نشأة التشيع - الموقف السلبي : إهمال أمر الخلافة

- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 19 : -

الفصل الاول نشأة التشيع
المبحث الاول * الموقف السلبي : إهمال أمر الخلافة
المبحث الثاني * الايجابية ممثلة بنظام الشوري
المبحث الثالث * الايجابية ممثلة بالاختيار والتعيين
 

- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 21 : -

تمهيد أما فيما يتعلق بالسؤال الاول : " كيف ولد التشيع ؟

" فنحن نستطيع أن نعتبر التشيع نتيجة طبيعية للاسلام ، وممثلا لاطروحة كان من المفروض للدعوة الاسلامية أن تتوصل إليها حفاظا على نموها السليم .
 

ويمكننا أن نستنتج هذه الاطروحة استنتاجا منطقيا من الدعوة التي كان الرسول الاعظم ( صلى الله عليه وآله ) يتزعم قيادتها بحكم طبيعة تكوينها ، ونوع الظروف التي عاشتها ، فإن النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، كان يباشر قيادة دعوة انقلابية ،

ويمارس عملية تغيير شامل للمجتمع وأعرافه وأنظمته ومفاهيمه ، ولم يكن الطريق قصيرا أمام عملية التغيير هذه ، بل كان طريقا طويلا وممتدا بامتداد الفواصل يمارسها النبي أن تبدأ بإنسان الجاهلية فنشأة إنشاء جديدا ، وتجعل
 

- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 22 : -

منه الانسان الاسلامي ، الذي يحمل الدور الجديد إلى العالم ، وتجتث منه كل جذور الجاهلية ورواسبها (6) .
 

وقد خطا القائد الاعظم ( صلى الله عليه وآله ) بعملية التغيير خطوات مدهشة ، في برهة قصيرة ، وكان على العملية التغييرية أن تواصل طريقها الطويل حتى بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) .


وكان النبي يدرك منذ فترة قبل وفاته ، أن أجله قد دنا ، وأعلن ذلك بوضوح في " حجة الوداع " (7) ، ولم يفاجئه الموت مفاجأة . وهذا يعني أنه كان يملك فرصة كافية للتفكير في مستقل الدعوة بعده ، حتى إذا للرسالة عن طريق الوحي وفي هذا الضوء يمكننا أن الالهية المباشرة للرسالة عن طريق الوحي (8) .


وفي هذا الضوء يمكننا أن نلاحظ أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) كان أمامه ثلاثة طرق بالامكان انتهاجها تجاه مستقبل الدعوة . أولهما : الطريق السلبي ، وثانيهما : الطريق الايجابي ممثلا بالشوري وثالثهما : التعيين [ وهنا ثلاثة مباحث ] .
 

 

* ( هامش ) *
( 6 ) جاء في القرآن الكريم قوله تعالى : ( هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور ) الحديد / 9 .


( 7 ) جاء ذلك عنه صلوات الله وسلامه عليه في خطبة حجة الوداع إذ قال : " ألا وإني اوشك أن ادعى فاجيب . . .
وفي رواية كاني قد دعيت فاجبت ، واني تركت فيكم الثقلين . . . " صحيح مسلم / ج 4 / ص 1874 ،

وعن عبد الله بن مسعود قال : " كنا مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) ليلة فتنفس ، فقلت : ما شأنك يا رسول الله ؟ قال : نعيت الى نفسي . . . " مختصر تاريخ ابن عساكر / ج 18 / ص 32 .


( 8 ) بمعنى أننا لو افترضنا أن النبي حريص على دعوته المباركة - كما هو شأنه - وعلى أن تصل هذه الدعوة إلى مداها المقدار لها ، وقد كان منطلقا إلى أن تصل إلى العالم أجمع ، فإن هذا بحد ذاته يقتضيه أن يحسب حساب المستقبل . ( * )

 

 

- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 23 : -

المبحث الاول الموقف السلبي : إهمال أمر الخلافة ( * ) .

