تصحيح اعتقاد الإمامية - محمد بن محمد بن النعمان - ص 27

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله على نواله ، والصلاة على محمد وآله ، هذا تصحيح اعتقاد الإمامية ( 1 ) للشيخ أبي جعفر بن بابويه - رضي الله عنه - تأليف الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان - رحمه الله - ( 2 ) .
 

  * هامش *  
  ( 1 ) الاعتقاد هو المحرك الأول نحو الفعل ، والمهيئ الأول لقبول الأثر وللأخلاق والعواطف المنزلة الثانية من التأثير والاعداد مهما كانت قوية التأثير ، فالاعتقاد هو العامل الاول بكل معنى الكلمة ، وله أثر عظيم في تقدم الافراد والامم ،

والمدخلية العظمى في تسافل الانسان وفشل أعماله ، وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بحسن العقائد ، وكم تدهورت امم عظمي في هوة الانقراض من سوء الاعتقاد .


فإذا كان الاعتقاد بهذا الشأن فالاهتمام بتصحيح الاعتقاد فريضة فوق الكل ، ولما كانت مقالات الصدوق أبي جعفر في عقائده مشوبة بآرائه الشخصية - كما سيأتي - وبصورة موهمة الحكاية عن كافة الشيعة ، نهض لنقدها شيخ الإمامية ،

وغرة رجال الاصلاح ، المفيد محمد بن محمد بن النعمان - قدس سره - لتنزيه المذهب عن الشانئات والشائبات ، ولتصحيح عقائد المسلمين من غرائب الآراء والأهواء ، إذ الاعتقاد - كما سلف - هو المحرك الأول ( أيما إلى جنة أيما إلى نار ) . ش .


( 2 ) ومفتتح النسخة التي هي بخط أحمد بن عبد العالي الميسي العاملي هكذا : الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين .

قال الشيخ أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه في قوله تعالى : ( يوم يكشف عن ساق ) والساق وجه الأمر وشدته . قال الشيخ المفيد : ومعنى قوله تعالى : ( يوم يكشف عن ساق ) يريد به يوم القيامة . . . الخ . چ . ( * )

 

 

ص 28

معنى كشف الساق

قال الشيخ أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المتوفى سنة 381 ه‍ في رسالة اعتقاداته ( ا ) في معنى قوله تعالى : ( يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود ) ( 2 ) الساق : وجه الأمر وشدته ( 3 ) ( 4 ) .
 

قال الشيخ المفيد : معنى قوله تعالى : ( يوم يكشف عن ساق ) ( 5 ) يريد به

  * هامش *  
  ( 1 ) الاعتقادات للشيخ الصدوق ص 23 .
( 2 ) القلم : 42 .
( 3 ) فالآية المذكورة تهدد المشركين الذين أنفوا من السجود لرب العالمين فتوعدهم بمجئ يوم عصيب ( ولو في هذه الدنيا ومن بعد فتح مكة ) تتجلى فيه عظمة دين التوحيد ، وقوة تعاليم القرآن ، فيرغمون فيه على عبادة الله ويدعون إلى السجود .

ولفظة ( كشف الساق ) على وجازتها تشير إلى لطيفتين ، إحداهما : شدة الحالة الداهية ، والثانية : تجليات الحقائق الاسلامية في المستقبل ، لان العرب تكني بكشف الساق عن هاتين الحالتين ، وقد جرت عاداتهم على كشف الساق

عند استقبال أوحال الطريق والغمرات ، وعلى الكشف عن ساق الجارية قبل شرائها أو بعده لمعرفة عيوبها والمحاسن ، فأين الآية من الدلالة على ساق الرب تعالى عنه ، سيما مع تنكير الساق وعدم إضافته إلى أحد ؟ ! ش .

( 4 ) راجع بحار الأنوار 3 : 309 - 339 و ج 4 : 1 - 25 .

( 5 ) هذا ابتداء الرد على المجسمة ، وهي فرقة عرفت بعد القرن الأول الهجري ، وتفشت في المسلمين ، ودعواها جواز وصف الله تعالى أوصاف الإنسان الجسمانية والنفسانية ، وأن له =>

 

 

ص 29

يوم القيامة [ يكشف فيه ] ( 1 ) عن أمر شديد صعب عظيم ، وهو الحساب والمداقة ( 2 ) على الأعمال ، والجزاء على الأفعال ، وظهور السرائر وانكشاف البواطن ، والمداقة ( 3 ) على الحسنات والسيئات ، فعبر بالساق عن الشدة ، ولذلك

قالت العرب فيما عبرت به عن شدة الحرب وصعوبتها : ( قامت الحرب على ساق ) و ( قامت الحرب بنا على ساق ) وقال شاعرهم أيضا وهو سعد بن خالد :

كشفت لهم عن ساقها * وبدا من الشر الصراح
وبدت عقاب الموت * يخفق تحتها الأجل المتاح

ومن ذلك قولهم : قد قامت السوق ، إذا ازدحم أهلها واشتد أمرها با لمبايعة والمشاراة ، ووقع الجد في ذلك والاجتهاد .
 

