- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 64 : -

الامة وبناءها عقائديا ، وتقريبها باستمرار نحو المستوى الذي يؤهلها لتحمل المسؤوليات القيادية . وهكذا نجد أن هذا هو الطريق الوحيد الذي كان بالامكان أن يضمن سلامة مستقبل الدعوة ، وصيانة التجربة في خط نموها وهكذا كان ( 101 ) .

وليس ما تواتر عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) من النصوص التي تدل على أنه كان يمارس إعداد رساليا وتثقيفا عقائديا خاصا لبعض الدعاة على مستوى يهيئه للمرجعية الفكرية والسياسية ، وإنه ( صلى الله عليه وآله ) قد عهد إليه بمستقبل

الدعوة ، وزعامة الامة من بعده ، فكريا وسياسيا ( 102 ) ، ليس هذا إلا تعبيرا عن سلوك القائد الرسول ( صلى الله عليه وآله ) للطريق الثالث الذي كانت تفرضه ، وتدل عليه من قبل ذلك طبيعة الاشياء كما عرفنا .


ولم يكن هذا الشخص الداعية المرشح للاعداد الرسالي القيادي ، والمنصوب لتسلم مستقبل الدعوة ، وتزعمها فكريا وسياسيا ، إلا علي بن أبي طالب ، الذي رشحه لذلك عمق وجوده في كيان الدعود ، وإنه المسلم الاول ، والمجاهد الاول في سبيلها

عبر كفاحها المرير ضد كل أعدائها ، وكذلك عمق وجوده في حياة القائد الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، وإنه ربيبه الذي فتح عينيه في حجره ، ونشأ في
 

 

* ( هامش ) *
( 101 ) إذ لم تهيئة‌الخليفة القائد - وتم تعيينه فعلا - كما هو تصريح النصوص .
( 102 )
راجع ما نقلناه من الصنوص المعتبرة عن إخواننا السنة / في الملحق . ( * )

 

 

- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 65 : -

كنفه ، وتهيأت له من فرص التفاعل معه والاندماج بخطه ، ما لم يتوفر لاي إنسان آخر ( 103 ) .

والشواهد من حياة النبي والامام علي ، على أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) كان يعد الامام اعدادا رساليا خاصا ، كثيرة جدا
، فقد كان النبي يخصه بكثير من مفاهيم الدعوة وحقائقها ، ويبدؤه ، بالعطاء الفكري والتثقيف إذا استنفذ الامام أسئلته ( 104 )

، ويختلي به الساعات الطوال في الليل والنهار ، يفتح عينيه على مفاهيم الرسالة ومشاكل الطريق ، ومناهج العمل الى آخر يوم من حياته الشريفة .


روى الحاكم في المستدرك بسنده عن أبي إسحاق ، سالت القاسم بن العباس " كيف ورث علي رسول الله ؟ قال : " لانه كان أولنا به لحوقا وأشدنا به لزوقا . . . " ( 105 ) .


وفي حلية الاولياء عن ابن عباس أنه يقول : " كنا نتحدث أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) عهد الى علي بسبعين عهدا ، لم يعهد إلى غيره " ( 106 ) .
 

 

* ( هامش ) *
( 103 ) راجع خطبة الامام على ( عليه السلام ) الشهيرة بالقاصعة - كما ذكرها في الملحق - نهج البلاغه / ص 300 / 301 ضبط الدكتور صبحي الصالح .

( 104 ) جاء عن الامام علي ( عليه السلام ) أنه قال : " كنت إذا سألته - أي رسول الله - أعطاني وإذا سكت ابتدأني . . . " السنن الكبرى / النسائي / ج 5 / ص 142 ، الصواعق المحرقة / ص 127 .

( 105 ) المستدرك على الصحيحين / الحاكم النيسابوري / ج 3 / ص 136 حديث رقم 4633 طبعة دار الكتب العلمية - بيروت .