وذلك بأن يقف من مستقبل الدعوة موقفا سلبياً ، ويكتفي بممارسة دوره في قيادة الدعوة وتوجيهها فترة حياته ، ويترك مستقبلها للظروف والصدف .

وهذه السلبية في الموقف لا يمكن افتراضها في النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، لانها إنما تنشأ من أحد أمرين كلاهما لا ينطبقان عليه :

الامر الاول : الاعتقاد بأن هذه السلبية والاهمال لا توثر على مستقبل الدعوة ، وإن الامة التي سوف يخلف الدعوة فيها قادرة على التصرف
 

 

* ( هامش ) *
( * ) عناوين المباحث الثلاثة للفصلين الاول والثاني مستوحاة من كلام السيد الشهيد الصدر وهي ليست في الاصل . ( * )

 

 

- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 24 : -

بالشكل الذي يحمي الدعوة ، ويضمن عدم الانحراف .

وهذا الاعتقاد لا مبرر له من الواقع إطلاقا ، بل إن طبيعة الاشياء كانت تدل على خلافه ، لان الدعوة - بحكم كونها عملا تغيير انقلابيا في بدايته ، يستهدف بناء أمة واستئصال كل جذور الجاهلية منها - تتعرض لاكبر الاخطار إذا خلت الساحة من قائدها ، وتركها دون أي تخطيط ، فهناك :
 

أولا : الاخطار التي تنبع عن طبيعة مواجهة الفراغ دون أي تخطيط مسبق ، وعن الضرورة الانية لاتخاذ موقف مرتجل في ظل الصدمة العظيمة بفقد النبي ، فإن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) إذا ترك الساحة دون تخطيط لمصير الدعوة فسوف

تواجه الامة ، ولاول مرة ، مسؤولية التصرف بدون قائها تجاه أخطر مشاكل الدعوة ، وهي لا تمتلك أي مفهوم سابق بهذا الصدد ، وسوف يتطلب منها الموقف تصرفا سريعا انيا على رغم خطورة المشكلة ، لان الفراغ لا يمكن أن يستمر (9) ،

وسوف يكون هذا التصرف السريع في لحظة الصدمة التي تمنى بها الامة ، وهي تشعر بفقدها لقائدها الكبير ، هذه الصدمه التي تزعزع بطبيعتها سير التفكير ، وتبعث على الاضطراب حتى أنها جعلت
 

 

* ( هامش ) *
( 9 ) أصبح معلوما أن شغور كرسي الرئاسة في الدولة يستتبع محاذير وأخطارا لا حصر لها ، بالاخص إذا لم تكن ثمة ضوابط دستورية محددة واضحة لملئه بشكل عاجل .

راجع النظريات السياسية الاسلامية / الدكتور الريس / ص 134 . ( * )

 

 

- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 25 : -

صحابيا معروفا يعلن - بفعل الصدمة - أن النبي لم يمت ولن يموت (10) . نعم سوف يكون مثل هذا التصرف محفوفا بالخطر غير محمود العواقب .


ثانيا : وهناك الاخطار التي تنجم عن عدم النضج الرسالي بدرجة تضمن للنبي ( ص ) ، سلفا ، موضوعية التصرف الذي سوف ، يقع ، وانسجامه مع الاطار الرسالي للدعوة ، وتغلبه على التناقضات الكامنة التي كانت لا تزال تعيش في زوايا نفوس المسلمين على أساس الانقسام الى مهاجرين وأنصار ، أو قريش وسائر العرب ، أو مكة والمدينة (11) .


ثالثا : هناك الاخطار التي تنشأ لوجود القطاع المتستر بالاسلام ، والذي كان يكيد له في حياة النبي ( صلى الله عليه وآله ) باستمرار ، وهو القطاع الذي كان يسميه القرآن " بالمنافقين " (12) . وإذا أضفنا إليهم عددا
 

 

* ( هامش ) *
(10) راجع الملل والنحل / الشهرستاني / ج 1 / ص 15 فقد جاء فيه : قال عمر بن الخطاب : " من قال إن محمدا مات قتلته بسيفي هذا ، وإنما رفع الى السماء . . . "

وراجع تاريخ الطبري / محمد بن جرير الطبري / ج 2 / ص 233 . . . قال : " إن محمدا لم يمت وانه خارج الى من أرجف بموته وقاطع أيديهم وضارب أعناقهم . . . " .