  * هامش *  
  => تعالى يدا وجنبا وعينا وأذنا وقدما وساقا . . . إلخ ، حتى كشف زعيمهم عن ساقه وقال ( لله ساق كهذه ) ولهجت عامتها بخرافات يأنف اليراع من إيرادها .

وسبب انتشار دعواهم قصور كثير من الناس عن تفسير متشابهات القرآن وتمييز وجوه أمثالها و مجازاتها الرائعة عند العرب ، فصاروا يفسرون الظواهر من مثل ( قدم صدق ) ( يونس : 2 ) و ( يكشف عن ساق ) و ( مطويات بيمينه )

( الزمر : 67 ) ومئات آيات أخرى بنحو ما يفهم من الكلمة في أصل اللغة، وقد أوضحنا تفاسيرها جميعا في ( المحيط ) وفي ( الدلائل ) وغيرهما . ش .

( 1 ) ( ز ) ( ش ) : ينكشف به .
( 2 و 3 ) ( ق ) ( ش ) : والموافقة ، ( ز ) ( م ) : والمدافعة . ( * )

 

 

ص 30

[ تأويل اليد ]
 

فصل : ومضى في كلام أبي جعفر - رحمه الله - شاهد اليد عن القدرة قوله تعالى : ( واذكر عبدنا داود ذا الأيد ) ( 1 ) فقال : ذو القوة ( 2 ) .

قال الشيخ المفيد - رحمه الله - : وفيه وجه آخر وهو أن اليد عبارة عن النعمة ، قال الشاعر :

له علي أياد لست أكفرها * وإنما الكفر ألا تشكر النعم
 

فيحتمل أن قوله تعالى : ( داود ذا الأيد ) يريد به ذا النعم ، ومنه قوله تعالى : ( بل يداه مبسوطتان ) ( 3 ) يعني نعمتيه العامتين في الدنيا والآخرة .

  * هامش *  
  ( 1 ) ص : 17 .
( 2 ) الاعتقادات ص 23 ، مجمع البيان 4 : 469 ، التوحيد : 153 / 1 .
( 3 ) قوله تعالى : ( بل يداه مبسوطتان ) هي الآية الرابعة والستون في سورة المائدة ، وتمامها : ( وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ) . . . إلخ ،

استعارة أسماء الجوارح للمعاني والمجردات سائغة وشائعة كقوله تعالى : ( أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح ) البقرة : 238 . وليس للنكاح عقدة محسوسة ولا أنشوطتها في كف ولي الزوج الحسية ، فمن الجهل الفاضح توقف المجسم من تأويل اليد في الكتاب والسنة .

وفي الحديث النبوي : الحجر الأسود يمين الله في أرضه ، وقد حكي اتفاق الظاهرية ، حتى الإمام أحمد بن حنبل على وجوب تأويل هذا الحديث ، فليست الاستعارة عار الكلمة لو =>

 

 

ص 31

[ نفخ الأرواح ] ( 1 ) أبو جعفر - رحمه الله - في قوله تعالى : ( ونفخت فيه من روحي ) ( 2 ) فقال : هي روح مخلوقة أضافها إلى نفسه كما أضاف البيت إلى نفسه وإن كان خلقا له .
 

  * هامش *  
 

=> لم تكن زينتها ، ولا هي بدعا في العربية ، بل هي سنة البلغاء من كل الأمم ، فللجميع تعابير شكوى من يد الزمان حيث لا يد للزمان ولا جسد ، و لهم الشكوى من يد المنون وليس بذي يد .

