النقطة الثالثة : إن الدعوة
عملية تغيير ، ومنهاج حياة جديد ، وهي تستهدف بناء أمة من جديد واقتلاع كل جذور
الجاهلية ورواسبها من وجودها .
والامة الاسلامية - ككل - لم تكن قد عاشت في ظل عملية التغيير
هذه إلا عقدا واحدا من الزمن على أكثر تقدير ، وهذا الزمن
|
- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 59 : - |
القصير لا يكفي - عادة - في منطق الرسالات العقائدية ،
والدعوات التغييرية ، لارتفاع الجيل الذي عاش في كنف الدعوة عشر سنوات فقط الى
درجة من الوعي والموضوعية والتحرر من رواسب الماضي ( 91
) ، والاستيعاب لمعطيات الدعوة
الجديدة ، تؤهله للقيمومة على الرسالة وتحمل مسؤوليات الدعوة
ومواصلة عملية التغيير بدون قائد ، بل إن منطق الرسالات العقائدية يفرض أن تمر
الامة بوصاية عقائدية فترة أطول من الزمن ، تهيؤها للارتفاع إلى مستوى تلك
القيمومة ( 92 ) .
وليس هذا شيئا نستنتجه استنتاجا فحسب ، وإنما بعبر أيضا عن الحقيقة التي برهنت
عليها الاحداث بعد وفاه القائد الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، وتجلت عبر نصف
قرن أو أقل من خلال ممارسة جيل المهاجرين والانصار لامامة الدعوة والقميومة
عليها ، إذ لم يمض على هذه القيمومة ربع قرن حتى بدأت الخلافة الراشدة والتجربة
| |
* ( هامش ) *
( 91 ) لاحظ حدوث حالات النكوص
والارتداد بعد وفاة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، ولاحظ المفارقات
والمخالفات الصريحة لمتبنيات الاسلام وأخلاقيته فيما أقدم عليه حتى بعض القادة
العسكريين الكبار ،
كما حصل من مثل خالد بن الوليد ، إذا تهمه
الخليفة الثاني عمر في قصة مالك بن نويرة فقال عن خالد : انه قتل امرأ مسلما -
يعني مالك بن نويره - ونزل على امراته . راجع :
تاريخ الطبري / ج 2 / ص 280 ، الطبعة المحققة
/ دار التراث بيروت .
( 92 ) كان هذا منطق الرسالات السابقة ، كما
في وراثة سليمان لداود ، وكما في خلافة هارون عن موسى :
" قال اخلفني في قومي وأصلح . . . " . ثم هو
يقتضيه منطق الاشياء ، ومنطق الشريعة الخاتمة - راجع الملحق . ( * ) |
|
|
- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 60 : - |
الاسلامية ، التي تولى جيل المهاجرين والانصار قيادتها تنهار
تحت وقع الضريات الشديدة التي وجهها أعداء الاسلام القدامى
( 93 ) ، ولكن من داخل إطار التجربة الاسلامية
لامن خارجها ، إذا استطاعوا أن يتسللوا الى مراكز النفوذ في التجربة
بالتدريج ، ويستغلوا القيادة غير الواعية ، ثم صادروا بكل
وقاحة وعنف ، تلك القيادة ، وأجيروا الامة وجيلها الطليعي الرائد على التنازل
عن شخصيته وقيادته ، وتحولت الزعامة الى ملك موروث ( 94
) ، يستهتر بالكرامات ويقتل الابرياء ( 95 )
، ويبعثر الاموال ( 96 ) ، ويعطل الحدود ، ويجمد
الاحكام ( 97 ) ، ويتلاعب
| |
* ( هامش ) *
( 93 ) يقصد بهم من أسلم زمن الفتح
- فتح مكة - وكان من المؤلفة قلوبهم أبو سفيان ومعاوية .
تاريخ الطبري / ج 2 / ص 175 .
( 94 ) راجع : المقدمة
/ ابن خلدون / ص 227 / انقلاب الخلافة الى ملك طبعة دار الجيل ، وقد نقل ابن
الاثير / ج 3 / ص 199 ( طبعة الحلبي ) عن عبد الرحمن بن أبي بكر ، وهو يقاطع
مروان حين كان يخطب على منبر المدينة ، مدافعا عن وجهه نظر معاوية ،
إذ صاح به عبد الرحمن قائلا : كذبت والله وكذب ،
معاوية ، ما الخيار أردتما لامة محمد ، ولكنكم تريدون أن تجعلوها هرقلية كلما
مات هرقل قام . . . وراجع تاريخ الخلفاء
السيوطي / ص 203 .
( 95 ) نقل ابن الاثير / ج 3 / ص 487 : عن
الحسن البصري - وهو من أجلاء التابعين المشهورين - أنه
قال : أربع خصال كن في معاوية ، لو لم تكن فيه إلا
خصلة واحدة لكانت موبقة ، انتزاؤه على هذه الامة بالسيف حتى أخذ الامر من غير
مشورة ، وفيهم بقايا
الصحابة
وذوو الفضلية ، واستخلافه بعده ابنه يزيد سكيرا ، وادعاؤه زيادا ، وقتله
حجر بن عدي وأصحاب حجر ، فيا ويلا له من حجر ، ويا ويلا له من حجر وأصحاب
حجر . . .
( 96 ) راجع : التاج
الجامع للاصول / ج 5 / ص 310 ،
وراجع للتفصيل ،
العدالة الاجتماعية في الاسلام / الشهيد سيد
قطب / ص 231 وما بعدها .
( 97 ) راجع ما نقله
السيوطي في تاريخه / ص 209 وما بعدها : ما ارتكبه يزيد من المنكرات
( * ) |
|
|
- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 61 : - |
بمقدرات الناس ، وأصبح الفئ والسواد بستانا لقريش ، والخلافة
كرة يتلاعب بها صبيان بني امية ( 98 ) .
فواقع التجربة بعد النبي ، وما تمخض عنه بعد ربع قرن من نتائج
يدعم الاستناج المتقدم ، الذي يؤكد أن إسناد القيادة والامامية الفكرية
والسياسية لجيل المهاجرين والانصار عقيب وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله )
مباشرة إجراء مبكر ، وقبل وقته الطبيعي ولهذا ليس من المعقول أن يكون النبي قد
اتخذ إجراء من هذا القبيل .
| |
* ( هامش ) *
= الشيعة ، من قتله ريحانة رسول الله الحسين ( عليه السلام ) ، وسبي حرم
رسول الله ، من ضرب الكعبة ، واستباحة المدينة المنورة وقتل أهلها والاعتداء
على النواميس .
( 98 ) يريد قول أبي سفيان لعثمان حين توليه
الخلافة . / راجع تاريخ الخلفاء السيوطي / ص 209
.
وراجع : النزاع والتخاصم بين بني هاشم وبني أمية
/ المقريزي / ص 56 / تحقيق الدكتور مؤنس . ( * ) |
|