- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 58 : -

النقطة الثالثة : إن الدعوة عملية تغيير ، ومنهاج حياة جديد ، وهي تستهدف بناء أمة من جديد واقتلاع كل جذور الجاهلية ورواسبها من وجودها .

والامة الاسلامية - ككل - لم تكن قد عاشت في ظل عملية التغيير هذه إلا عقدا واحدا من الزمن على أكثر تقدير ، وهذا الزمن
 

- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 59 : -

القصير لا يكفي - عادة - في منطق الرسالات العقائدية ، والدعوات التغييرية ، لارتفاع الجيل الذي عاش في كنف الدعوة عشر سنوات فقط الى درجة من الوعي والموضوعية والتحرر من رواسب الماضي ( 91 ) ، والاستيعاب لمعطيات الدعوة

الجديدة ، تؤهله للقيمومة على الرسالة وتحمل مسؤوليات الدعوة ومواصلة عملية التغيير بدون قائد ، بل إن منطق الرسالات العقائدية يفرض أن تمر الامة بوصاية عقائدية فترة أطول من الزمن ، تهيؤها للارتفاع إلى مستوى تلك القيمومة ( 92 ) .


وليس هذا شيئا نستنتجه استنتاجا فحسب ، وإنما بعبر أيضا عن الحقيقة التي برهنت عليها الاحداث بعد وفاه القائد الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، وتجلت عبر نصف قرن أو أقل من خلال ممارسة جيل المهاجرين والانصار لامامة الدعوة والقميومة عليها ، إذ لم يمض على هذه القيمومة ربع قرن حتى بدأت الخلافة الراشدة والتجربة
 

 

* ( هامش ) *
( 91 ) لاحظ حدوث حالات النكوص والارتداد بعد وفاة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، ولاحظ المفارقات والمخالفات الصريحة لمتبنيات الاسلام وأخلاقيته فيما أقدم عليه حتى بعض القادة العسكريين الكبار ،

كما حصل من مثل خالد بن الوليد ، إذا تهمه الخليفة الثاني عمر في قصة مالك بن نويرة فقال عن خالد : انه قتل امرأ مسلما - يعني مالك بن نويره - ونزل على امراته . راجع : تاريخ الطبري / ج 2 / ص 280 ، الطبعة المحققة / دار التراث بيروت .

( 92 ) كان هذا منطق الرسالات السابقة ، كما في وراثة سليمان لداود ، وكما في خلافة هارون عن موسى : " قال اخلفني في قومي وأصلح . . . " . ثم هو يقتضيه منطق الاشياء ، ومنطق الشريعة الخاتمة - راجع الملحق . ( * )

 

 

- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 60 : -

الاسلامية ، التي تولى جيل المهاجرين والانصار قيادتها تنهار تحت وقع الضريات الشديدة التي وجهها أعداء الاسلام القدامى ( 93 ) ، ولكن من داخل إطار التجربة الاسلامية لامن خارجها ، إذا استطاعوا أن يتسللوا الى مراكز النفوذ في التجربة

بالتدريج ، ويستغلوا القيادة غير الواعية ، ثم صادروا بكل وقاحة وعنف ، تلك القيادة ، وأجيروا الامة وجيلها الطليعي الرائد على التنازل عن شخصيته وقيادته ، وتحولت الزعامة الى ملك موروث ( 94 ) ، يستهتر بالكرامات ويقتل الابرياء ( 95 ) ، ويبعثر الاموال ( 96 ) ، ويعطل الحدود ، ويجمد الاحكام ( 97 ) ، ويتلاعب
 

 

* ( هامش ) *
( 93 ) يقصد بهم من أسلم زمن الفتح - فتح مكة - وكان من المؤلفة قلوبهم أبو سفيان ومعاوية . تاريخ الطبري / ج 2 / ص 175 .

( 94 ) راجع : المقدمة / ابن خلدون / ص 227 / انقلاب الخلافة الى ملك طبعة دار الجيل ، وقد نقل ابن الاثير / ج 3 / ص 199 ( طبعة الحلبي ) عن عبد الرحمن بن أبي بكر ، وهو يقاطع مروان حين كان يخطب على منبر المدينة ، مدافعا عن وجهه نظر معاوية ،

إذ صاح به عبد الرحمن قائلا : كذبت والله وكذب ، معاوية ، ما الخيار أردتما لامة محمد ، ولكنكم تريدون أن تجعلوها هرقلية كلما مات هرقل قام . . . وراجع تاريخ الخلفاء السيوطي / ص 203 .
 

( 95 ) نقل ابن الاثير / ج 3 / ص 487 : عن الحسن البصري - وهو من أجلاء التابعين المشهورين - أنه قال : أربع خصال كن في معاوية ، لو لم تكن فيه إلا خصلة واحدة لكانت موبقة ، انتزاؤه على هذه الامة بالسيف حتى أخذ الامر من غير مشورة ، وفيهم بقايا

الصحابة وذوو الفضلية ، واستخلافه بعده ابنه يزيد سكيرا ، وادعاؤه زيادا ، وقتله حجر بن عدي وأصحاب حجر ، فيا ويلا له من حجر ، ويا ويلا له من حجر وأصحاب حجر . . .
 

( 96 ) راجع : التاج الجامع للاصول / ج 5 / ص 310 ،
وراجع للتفصيل ، العدالة الاجتماعية في الاسلام / الشهيد سيد قطب / ص 231 وما بعدها .

( 97 ) راجع ما نقله السيوطي في تاريخه / ص 209 وما بعدها : ما ارتكبه يزيد من المنكرات ( * )

 

 

- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 61 : -

 بمقدرات الناس ، وأصبح الفئ والسواد بستانا لقريش ، والخلافة كرة يتلاعب بها صبيان بني امية ( 98 ) .

فواقع التجربة بعد النبي ، وما تمخض عنه بعد ربع قرن من نتائج يدعم الاستناج المتقدم ، الذي يؤكد أن إسناد القيادة والامامية الفكرية والسياسية لجيل المهاجرين والانصار عقيب وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) مباشرة إجراء مبكر ، وقبل وقته الطبيعي ولهذا ليس من المعقول أن يكون النبي قد اتخذ إجراء من هذا القبيل .
 

  * ( هامش ) *
= الشيعة ، من قتله ريحانة رسول الله الحسين ( عليه السلام ) ، وسبي حرم رسول الله ، من ضرب الكعبة ، واستباحة المدينة المنورة وقتل أهلها والاعتداء على النواميس .

( 98 ) يريد قول أبي سفيان لعثمان حين توليه الخلافة . / راجع تاريخ الخلفاء السيوطي / ص 209 .
وراجع : النزاع والتخاصم بين بني هاشم وبني أمية / المقريزي / ص 56 / تحقيق الدكتور مؤنس . ( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

فهرس الكتاب