( 106 ) حلية الاولياء / لابي نعيم / ج 1 / ص 68 ، طبعة دار الكتاب العربي بيروت - ط 5 / 1407 ه‍ . ( * )

 

 

- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 66 : -

وروى النسائي في الخصائص عن الامام علي أنه يقول : " كانت لي منزلة من رسول الله لم تكن لاحد من الخلائق ، كنت أدخل على نبي الله كل ليلة ، فإن كان يصلي سبح فدخلت ، وإن لم يكن يصلي أذن لي فدخلت " ( 107 ) .


وروي أيضا عن الامام علي ( عليه السلام ) قوله : " كان لي من النبي مدخلان مدخل بالليل ومدخل بالنهار . . . " ( 108 )


وروى النسائي عن الامام أيضا انه كان يقول : " كنت إذا سألت رسول الله اعطيت ، وإذا سكت ابتدائي . . . " ( 109 ) .


ورواه الحاكم في المستدرك أيضا ، وقال : صحيح على شرط الشيخين ( 110 ) .


وروي النسائي عن ام سلمة أنها كانت تقول " : والذي تحلف به أم سلمة : إن أقرب الناس عهدا برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) علي قالت : لما كانت غداة قبض رسول الله ، فأرسل إليه رسول الله ، وأظنه كان بعثه في حاجة ، فجعل يقول : جاء

علي ؟ ثلاث مرات ، فجاء قبل طلوع الشمس ، فلما أن جاء عرفنا أن له إليه حاجة ، فخرجنا من البيت ، وكنا عند رسول الله يومئذ في بيت عائشة ، وكنت في آخر من خرج من البيت ، ثم جلست وراء الباب ، فكنت أدناهم الى الباب ،
 

 

* ( هامش ) *
( 107 ) السنن الكبر ى - الخصائص ج 5 / ص 140 ح / 8499 / 1 .

( 108 ) المصدر السابق / ج 5 / ص 141 .

( 109 ) المصدر السابق / ج 5 / ص 142 .

( 110 ) المستدرك / ج 3 / ص 135 - حديث برقم 4630 - تحقيق مصطفى عبد القادر عطا / طبعة دار الكتب العلمية - بيروت 1411 ه‍ . ( * )

 

 

- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 67 : -

فاكب عليه علي فكان آخر الناس به عهدا ، فجعل يساره ويناجيه ( 111 ) .


وقال أمير المومنين في خطبته القاصعة الشهيرة ، وهو يصف علمتم موضعي من رسول الله بالقرابة القربية ، والمنزلة الخصيصة ، وضعني في حجره وأنا ولد ، يضمني إلى صدره ، ويكنفني في فراشه ، ويمسني جسده ، ويشمني عرفه ،

وكان يمضغ الشئ ثم يلقمنيه ، وما وجد لي كذبة في قول ، ولا خطلة في فعل . . . ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل لاثر أمه ، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما ، ويأمرني بالاقتداء به ، ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء ، فأراه ولا يراه غيري ،

ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الاسلام غير رسول الله وخديجة وأنا ثالثهما ، أرى نور الوحي والرسالة ، وأشم ريح النبوة . . . " ( 112 ) .


إن هذه الشواهد ، وشواهد أخرى كثيرة ، تقدم لنا صورة عن ذلك الاعداد الرسالي الخاص الذي كان النبي ( صلى الله عليه وآله ) يمارسه في سبيل توعية الامام على المتسوى القيادي للدعوة .


كما إن في حياة الامام علي ( عليه السلام ) بعد وفاة القائد الرسول ( صلى الله عليه وآله ) أرقاما كثيرة جدا تكشف عن ذلك الاعداد العقائدي الخاص للامام علي ( عليه السلام ) من قبل النبي ( صلى الله عليه وآله ) ،
 

  * ( هامش ) *
( 111 ) السنن الكبرى / النسائي / ج 5 / ص 154 باب 54 ، وراجع الرواية في مختصر تاريخ ابن عساكر / ج 18 / ص 21 .

