|
- أضواء على
عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني ص 113 :
|
|
الإمام الأول : أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه
السلام )
إن الإمام علي بن أبي طالب أشهر من أن يعرف ،
ولقد قام لفيف من السنة والشيعة بتأليف كتب وموسوعات
عن حياته ، ومناقبه ، وفضائله ، وجهاده ، وعلومه ،
وخطبه ، وقصار كلماته ، وسياسته ، وحروبه مع الناكثين
والقاسطين والمارقين ، فالأولى لنا الاكتفاء بالميسور
في هذا المجال ، وإحالة القارئ إلى تلك الموسوعات ،
بيد أننا نكتفي هنا بذكر أوصافه الواردة في السنة
فنقول :
هو أمير المؤمنين ، وسيد المسلمين ، وقائد
الغر المحجلين ، وخاتم الوصيين ، وأول القوم إيمانا ،
وأوفاهم بعهد الله ، وأعظمهم مزية ، وأقومهم بأمر الله
، وأعلمهم بالقضية ، وراية الهدى ، ومنار الإيمان ،
وباب الحكمة ، والممسوس في ذات الله ، خليفة النبي (
صلى الله عليه وآله ) ، الهاشمي ، وليد الكعبة المشرفة
، ومطهرها من كل صنم ووثن ، الشهيد في البيت الإلهي (
مسجد الكوفة ) في محرابه حال الصلاة سنة 40 ه . وكل
جملة من هذه الجمل ، وعبارة من هذه العبارات ، كلمة
قدسية نبوية أخرجها الحفاظ من أهل السنة ( 1 ) .
| |
( 1 ) راجع
مسند أحمد 1 : 331 و 5 : 182 -
189 ، حلية الأولياء 1 : 62 - 68 ،
الغدير 2 : 33 . (
* ) |
|
|
مكونات الشخصية الإنسانية
تعود شخصية كل إنسان - حسب
ما يرى علماء النفس - إلى ثلاثة عوامل هامة لكل منها
نصيب وافر في تكوين الشخصية وأثر عميق في بناء كيانها
. وكأن الشخصية الإنسانية لدى كل إنسان أشبه بمثلث
يتألف من اتصال هذه الأضلاع الثلاثة بعضها ببعض ، وهذه
العوامل الثلاثة هي :
1 - الوراثة .
2 - التعليم
والثقافة .
3 - البيئة والمحيط .
إن كل ما يتصف به
المرء من صفات حسنة أو قبيحة ، عالية أو وضيعة تنتقل
إلى الإنسان عبر هذه القنوات الثلاث ، وتنمو فيه من
خلال هذه الطرق .
وإن الأبناء لا يرثون منا المال
والثروة والأوصاف الظاهرية فقط كملامح الوجه ولون
العيون وكيفيات الجسم ، بل يرثون كل ما يتمتع به
الآباء من خصائص روحية وصفات أخلاقية عن طريق الوراثة
كذلك . فالأبوان - بانفصال جزئي " الحويمن " و "
البويضة " المكونين للطفل منهما - إنما ينقلان - في
الحقيقة - صفاتهما ملخصة إلى الخلية الأولى المكونة من
ذينك الجزأين ، تلك الخلية الجنينية التي تنمو مع ما
تحمل من الصفات والخصوصيات الموروثة .
ويشكل تأثير
الثقافة والمحيط ، الضلعين الآخرين في مثلث الشخصية
الإنسانية ، فإن لهذين الأمرين أثرا مهما وعميقا في
تنمية السجايا الرفيعة المودعة في باطن كل إنسان بصورة
فطرية جبلية أو الموجودة في كيانه بسبب الوراثة من
الأبوين .
فإن في مقدور كل معلم أن يرسم مصير الطفل ومستقبله من
خلال ما يلقي إليه من تعليمات وتوصيات وما يعطيه من
سيرة وسلوك ومن آراء وأفكار ، فكم من بيئة حولت أفرادا
صالحين إلى فاسدين ، أو فاسدين إلى صالحين .
وإن تأثير
هذين العاملين المهمين من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى
المزيد من البيان والتوضيح . على أننا يجب أن لا ننسى
دور إرادة الإنسان نفسه وراء هذه العوامل الثلاثة .
مكونات شخصية الإمام علي ( عليه السلام ) لم يكن
الإمام علي ( عليه السلام ) بصفته بشرا بمستثنى من هذه
القاعدة ، فقد ورث الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام
) جانبا كبيرا من شخصيته النفسية والروحية والأخلاقية
من هذه العوامل والطرق الثلاثة ، وإليك تفصيل ذلك :
1
- الإمام علي ( عليه السلام ) والوراثة من الأبوين :
لقد انحدر الإمام علي من صلب والد عظيم الشأن ، رفيع
الشخصية هو أبو طالب ، ولقد كان أبو طالب زعيم مكة ،
وسيد البطحاء ، ورئيس بني هاشم ، وهو إلى جانب ذلك ،
كان معروفا بالسماحة والبذل والجود والعطاء والعطف
والمحبة والفداء والتضحية في سبيل الهدف المقدس ،
والعقيدة التوحيدية المباركة .
