- أضواء على عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني  ص 101 :

الفصل الثاني : الأئمة الاثنا عشر
------------------------------- ص 103 -------------------------------

الأئمة الاثنا عشر

تعرف الشيعة الإمامية بالفرقة الاثني عشرية ، ومبعث هذه التسمية هو اعتقادهم باثني عشر إماما من بني هاشم نص عليهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، كما هو معلوم للجميع ، ثم نص كل إمام على الإمام الذي بعده ، بشكل يخلو من الشك والإبهام .

لقد تضافر عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أنه يملك هذه الأمة اثنا عشر خليفة كعدد نقباء بني إسرائيل ، وكما هو معلوم ومبسط في كتب الشيعة بشكل لا يقبل الشك .

إن هذه الروايات مع ما فيها من المواصفات لا تنطبق إلا على أئمة الشيعة والعترة الطاهرة " وإذا كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) هو الشجرة وهم أغصانها ، والدوحة وهم أفنانها ، ومنبع العلم وهم عيبته ، ومعدن الحكم وهم خزائنه ، وشارع الدين وهم حفظته ، وصاحب الكتاب وهم حملته " ( 1 ) فتلزم علينا معرفتهم ، كيف وهم أحد الثقلين اللذين تركهما الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، قدوة للأمة ونورا على جبين الدهر .

ونحن نحاول هنا أن نعرض في هذا الفصل موجزا عن أحوالهم وحياتهم متوخين الاختصار والإيجاز فيما نورده ، لأن بسط الكلام عنهم يحتاج إلى تدوين

 

( 1 ) اقتباس مما ذكره أمين الإسلام الطبرسي في مقدمة كتابه إعلام الورى بأعلام الهدى : 3 . ( * )

 
 

- ص 104 -

موسوعة كبيرة ، وقد قام بذلك لفيف من علماء الإسلام فأثبتوا الشئ الكثير عن حياتهم وسيرتهم وأقوالهم ، جزاهم الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء .

الأئمة الاثنا عشر في حديث الرسول ( صلى الله عليه وآله ) إن من تصفح مصنفات الحديث النبوي الشريف يجد أن هناك روايات تحدد وتعين عدد الأئمة بعد الرسول وسماتهم ، من دون ذكر لأسمائهم ، وهي أحاديث الأئمة الاثني عشر التي رواها أصحاب الصحاح والمسانيد ، وهي على وجه لا ينطبق إلا على من عينهم الرسول ( صلى الله عليه وآله ) للخلافة والزعامة ، ولذلك نذكرها في عداد أدلة التنصيص على الخلافة ، والإمعان فيها يرشد القارئ إلى الحق ، ويأخذ بيده حتى يرسي مركبه على شاطئ الأمان والحقيقة .

ويطيب لي أن أذكر مجموع هذه النصوص ، فإنها تؤكد بعضها بعضا ، وإليك البيان .
 1 - روى البخاري عن جابر بن سمرة ، قال : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : " يكون اثنا عشر أميرا " فقال كلمة لم أسمعها ، فقال أبي : أنه قال : " كلهم من قريش " ( 1 ) .

 2 - روى مسلم عنه أيضا ، قال : دخلت مع أبي على النبي ( صلى الله عليه وآله ) فسمعته يقول : " إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة " . قال : ثم تكلم بكلام خفي علي ، قال : فقلت لأبي : ما قال ؟ قال : " كلهم من قريش " .

 3 - وروى عنه أيضا ، قال : سمعت النبي ( صلى الله عليه وآله ) يقول : " لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا " ثم تكلم النبي ( صلى الله عليه وآله ) بكلمة خفيت علي ، فسألت أبي : ماذا قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ؟ فقال : قال : " كلهم من قريش " .