(11) هناك أكثر من شاهد على هذه الحالة ، فقد روى الشيخان والترمذي في كتاب التفسير عن جابر بن عبد الله قال : " كنا في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الانصار ، فقال الانصاري : يا للانصار ، وقال المهاجرين ، فسمع ذلك رسول الله ( صلى الله عليه

وآله ) فقال : ما يدل دعوى الجاهلية . . . وسمع ابن سلول فقال : فعلوها ، والله لئن رجعنا الى المدينة ليخرجن الاعز منا الاذل " التاج الجامع للاصول / الشيخ ناصف / ج 4 / ص 263 .


(12) حاول قطاع المنافقين في حياة النبي محمد ( صلى الله عليه وآله ) أن يقوم بأدوار خطيرة جدا في الكيد للاسلام وللرسول وللمسلمين . لا حظ مثلا ما نقلناه في الهامش السابق من = ( * )

 

 

- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 26 : -

كبيرا ممن أسلم بعد الفتح ، استسلاما للامر الواقع و لا انفتاحا على الحقيقة ، نستطيع حينئذ أن نقدر الخطر الذي يمكن لهذه العناصر أن تولده وهي تجد فجاة فرصة لنشاط واسع في فراغ كبير ، مع خلو الساحة من رعاية القائد (13) .
 

فلم تكن إذن خطورة الموقف بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) شيئا يمكن أن يخفى على أي قائد مارس العمل العقائدي فضلا عن خاتم الانبياء (14) .

وإذا كان أبو بكر لم يشأ أن يترك الساحة دون أن يتدخل تدخلا ايجابيا في ضمان مستقبل الحكم بحجة الاحتياط
 

 

* ( هامش ) *
= قول ابن سلول - رأس المنافقين - ولا حظ ما أثاروه وروجوه مثلا في حادثة الافك ، وفي إشاعة الا راجيف كما حصل في معركة احد ، وفي معركة الاحزاب . وقد انزل الله تعالى في القرآن سورة المنافقين سلط فيها الاضواء على هذا القطاع الخبيث ، وعرف الرسول بنواياهم وما يخبئون .

راجع مثلا تفسير الفخر الرازي / ج 8 / ص 157 ط 1 / الخيرية 1308 ه‍ مصر ، وراجع الكشاف / الزمخشري / 4 : ص 811 .


(13) لا حظ توقع حدوث ظاهرد خروج أعداد كبيرة من الدين بالنسبة لمن أسلم بعد الفتح ، حديث جابر بن عبد الله الانصاري قال : " سمعت رسول الله يقول : دخل الناس افواجا وسيخرجون أفواجا . . . "

ولا حظ أيضا حركة الارتدا التي حصلت بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) مع تحذيراته الكثيرة من تلك الحالة . الكشاف / ج 4 / ص 811 ، وراجع تاريخ الطبري / ج 2 ص 245 .

وراجع حديث الحوض المشهور في قوله ( صلى الله عليه وآله ) : " أنا فرطكم على الحوض فيوتي برجال أعرفهم فيمنعون مني فأقول أصحابي فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول سحقا لمن بدل بعدي " راجع صحيح البخاري / ج 8 / ص 86 كتاب الفتن .