وقال الشاعر الجاهلي : ( وإذا المنية أنشبت أظفارها ) . . . إلخ ، وأنى للمنايا من أكف أو أظافير ، فهل يحمل المجسم كل هذه الكلم على حقائقها اللغوية المحسوسة ، أم يختار فيها وفي أمثالها ما نرجحه في آية : ( لما خلقت بيدي ) ( ص : 75 ) ؟ وإذا جاز المجاز في القرآن ولو مبدئيا فلنا على تأويل اليد في خصوص هذه الآية شاهدان منها عليها ،

أحدهما : جملة ( غلت أيديهم ) فإن أيدي اليهود المحسوسة لم تغل بأغلال محسوسة ، وإنما ذلك منه كناية عن خزي وعار لحقا بهم ،

وثانيهما : جملة ( ينفق ( برحمته ) كيف يشاء ) فإنه دليل إرادة النعمة من كلمة اليد - كما اختاره الشيخ المفيد وغيره . وفي القرآن شاهد ثالث في ( سورة الإسرى : 29 ) : ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ) . . . إلخ ، فإن مغلة اليد فيها كناية عن الشح والتقتير ، وبسطها كناية عن التبذير والسرف في الصرف أو العطاء ، والقرآن يفسر بعضه بعضا . ش .

( 1 ) الاعتقادات ص 23 .
( 2 ) قوله تعالى : ( ونفخت فيه من روحي ) ( الحجر : 29 ) لا يسع الناس حتى المجسمة المشبهة والظاهرية أن يجمدوا على ألفاظ ( نفخت فيه من روحي ) دون أن يتأولوا المجاز فيها ، لأن النفخ الشائع بالهواء إن جوزوه على

الآلات أو من الآلات فلن يجوزه على الروح أو من الروح أحد حتى الحشوي الجهول ، وإذا تعذرت الحقيقة فأنسب المجازات اتخاذ النفخ استعارة عن الحركة =>

 

 

ص 32

قال الشيخ المفيد -رحمه الله-: ليس وجه إضافة الروح [ والبيت ] إلى نفسه ( 1 ) والنسبة إليه من حيث الخلق فحسب ( 2 ) ، بل الوجه في ذلك التمييز لهما بالإعظام والاجلال والاختصاص بالإكرام والتبجيل من جهة التحقق بهما ، ودل بذلك على

أنهما يختصان منه بكرامة وإجلال لم يجعله لغيرهما من الأرواح و البيوت ( 3 ) ، فكان الغرض من ذلك دعاء الخلق إلى اعتقاد ذلك فيهما والإعظام لهما به .
 

  * هامش *  
  => التدريجية المحسوسة في نمو الإنسان تشبيها لها بحركة الجراب المنفوخ أو نحوه فيه ، فالتشابه بين نمو الإنسان وبين الحركة التدريجية المحسوسة في الجراب المنفوخ يسوغ استعارة لفظ النفخ لمعنى نمو الجسد المحسوس من ولوج

الروح فيه ، فترى القرآن يصور نمو الإنسان من محرك خفي في داخله أعني الروح الشبيهة بحركة الجراب من محرك خفي في داخله أعني الريح ، ولكن بتصوير بليغ في لفظ وجيز .


أما الروح فهي بمعناها الشائع وغنية عن كل تأويل ، والغرض منها الإشارة إلى نمو الإنسان في بدء أمره بواسطة الروح غير أن المهم هو كشف السر عن سر إضافتها إلى الله تعالى ، فإن الاضافات تختلف وجوه الاعتبارات فيها حسب

اختلاف المضافات ، فالخلق عبيد الله باعتبار رقيتهم له ، والرقية من أظهر صفات العبيد ، والأنبياء سفراء الله باعتبار إبلاغهم أحكام الخالق إلى الخلائق ، وهذا التبليغ من أظهر صفات السفراء ، والكعبة بيت الله باعتبار اجتماع المسلمين

فيها كإخوة ، ومن أظهر مزايا البيت جمع شمل الإخوة والعائلة ، والمسيح روح الله باعتبار ظهور الكمالات الملكوتية فيه ، ومن أظهر صفات الروح أنها مرآة كمالات الملكوت .


إذن فالروح تستحق الاضافة إلى الله بهذا الاعتبار ، إذ هي مرآة كمالات الملكوت والمظهر الأتم لكمالات الرب وأسراره الغيبية ، وهذه الوجوه أرضى من أوجه الشيخين الجليلين . ش .

( 1 ) أي في الآيات الكريمة : ( وعهدنا إلى إبراهيم و إسمعيل أن طهرا بيتي للطائفين ) ( سورة البقرة : 126 ) -
( وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين ) ( سورة الحج : 26 ) . ج .

( 2 ) ( أ ) ( ح ) ( ز ) ( ش ) ( ق ) ( م ) : حسب .
( 3 ) ( ق ) : والبيوتات . ( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

من هم الشيعة

 

فهرس الكتاب