 

( 1 ) صحيح البخاري 9 : 101 ، كتاب الأحكام ، الباب 51 ( باب الاستخلاف ) . ( * )

 
 

- ص 105 -

 4 - وروى عنه أيضا نفس الحديث إلا أنه لم يذكر : " لا يزال أمر الناس ماضيا " . 5 - وروى مسلم عنه أيضا قال : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : " لا يزال الإسلام عزيزا إلى اثني عشر خليفة " ثم قال كلمة لم أفهمها ، فقلت لأبي : ما قال ؟ فقال : قال : " كلهم من قريش " ( 1 ) .

 6 - وروى مسلم عنه أيضا ، قال : انطلقت إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ومعي أبي فسمعته يقول : " لا يزال هذا الدين عزيزا منيعا إلى اثني عشر خليفة " فقال كلمة صمنيها الناس ، فقلت لأبي : ما قال ؟ فقال : قال : " كلهم من قريش " .

 7 - وروى مسلم عنه أيضا قال : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يوم جمعة عشية رجم الأسلمي يقول : " لا يزال الدين قائما حتى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش " ( 2 ) .

 8 - روى أبو داود عن جابر بن سمرة قال : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : " لا يزال هذا الدين عزيزا إلى اثني عشر خليفة " فكبر الناس وضجوا ، ثم قال كلمة خفية ، قلت لأبي : يا أبت ما قال ؟ فقال : قال : " كلهم من قريش " ( 3 ) .

 9 - روى الترمذي عن جابر بن سمرة ، قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : " يكون من بعدي اثنا عشر أميرا " ثم تكلم بشئ لم أفهمه فسألت الذي يليني ، فقال : قال : " كلهم من قريش " . قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح ، وقد روي من غير وجه عن جابر ، ثم ذكر طريقا آخر إلى جابر ( 4 ) .

 

( 1 ) صحيح مسلم 6 : 3 .
( 2 ) صحيح مسلم 6 : 3 - 4 .

( 3 ) سنن أبي داود 2 : 207 كتاب المهدي ط مصر . وروى أيضا نحوه بطريقين آخرين .
( 4 ) صحيح الترمذي 2 : 45 ط سنة 1342 ه‍ . ( * )
 
 

- ص 106 -

 10 - روى أحمد في مسنده عن جابر بن سمرة ، قال : سمعت النبي ( صلى الله عليه وآله ) يقول : " يكون لهذه الأمة اثنا عشر خليفة " ورواه عن 34 طريقا ( 1 ) .

 11 - روى الحاكم في المستدرك على الصحيحين في كتاب معرفة الصحابة عن عون بن جحيفة عن أبيه ، قال : كنت مع عمي عند النبي ( صلى الله عليه وآله ) فقال : " لا يزال أمر أمتي صالحا حتى يمضي اثنا عشر خليفة " ثم قال كلمة وخفض بها صوته ، فقلت لعمي - وكان أمامي - : ما قال يا عم ؟ قال : يا بني قال : " كلهم من قريش " ( 2 ) .

 12 - وروى أيضا بسنده عن جرير عن المغيرة عن الشعبي عن جابر ، قال : كنت عند رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فسمعته يقول : " لا يزال أمر هذه الأمة ظاهرا حتى يقوم اثنا عشر خليفة " وقال كلمة خفيت علي ، وكان أبي أدنى إليه مجلسا مني فقلت : ما قال ؟ فقال : " كلهم من قريش " .

 13 - قال ابن حجر في الصواعق : أخرج الطبراني عن جابر بن سمرة أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال : " يكون بعدي اثنا عشر أميرا كلهم من قريش " ( 3 ) .
كما أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قد شبه عدة خلفائه بعدة نقباء بني إسرائيل .

 14 - فقد روى أحمد بسنده عن مسروق ، قال : كنا جلوسا عند عبد الله بن مسعود وهو يقرؤنا القرآن ، فقال له رجل : يا أبا عبد الرحمن ، هل سألتم رسول الله كم يملك هذه الأمة من خليفة ؟ فقال عبد الله بن مسعود : ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك ، ثم قال : نعم ، ولقد سألنا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فقال : " اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل " ( 4 ) .