( 112 ) نهج البلاغة / ضبط الدكتور صبحي الصالح / خطبة رقم 192 . ( * )

 

 

- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 68 : -

بما تعكسه من آثار ذلك الاعداد الخاص ونتائجه . فقد كان الامام هو المفزع والمرجع لحل اي مشكلة يستعصي حلها على القيادة الحاكمة وقتئذ ( 113 ) .


ولا نعرف في تاريخ التجربة الاسلامية على عهد الخلفاء واقعة واحدة رجع فيها الامام الى غيره لكي يتعرف على رأي الاسلام وطريقة علاجه للموقف ، بينما نعرف في التاريخ عشرات الوقائع التي أحست القيادة الاسلامية الحاكمة بضرورة الرجوع الى الامام علي رغم تحفظاتها في هذا الموضوع .


وإذا كانت الشواهد كثيرة على أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) كان يعد الامام إعداد خاصا لمواصلة قيادة الدعوة من بعده ، فالشواهد الفكرية والسياسية رسميا الى الامام علي ( عليه السلام ) لا تقل عنها كثرة ،

كما نلاحظ ذلك في حديث الدار ( 114 ) ، وحديث الثقلين ( 115 ) ، وحديث المنزلة ( 116 ) ، وحديث الغدير ( 117 ) ، وعشرات النصوص النبوية
 

  * ( هامش ) *
( 113 ) راجع الملحق ، وراجع تاريخ الخلفاء / السيوطي / ص 170 / 172 .
قال عمر بن الخطاب : " لا أبقاني الله لمعظلة ليس لها أبو الحسن " الصواعق المحرقة / ابن حجر / ص 127 .

( 114 ) حديث الدار : عند ما نزل قول تعالى : ( وانذر عشيرتك الاقربين ) راجع تفسير الخازن / ج 3 / ص 371 ، دار المعرفة - بيروت .

( 115 ) حديث الثقلين أخرجه أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد ، راجع : صحيح مسلم / ج 4 ص 1873 ،
صحيح الترمذي
/ ج 5 / ص 596 - تحقيق كمال الحوت / طبعة دار الفكر .

( 116 ) حديث المنزلة : " انت مني بمنزلة هرون من موسى . . . " صحيح البخاري / ج 5 / ص 81 / باب 39 .

( 117 ) حديث الغدير : راجع سنن ابن ماجة / المقدمة / باب 11 / ج 1 ص 43 ، ومسند الامام أحمد / ج 4 / ص 281 - طبعة دار صادر - بيروت . ( * )

 

 

- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 69 : -

الاخرى ( 118 ) .

وهكذا وجد التشيع في إطار الدعوة الاسلامية متمثلا في هذه الاطروحة النبوية التي وضعها النبي ( صلى الله عليه وآله ) - بأمر من الله . للحفاظ على مستقبل الدعوة .

 وهكذا وجد التشيع لا كظاهرة طارئة على مسرح الاحداث ، بل كنتيجة ضرورية لطبيعة تكون الدعوة وحاجاتها وظروفها الاصلية التي كانت تفرض على الاسلام أن يلد ( التشيع ) ، وبمعنى آخر كانت تفرض على القائد الاول للتجربة أن يعد للتجربة قائدها الثاني ( 119 ) .


الذى تواصل على يده ويد خلفائه نموها الثوري ، وتقترب نحو اكتمال هدفها التغييري في اجتثاب كل وراسب الماضي الجاهلي وجذوره ، وبناء امة جديدة على مستوى متطلبات الدعوة ومسؤولياتها .
 

 

* ( هامش ) *
( 118 ) راجع ملحق البحث في بسط هذا المطلب والتوسع فيه .

( 119 ) راجع مختصر تاريخ ابن عساكر / ج 18 / ص 35 : قول الخليفة الثاني لاصحاب الشورى . ( * )

 


 

 

الصفحة الرئيسية

 

فهرس الكتاب