فهو الذي تكفل رسول
الله منذ توفي جده وكفيله الأول عبد المطلب وهو آنذاك
في الثامنة من عمره ، وتولى العناية به والقيام بشؤونه
، وحفظه وحراسته في السفر والحضر ، بإخلاص كبير
واندفاع وحرص لا نظير لهما ، بل وبقي يدافع عن رسالة
التوحيد ، والدين الحق الذي جاء به النبي الكريم ( صلى
الله عليه وآله ) ويقوم في سبيل إرساء قواعده ونشر
تعاليمه بكل تضحية وفداء ، ويتحمل لتحقيق هذه الأهداف
العليا كل تعب
ونصب وعناء .
وقد انعكست هذه الحقيقة وتجلى موقفه هذا
في كثير من أشعاره وأبياته المجموعة في ديوانه بصورة
كاملة مثل قوله :
ليعلم خيار الناس أن محمدا * نبي
كموسى والمسيح ابن مريم
وقوله :
ألم تعلموا أنا وجدنا
محمدا * رسولا كموسى خط في أول الكتب ( 1 )
إن من
المستحيل أن تصدر أمثال هذه التضحيات التي كان أبرزها
محاصرة بني هاشم جميعا في الشعب ، ومقاطعتهم القاسية ،
من دافع غير الإيمان العميق بالهدف والشغف الكبير
بالمعنوية ، الذي كان يتصف به أبو طالب ، إذ لا تستطيع
مجرد الوشائج العشائرية ، وروابط القربى ، أن توجد في
الإنسان مثل هذه الروح التضحوية .
إن الدلائل على
إيمان أبي طالب بدين ابن أخيه تبلغ من الوفرة والكثرة
بحيث استقطبت اهتمام كل المحققين المنصفين والمحايدين
، ولكن بعض المتعصبين توقف في إيمان تلك الشخصية
المتفانية العظيمة ، بالدعوة المحمدية ، بينما تجاوز
فريق هذا الحد إلى ما هو أبعد من ذلك ، حيث قالوا بأنه
مات غير مؤمن . ولو صحت عشر هذه الدلائل الدالة على
إيمان أبي طالب الثابتة في كتب التاريخ والحديث في حق
رجل آخر لما شك أحد في إيمانه فضلا عن إسلامه ، ولكن
لا يعلم الإنسان لماذا لا تستطيع كل هذه الأدلة إقناع
هذه الزمرة ، وإنارة الحقيقة لهم ؟ !
| |
( 1 ) مجمع البيان 4 : 37 . ( * ) |
|
|
هذا عن والد الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .
وأما أمه فهي فاطمة بنت أسد بن هاشم وهي من السابقات
إلى الإسلام والإيمان برسول الله ( صلى الله عليه وآله
) وقد كانت قبل ذلك تتبع ملة إبراهيم .
إنها المرأة
الطاهرة التي لجأت - عند المخاض - إلى المسجد الحرام ،
وألصقت نفسها بجدار الكعبة وأخذت تقول : " يا رب إني
مؤمنة بك وبما جاء من عندك من رسل وكتب ، وإني مصدقة
بكلام جدي إبراهيم وإنه بنى البيت العتيق ، فبحق الذي
بنى هذا البيت و ( بحق ) المولود الذي في بطني إلا ما
يسرت علي ولادتي " . فدخلت فاطمة بنت أسد الكعبة ووضعت
عليا هناك ( 1 ) .
تلك فضيلة نقلها قاطبة المؤرخين
والمحدثين الشيعة ، وكذا علماء الأنساب في مصنفاتهم ،
كما نقلها ثلة كبيرة من علماء السنة وصرحوا بها في
كتبهم ، واعتبروها حادثة فريدة ، وواقعة عظيمة لم يسبق
لها مثيل ( 2 ) .
وقال الحاكم النيسابوري : وقد تواترت
الأخبار أن فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين علي بن
أبي طالب كرم الله وجهه في جوف الكعبة ( 3 ) .
وقال
شهاب الدين أبو الثناء السيد محمود الآلوسي : " وكون
الأمير كرم الله وجهه ، ولد في البيت ، أمر مشهور في
الدنيا ولم يشتهر وضع غيره كرم الله وجهه ، كما اشتهر
وضعه " ( 4 ) .
| |
( 1 )
كشف الغمة 1 : 60 .
( 2 ) مروج الذهب 2 : 349 ،
شرح الشفاء للقاضي عياض 1
: 151 وغيرهما ، وقد أفرد العلامة الأردوبادي رسالة في
هذه المنقبة وسماها : علي وليد الكعبة .
( 3 ) شرح
عينية عبد الباقي العمري : 15 .
( 4 ) الغدير 6 : 22 .
( * ) |
|
|
|