 

( 1 ) مسند أحمد 5 : 86 - 108 .
( 2 ) المستدرك على الصحيحين ( كتاب معرفة الصحابة ) 3 : 617 - 618 ( ط الهند ) .

( 3 ) الصواعق : 189 .
( 4 ) مسند أحمد 1 : 398 . ( * )
 
 

- ص 107 -

 15 - ورواه الخطيب في تاريخه بسنده عن جابر بن سمرة ( 1 ) .

 16 - وأورده المتقي الهندي في منتخب كنز العمال عن أحمد والطبراني في المعجم الكبير ، والحاكم في المستدرك ( 2 ) .

 17 - قال السيوطي في تاريخ الخلفاء بسند حسن عن ابن مسعود : أنه سئل كم يملك هذه الأمة من خليفة ؟ فقال : سألنا عنها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فقال : " اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل " ( 3 ) .

إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على أن الأئمة بعد النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) اثنا عشر ، وقد جاء فيها سماتهم وصفاتهم وعددهم ، غير أن المهم هو تعيين مصاديقها والإشارة إلى أعيانها وأشخاصها ، ولا تعلم إلا باستقصاء وحصر السمات الواردة في هذه الأحاديث ، وهذا ما يمكن إجماله بما يلي :
 1 - لا يزال الإسلام عزيزا .
 2 - لا يزال هذا الدين عزيزا منيعا .
 3 - لا يزال الدين قائما .
 4 - لا يزال أمر الأمة صالحا .
 5 - لا يزال أمر هذه الأمة ظاهرا .
 6 - كل ذلك حتى يمضي فيهم اثنا عشر أميرا من قريش .
 7 - وحتى يليهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش .
 8 - وإن عددهم كعدد نقباء بني إسرائيل .
وهذه السمات والخصوصيات لا تتمثل مجتمعة إلا في الأئمة الاثني عشر

 

( 1 ) تاريخ بغداد 14 / 353 برقم 7673 .
( 2 ) منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد 5 : 312 .

( 3 ) تاريخ الخلفاء : ص 10 . ( * )  
 

- ص 108 -

المعروفين عند الفريقين ، وهذه الأحاديث من أنباء الغيب ومعجزات النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) ، خصوصا إذا ضمت إليها أحاديث الثقلين والسفينة وكون أهل بيت النبي أمانا لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء ، وسيوافيك تفصيل هذه الأحاديث الثلاثة .

فالأئمة الاثنا عشر المعروفون بين المسلمين ، والذين ينادي بإمامتهم الشيعة الإمامية ، والذين أولهم علي أمير المؤمنين وآخرهم المهدي تنطبق عليهم تلك العلائم ، ومن وقف على حياتهم العلمية والاجتماعية والسياسية يقف على أنهم هم المثل الأعلى في الأخلاق ، والقمة السامقة في العلم والعمل والتقوى والإحاطة بالقرآن والسنة ، وبهم حفظ الله تعالى دينه وأعز رسالته .

وأما ما ورد في بعض هذه الطرق أن : " كلهم تجتمع عليهم الأمة " فهو على فرض الصحة ، فالمراد منه تجتمع على الإقرار بإمامتهم جميعا وقت ظهور آخرهم ، و - على فرض الإبهام - لا تمنع عن الأخذ بمضامين الحديث .

هلم معي نقرأ ماذا يقول غير الشيعة في حق هذه الأحاديث ، وكيف يؤولونها بالخلفاء القائمين بالأمر بعد النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) ، وإليك نصوص كلامهم :
 1 - إن قوله اثنا عشر إشارة إلى عدد خلفاء بني أمية ! ! وأول بني أمية يزيد بن معاوية وآخرهم مروان الحمار وعدتهم اثنا عشر ، ولا يعد عثمان ومعاوية ولا ابن الزبير ، لكونهم صحابة ، ولا مروان بن الحكم لكونه صحابيا أو لأنه كان متغلبا بعد أن اجتمع الناس على عبد الله بن الزبير ، وليس على المدح بل على استقامة السلطنة ، وهم يزيد بن معاوية وابنه معاوية ثم عبد الملك ثم الوليد ثم سليمان ثم عمر ابن عبد العزيز ثم يزيد بن عبد الملك ثم هشام بن عبد الملك ثم الوليد بن يزيد ثم يزيد بن الوليد ثم إبراهيم بن الوليد ثم مروان بن محمد ( 1 ) .