(14) المصدر السابق . ( * )

 

 

- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 27 : -

للامر (15) .
وإذا كان الناس قد هرعوا الى عمر حين ضرب قاتلين : " يا أمير المؤمنين لو عهدت عهدا " (16) ، وكل ذلك كان خوفا من الفراغ الذي سوف يخلفه الخليفة ، بالرغم من التركز السياسي والاجتماعي الذي كانت الدعوة قد بلغته بعد عقد من وفاة

الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، وإذا كان عمر قد أوصى الى سته (17) تجاوبا مع شعور الاخرين بالخطر ، وإذا كان عمر يدرك بعمق خطورة الموقف في يوم السقيفة ، وما كان بالامكان أن تؤدي إليه خلافة أبي بكر بشكلها المرتجل من

مضاعفات ، إذ يقول : " إن بيعد أبي بكر بشكلها المرتجل من شرها . . . " (18) ، وإذا كان أبو بكر نفسه يعتذر عن تسرعه إلى قبول الحكم ، وتحمل المسؤوليات الكبيرة ، بأنه شعر بخطورة الموقف ، وضرورة الاقدام السريع على حل ما ،

إذ يقول - وقد عوتب على قبول السلطة - : " إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قبض ، والناس حديثو عهده بالجاهلية ، فخشيت أن يفتتنوا ، وأن أصحابي حملونيها " (19) إذا
 

 

* ( هامش ) *
(15) راجع قصة استخلاف أبي بكر لعمر بن الخطاب ، وقوله : " إنكم إن أمرتم في حياة مني كان أجدر الا تختلفوا بعدي . . . " مختصر تاريخ ابن عساكر / ج 18 / ص 308 / 309 ، وراجع تاريخ الطبري / ج 2 / ص 245 ، ص 280 .

(16) راجع تاريخ الطبري / ج 2 / ص 580 ( الشهيد ) ، مختصر تاريخ ابن عساكر / لابن منظور ج 18 / ص 312 .

(17) تاريخ الطبري / ج 2 / ص 581 ( الشهيد ) .

(18) تاريخ الطبري / ج 2 / ص 205 تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم ، السابق ج 2 / ص 581 .

(19) شرح نهج البلاغه / ابن أبي الحديد / تحقيق أبو الفضل إبراهيم / ج 2 ص 42 ( الشهيد ) ،
وراجع تاريخ الطبري / ج 2 ص 353 . قال أبو بكر : " وودت لو لم أقبلها . . . " . ( * )

 

 

- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 28 : -

كان كل ذلك صحيحا (20) ، فمن البد يهي إذن أن يكون رائد الدعوة ونبيها اكثر شعورا بخطر السلبية (21) ، وأكبر ادراكا ، وأعمق فهما لطبيعة الموقف ومتطلبات العمل التغييري الذي يمارسه في امة حديثة عهد بالجاهلية على حد تعبير أبي بكر .
 

 

* ( هامش ) *
(20) راجع : الفاروق عمر للدكتور محمد حسين هكيل / ج 2 / ص 313 / 314 : " كان عمر يود لو يتم التشاور ، ويختاروا خليفة ، قبل أن يقبض ليموت مطمئنا الى مصير الاسلام من بعده . . . " .

(21) إن حرص النبي محمد ( صلى الله عليه وآله ) على دعوته المباركة وعلى وحدة الامة ومصير الاسلام ، لابد أن يكون بالضرورة أكثر من حرص أصحابه وأشد ، قال تعالى : ( . . . عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ) التوبة / 128 .

والاهم فإن توعيته للامة وتربيته لاصحابه في ضرورة تجنب الاختلاف ، وممارساته العملية بهذا الشأن لا تحتاج الى دليل ، فضلا عن كون القرآن قد طفح بعشرات الآيات التي تدعو الى نبذ الخلاف ، والتنفير من أسبابه ودواعيه ، فكيف يمكن تصور أن يترك النبي الرحيم

أهم سبب يدعو الى التنازع وهو الرئاسة دون أن يضع ما من شأنه أن يعطله ويغلق الباب دون تفاعلاته ، مع أن هذا الادراك كما يقولون دفع الخليفتين الاول والثاني الى الاستخلاف كما صرحوا به هم انفسهم / تاريخ الطبري / ج 2 / ص 580 .

 


 

 

الصفحة الرئيسية

 

فهرس الكتاب