم ، وإني والله ما سددت شيئا ولافتحته ، ولكني امرت بشئ فاتبعته . . . )
( 77 ) .
وهكذا كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كلما يخص عليا دون سواه بأمر ،
يصرح لهم ، ويبين للامة أن ذلك إنما هو بأمر من الله تعالى .
وقد حدث ذلك في إرسال علي ( عليه السلام )
لتبليغ سورة براءة بدلا من ابي بكر ، وحدث ذلك يوم المناجاة في الطائف ،
| |
* ( هامش ) *
( 75 )
النجم / 3 - 4 .
( 76 ) راجع صحيح الترمذي / ج 5 / ص
597 ،
وراجع البداية والنهاية / لابن كثير / ج 7 ص
369 ،
وراجع التاج الجامع للاصول / ج 3 / ص 336 .
( 77 ) مسند الامام
احمد / ج 4 / ص 369 ،
وراجع تاريخ ابن كثير / ج 7 / ص 355 . ( * ) |
|
|
- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 127 : - |
وحدث ذلك يوم الغدير ، إلى غير ذلك .
ومما يلاحظ أيضا أن المواقف الحاسمة في تاريخ الاسلام ، وفي
حياة الرسول الاعظم ( صلى الله عليه وآله ) ، بما فيها ما يتصل بحماية التجربة
الاسلامية ومستقبلها ، يلاحظ أن الرسول القائد كان يقدم عليا ويدعوه شخصيا دون
غيره لحسم تلك
المواقف ودفع الخطر الداهم ، حدث ذلك في معركة بدر الكبرى ،
إذا كان علي صاحب الراية ، وقتل من صناديد المشركين من قتل ، وحدت ذلك يوم أحد
إذ قتل علي طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين ، روى الطبري قال : لما قتل علي
بن ابي
طالب أصحاب الالوية ، أبصر رسول الله جماعة من المشركين فقال
لعلي : احمل عليهم ، ففرق جمعهم ، وقتل عمرو الجمحي ، ثم أبصر رسول الله ( صلى
الله عليه وآله ) جماعة من المشركين ، فقال ( جبريل ) يا رسول الله إن هذه
للمواساة
، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) :
إنه مني وأنا منه ، فقال ( جبريل ) وأنا منكما ،
قال الطبري ثم سمعوا صوتا يهتف :
( لا سيف الا ذو الفقار * ولافتى إلا علي )
( 78 ) .
ويكفي ما نقله سعد بن أبي وقاص علي ما روى الشيخان في يوم خيبر
( 79 ) .
| |
* ( هامش ) *
( 78 )
تاريخ الطبري / ج 2 / ص 25 وص 65 - 66 - طبعة
المكتبة العلمية - بيروت .
( 79 ) رواية سعد أخرجها الشيخان / راجع هامش 54 - 55 . ( * ) |
|
|
- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 128 : - |
وقد يكون من المناسب أن نذكر هنا ما أخرجه الطبراني وابن أبي
حاتم عن ابن عباس قال : ولقد عاتب الله أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله )
في غير موضع وما ذكر عليا إلا بخير
( 80 ) .
| |
* ( هامش ) *
( 80 )
تاريخ الخلفاء / السيوطي / ص 171 . ( * ) |
|