 

( 1 ) فتح الباري في شرح صحيح البخاري 13 : 212 ط دار المعرفة . وفي المصدر : عدتهم ثلاثة عشر . ( * )

 
 

- ص 109 -

وجوابه : أنه لو كان الرسول أراد هذا ولم يكن في مقام مدحهم فأي فائدة في الإخبار بذلك . ثم كيف يقول : إنها صدرت على غير سبيل المدح مع ما عرفت من السمات الواردة الصريحة في المدح مثل : " لا يزال هذا الدين عزيزا منيعا قائما " ، أو " أمر أمتي صالحا " .

والعجب أنه جعل أول الخلفاء يزيد بن معاوية بحجة أنه استقامت له السلطنة ، مع أنه كيف استتبت له السلطنة وقد ثار عليه العراق في السنة الأولى ، وثار عليه أهل المدينة في السنة الثانية ، وكان مجموع أيامه مؤلفة من حروب دامية وقتل ونهب وتدمير لا يقر بها صاحب ذرة من الشرف والإيمان .

 2 - " إن المراد أنه يملك اثنا عشر خليفة بهذه السمات بعد وفاة المهدي " ( 1 ) وهذا من أغرب التفاسير ، لأن الأخبار ظاهرة في اتصال خلافتهم بعصر النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) ، ولأجل تبادر ذلك في أذهان الناس سألوا عبد الله بن مسعود عن عدد من يملك أمر هذه الأمة .

 3 - ما نقله ابن حجر في فتح الباري عن القاضي عياض : أن المراد بهم الخلفاء الذين اجتمع عليهم الناس ، وهم أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، ومعاوية ، ويزيد ، وعبد الملك ، وأولاده الأربعة ، الوليد ثم سليمان ثم يزيد ثم هشام ، وعمر بن عبد العزيز بن سليمان ويزيد ، فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الراشدين ، والثاني عشر هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك ( 2 ) .

ولا يكاد ينقضي تعجبي من القاضي عياض وابن حجر كيف يعرفان هؤلاء بمن عز بهم الإسلام والدين وصار منيعا وفيهم يزيد بن معاوية ذلك السكير المستهتر الذي كان يشرب الخمر ويدع الصلاة ، ولم يكتف بذلك بل ضرب الكعبة

 

( 1 ) المصدر نفسه 13 : 213 ومثله ما نقله أيضا : اثنا عشر خليفة في جميع مدة الإسلام إلى يوم القيامة .
( 2 ) فتح الباري في شرح صحيح البخاري 13 : 213 ، ولاحظ تاريخ الخلفاء : ص 11 . ( * )

 
 

- ص 110 -

بالمنجنيق ، وأباح المدينة ثلاثة أيام بأعراضها وأموالها وأنفسها بعد قتله لابن بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) الحسين بن علي ( عليه السلام ) وأخوانه وأبنائه وخيرة أصحابه ، وسير بنات رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) سبايا دون حرمة لجدهم إلى الشام من أرض كربلاء ، فليت شعري ما هو ميزان القوم في تفسيرهم للسنة النبوية وتعاملهم معها ؟ وكل الحقائق تكذب ما ذهبوا إليه وما صرحوا به .
وهل اعتز الإسلام بعبد الملك الذي يكفي في ذكر مساوئه تنصيبه الحجاج على العراق فقتل من الصحابة والتابعين ما لا يخفى ( 1 ) ؟ !

وكيف اعتز الدين بالوليد بن يزيد بن عبد الملك المنتهك لحرمات الله حاول أن يشرب الخمر فوق ظهر الكعبة ففتح المصحف فإذا بالآية الكريمة : { وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } ( 2 ) فألقاه ورماه بالسهام وأنشد :

تهددني بجبار عنيد * فها أنا ذاك جبار عنيد
إذا ما جئت ربك يوم حشر * فقل يا رب مزقني الوليد

ومن أراد أن يقف على جنايات الرجل وأقربائه وأجداده فليقرأ التاريخ الذي اسودت صفحاته بأفعالهم الشنيعة التي لا يسترها شئ ولا يغفل عنها إلا السذج والبلهاء .

أقول : إن للكاتب القدير السيد محمد تقي الحكيم كلاما في هذه الأحاديث يطيب لي نقله . قال : والذي يستفاد من هذه الروايات :
 1 - أن عدد الأمراء أو الخلفاء لا يتجاوز الاثني عشر وكلهم من قريش .
 2 - أن هؤلاء الأمراء معينون بالنص ، كما هو مقتضى تشبيههم بنقباء

 

( 1 ) تاريخ الخلفاء : 250 وغيره .

( 2 ) إبراهيم : 15 . ( * )  
 

- ص 111 -

بني إسرائيل ، لقوله تعالى : { وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا } ( 1 ) .

 3 - أن هذه الروايات افترضت لهم البقاء ما بقي الدين الإسلامي أو حتى تقوم الساعة كما هو مقتضى رواية مسلم : " إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة " وأصرح من ذلك روايته الأخرى في نفس الباب : " لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان " .

إذا صحت هذه الاستفادة فهي لا تلتئم إلا مع مبنى الإمامية في عدد الأئمة وبقائهم وكونهم من المنصوص عليهم من قبله ( صلى الله عليه وآله ) وهي منسجمة جدا مع حديث الثقلين وبقاؤهما حتى يردا عليه الحوض . وصحة هذه الاستفادة موقوفة على أن يكون المراد من بقاء الأمر فيهم بقاء الإمامة والخلافة بالاستحقاق لا بالسلطة الظاهرية ، لأن الخليفة الشرعي خليفة يستمد سلطته من الله ، وهي في حدود السلطة التشريعية لا التكوينية ، لأن هذا النوع من السلطة هو الذي تقتضيه وظيفته باعتباره مشرعا ، ولا ينافي ذلك ذهاب السلطة منهم في واقعها الخارجي وتسلط الآخرين عليهم ، على أن الروايات تبقى بلا تفسير لو تخلينا عن حملها على هذا المعنى ، لبداهة أن السلطة الظاهرية قد تولاها من قريش أضعاف أضعاف هذا العدد ، فضلا عن انقراض دولهم وعدم النص على أحد منهم - أمويين وعباسيين - باتفاق المسلمين .

ومن الجدير بالذكر أن هذه الروايات كانت مأثورة في بعض الصحاح والمسانيد قبل أن يكتمل عدد الأئمة ، فلا تحتمل أن تكون من الموضوعات بعد اكتمال العدد المذكور ، على أن جميع رواتها من أهل السنة ومن الموثوقين لديهم ، ولعل حيرة كثير من العلماء في توجيه هذه الأحاديث ، ومحاولة ملائمتها للواقع

 

( 1 ) المائدة : 12 . ( * )

 
 

- ص 112 -

التاريخي كان منشؤها عدم تمكنهم من تكذيبها ، ومن هنا تضاربت الأقوال في توجيهها وبيان المراد منها .

والسيوطي - بعد أن أورد ما قاله العلماء في هذه الأحاديث المشكلة - خرج برأي غريب وهو أنه وجد من الاثني عشر الخلفاء الأربعة ، والحسن ، ومعاوية ، وابن الزبير ، وعمر بن عبد العزيز في بني أمية ، وكذلك الظاهر لما أوتيه من العدل ، وبقي اثنان منتظران ، أحدهما المهدي ، لأنه من أهل بيت محمد ( صلى الله عليه وآله ) .
ولم يبين المنتظر الثاني ، ورحم الله من قال في السيوطي : إنه حاطب ليل .

 

عقائد الشيعة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب